10 أغسطس,2020

قاعدة الإلزام (2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الرابع:-مدرك القاعدة:-

قد ذكر للاستدلال بهذه القاعدة وجوه لا بد من ذكرها وملاحظة مدى تماميتها من عدمها فنقول:-

الأول:-الإجماع:-

المدعى من غير واحد من أصحابنا الإمامية على صحة هذه القاعدة وإمكان التمسك بها.

ولا يخفى ضعفه حيث أنه قد أتضح من الإشارة إجمالاً لتأريخ القاعدة المنع من التمسك به.

مضافاً إلى الإيراد عليه بالمدركية المانعة من كونه إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم ليصلح الاعتماد عليه ولا مجال لعلاج هذه المسألة من خلال حساب الاحتمالات، لا لمنع أصل المبنى كما قد يستفاد ذلك من خلال شيخنا الأستاذ(دامت أيام بركاته)بتعليل أنه مما أخذ من الغرب.حيث أنه كما ترى بل لما أوردناه اولاً من المنع فيها بملاحظة تأريخ المسألة وعدم الشواهد القطعية عليها النافية لاحتمال الكذب فيها فتأمل جيداً.

نعم ذكر بعض الأعيان (قده) المنع عن إشكال المدركية فيه فقال (ره) :-

إن غالب الإجماعات بل جميعها يكون موردها حديث معتبر بل أحاديث كذلك ولو اعتمدنا على هذه المناقشة لسقط اعتبار الإجماع مطلقاً بل ظاهر الإجماع هو الاعتبار إلا إذا ثبت استناده إلى خبر معتبر بقرائن معلومة[1].

وفيه:-اولاً:-لا مانع من الالتزام بسقوط الإجماع عن الحجية في كل مورد تضمن وجود خبر احتملنا الاستناد إليه من المدعين للإجماع.

ثانياً:-إن الإجماع في بعض موارده يكشف عن دليل معتبر فيكون حجة لكاشفيته عن الدليل ما لم يظفر بالدليل، لا أنه حجة بنفسه.وليس معنى هذا أنه في كل مورد وجدت دعوى إجماع دل ذلك على وجود دليل معتبر فيها وقد خلط (قده) بين الموردين.

ثالثاً:-إن ما ذكره في آخر كلامه يناقض ما ذكره في أول كلامه فلاحظ والعصمة لأهلها.

والحاصل إن هذا الدليل مما لا يمكن المساعدة عليه بوجه أصلاً.

الدليل الثاني:-التسالم:-

فقد يدعى تسالم الفقهاء خلفاً عن سلف على العمل بطبق هذه القاعدة والالتزام بمؤداها وهذا غير الإجماع فلا مجال لرفع اليد عنه بل لابد من الركون إليه.

ويكفي جواباً عن هذا الوجه وبيان شدة ضعفه مراجعة تأريخ القاعدة ليرى مدى وهن هذه الدعوى وإرجاعها إلى مدعيها.

الدليل الثالث:- النصوص:-

وهو العمدة وقد ذكرت نصوص كثيرة لا بد من دراستها سنداً ودلالة لنرى مدى قابليتها لإمكان الاعتماد عليها فأقول ومنه تعالى أستمد التوفيق هو حسبي عليه توكلت وإليه أنيب:-

من النصوص المذكورة على ذلك:-خبر علي بن أبي حمزة أنه سأل أبا الحسن (ع) عن المطلقة على غير السنة أيتزوجها الرجل؟..فقال:ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوجوهن فلا بأس بذلك[2].

وتقريبها:-أنه قد أجاز (ع) جواز الزواج من المرأة التي طلقت على غير السنة بأن أوقع طلاقها ثلاثاً في مجلس واحد اعتماداً منه (ع) على هذه القاعدة حيث نراه قد أشار إلى ذلك كنوع من التعليل والتطبيق لها في المورد لأنه أحد مصاديقها.

أقول:-هذه الرواية تعاني من مشاكل سندية:-

الأولى:- كونها من متفردات الشيخ (ره) وقد عرفت حال كل ما تفرد (قده) بنقله بما لا مزيد عليه في الفوائد الرجالية فلا حاجة للإعادة.

الثانية:-مشكلة الإرسال وليس المرسل أحد الثلاث الذين لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة حتى يمكن التعويل عليه.

الثالثة:-كون راويها علي بن أبي حمزة البطائني وقد حققنا في محله حاله بما لا مزيد

عليه وكانت النتيجة هي المنع من الاعتماد على رواياته فراجع.

وأما الدلالة فلو قبلنا دلالتها على المدعى فلا محيص عن كونها ناظرة إلى صورة الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد فتفيد قاعدة الإلزام إلا أنها تكون مختصة بموردها فلا يمكن التعدي عنها إلى غير ذلك إلا بوجود قرينة دالة على ذلك وهي مفقودة في البين.

ومنها:-خبر جعفر بن سماعة أنه سئل عن امرأة طلقت على غير السنة ألي أن أتزوجها؟..فقال:نعم. فقلت له:ألست تعلم أن علي بن حنظلة روى إياكم والمطلقات ثلاثاً على غير السنة فإنهن ذوات أزواج؟.فقال:يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس روى عن أبي الحسن (ع) أنه قال:ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوجوهن فلا بأس بذلك[3].

ودلالتها على المدعى كسابقتها فلا تحتاج مزيد بيان.

أقول:-أما الرواية المشار إليها وهي رواية علي بن حنظلة عن أبي عبد الله (ع) قال:إياكم والمطلقات ثلاثاً في مجلس واحد فانهن ذوات أزواج[4].

كما أن هذه الرواية رواها عمر بن حنظلة عن أبـي عبد الله (ع) وكـذا رواها حفـص بن البختـري عنه (ع) [5].

والنصوص الثلاث معتبرات من ناحية السند ودلالتها على خلاف مفاد الخبر المذكور واضحة ولذا نرى أن المسوؤل قد قدم خبر البطائني على مثل هذه الأخبار بدعوى أنه أسهل للناس وأيسر.

وهو كما ترى حيث أن العسر والحرج في قبول مفاد ذلك الخبر، لا أن العسر والحرج في المنع من تطبيق مفاده فلاحظ.

وعلى هذا فلا محيص من الالتزام بتحقق المعارضة، ولذا لجأ الشيخ وجماعة كصاحب الوسائل إلى حمل نصوص المنع على ما إذا كان الطلاق قد وقع في وقت الحيض ثلاثاً لأن العامة لا يشترطون الطهر.

والإنصاف أن هذا الجمع تبرعي حيث أن مفاد هذه النصوص المنع عن ذلك مطلقاً سواءاً كان الطلاق ثلاثاً قد وقع في حال الحيض أو في حال الطهر مما يمنع عن ترتيب الأثر على ذلك بينما مفاد خبر بن سماعة هو ترتيب الأثر على ذلك فتتحقق المعارضة المستقرة.

ولا مجال هنا لشيء من المرجحات بناءاً على قبول مسلك الترجيح، والتحقيق خلافه.

إلا أن يقال بأن الشهرة من المرجحات فالظاهر أنها مع الروايات المانعة من قبول هكذا طلاق فتقدم هذه النصوص على هذا الخبر وأمثاله.

والتحقيق أننا قد ذكرنا في محله أن الشهرة العملية من مميزات الحجة عن اللاحجة وعليه فمع اشتهار نصوص المنع تكون هي الحجة وهذه الأخبار الشاذة تكون ليست بححة.

وقد يقال بأن خبر بن سماعة هو المقدم على هذه النصوص لأنه أحدث وقد أمرنا بالأخذ بالأحدث كما نص على ذلك الخبر.

وفيه:-أنا قد ذكرنا في الأصول المنع من الكبرى فلا مجال للبناء عليها فراجع.نعم يمكننا أن نقدم خبر بن سماعة على تلك الأخبار لنكتة أخرى غير نكتة الأحدثية وهي نكتة الحكومة التي فصلناها في الأصول المستفاد من خلال أخبار العرض، ولا يخفى أن خبر بن سماعة من أجلى مصاديق أخبار العرض كما هو واضح حيث أنه قد عرض عليه خبر علي بن حنظلة.

هذا كله بعد تمامية خبر بن سماعة سنداً ليكون طرفاً في المعارضة، أما بعد عدم تماميته سنداً فلا مجال لأن يعارض تلك الأخبار.

والتحقيق أنه لا يصلح لمعارضة أخبار المنع لأنه من متفردات الشيخ (ره) كما أنها سؤال من خلال بن سماعة لا أنها سؤال من خلال المعصوم وجواب منه (ع).

نعم قد تضمنت حكايته لرواية البطائني مما يقوي أنها فتواه التي أستظهرها من خبر البطائني ولاحظها نسبة مع خبر علي بن حنظلة.وعلى فرض قبولها رواية فهي عين رواية البطائني وقد عرفت الإشكال فيها مضافاً إلى المعارضة المذكورة.

وأما الكلام في دلالتها فهو الكلام في سابقتها فلا نعيد.

ومنها:-خبر جعفر بن محمد بن عبد الله(عبيد الله)العلوي عن أبيه قال:سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن تزويج المطلقات ثلاثاً فقال لي:إن طلاقكم لا يحل لغيركم وطلاقهم يحل لكم لأنكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها[6].

ودلالتها على المدعى واضحة حيث أنه (ع) قد أشار إلى إلزامهم بما يلتزمون به لأنهم يلتزمون بصحة هكذا طلاق متى ما صدر عن واحد منهم.

أقول:-وهي ضعيفة السند لا بانفراد الشيخ (قده) بنقلها فقط بل لاشتمالها على بعض المجاهيل مضافاً إلى أنه قد يقال بوجود خلل في تركيبها السندي حيث أن الشيخ (ره) قد روى هذه الرواية في موضع آخر بدون واسطة بين العلوي والإمام (ع) وهو على هكذا حال في أغلب الموارد مما يعني أن في البين خللاً في النسخة.

والحاصل هذا الأمر بحاجة إلى شيء من تأمل ليس يسعه هذا المختصر والله العالم.

كما أن الكلام فيها دلالة هو عين الكلام في دلالة النصوص المتقدمة عليها فلاحظ وتأمل والله أعلم.

ثم إنه قد يقال بأنه لو سلمت دلالتها لما أمكن الالتزام بها لمعارضتها لمثل معتبر بن حنظلة وأمثاله فلا محيص من تقديمها عليها لأنها موافقة للشهرة.

ولكن قد تقدم منا حول هذه المقالة مقالة.

والتحقيق أنه لو سلمت المعارضة والتزمنا بوجودها في البين لكان مقتضى القاعدة عندنا بعد تمامية هذا الخبر الذي هو محل الكلام تقديمه على تلك النصوص لأنه من نصوص العرض التي تقدم على غيرها بالحكومة كما قد فصلنا ذلك في بحث تعارض الأدلة فراجع.

ومنها:-مرسل الصدوق قال:قال (ع) (من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم)[7].

وتقريبها كتقريب ما تقدمها من النصوص.

إلا أن الإنصاف أنها أجنبية عن المدعى حيث أن مفادها هو أن كل فرد قد دان بديانة لزمه أن يلتزم بمفاد تلك الديانة، لا أنه يلزم بمفادها وفرق بين المورد كما هو واضح.مضافاً إلى الإشكال السندي الموجود فيها كما هو واضح لا يخفى حيث أنها من مراسيل الصدوق التي قد ذكرنا في محله أنها لا فرق بينها وبين غيرها من المراسيل بلا فرق بين ما صدر منه (قده) بنحو الجزم والتعبير بقال أو بروي.

ومنها:-خبر عبد الله بن طاووس قال:قلت لأبي الحسن الرضا (ع) :إن لي ابن أخ زوجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق فقال:إن كان من إخوانك فلا شيء عليه وإن كان من هؤلاء فأبنها منه فإنه عنى الفراق.قال:قلت:أليس قد روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال:إياكم والمطلقات ثلاثاً في مجلس فانهن ذوات الأزواج فقال:ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء إنه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم[8].

أقول:-قد رواها الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (ع) ويـبدو أنه لم يذكر في هذا الكتاب إلا خصوص ما يراه صحيحاً ويستفاد ذلك من خلال التعبير بكلمة(عيون).

نعم عدم نقله هذه الرواية في الفقيه يعتبر من الشواهد السلبية على قبول حجيتها، ولذا تقدم منا في تأريخ المسألة الإشارة لتفرد الشيخ (ره) بالقاعدة لعدم تعويل الصدوق (قده) على مثل هذا النص في مقام الفتوى مما يشير إلى عدم اعتماده عليها فتوائياً.

هذا مضافاً إلى الخلل السندي فيها بوجود الحسن بن أحمد المالكي كما هو الصحيح، لا ما أثبته في الوسائل من كونه الحسين فأنه لم يوثق.كما أن عبد الله بن طاووس لم يوثق أيضاً.

ودلالتها لو تم سندها فشملتها دائرة الحجية مثل ما تقدم، بل لا يبعد إن لم يكن هو الظاهر أنها في مقام الحكم الولائي لقوله (أبنها منه).

ودعوى التمسك بعمومها من خلال ما جاء في ذيلها لقوله(إنه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم)[9].

مدفوعة بأن هذا حكمة الحكم لا علته ليدور مداره فليس المورد كبرى الحكم التي يدور مدارها.

ومنها:-خبر علي بن محمد قال سألته (ع)هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم؟..فكتب (ع) : يجوز لكم ذلك إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمدارة لهم[10].

أقول:-وهي ضعيفة السند لتفرد الشيخ (ره) بنقلها كما أن علي بن محمد مشترك بين الثقة والضعيف.

وأما دلالتها فعلى خلاف ما عليه الأصحاب لأن مفادها أن التمسك بالقاعدة في خصوص مورد التقية لا مطلقاً، ولذا لو سلمنا تمامية القاعدة من خلال ما تقدم من النصوص السابقة فلابد من رفع اليد عن صورة إطلاقها من خلال تخصيصها بمفاد هذا الخبر بحملها على خصوص صورة التقية ليس إلا.

إلا أن يقال بأنه لا يمكن أن يعاملا معاملة العام والخاص لأن ذلك لا يكون إلا بين الخبرين المتنافيين وليس بين هذين أي تنافٍ في المقام.

وقد روي قريباً منها في التهذيب أيضاً مكاتبة أيوب بن نوح قال كتبت إلى أبي الحسن (ع) أسأله هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم أم لا؟..

فكتب (ع) :يجوز لكم ذلك إذا كان مذهبكم فيه التقية والمدارة[11].

وهي كسابقتها من ناحية انفراد الشيخ (ره) بنقلها والكلام فيها دلالة هو الكلام في سابقتها فلا نعيد.نعم ينبغي الالتفات هنا إلى نكتة وهي أنه لو لم يقبل الجمع بين الخبرين بحمل العام على الخاص وقيل باستقرار المعارضة فلا ريب عندها في تقديم هذا النص على البقية والنكتة في ذلك ما أشرنا له في بحث التعارض من أنه مما يمكن أن يرجح من خلاله الترجيح بالحكومة في أخبار العرض وهذا الخبر من تلكم الأخبار فيكون مقدماً عليها والتفصيل في محله.

ولا يخفى أن هذا ليس من الترجيح بالأحدثية فلا تغفل والله سبحانه وتعالى أعلم.

ومنها:-خبر عبد الله بن محرز قال:قلت لأبي عبد الله (ع) :رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه فقال:المال كله لأبنته وليس للأخت من الأب والأم شيء فقلت:فإنا قد احتجنا إلى هذا والميت رجل من هؤلاء الناس وأخته مؤمنة عارفة قال:فخذ لها النصف خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم وقضاياهم.

قال ابن أذينة:فذكرت ذلك لزرارة فقال:إن على ما جاء به ابن محرز لنوراً[12].

أقول:-وهي ضعيفة من ناحية السند حيث أن عبد الله بن محرز الوارد في سندها لم يوثق.

ودعوى وثاقته لرواية الأجلاء عنه مدفوعة بما هو مقرر في الفوائد الرجالية من أن هذا الوجه غير ناهض صناعياً فلا مجال للبناء عليه.

وأما الدلالة فغير دالة على المدعى بوجه أصلاً حيث أن مفادها هو جواز المقاصة ولا دلالة لها على الإلزام للمخالف بما يلتزم به.مضافاً إلى أنه من غير البعيد فيها القول بأنها مخرجة على نحو الحكم الولائي الصادر من المعصوم (ع) .

ثم على فرض التسليم بدلالتها على المدعى فإنه لا يمكن التعدي فيها عن موردها بل إن دعوى التعدي لا تخلو عن مجازفة غير مقبولة بنظر العرف.

ومنها:-خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال:سألته عن الأحكام؟..قال:تجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلون[13].

أقول:- هذه الرواية من متفردات الشيخ (قده) ولا إشكال سندي فيها إلا من هذه الناحية فقط.

إلا أن الإشكال فيها من ناحيتين:-

الأولى:-من ناحية المتن.

الثانية من ناحية الدلالة.

أما الناحية الأولى:-فترجع إلى اختلاف النسخ حيث أن هذه الرواية قد نقلت من نفس المصدر وهو كتاب العلاء بن رزين أو كتاب محمد بن مسلم بطريق معتبر أنفرد الشيخ (ره) بنقله ولكن بتعبير (يستحلفون) والشواهد الداخلية في الرواية كتعبيره بالأحكام وأمثالها والخارجية ككثرة الروايات الواردة في أهل الملل تؤيد التعبير الثاني أعني الاستحلاف لا الاستحلال.

الناحية الثانية:-فإنه لو سلم دلالتها على المدعى فإنها واردة في أهل الكتاب فلا تشمل المخالف مما يعني أنه أجنبية عن مدعى المشهور إلا من خلال الالتزام بسعة دائرة القاعدة.

ومنها:-صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال:سألت الرضا (ع) عن ميت ترك أمه وأخوة وأخوات فقسم هؤلاء ميراثه فأعطوا الأم السدس وأعطوا الأخوة والأخوات ما بقي فمات الأخوات فأصابني من ميراثه فأحببت أن أسألك هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة أم لا؟..فقال:بلى فقلت:إن أم الميت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر أعني الدين فسكت قليلاً ثم قال:خذه[14].

أقول:-هذه الرواية على القاعدة لا إشكال فيها من ناحية السند إلا أننا لا نقبل بها لعلة أخرى وهي تفرد الشيخ (ره) بنقلها كما قد فصلنا ذلك في فوائدنا الرجالية فلاحظ.كما أنها أجنبية عن المدعى حتى وإن كان إعطاء الأخوة والأخوات على خلاف مذهب الحق لوجود الأم وهي من الطبقة الأولى وبمقتضى قاعدة الأقرب أولى فالأقرب لا تصل النوبة لهم إلا أن الظاهر منها أنه (ع) قد أذن له بالأخذ فلا دلالة لها على مفاد القاعدة محل البحث من ناحية الإلزام والله تعالى أعلم بحقائق الأمور.

فتحصل إلى هنا أنه بعد تمامية النصوص لم ينهض نص واحد منها على الدلالة على المدعى ليدل على تمامية القاعدة حيث أن هذه النصوص بين ما هو ضعيف سنداً أو ضعيف دلالة أو معاً.كما أن دعوى الإجماع قد عرفت حالها وأما دعوى التسالم فعهدتها على مدعيها.

إن قلت:-يمكن الاعتماد على هذه النصوص حتى وإن كانت ضعيفة من ناحية السند من خلال اللجوء إلى كبرى أن عمل المشهور جابر لضعف السند وهذه النصوص مجبورة بعمل المشهور فتكون داخلة في دائرة الحجية لأن المناط في الحجية هو الوثوق وقد تحقق نتيجة جبر المشهور ضعف أسنادها.

قلت:-إن الكبرى وإن كانت مسلمة كما قد فصلنا ذلك في محله إلا أن الإشكال هنا من جهة الصغرى حيث أنه قد أتضح من خلال دراسة تأريخ المسألة عدم تعرض قدماء الأصحاب رضوان الله عليهم لها مما يجعل نسبة دعوى الإعراض فيها أقوى من نسبة دعوى الجبر والاستناد.

وما قد يقال من أن كثرة هذه النصوص تشرف الفقيه على الوثوق بصدورها بل لو أدعي القطع بذلك لم يكن ذلك مجازفة[15].

مدفوع بأنه مجازفة واضحة حيث أنها لا تعدو كونها أخبار آحاد لا تصل لحد إفادة الوثوق والإطمينان فما بالك بالعلم فضلاً عن حال هذه النصوص كما عرفت فأنى لنا بتحقق ذلك.

لا يقال:-بأن هذه الكثرة من النصوص مفيدة للتواتر ولا أقل من خلال حساب الاحتمالات.

فإنه يقال:-بأن مرجع هذه النصوص هو الشيخ (ره) فلا مجال لدعوى التواتر كما أن نسبة احتمال الكذب فيها مع ضعف أسانيد أغلبها وانفراد الشيخ (قده) بنقلها كلها تكون قوية جداً.

ثم إنه على فرض القبول والتسليم بتمامية هذه النصوص ودلالتها على المدعى فإنها معارضة بنصوص أخرى هادمة لأصل هذه القاعدة:-

منها:-موثقة إسحاق ابن عمار عن أبي عبد الله (ع) في رجل طلق امرأته ثلاثاً فأراد رجل أن يتزوجها كيف يصنع؟..قال:يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يأتيه ومعه رجلان شاهدان فيقول:طلقت فلانة؟..فإذا قال:نعم تركها ثلاثة أشهر ثم خطبها إلى نفسها[16].

وقد رواها الصدوق والشيخ[17].

وهي واضحة الدلالة في عدم وقوع طلاق المخالف بها في تلك الهيئة التي يستكشف من خلالها أنها لا زالت ذات زوج ولهذا أستوجب ذلك منه أن يوقع الطلاق مرة أخرى وهذا مانع عن التعبد بمفاد قاعدة الإلزام مما يعني أنه إما أن يجمع بينهما جمعاً عرفياً إن أمكن وإلا كان من التعارض المستقر فيلجأ لما هو المختار حينئذ.

ومنها:-مرسل عثمان بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) أنه قال:إياكم وذوات الأزواج المطلقات على غير السنة قال:قلت له:فرجل طلق امرأة من هؤلاء ولي بها حاجة قال:فيلقاه بعدما طلقها وانقضت عدتها عند صاحبها فيقول له طلقت فلانة؟..فإذا قال:نعم فقد صارت تطليقة على طهر فدعها من حين طلقها تلك التطليقة حتى تنقضي عدتها ثم تزوجها وقد صارت تطليقة بائنة[18].

أقول:-وهذه المرسلة كسابقتها في الدلالة بل هي أكثر صراحة لالتزامه (ع) بعدم الاعتداد حتى بالعدة التي وقعت منها بعدما طلقها زوجها المخالف بل بعدما وقع الطلاق منه ثانية إقراراً أمره أن يتركها حتى تمضي عنها العدة ثم يتزوجها.

نعم هي ضعيفة السند بالإرسال إلا أن يؤمن بدعوى المشهور بأن أصحاب الإجماع يحكم بصحة كل ما ورد عنهم، نعم قد فصلنا في فوائدنا الرجالية عدم تمامية هذه الدعوى فراجع.

وهذه النصوص بينها ما هو معتبر سنداً حيث لا إشكال فيها من هذه الناحية، كما أن دلالتها على المدعى واضحة وهذا مانع من العمل بمقتضى النصوص السابقة الدالة على الإلزام لأن المعارضة فرع الحجية وقد عرفت حال النصوص السابقة.

ثم على فرض قبول حجية تلك النصوص والبناء على تماميتها سنداً ودلالة فقد حمل الشيخ (ره) هذه النصوص على أحد جمعين عرفيين:-

الأول:-أن يكون المراد منها هو المؤمن فلا تكون معارضة لتلك النصوص الدالة على الإلزام لخصوص المخالف.

وبعبارة أخرى:-يريد (قده) أن يقول بأن الموضوع في كلا الطائفتين من الروايات مختلف فهو في الطائفة المتقدمة عبارة عن المخالف بينما هو في هذه الطائفة عبارة عن المؤمن مما يمنع من حصول التمانع والتعارض بينهما.

الثاني:-أن تحمل هذه النصوص على الاستحباب بعد تمامية الظهور الوارد فيها بكونها واردة في المخالف وليست واردة في المؤمن.

ولا يخفى ما في كليهما من الضعف الواضح، حيث أن الثاني في التبرعية صريح بلا ريب ولا إشكال بحيث لا مجال للتأمل في ذلك.

وأما الأول فيمنعه النصوص فلاحظ مرسل عثمان بن عيسى فإنه نص في كون المراد منه هو المخالف فيكون كالمفسر والمقيد للإطلاق المذكور في بقية النصوص وإن أبيت عن ذلك فلا أقل من التمسك بالإطلاق الوارد في بقية النصوص الأخرى.

والإنصاف أنه لا محيص عن استقرار التعارض لو قلنا بتمامية أسناد الروايات المستدل بها على قاعدة الإلزام، وحينئذ فلا محيص عن الالتزام بالترجيح على القول به كما هو المشهور بين الأصحاب وبالتمييز كما هو المختار عندنا ومقتضى ذلك هو الحكم بتقديم الروايات الدالة على عدم وقوع مثل هذا الطلاق لما ورد عنهم (ع) أن هذا طلاق مخالف لكتاب الله عز وجل.وإن أبيت عن ذلك فيتعين حينئذ التساقط والرجوع للإطلاقات الواردة في المقام فإنها محكمة فيحكم بعدم صحة مثل هكذا طلاق فلابد من وقوعه طلاقاً على السنة.

——————————————————————————–

[1] مهذب الأحكام ج26 ص37.

[2] وسائل الشيعة ب30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح5.

[3] المصدر السابق ب30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح6.

[4]

[5] ب 29 من أبواب الطلاق ومقدماته وشرائطه ح20و21.

[6] وسائل الشيعة ب30 من أبواب مقدمات الطلاق ح9.

[7] المصدر السابق ح 10.

[8] المصدر السابق ح 11.

[9] القواعد الفقهية للشيخ مكارم

[10] التهذيب ج6 كتاب القضاء ح 27.

[11] وسائل الشيعة ب 4 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد ح3.

[12] وسائل الشيعة ب4 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد ح1.

[13] المصدر السابق ح4.

[14] وسائل الشيعة ب4 من أبواب ميراث الأخوة ح6.

[15] القواعد الفقهية للبجنوردي ج3 ص

[16] وسائل الشيعة ب 36 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1.

[17] المصدر السابق ب 31 من أبواب مقدمات الطلاق ح 2و1.

[18] المصدر السابق ب 36 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2.