إبراهيم بن هاشم القمي بين الوثاقة والعدم

لا تعليق
خواطر حوزوية
232
1

وقع الكلام بين أصحابنا في إبراهيم بن هاشم القمي، والد علي بن إبراهيم صاحب التفسير المعروف، من حيث الوثاقة وعدمها، فقال بعضهم بوثاقته، وقال آخرون بحسنه، وقال ثالث بالبناء على عدم الاستناد لمروياته، لعدم وجود ما يدل على وثاقته، وحتى يتضح الحق من الأقوال المذكورة، نعمد إلى عرض كلمات بعض الرجاليـين فيه، ومن ثمّ نذكر الأدلة التي ذكرت للبناء على وثاقته.

قال عنه النجاشي: إبراهيم بن هاشم، أبو إسحاق القمي، أصله كوفي انتقل إلى قم، قال أبو عمرو الكشي: تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا(ع)، هذا قول الكشي، وفيه نظر، وأصحابنا يقولون: أول من نشر حديث الكوفيـين بقم هو. له كتب منها: كتاب النوادر، وكتاب قضايا أمير المؤمنين(ع).

أقول: للأصحاب كلام في متعلق النظر، حيث أن هناك محتملات ثلاثة:

الأول: أن يكون التنظر متعلقاً بكونه تلميذ يونس بن عبد الرحمن، ومنشأ ذلك يعود لسببين:

أحدهما: أنه لم توجد له رواية عن يونس، ومن المستبعد عادة أن يتلمذ واحد على أستاذ ولا يروي عنه مع كونه من أصحاب الحديث والبارزين أيضاً.

ثانيهما: قد ذكرت في ترجمة إبراهيم بن هاشم أنه أول من نشر حديث الكوفيـين بقم، وهذا يشير إلى كونه مقبول الرواية عندهم، ومن المعلوم أن يونس بن عبد الرحمن كان مطعوناً عليه عند القميـين، فكيف يقبل حديث تلميذ، ويرفض حديث الأستاذ ويطعن عليه.

وقد أجاب عن كليهما المحقق المامقاني(ره)، فأجاب عن الأول: بأنه يكفي لصدق التلمذ روايته عن الأستاذ في الجملة، بحيث يروي عنه بعض النصوص، ولا ينافي ذلك روايته رواية أخرى عنه بواسطة أحد ما.

وعن الثاني: بأنه لا ملازمة بين قبول حديث التلميذ ورفض حديث الأستاذ، إذ ربما ثبتت عندهم عندهم عدالة التلميذ ووثاقته، فأوجب ذلك قبول روايته، ومجرد كونه تلميذ من هو مقدوح عندهم لا يوجب عدم قبول حديثه[1].

أقول: لا يخفى أن السبب الثاني لا يصلح لأن يكون وجهاً للنظر، ضرورة أن الوارد في كلام الأصحاب أنه نشر حديث الكوفيـين بقم، والمذكور في ترجمة يونس أنه بغدادي، ومع كونه كذلك، وهذا يعني أن المنشور ليس مشتملاً على حديث يونس، لعدم كونه كوفياً، فلاحظ.

وأما الجواب الأول، فإن ما أفاده المحقق المذكور، لا يعدو كونه دعوى لا شاهد عليها، لأنه لم يوجد في كتب الحديث رواية لإبراهيم بن هاشم عن يونس بدون واسطة.

الثاني: أن يكون متعلق التنظر، كونه من أصحاب الرضا(ع)، ومنشأه أنه لا يوجد له ولا رواية واحدة يرويها عن الإمام الرضا(ع) من دون واسطة.

وأجاب عنه المحقق المامقاني(ره): بأن كونه من أصحاب الإمام الرضا(ع) لا يستلزم أن تكون جميع رواياته مروية عن الإمام الرضا(ع)، بل ما سمعه منه(ع) مباشرة يرويه عنه مباشرة، وما سمعه عنه بواسطة، يرويه عنه بواسطة، وهكذا[2].

ولا يخفى ضعف هذا الجواب، لكونه دعوى عرية عن الشاهد، حيث أن الإشكال ليس في لزوم كون جميع رواياته عن الرضا(ع)، بل الإشكال في أصل ثبوت رواية له عن الرضا(ع)، فقول المحقق المذكور أجنبي عن المقام تماماً.

على أن ما أفاده(ره) من الجواب، لا يعدو كونه مجرد دعوى عرية عن الشاهد، مما يمنع من الركون إليها، فلاحظ.

الثالث: أن يكون التنظر متعلقاً بكلا الأمرين السابقين، ومنشأه الأمران السابقان فيهما، فلاحظ.

هذا والحق أن يقال: أن مقتضى ملاحظة الطبقة التي يقع فيها إبراهيم بن هاشم، يستوجب البناء على كونه معاصراً ليونس بن عبد الرحمن، وللإمام الرضا(ع)، توضيح ذلك:

لا يخفى أنه قد ذكر في ترجمة إبراهيم بن هاشم أن من مشائخه ابن أبي عمير، وقد أكثر من الرواية عنه، ومن الواضح أن أبن أبي عمير أسنّ من يونس، ومن أصحاب الإمام الكاظم(ع)، فهذا ويوجب استبعاد عدم معاصرة إبراهيم ليونس وللإمام الرضا(ع).

نعم لم يوجد ما يدل على أنه قد لاقى يونس بن عبد الرحمن، أو روى عن الإمام الرضا(ع) بدون واسطة.

ولعل هذا ما أوجب قول الشيخ الكشي أنه من تلامذة يونس، احتمالاً لا جزماً، فتأمل.

إن قلت: ماذا تصنع في تعبيره بكونه من أصحاب الإمام الرضا(ع).

قلت: إن هذا يبتني على أن يكون قوله: من أصحاب الرضا(ع)، راجعاً إلى إبراهيم، أما لو قلنا كما لعله الظاهر من أنه راجع إلى يونس بن عبد الرحمن، فلا وجه للإشكال، فلاحظ.

وقد يقال: أن ما ورد في عبارة الكشي من الغلط، بسبب وجود تصحيف في العبارة المذكورة كما احتمله المحقق التستري(ره)، وأن الصحيح: روى عن تلامذة يونس، وذلك بسبب كثرة التصحيف والتحريف في كتاب الكشي [3].

وهو بعيد جداً، لأن العبارة الموجودة كما عرفت تلميذ يونس، من دون إشارة إلى رواية وعدمه، فلاحظ.

هذا ولم أجد فيما بيدي من نسختي كتاب الكشي المعروفة باختيار رجال الكشي، وجوداً للعبارة المذكورة.

كما أن ما عندي من نسختين لرجال النجاشي مختلفتي التحقيق والطبع، قد اشتملتا على عدم الظفر بهذه العبارة في رجال الكشي، والله العالم بحقائق الأمور.

وجاء في فهرست الشيخ: إبراهيم بن هاشم أبو إسحاق القمي، أصله من الكوفة، وانتقل إلى قم، وأصحابنا يقولون: إنه أول من نشر حديث الكوفيـين بقم، وذكروا أنه لقي الرضا(ع)، والذي أعرف منه كتبه، كتاب النوادر، وكتاب قضايا أمير المؤمنين(ع).

وذكره في الرجال من أصحاب الإمام الرضا(ع)، وقال عنه: تلميذ يونس بن عبد الرحمن.

هذا والمعروف بين أكثر الأصحاب عدّ حديثه في الحسان، وإن حكم غير واحد منهم بكون حديثه من الصحيح. وقد ذكر المحقق المامقاني(ره) في كتابه أن الأقوال في حديثه بسبب إحراز الوثاقة وعدمها، ثلاثة:

الأول: أنه حسن، وهو قول السيد التفرشي في كتابه نقد الرجال، والسيد بحر العلوم في فوائده، والشهيد الأول والشيخ البهائي(ره) وغيرهم.

الثاني: أنه حسن كالصحيح، وقد اختاره المجلسي، وقال به غير واحد من الأصحاب في كتبهم الفقهية.

الثالث: أنه صحيح، وقد قواه جمع من المتأخرين، كالسيد بحر العلوم[4].

أدلة التوثيق:

هذا ويقع الكلام فيما استدل به على البناء على وثاقته إذ ذكرت عدة وجوه، فنقول:

الأول: اعتماد ابنه الثقة الجليل علي بن إبراهيم عليه كثيراً، وروايته عنه في كتابه التفسير، وقد ذكر في مقدمة كتابه المذكور أنه لا يروي إلا عن الثقات، قال(ره): ونحن ذاكرون ومخبرون بما انتهى إلينا ورواه مشائخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم[5].

هذا ومن الواضح أن هذا الوجه يبتني على تمامية ثلاثة أمور، ومتى انتقض واحد منها كفى ذلك لرد هذا الوجه، وتلك الأمور هي:

أولها: أن يثبت أن كتاب التفسير الموجود بأيدينا هو كتاب علي بن إبراهيم القمي.

ثانيها: أن يثبت كون المقدمة والديباجة الموجودة في صدر الكتاب صادرة عنه.

ثالثها: أن تكون العبارة المذكورة ناظرة إلى توثيق كل واحد ممن وقع في أسناد الكتاب، ولا أقل من كونها ناظرة إلى توثيق خصوص مشائخه.

لا يقال: بأن الأمر الثالثة غير متحقق في المقام، ذلك لكونه قد روى في كتابه عن مجموعة من الضعفاء، مثل أبي الجارود، ومثل محمد بن سنان، وغيرهما، مما يثبت عدم كون العبارة بصدد النص على وثاقة جميع من وقع في أسناد الكتاب.

فإنه يقال: أولاً: إن الإشكال المذكور لا يصلح للمنع من دلالة العبارة المذكورة لو تمت على المدعى، ضرورة أنه سوف يكون المورد من صغريات التعارض بين التوثيق والتضعيف، فلاحظ.

ثانياً: لو سلمنا بالإشكال المذكور، فسوف يكون قرينة على أن التوثيق الصادر منه منصب على خصوص مشائخه، فلاحظ.

والإنصاف، أنه لو كنا وظاهر العبارة، فلا ريب في البناء على دلالته على وثاقته، لكونه القدر المتيقن منها، إذ هو أحد المشائخ، فلاحظ.

الثاني: وقوعه في أسناد كتاب كامل الزيارات، وقد حكم ابن قولويه بوثاقة جميع من وقع في كتابه، فيثبت المطلوب، قال(قده): ولم أخرج فيه حديثاً روي عن غيرهم إذا كان فيما روينا عنهم من حديثهم صلوات الله عليهم كفاية عن حديث غيرهم، وقد علمنا أنا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله برحمته ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم.

وفيه: إن العبارة المذكورة لا ظهور لها في التوثيق، بل هي ناظرة إلى التصحيح الموجود عند القدماء، وهو ما يمكن التعبير عنه بالمنهج الفهرستي، وليست ناظرة إلى التوثيق الرجالي، فلا تغفل.

على أنه لو سلمنا بكونها ناظرة إلى التوثيق الرجالي، أمكن دعوى اختصاصها بخصوص مشائخ ابن قولويه، كما قيل، لا مطلقاً، والتفصيل في الفوائد الرجالية، فراجع.

الثالث: أنه أول من نشر حديث الكوفيـين في قم، وتقريبه أن يقال: إن القميـين متشددين جداً في قبول الحديث، حيث أنهم يتحرزون كثيراً في الرواية عن الضعفاء أو المجاهيل، بل قد أخرجوا من بلدهم من يتهم بعدم الضبط وعدم التحرز في النقل، كما وقع من محمد بن عيسى مع أحمد بن محمد البرقي.

والحاصل، لا يقبل القميون رواية كل أحد، ولا يسمعون من كل راوٍ، ذلك لتشددهم في هذا الأمر كثيراً.

وانتشار حديث إبراهيم بن هاشم بينهم، دليل على أنهم قد قبلوا روايته، وبالتالي يثبت كونه ثقة، فيعتمد عليه.

أقول: لابد من ملاحظة أمر مهم في هذا الوجه، ضرورة أن نشر حديث الكوفيـين في قم من قبله يحتمل أحد أمرين:

أولهما: أن المراد من نشر الحديث هو المعنى الظاهر منه بدواً، بمعنى أنه كان المحدث بحديث الكوفيـين في قم.

ثانيهما: أن المراد من نشره الحديث في قم، كونه محط اعتماد وقبول عند القميـين بحيث أنه صار يحدث بما ليس عندهم، وقد قبلوا منه ما حدث به، واعتمدوا عليه في تحديثه.

ولا يخفى أنه بناءاً على الاحتمال الأول، لن يصلح الوجه المذكور للبناء على الوثاقة، ضرورة أن مجرد نشر الحديث لا يوجب الاعتماد، لأن القميـين كان لهم منهج خاص في قبول الرواية، فكون بن هاشم موافقاً لهم في ذلك المنهج، أو كون مروياته منسجمة مع المنهج المتبع عندهم، ومتوافقة مع الأصول التي يعتمدون عليها، ومع المرويات التي يروونها، كافٍ للبناء على السماح له بالتحديث في قم ونشر الحديث.

أما لو كان المحتمل الثاني، فلا ريب في دلالته على الوثاقة، لأنه صار مورد اعتماد من قبلهم، وهم المتشددون في الحديث والرواية.

والإنصاف، أن الظاهر من المحتملين هو المحتمل الثاني، وهو تام في نفسه، فيصلح في إثبات المدعى، فلاحظ.

الرابع: الاعتماد على التوثيق العامة لجميع روايات يونس الموجودة في كتبه الصادر من ابن الوليد، توضيح ذلك:

لقد قال ابن الوليد، بأن كتب يونس التي هي عبارة عن الروايات، كلها صحيحة يعتمد عليها إلا ما ينفرد بروايته محمد بن عيسى بن عبيد، ولم يروه غيره.

والمفهوم من هذا الكلام، أن الروايات التي ينفرد بروايتها إبراهيم بن هاشم عن يونس صحيحة معتمدة.

أقول: يـبتني هذا الوجه على إحراز رواية إبراهيم بن هاشم عن يونس من دون واسطة، حتى يكون مشمولاً للشهادة المذكورة في توثيق جميع تلامذة يونس، وقد عرفت فيما تقدم عدم تمامية الدعوى المذكورة، حيث لم يثبت رواية إبراهيم عن يونس بدون واسطة، وعليه لن يكون مشمولاً للشهادة المذكورة.

على أنه يمكن القول، بأن التصحيح المذكور منصب على روايات يونس، وليس منصباً على الرواة عن يونس، ويشهد لذلك أن الاستـثناء الوارد في راوية محمد بن عيسى لا يوجب تضعيفاً في اليقطيني، وإنما علل بكونه حدثاً لم يلق يونس، مما يجعل روايته عنه مشوبة بالإرسال.

وبالجملة، لا ظهور للوجه المذكور في إفادة التوثيق، فلاحظ.

مضافاً إلى أنه لو أغمضنا الطرف عن جميع ما ذكر، لكفى القول بأن التصحيح القدمائي مغاير للتصحيح عند المتأخرين، ذلك أن تصحيح القدماء تصحيح فهرستي، بينما تصحيح المتأخرين، تصحيح رجالي، فلاحظ.

الخامس: عدم استـثناء ابن الوليد، له من كتاب نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى، من جملة من استـثناه من مروياته ومن يروي عنه.

ولا يخفى أن هذا يعتمد على تسليم أمرين:

أولهما: كون مسلك ابن الوليد(ره) في التصحيح هو الوثاقة، بمعنى الاعتماد على إحراز وثاقة الراوي، لا أن مسلكه الوثوق، أي السعي إلى إحراز ما يورث الوثوق بالصدور من خلال إيجاد بعض القرائن المساعدة على ذلك.

ثانيهما: كون الاستـثناء منصباً على رواة الكتاب، لا روايات الكتاب، فلاحظ.

هذا ولو سلمنا بالأمر الثاني، إلا أنه لا مجال لقبول الأمر الأول، ضرورة أن المتأمل يجد أن ابن الوليد ممن يـبني على الوثوق لا الوثاقة، وخير ما يشهد لذلك ما جاء في كتاب الفقيه لشيخنا الصدوق(ره) في بحث صلاة الغدير، فراجع.

السادس: إن المتـتبع في مروياته يجد أنها في غاية الضبط والإتقان، وأنها موافقة لقواعد العدل والإيمان والإيقان، وليس معنى الوثاقة إلا هذا.

والإنصاف، أن هذا لو صلح لكان يصلح للتأيـيد، لا لإثبات الوثاقة، فلاحظ.

السابع: اعتماد الشيخ الكليني(ره) وغيره من الأعلام على رواياته، ولو بواسطة ابنه، فإن هذا دليل على وثاقته وعدالته.

وفيه: إن لازم القبول بهذا الوجه هو الالتـزام بوثاقة جميع من روى عنه الكليني وغيره ممن اعتمد على إبراهيم بن هاشم، واللازم، فالملزوم مثله.

السابع: عدّ العلامة(قده) كثيراً من الأخبار الذي هو في طريقها بأنها صحيحة، فقد صحح طريق الصدوق إلى عامر بن نعيم، وطريقه إلى كردويه، وطريقه إلى ياسر الخادم، وهو واقع فيها.

كما أنه في بحث صلاة العيد من كتاب المنتهى عند البحث عن أن وجوبها متوقف على ظهور الإمام(عج)، صحح حديثاً هو واقع في سنده.

وفي كتاب المختلف في بحث الهبة، صحح حديثاً هو واقع في سنده.

وفي كتاب التذكرة في مسألة جواز الرجوع في الهبة مع بقاء العين، وعدم جوازه مع تلفها، صحح حديث الحلبي مع أنه واقع في سنده.

ولا يخفى أن العلامة(قده) هو المشيد لهذا الاصطلاح، أعني تنويع الحديث إلى أربعة أقسام، فيثبت المطلوب.

إلا أن هناك موانع تمنع من قبول هذا الوجه:

منها: إن العلامة(ره) في ترجمته لإبراهيم بن هاشم في الخلاصة، لم يصرح بتوثيقه، وهذا يوجب التوقف في أن التصحيح الصادر منه في الموارد التي أشرنا إليها من التصحيح الرجالي، فتأمل.

ولا وجه للقول بأن التصحيح الصادر مبني على التصحيح الرجالي، بسبب تجد الرأي وتبدله عند العلامة(ره) بمعنى أنه تبدل رأيه السابق إلى الرأي الثاني، إذ يكفي لمنعه كونه منافياً لنظم الكلام.

على أن هناك ما يشهد لعدم قبول هذا التوجيه يتضح من خلال ما نذكره إن شاء الله تعالى.

ومنها:إنه كما صدر منه تصحيح الطرق السابقة التي تقدمت الإشارة إليها، فقد حس جملة من الطرق الواقع في سندها إبراهيم بن هاشم أيضاً، بل ما حسنه من الطرق بسبب إبراهيم بن هاشم أكثر مما صححه، فقد حسن طريق إدريس بن زيد، وطريق علي بن بلال، وطريق علي بن ريان، وغيرهم مما يبلغ عددهم تقريباً عشرون طريقا. وليس من منشأ للتحسين إلا وجود إبراهيم بن هاشم في الطريق.

إن قلت: ربما كان منشأ التحسين في جملة من الطرق وجود محمد بن علي ماجيلويه.

قلت: لو سلمنا بما ذكر، لكفى أنه حكم بتحسين جملة من الطرق ليس فيها ابن ماجيلويه هذا، فلاحظ.

ثم إنه قد يوجه التناقض الصادر من العلامة(ره) في الحكم بالتصحيح تارة مع وجود إبراهيم بن هاشم، والحكم بالحسن أخرى لوجوده بوجوه:

أولها: أنه نحو من أنحاء تجدد الرأي وتبدله، فعدل عما كان عليه مسبقاً من التوثيق إلى التحسين، أو عدل عما كان عليه مسبقاً من الحكم بالحسن إلى البناء على الوثاقة، ومن ثمّ بنى على صحة السند.

وهذا الوجه يعتمد على إحراز المتقدم والمتأخر من الوجهين المعدول إليه والمعدول عنه، وإلا فالقدر المتيقن هو البناء على الحسن، فلاحظ.

ثانيها: أن يكون الصادر منه في كلا التعبيرين من باب التجوز في اللفظين، بحيث يستعمل كل واحد منهما مقام الآخر، فيكون استعماله للصحيح محل الحسن، واستعماله للحسن محل الصحيح.

وهذا الوجه أيضاً، لا يمكن قبوله من مثل العلامة(ره)، وهو المؤسس لهذا الاصطلاح، ولا أقل أنه المشيد له بعد أستاذه، إذ أن استعمال المصطلح في غيره معناه من دون ما يعينه في المعنى المستعمل فيه معيب عند أهل الفن كما هو واضح.

مضافاً إلى أنه يوجب إجمالاً وتشويشاً، وبالتالي لا يمكننا إحراز المراد من كلا اللفظين، ولهذا سوف يكون المآل إلى أننا نقتصر على القدر المتيقن، وهو خصوص الحسن، فلا تغفل.

ثالثها: أن يكون منشأ ذلك يعود للذهول والغفلة، أو لسهو القلم.

ومن المعلوم أن هذا الوجه يوجب المنع عن التمسك بالوجه المذكور في إثبات المدعى، فلاحظ.

الثامن: كثرة رواياته، كما يستفاد ذلك من تتبع الكتب الأربعة، وبصائر الدرجات، والمحاسن، وغيرهم من الكتب الحديثية المعروفة.

ولا يخفى أن اللازم من هذا الوجه البناء على وثاقة العديد من الرواة لنفس المنشأ وهو كثرة الرواية، واللازم باطل، فالملزوم مثله.

التاسع: إن السيد ابن طاووس(ره) ادعى الاتفاق على وثاقته، فإنه قال بعد ذكره رواية عن أمالي الصدوق(قده)، وقد وقع في سندها إبراهيم بن هاشم: ورواة الحديث ثقات بالاتفاق[6].

وليس هذا من التوثيق الصادر من المتأخرين، بل هو توثيق قدمائي، وما السيد ابن طاووس(ره) إلا ناقل لهذا الإجماع، وحاكٍ له.

العاشر: توثيق الشهيد الثاني(قده) إياه، فقد جاء في كتاب الصوم، في مسألة لزوم القضاء والفدية على من أخر قضاء رمضان، خبر محمد بن مسلم، وفي سنده إبراهيم بن هاشم[7].

ولا يذهب عليك، أن هذا الوجه مبني على القبول بتوثيقات المتأخرين، وإن كانت حدسية بمعنى أنه لا يشترط في حجية قول الرجالي كونها من الشهادة الحسية، بل يمكن الركون إليها لكونها من الظنون المعتبرة، أو لكونها من باب الرجوع لأهل الخبرة، أو لكونها من باب خبر الثقة في الموضوعات، سواء مطلقاً، أم بقيد إفادته الوثوق والاطمئنان.

——————————————————————————–

[1] تنقيح المقال ج 1 ص 73-74.

[2] المصدر السابق ص 77.

[3] قاموس الرجال ج 1 ص 335.

[4] تنقيح المقال ج 1 ص 82.

[5] تفسير القمي ص 4.

[6] فلاح السائل الفصل التاسع ص 158.

[7] مسالك الأفهام ج 2 ص 62.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة