12 أغسطس,2020

منكر الضروري (3)

اطبع المقالة اطبع المقالة

 
الطائفة الثالثة: ما دل على أن إنكار مطلق الشيء الثابت يوجب الكفر مع اتخاذه ديناً، ولو كان أمراً تكوينياً:

منها: صحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر(ع) قال: سألته عن أدنى ما يكون العبد به مشركاً، قال: فقال: من قال للنواة أنها حصاة، وللحصاة أنها نواة، ثم دان به[1].
وتقريب دلالتها يتضح من خلال قوله(ع): من قال للنواة أنها حصاة، وللحصاة أنها نواة، ثم دان به، وهو بصدد الإجابة عما يوجب حصول الكفر، فيفيد قوله(ع) أن كل من دان بأمر خلاف الواقع، والتـزم به، فإنه يكون مشركاً.

ولا يخفى عدم تمامية دلالتها على المدعى، لأنها أعم من المدعى، ضرورة أن المدعى كفر منكر الضروري، لا كفر من خالف الواقع ودان بخلافه، ومفاد الصحيح كفر من خالف الواقع ودان به، وهو أعم من منكر الضروري، فيشمله، كما يشمل غيره، كما لا يخفى.
الطائفة الرابعة: التمسك بالنصوص التي وردت في كفر منكر بعض الأحكام الضرورية، مثل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى(ع) قال: إن الله عز وجل فرض الحج على أهل الجدة في كل عام، وذلك قوله عز وجل:- (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) قال: قلت: فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا، ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر[2].

ومنها: صحيحة بريد العجلي قال: سئل أبو جعفر(ع) عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر في شهر رمضان ثلاثة أيام، قال: يسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال: لا، فإن على الإمام أن يقتله، وإن قال: نعم، فإن على الإمام أن ينهكه ضرباً[3].
وتقريب دلالتيهما على المدعى واضحة في بابيهما، ويتعدى من موردهما لكافة الموارد، لأن العرف لا يرى خصوصية للموردين، فيثبت المدعى.

ولا يخفى أن تمامية الاستدلال بهذه الطائفة متوقفة على احراز وحدة الملاك والمناط، ليلتـزم بأن ما ثبت في هذين الموردين يكون ثابتاً في مطلق الأمور الضرورية الأخرى، وإحراز ذلك دونه خرط القتاد.

ثم على فرض الإحراز، فالظاهر عدم دلالة النصوص المذكورة على المدعى، إذ يستفاد منها أن الإنكار كان بعد العلم، لا أنه بدونه، وهذا يعود لإنكار الرسالة، فتدبر.
فتحصل من جميع ما ذكر عدم تمامية الأدلة المذكورة لإثبات مقالة المشهور بناءً على التفسير الأول، وهو السببية المطلقة لكفر منكر الضروري.

التفسير الثاني لقول المشهور:
وأما ما احتمل في مقصود المشهور من كفر منكر الضروري، وهو أن منكر الضروري يكون كافراً وإن كان جاهلاً بثبوت ما أنكره في الدين، إلا أنه يشترط في ذلك كونه عالماً بكون ما أنكره من ضروريات الدين عند عامة المسلمين، وإن لم يكن عنده كذلك. فيمكن أن يستدل له بأمور، ما يصلح منها للدليلية أمران:

الأول: النصوص الدالة على كفر بعض الطوائف، كالخوارج والنواصب، وتقريب دلالتها على المدعى: أن الحكم بكفر هؤلاء يحتمل فيه أمور:
1-أن يكون منشأ الحكم بكفرهم هو رجوع اعتقادهم إلى إنكار الرسالة، وتكذيب الرسول.
2-أن يكون منشأه هو إنكارهم ما هو ضروري عند طائفة من المسلمين.
3-أن يكون منشأه إنكار ما هو ضروري عند عامة المسلمين، مع علمهم بكونه كذلك، والضروري هو استحلالهم قتل أمير المؤمنين(ع) ومن معه من المسلمين، وحكمهم بكفرهم، مع أن عامة المسلمين يلتـزمون بحرمة قتالهم، وبعدم كفرهم، وأن ذلك من الأمور المسلمة التي لا تحتاج دليلاً ولا برهاناً. بينما الخوارج والنواصب ينكرون ذلك.

أما الاحتمال الأول، فيرده أنهم يعتقدون بالرسالة والرسول، ولا يشكون فيهما.
ويرد الاحتمال الثاني، أن هذا المضمون يوجد في كثير من الفرق الإسلامية، فإنهم ينكرون بعض الضروريات المذهبية، مع أن ذلك لا يخرجهم عن الإسلام.
ومع بطلان الاحتمالين المذكورين، يتعين الاحتمال الثالث، وفقاً للقسمة الحاصرة.
ولا يخفى أن هذا الدليل يحتاج إلى ثبوت مستند إليه يصح الركون والاعتماد عليه، بمعنى أنه لابد من وجود نصوص معتبرة دالة عليه بهذا المقدار، وإلا فلا، وقد ذكرت في المقام نصوص:

منها: معتبر الفضيل قال: دخلت على أبي جعفر(ع) وعنده رجل، فلما قعدت قام الرجل فخرج، فقال لي: يا فضيل ما هذا عندك؟ قلت: وما هو؟ قال: حروري، قلت: كافر، قال: إي والله مشرك[4].

ودلالتها على المدعى واضحة، لأن الحرورية فرقة من الخوارج، تنسب لقرية قرب الكوفة، والظاهر أن الإمام(ع) أقرّ الفضيل على كلامه في أنهم كفار، نعم تعبيره بكونه مشركاً، لعله إشارة إلى أنه اجتمع فيه الأمران الكفر والشرك بقرينة أن المجلسي في المرآة صحح النسخة على أنها: ومشرك. وبالجملة، دلالة النص على المدعى واضحة جداً[5].

لكن بعض الأكابر(قده) ناقش في دلالتها على النجاسة، ومن الطبيعي أن يكون من باب أولى المناقشة في دلالتها على الكفر، فذكر(ره)  بأن قوله(ع): أي والله مشرك، يتصور فيه احتمالان، وهما:

الأول: أن يحمل القول المذكور على التطبيق الحقيقي للعنوان على الخارجي، فيقال بأنه مشرك حقيقة.
الثاني: أن يحمل القول المذكور على التطبيقي الادعائي على الخارجي، بلحاظ الآثار الشرعية.
وكلا الاحتمالين غير متصورين في المقام، ذلك لأن الأول منهما لا يتم لوضوح أن الخارجي ليس مشركاً بالمعنى المصطلح، كما أن الثاني منهما كذلك، لأنه لا يناسب اختيار الإمام(ع) لعنوان المشرك في مقام التنـزيل، مع ترتب الآثار الشرعية على عنوان الكافر بما فيها النجاسة.

كما أن المشرك بعنوانه ليس له أحكام خاصة داخلة في محل ابتلاء الأفراد حتى تلاحظ في التنـزيل، وعليه يحمل الصحيح المذكور على إدانة الحروري، وكونه كالكافر والمشرك من حيث البعد عن الحقيقة، ورضا الله سبحانه وتعالى[6].

لكن الإنصاف أن ما أفاده(ره) في غير محله، ضرروة أنه ووفقاً لما ذكره العلامة المجلسي(ره) من وجود كلمة(الواو)يكون الإمام(ع) لم يكتف بإقرار الفضيل على كونه كافراً، بل أضاف إلى ذلك أنه مشرك، وهذا يعني أن الحمل على التطبيق الإدعائي بحسب الظاهر لا مانع منه.

ومنها: معتبرة أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله(ع) عن أهل البصرة، فقال لي: ما هم؟ قلت: مرجئة وقدرية وحرورية، فقال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء[7].

ودلالتها على المدعى صريحة جداً.
ومنها: النصوص الدالة على كفر المفوضة الذين يدعون أن الله سبحانه وتعالى فوض أمر الخلق والرزق والإحياء والإماتة وما شابه إلى أحد من عباده، ففي حديث عن الرضا(ع) قال: من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها، فقد قال بالجبر، ومن زعم أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه، فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك.
ومنها: النصوص الدالة على كفر من أنكر أمير المؤمنين(ع)، مثل معتبرة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر(ع) قال: إن الله عز وجل نصب علياً(ع) علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالاً[8].

ودلالة هذه النصوص على المدعى واضحة جداً، لأن المستفاد منها أن الموجب للحكم بكفر من ذكر يعود لإنكارهم ما هو ضروري عند عامة المسلمين[9].
ويلاحظ عليه: أن تمامية الاستدلال بهذه الطائفة تعتمد اعتماداً كلياً على إبطال المحتملين الأول والثاني المذكورين في تقريب الدليل، وتعين الأمر في خصوص الثالث، وهذا يعني أنه لو تم تشيـيد المحتمل الأول، كما هو الظاهر-لو لم يكن متعيناً-فسوف يـبطل الاستدلال، فنقول: إن الموجب لكفر النواصب مثلاً يعود لتكذيب الرسول وإنكار الرسالة، وذلك لأنهم يحملون ما صدر منه(ص) في بيان فضائل أهل البيت(ع) على الهوى، أو الخطأ والعياذ بالله، أو أنه يتنافى والاعتراف الإجمالي بالرسالة، ولا ريب أن هذا بنفسه يوجب الكفر.
وكذا لو كان منشأ النصب هو إنكار ما صدر من النبي(ص) في حق آله الطاهرين(ع) مع العلم بصدوره، أو لا أقل احتماله من دون أن يكون المنكر مستنداً إلى حجة معتبرة.
ومثل ذلك يجري في الخوارج، إذ أن حربهم أمير المؤمنين(ع) يعود لتكذيب النبي(ص) القائل: يا علي حربك حربي، فإنهم لو كانوا يصدقون النبي(ص) ويصدقون برسالته، لما عمدوا إلى حرب أمير المؤمنين(ع)، وكذا أيضاً يجري الكلام بالنسبة للغلاة، والمفوضة، وما شابه.

والمتحصل من جميع ما ذكر، أن الموجب لكفر جميع من ذكر هو إنكارهم الرسالة، وتكذيبهم الرسول(ص).
ثانياً: ومع التنـزل وعدم القبول بما ذكر، فإنه يمكن البناء على عدم إلغاء الخصوصية الواردة في النصوص المذكورة، إذ أن تقريب الاستدلال بها على المدعى يعتمد على إحراز وحدة الملاك والمناط، وإلغاء الخصوصية، وللمنع من الإحراز المذكور، ومن ثمّ إلغاء الخصوصية المذكورة، مجال واسع، فلاحظ.

الثاني: التمسك بنصوص الطائفة الثانية، كخبر أبي الصباح الكناني المتقدم، حيث جاء فيه: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً، بتقريب: إن الظاهر منه المفروغية عن كفر جاحد الفرائض، ويقصد منها ما فرضه الله سبحانه في كتابه، كالصلاة والصوم والحج والزكاة، هذا ومقتضى إطلاقها أنه لا فرق بين العالم والجاهل بقسميه البسيط والمركب، وعليه فكل من أنكر فريضة من فرائض الله فهو كافر حتى لو كان ذلك لشبهة.

إن قلت: من أين استفدتم اختصاص هذه الطائفة بالتفسير الثاني لقول المشهور، وليس التفسير الأول؟..
قلنا: إن هذه الطائفة اشتملت على قرينة مساعدة على إرادة هذا التفسير دون السابق، وهي دلالتها على كفر منكر الفرائض، وليس كفر منكر الضروري وفقاً لتعبيرها، إذ أنها لم تعبر بكفر منكر الضروري، وإنما عبرت بكفر منكر الفرائض، ومعلوم أن الفرائض بما فسرناه به يعلم لكل أحد أنها ضرورية عند عامة المسلمين، فلا يتصور إنكار شخص للصلاة مع عدم علمه بكونها ضرورية عند المسلمين، ويكون هذا الإنكار موجباً لكفره.

هذا ويتوقف تمامية الاستدلال بها على ثلاثة أمور:
الأول: أن لا يكون الجحود مختصاً بالعلم بالحال، وإلا لو كان كذلك، فسوف تكون دليلاً على القول الثاني الذي سيأتي.
الثاني: أن يكون للنصوص المذكورة إطلاق لتشمل حالة الشبهة إذا كان عالماً بكونه ضرورياً عند عامة المسلمين.
الثالث: أن تكون هذه النصوص داخلة دائرة الحجية.

وقد عرفت عند الحديث عن التفسير الأول انتفاء الأمر الثالث، كما أن لتوفر الأمر الأول وجه قوي جداً، والظاهر أيضاً أن الأمر الثاني متوفر كذلك، وعليه فلا تصلح هذه الطائفة للدليلية على المدعى.

فتحصل إلى هنا عدم تمامية ما ذكر أيضاً للدليلية على التفسير الثاني لقول المشهور، فلاحظ.
هذا ويعارض هذه النصوص نصوص تمنع من انطباق عنوان الكفر عليهم:
منها: النصوص التي وردت في صلاة المسافر، وكتاب الصوم من أن رسول الله(ص) سافر وأفطر، وامتنع جماعة من الإفطار، فسماهم رسول الله(ص بالعصاة، ولم يسمهم كفرة.
القول الثاني: أنه إنما يحكم بكفر منكر الضروري متى كان إنكاره راجعاً لإنكار وتكذيب الرسالة:

وهو قول جماعة من متأخري المتأخرين، كالمقدس الأردبيلي، وصاحب الذخيرة، وكاشف اللثام، والمحقق الخوانساري، والقمي، وهو مختار الأعلام المعاصرين. وهذا القول مأخوذ بنحو الأمارية، وهو بعكس القول السابق المأخوذ بنحو السببية في تفسيريه، سواء السببية المطلقة، أم السببية المقيدة كما بينا.

ولا يخفى أن مقتضى هذا القول أنه لا أثر لإنكار الضروري في حد نفسه، ولا خصوصية له، وإنما هو مجرد طريق وأمارة على إنكار أصل من أصول الدين، وهو إنكار الرسالة، وتكذيب الرسول. ومن الطبيعي أن هذا لا يكون إلا إذا كان مقروناً بالعلم بثبوت ما أنكره في الدين. أما لو لم يكن مقروناً به، كما في حالات الجهل البسيط، أو المركب، فإنكار ما هو ضروري لا يوجب الكفر، لأنه لا يستلزم إنكار الرسالة، وتكذيب الرسول في هذه الحالات، فيمكن أن يجتمع التصديق بالرسالة والرسول، مع إنكار ما هو ضروري من ضروريات الدين في حالات الجهل بثبوت ذلك في الدين أو الاعتقاد لشبهة وما شابه بعدم ثبوته فيه.

ووفقاً لما ذكر سوف يخرج من تحت دائرة الحكم بكفر منكر الضروري حالتان:

الأولى: أن يكون منكر الضروري جاهلاً جهلاً بسيطاً بثبوت الضروري الذي أنكره في الدين، ما لو كان حديث عهد بالإسلام، أو كان يعيش في بلاد بعيدة عن بلاد المسلمين، أو كان حديث عهد ببلوغ التكليف.
الثانية: أن يكون منكر الضروري جاهلاً بالجهل المركب، يعني مع اعتقاد عدم ثبوته في الدين، كما في أصحاب الشبهة.

وكيف كان، فقد استدل لهذا القول بأمور:

الأول: إن الدليل على هذا القول، هو عدم الدليل على القول الأول، فلا يحتاج القائلون بهذا القول إلى دليل لإثباته، ضرورة أنه ينتفي عنه عنوان الإسلام بإنكاره أحد مقومي تحقق الإسلام خارجاً، وهو إنكار الرسالة، وتكذيب الرسول.

ولا يخفى أن الكلام في هذا الوجه يتضح من خلال عرض ما تقدم من استدلال على التفسيرين للقول الأول، ومدى نهوض شيء مما ذكر كدليل على إثباته من عدمه، فلو نهض شيء مما تقدم ذكره دليل على إثبات أحد التفسيرين السابقين، كان ذلك جواباً على هذا الوجه، أما لو لم ينهض شيء مما ذكر-كما تبين ذلك فيما تقدم- فلا ريب أن مقتضى ذلك هو تمامية الوجه المذكور، فلاحظ.

الثاني: النصوص الكثيرة الدالة على كفاية الشهادتين في الدخول في الإسلام، فتدل على أن انطباق عنوان الإسلام وانتفاء عنوان الكفر يدور مدار تحقق الإقرار بالتوحيد والنبوة، وأن الخروج عنه لا يكون إلا من خلال إنكار أحدهما، أو كليهما، وعليه فإنكار الضروري إن رجع إلى إنكار ذلك مع علمه بثبوت ما أنكره، كان ذلك موجباً لانطباق عنوان الكافر على المنكر، وإلا فينطبق عليه عنوان الكفر حينئذٍ.

ولا يخفى أن هذا الوجه أيضاً كسابقه، ضرورة أنه لا يصح الاعتماد عليه لو قيل بتمامية شيء مما ذكر من الوجوه على أحد التفسيرين السابقين لقول المشهور، إذ مقتضى تمامية بعض الأدلة المذكورة على أحد التفسيرين، يستدعي حصول المعارضة بين ما دل من تلك الأدلة وبين هذه النصوص، فيلزم الجمع والتوفيق بينهما، بأن يلتـزم بأن الموجب للحكم بكفر شخص ما يتحقق بإنكاره أحد أمور ثلاثة أو جميعها، وتلك الثلاثة هي: إنكار التوحيد، أو النبوة، أو إنكار ضروري من ضروريات الدين.

أما لو قيل بعدم تمامية ما تقدم من الأدلة على التفسيرين السابقين-كما عرفت- فتكون النصوص المشار إليها تامة الدلالة على المدعى، فلاحظ.

الثالث: إن المراجع لكلمات الفقهاء يجد أنهم لا يحكمون بكفر منكر الضروري إذا كان حديث عهد بالإسلام، أو كان يعيش بعيداً عن ديار المسلمين، ومن الطبيعي أن هذا لا يتم وفقاً للقول بالسببية، وإنما يتم وفقاً للقول بالأمارية، لعدم كون الإنكار المذكور مستلزماً لإنكار الرسالة، وتكذيب الرسول، فلا يكون موجباً للكفر.

وأجاب عنه بعض الأساتذة(حفظه الله) بأن هذا الدليل يصلح للمنع من التفسير الأول، وهو السببية المطلقة، لكنه لا يصلح للمنع من القول بالتفسير الثاني لمقالة المشهور، وهو السببية المقيدة، وهذا يعني عدم صلوحه، لجعله دليلاً على الأمارية[10].
وهو عجيب، ضرورة أن صلوحه للدليلية على القولين، لا يعني عدم صلوحه للدليلية، فيمكن أن يستدل به الطرفان على المدعى، فتدبر.

الرابع: إن سيرة الأئمة(ع) وأصحابهم والشيعة قديماً وحديثاً على مخالطة أتباع الفرق الإسلامية وهم ما بين مجسمة، ومشبهة، ومفوضة، ومجبرة، وقائل بإمكان رؤية الله تعالى في الآخرة، أو في الدنيا، وغير ذلك، مما ثبت عندنا بالضرورة من الدين انتفاؤها فيه تعالى عن ذلك. فلو كان يحكم بكفر هؤلاء فكيف كان الأئمة وأصحابهم يعاشرونهم، ويعاملونهم معاملة المسلمين، إن هذا يكشف عن أنهم مسلمون، وليسوا كفاراً، لأنهم لم ينكروا الرسالة، ولم يكذبوا الرسول.

وأجاب عنه بعض الأساتذة(حفظه الله)، بأن هذه الأمور المذكورة في هذا الدليل بعدُ لم تصل إلى حد الضرورة بنظر معظم المسلمين، بل التـزم كثير منهم بثبوت هذه الأمور كلاً أو بعضاً له سبحانه وتعالى، ومجرد وصولها إلى حد الضرورة عند بعض المسلمين دون الكل لا يكفي للحكم بكفر المثبت لها[11].

ولا يخفى بعده، ضرورة كون بعض الأمور غير ضرورية عند فئة من المسلمين، لا يعني انتفاء عنوان الضرورة عنها عند عامة المسلمين، بل الظاهر أن الثابت كونها ضرورة عند عامة المسلمين، إلا خصوص من بنى على عدم ضروريتها، فلاحظ.

القول الثالث: ما التـزم به الشيخ الأعظم(ره) في كتابه الطهارة، وحاصله: التفصيل بلحاظ أمرين، تارة بلحاظ ما ينكر، وأخرى بلحاظ المنكر، فيقال: إذا كان المنكر أمراً عقدياً مثل المعاد، أو النبوة، فإنه يحكم بكفر المنكر سواء كان قاصراً أم مقصراً، وهذا بخلاف ما لو كان المنكر أمراً فرعياً عملياً، فإنه يحكم بكفر المنكر إذا كان مقصراً، دون ما إذا كان قاصراً.
ومع أنه(ره) اعترف أن الفتاوى والأدلة مطلقة، فتقضي بالالتـزام بتمامية ما عليه المشهور، إلا أن هناك مانعاً أوجب له القول بهذا التفصيل، وهو أن القاصر بسبب قصوره لا يكون مكلفاً بالتدين، ولا بالعمل بمقتضى تدينه، لأن التدين إنما يطلب في خصوص المسائل الاعتقادية دون الفرعية، كما أن المفروض أن المكلف جاهل جهلاً قصورياً.

ولا يخفى أن مجرد الاستبعاد المذكور لا يصلح مانعاً من التمسك بالأدلة الدالة على مقالة المشهور بعد اعترافه(قده)بتماميتها، لأنه إنما يصار لرفع اليد عنها حال وجود دليل معتبر يوجب ذلك، أما مجرد الاستبعاد فلا يصلح لذلك.

هذا والإنصاف، أن أقرب الأقوال للقبول وركون النفس إليه هو قول المشهور بتفسيره الثاني، إذ عرفت تمامية الوجه الأول مما ذكر دليلاً عليه، بل حتى الثاني لولا الضعف السندي، وعمدة ما يوجب التوقف فيه هو ما ورد في بعض النصوص التي حكيناها عن بعض الأعلام في موسوعة الفقه، من عدم تطبيق عنوان الكفر عليهم.

ومع ذلك، فركون النفس إليه أقرب، وهو أحوط، فلا ينبغي رفع اليد عنه، والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل.
 

[1] الكافي ج 2 ح 1 ص 397.
[2] وسائل الشيعة
[3] وسائل الشيعة
[4] الكافي ج 2 ح 14 ص 387، وسائل الشيعة ب 10 من أبواب حد المرتد.
[5] مجلة المنهاج العدد 47 ص
[6] بحوث في شرح العروة ج 3 ص 311.
[7] المصدر السابق ح 13 ص 388 ، وسائل الشيعة ب 10 من أبواب حدّ المرتد.
[8] الكافي ج 2 ص 388 ح 16، ح 18، ح 21.
[9] مجلة المنهاج العدد 47.
[10] مجلة المنهاج العدد 47 ص 90.
[11] مجلة المنهاج العدد 47 ص 91.