8 ديسمبر,2022

النظر للوجه والكفين(3)

اطبع المقالة اطبع المقالة

النظر للوجه والكفين(3)

 

أدلة الجواز:

وقد استند القائلون بالجواز إلى أدلة لو تمت فإنها سوف تشكل مانعاً من القول بالحرمة، كما تمت الإشارة لذلك في ما تقدم، وهما دليلان، الكتاب الكريم، والسنة الشريفة:

أما الكتاب، فقد تمسكوا بقوله تعالى:- (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها)[1]، وقد قرب دلالتها الشيخ الأعظم(ره) على الجواز من خلال الملازمة بين الإبداء، والنظر إلى المواضع التي تبدى، بما حاصله: لقد فسرت الآية المباركة في النصوص بالثياب والكحل والخاتم والسوار وخضاب الكف، وقد استثنت الآية الكريمة هذه الزينة من حرمة الإبداء، ودلت على جوازه، وبما أنه مستلزم لإبداء مواضعها في الوجه والكفين، تكون الآية دالة على جواز ابداء مواضعها، وقد عرفت أن إبداء المواضع يلزم منه جواز النظر إليها.

ولا يخفى أن البيان المذكور أخص من المدعى، لأنه لا يدل على جواز النظر إلى الوجه، لأن مفاده هو حصر جواز النظر لخصوص ما يبدى من الزينة، والمفروض أن موضع الزينة التي تبدى في الوجه هي الكحل، وموضعها العين كما هو معلوم، فيكون الذي يجوز النظر إليه هو خصوص العين لا مطلق الوجه، هذا أولاً.

 

ثانياً: إن البيان المذكور يعتمد على الالتـزام بأن المقصود من الزينة المبداة هي مواضع الزينة، وليست الزينة نفسها، فلو بني على أن المقصود منها نفس الزينة كما عليه بعض الأعاظم(ره)، فيكون المقصود إبداء ما تتزين به المرأة نفسه، وقد أيد ذلك بما جاء في ذيل الآية، وهو قوله تعالى:- (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)، فإن ضرب الرجل على الأرض لا يوجب العلم بموضع الزينة، وإنما الذي يوجبه هو العلم بنفس الزينة من الخلخال وغيره، لأن ضرب الرجل يوجب حركتها وإيجاد الصوت فيعلم بها لا محالة[2].

ثالثاً: قد عرفت أن البيان المذكور يقوم على التسليم بوجود ملازمة بين جواز الإبداء وجواز النظر، فمع تمامية دلالة الآية على جواز الإبداء يلزم من ذلك البناء على جواز النظر، ولمنع الملازمة المذكورة مجال، لأن جواز الإبداء لا يدل على جواز نظر الرجل الأجنبي إليها، لعدم ثبوت الملازمة بينهما، ويساعد على ذلك ما بني عليه بعضهم من حرمة نظر المرأة إلى ما لم يتعارف إبداءه من الرجل، مع عدم قول أحد بوجوب ستره عليه.

 

وأما السنة، فاستندوا إلى نصوص:

منها: صحيحة علي بن سويد، قال: قلت: لأبي الحسن(ع): إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها، فقال: يا علي، لا بأس إذا عرف الله من نيتك الصدق، وإياك والزنا فإنه يمحق البركة ويهلك الدين[3]. وقد عدها بعض الأعاظم(ره)، عمدة ما استند إليه الشيخ الأعظم(ره) على القول بجواز النظر إلى وجه المرأة الأجنبية من دون تلذذ وريبة[4].

 

وهو غريب، لأن الشيخ الأعظم(ره) لم يستند إليها، وإنما جعلها مؤيداً، وليست دليلاً، قال(قده): ويؤيد ما ذكرنا ما رواه في الكافي عن علي بن سويد في الصحيح، قال…ألخ…[5].

وقد تضمنت الصحيحة سؤال الراوي الإمام(ع) عن النظر للمرأة الجميلة، وقد عدّ ذلك أمراً مبتلى به، لا يمكنه أن ينفك عنه، وقد أجابه الإمام(ع)، بجواز ذلك شرط أن يكون النظر خالياً من الشوائب، أي يكون نظراً بريئاً لا يتضمن تلذذاً وريبة، وشهوة.

وقد حملها غير واحد، كصاحب الجواهر، والشيخ الأعظم، وبعض الأعاظم(قده) على ما إذا حصل النظر منه اتفاقاً ومن دون قصد منه لذلك[6]، وقد برر الشيخ الأعظم(ره) هذا الحمل، بلحاظ أن السائل من أهل الصنائع والحرف، الذين تكثر مخالطتهم مع النساء وخاصة نساء البوادي اللواتي لا يتسترن، فيتفق له الابتلاء بالنظر إليهم، ولذا جاء يسأل من الإمام(ع) عن وجوب الكف عن النظر عند التلذذ، وقد أجابه الإمام(ع)، بأنه ما دام نظرك لأجل التلذذ، فلا بأس به، لأنك ذكرت أنك مبتلى بمخالطتهن، ومبتلى بهن، وأنت كاره لإعجابك الحاصل من النظر[7].

وقد أيدّ بعض الأعاظم(ره) مختاره من تخصيصها بما إذا كان النظر اتفاقياً، باستبعاد أن يصدر مثل هذا الفعل من علي بن سويد، وهو الشخص الجليل القدر والعظيم الشأن، بأن ينظر للنساء الجميلات قاصداً متلذذاً، ثم ينقل ذلك للإمام(ع) صراحة[8].

 

وما أفادوه(ره) خلاف ظاهر قوله(ع): إذا عرف الله من نيتك الصدق، فإن الظاهر منه أن النظر من السائل لم يكن نظراً اتفاقياً، وإنما كان نظراً مراداً ومقصوداً له. ويساعد على ذلك أنه لم يذكر أنه مبتلى بالنظر إلى النساء، وإنما خصص الابتلاء بالنظر لخصوص النساء الجميلات، وهذا يعني أنه كان حين النظر يمحص المرأة المنظورة، فيعنى بالنظر للجميلة منهن دون بقية النساء.

وبعبارة أخرى، إن المستفاد من جوابه(ع) هو البناء على جواز النظر الإرادي إلى المرأة الأجنبية بشرط وهو عدم الخيانة وقصد التلذذ والشهوة، وذلك لأن كل فعل يسند إلى الفاعل المختار، فإنه ظاهر في كونه فعلاً إرادياً قصدياً منصرفاً عن الاتفاق الصادر من دون قصد وإرادة والتفات، خصوصاً وأن الإنسان مجبول على القصد والإرادة في الأفعال الصادرة منه.

 

وأما التأيـيد الذي أفاده بعض الأعاظم(ره)، فيمكن دفعه بملاحظة ما ذكرناه في تقريب دلالة الصحيحة، من أن نظره لم يكن مصاحباً لتلذذ وشهوة وريبة، وإنما كان نظراً خالياً من ذلك.

على أن كلامه(ره) مبني على كون المقصود من الإعجاب هو النظر بتلذذ وريبة وشهوة، والظاهر أن معنى الإعجاب لا يتحمل ذلك، لأن المقصود منه عبارة عن الاستحسان والانبساط، وليس النظر بالكيفية والحيثية المتصورة.

ولبعض الأعاظم(ره)، كلام في كتاب الصلاة، يخالف ما حكيناه عنه، ويمنع من كون النظر الوارد في الصحيح نظراً اتفاقياً، قال(ره) تعقيباً على حمل صاحب الجواهر(قده) إياها على نظر الصدفة والاتفاق: وأنت خبير ببعد هذا الاحتمال عن سياق الرواية جداً، لمنافاته لقوله: فيعجبني النظر إليها، الظاهر في تحقق الإعجاب حال النظر غير المنفك حينئذٍ عن القصد، فلا يلائم النظر الاتفاقي عن غير عمد.

 

وحملها على إرادة الاعجاب بعد صرف النظر والحادث بعد التأمل في النظر السابق كما ترى، فإنه خلاف الظاهر المترائى من إسناد الإعجاب إلى النظر الظاهر في تحققه في هذه الحال كما عرفت[9].

وقد منع المحقق النراقي(ره) دلالتها على الجواز بلحاظ أن موضوعها حال الاضطرار، وهو خلاف ما نحن بصدده، فإن الابتلاء الوارد ذكره في لسان الراوي يعني الاضطرار، وعدم امكان التحرز[10].

وقد يؤيد ما ذكره(ره) بما ورد في كلامي صاحب الجواهر والشيخ الأعظم(قده)، من أنه رجل صنعة يتعامل فيها مع النساء.

 

والانصاف، أن الجزم بكون المقصود بالابتلاء المذكور في الصحيحة يعني الاضطرار بحيث يوجب حمل الجواز الصادر من الإمام(ع) إليه بجواز النظر على الحكم الثانوي صعب جداً، لعدم وضوح أن المقصود منه ما يوجب حصول حالة من الاضطرار وعدم القدرة على الاجتناب والغض عند الرجل بنحو يوقعه ذلك في عسر وحرج شديدين. بل الظاهر أنه نحو من أنحاء الحالات العادية والتي لا تصل لمستوى الاضطرار الذي لا ينفك الإنسان عنه.

وأجاب عنه بعض الأعاظم(قده)، بضعف حمل الابتلاء الوارد في الصحيح على الاضطرار، وأنه الوجه في السؤال ما يدخله من الأعجاب بعد النظر، فإن إطلاق الابتلاء على الاضطرار لم يعهد في المحاورات، فهو استعمال غير مأنوس، لكونه على خلاف المتفاهم العرفي من هذه الكلمة كما لا يخفى[11].

 

ومنع بعض الأعاظم(ره) من الاستناد إليها لوجود مانعين فيها يمنعان من ذلك:

الأول: اشتمالها على ما لا يمكن الالتـزام به، لأنها دلت على جواز النظر إلى المرأة بقصد التلذذ لقول السائل: فيعجبني النظر إليها، ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء.

الثاني: إن دلالتها على الجواز لا تختص بجواز النظر إلى الوجه واليدين فقط، بل إنها تدل أيضاً على جواز النظر إلى الشعر، وهو مقطوع البطلان.

وعليه، لو لم يقبل حمل الرواية على النظر الاتفاقي كما عرفت، فلابد من رد علمها إلى أهلها[12].

 

ويمكن الجواب عن المانعين المذكورين، أما الأول منهما، بأن الصحيحة لم تشتمل على ما لا يمكن الالتـزام به، لأن الذي لا يمكن الالتـزام به هو النظر للمرأة الأجنبية بتلذذ وشهوة وريبة، ووفقاً لما تقدم في تقريب دلالتها لن تكون مشتملة على ذلك.

وأما المانع الثاني، فجوابه، بأن دلالتها على جواز النظر إلى الشعر بالإطلاق، وهو قابل للتقيـيد بما دل على تحديد ما يجوز النظر إليه من المرأة بالوجه والكفين، وليس لسان الصحيحة آبياً عن التقيـيد كما هو واضح.

والحاصل، إنه بعد مناقشة غير واحد من الأعلام في دلالتها، وأن تمامية الدلالة مبنية على الجزم بعدم كون الحكم الصادر منه(ع) من الأحكام الثانوية، وأن النظر للمرأة الجميلة كان عملاً مقصوداً للسائل، وقد يمنع الأمران كما سمعت في مناقشة الأعلام، يصعب البناء عليها في مقام الافتاء لو انحصر الدليل فيها، لأنه يتصور وجود معنيـين محتملين في دلالتها، ومع وجود الاحتمال يبطل الاستدلال.

 

ومنها: خبر علي بن جعفر، عن أخيه(ع) قال: سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحل له؟ قال: الوجه والكف وموضع السوار[13]. ودلالتها على جواز النظر للوجه والكفين جلية واضحة.

إلا أن بعض الأعاظم(ره) منع دلالتها على المدعى، وقال بأن موضوعها هو المرأة التي يحرم نكاحها، وهي من تكون من المحارم، وليست المرأة الأجنبية ولذا تعجب(ره) من صاحب الجواهر(قده) عندما جعلها أحد أدلة جواز النظر.

والظاهر أن الموجب لجعله(ره) موضوع الرواية هو خصوص المحارم من النساء، لأن السائل قد خصص سؤاله بالمرأة التي لا تحل له، وهو ظاهر في التي لا يحل له نكاحها، وهن المحارم.

 

والانصاف أن الجزم بكون موضوع الرواية هو خصوص المحارم من النساء اللاتي لا يحل نكاحهن من الصعوبة بمكان، لأنه يحتمل أن يكون المقصود من قوله: لا تحل له، يعني لا يحل له النظر إليها، فلا يحل له النظر إلى بدنها وما شابه، لتكون في مقابل من يحل له النظر إليهن من المحارم.

ولو لم يكن الاحتمال الثاني أظهر، بل هو الظاهر بقرينة الجواب الوارد في كلامه(ع)، لأنه لا معنى أن يخصص النظر للمحارم من النساء بخصوص الوجه والكفين، فلا أقل من كونه محتملاً معتداً به، وعليه يكون جزم بعض الأعاظم(ره) على خلاف الصناعة.

وقد يقرر تقديم الاحتمال الثاني الذي ذكرناه في مدلول الخبر، اعتماداً على ما يقرر في محله، من أنه متى دار مدلول نص من النصوص بين محتملين ظاهرين، وكان أحدهما أقرب إلى الذهن عرفاً من الآخر، كان التقديم له، لأن المفروض أنه الذي ينساق إلى الذهن العرفي.

وعند تطبيق ذلك على النص محل البحث، ومع ملاحظة السؤال والجواب، سوف يكون الأقرب إلى الذهن العرفي هو الاحتمال الثاني، وهو النساء الأجنبيات، وليس النساء المحارم، خصوصاً بملاحظة أن السيرة مستقرة على مخالطة الرجل لمحارمه ونظره لوجههن وأكفهن، وما شابه ذلك، فلا معنى أن يسأل بعد ذلك عما ينظر إليه منهن، بل مع ملاحظة أن السيرة منعقدة على جواز نظر المحرم إلى أكثر من الوجه والكفين من محارمه فلا معنى للتقيـيد بذلك.

 

وعليه، يمكن أن يقرر تقريب دلالتها على المدعى، أن هناك شيئاً مفروغاً عنه عند السائل، وهو جواز النظر إلى شيء من بدن المرأة الأجنبية، لكنه يود تحديد هذا المقدار الذي يجوز النظر إليه منها، ولذا جاء يسأل الإمام(ع) عما هو الشيء الذي يجوز للرجل الأجنبي أن ينظر إليه من المرأة الأجنبية، وقد جاء التحديد من الإمام(ع)، بأنه الوجه والكفان.

والانصاف، تمامية دلالة الرواية على القول بجواز النظر إلى الوجه والكفين، وإنما المانع من الاستناد إليها ضعفها السندي، فقد وقع في سندها عبد الله بن الحسن، وهو لم يوثق. نعم لو بني على كفاية رواية الجليل عن الشخص للحكم بوثاقته، فإنه يمكن الالتـزام بكونه ثقة لرواية عبد الله بن جعفر الحميري الثقة الجليل عنه.

 

ومنها: مرسلة مروك بن عبيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله(ع) قال: قلت له: ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال: الوجه والكفان والقدمان[14].وهي واضحة الدلالة في جواز النظر إلى الوجه والكفين والقدمين من المرأة الأجنبية. نعم يمنع من الاستناد إليها ضعف سندها، فإنها مرسلة ومروك ليس ممن لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة.

 

ومنها: خبر عمرو بن شمر، عن أبي جعفر(ع) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: خرج رسول الله(ص) يريد فاطمة وأنا معه، فلما انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه، ثم قال: السلام عليكم، فقالت فاطمة(ع): وعليك السلام يا رسول الله، قال: أدخل؟ قالت: أدخل يا رسول الله، قال: أدخل أنا ومن معي؟ قالت: ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنعني به رأسك، ففعلت ثم قال: السلام عليك، فقالت: وعليك السلام يا رسول الله، قال: أدخل؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: أنا ومن معي؟ قالت: ومن معاك. قال: جابر: فدخل رسول الله(ص) ودخلت وإذا وجه فاطمة(ع) اصفر كأنه بطن جرادة، فقال رسول الله(ص): ما لي أرى وجهك أصفر، قالت: يا رسول الله، الجوع، فقال رسول الله(ص): اللهم مشبع الجوعة ودافع الضيعة اشبع فاطمة بنت محمد، قال جابر: فوالله لنظرت الدم يتحدر من قصاصها حتى عاد وجهها احمر فما جاعت بعد ذلك اليوم[15].  والاستدلال بها على المدعى من خلال فعل المعصوم(ع)، وهو السيدة الزهراء(ع)، فإنها كانت مكشوفة الوجه، فلو كان كشف الوجه ممنوعاً ومحرماً، ولا يجوز نظر الأجنبي إليه، لكان عليها ستر وجهها خصوصاً وأنها كانت على دراية بأن القادم مع رسول الله(ص)، رجل أجنبي وهو جابر، فعدم قيامها بستر وجهها يدل على عدم المنع من النظر إليه، وقد أقرها رسول الله(ص) على ذلك، ولم ينهها.

 

وبالجملة، دلالة الرواية على الجواز، يمكن أن تكون من خلال الفعل الصادر من السيدة الزهراء(ع)، ويمكن أن يكون بلحاظ الإقرار الصادر من رسول الله(ص).

وقد حملها صاحب الجواهر(قده) على حصول النظر الاتفاقي وليس النظر القصدي من جابر بن عبد الله الانصاري[16].

 

وهو خلاف الظاهر، لأن المستفاد من قول جابر: ودخلت وإذا وجه فاطمة(ع) أصفر كأنه بطن جرادة، فإنه ظاهر في النظر القصدي الإرادي، خصوصاً بملاحظة التشبيه، لأنه كاشف عن تمعن وملاحظة دقيقة للمنظور إليه، وإلا لم يكن التشبيه مقبولاً.

وقد أجاب عنها بعض الأعاظم(قده)، بأن متنها غير قابل للتصديق، فإن مقام الصديقة الزهراء(ع) يمنع من ظهورها أمام الرجل الأجنبي بحيث يراها قطعاً، فإن كل امرأة شريفة تأبى ذلك، فكيف بسيدة نساء العالمين(ع).

ومما يؤيد ذلك، أن مضمون الرواية من أنها(ع) ما جاعت بعد ذلك اليوم، معجزة عظيمة، فكيف لم يروها غير عمرو بن شمر، وينفرد هو فقط بنقلها[17].

وقد تناقش الرواية سنداً بسبب راويها، وهو عمرو بن شمر، للبناء على ضعفه، مقابل من بنى من الأعلام على وثاقته، وهذا يعني أن في الرجل قولين:

 

الأول: البناء على كونه ضعيفاً، لا يعول على مروياته.

الثاني: البناء على وثاقته، وقد أختاره المحدث النوري(قده) في خاتمة المستدرك،

 

وقد تمسك أصحاب القول الأول لمختارهم بأمرين:

أحدها: تضعيف ابن الغضائري(ره) إياه فقد ذكر في ترجمته: عمرو بن شمر أبو عبد الله الجعفي، كوفي، روى عن أبي عبد الله، وجابر، ضعيف.

الثاني: تضعيف النجاشي(ره) إياه في موضعين:

الأول: في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، حيث قال: روى عنه جماعة غمز فيهم، وضعفوا منهم: عمرو بن شمر، ومفضل بن صالح، ومنخل بن جميل، ويوسف بن يعقوب.

الثاني: في ترجمته، حيث قال: عمرو بن شمر أبو عبد الله الجعفي، عربي، روى عن أبي عبد الله(ع)، ضعيف جداً.

 

وقد أجاب عنه المحدث النوري(ره)، في الخاتمة، بأن الظاهر أن منشأ تضعيف النجاشي له يعود إلى نسبة الكذب والوضع له من مجهول، لا يعرف حاله.

مع أن هناك ما يدل على نفي الكذب عنه، وعدم وضعه، وهو رواية الأجلاء عنه، واعتمادهم على تفسير جابر الجعفي الذي بروايته.

وقد ذكر(ره) رواية خمسة من أصحاب الأجماع عنه، وعشرة من الأجلاء، وكبار الرواة، أمثال: يونس بن عبد الرحمن، وحماد، ومحمد بن خالد البرقي، وإسمعيل بن مهران، ومحمد بن سنان، ونضر بن سويد، وغيرهم. قال(قده): وكيف يحتمل في حقه الضعف بالكذب مع اعتماد هؤلاء عليه، وفيهم مثل يونس وحماد الذي بلغ من تقواه وتثبته واحتياطه أنه كان يقول: سمعت من أبي عبد الله(ع) سبعين حديثاً فلم أزل أدخل الشك على نفسي حتى اقتصرت على هذه العشرين، وهل يروي مثله عن غير الثقة المأمون-إلى أن قال-يؤيد ذلك اعتماد علي بن إبراهيم عليه في تفسيره كثيراً[18].

 

وقريب منه ذكر الشيخ النمازي(ره) في المستدركات، حيث قال: وظاهر أن وجه استضعافه أخباره التي توهم أنها فيها الغلو، وظاهر أن بعض ما تعدّه القدماء غلواً يعدّ الآن من ضروريات مذهب الشيعة[19].

وأجاب بعض الأعاظم(ره)، عما أفاده المحدث النوري(قده)، بأن رواية الأجلاء، أو أصحاب الإجماع عن شخص، وكذلك اعتماد القدماء عليه، لا تدل على وثاقته[20].

 

وأما القائلون بالتوثيق فتمسكوا لذلك:

أحدها: اعتماد الصدوق(ره) عليه، فقد وقع في طريقه إلى جابر بن يزيد الجعفي، ووفقاً لما ذكره في المقدمة، من أنه لم ينقل في كتابه الفقيه إلا ما يكون حجة بينه وبين ربه، فيكشف ذلك عن اعتماده عليه.

ولا يخفى أن تمامية الوجه المذكور مبنية على أن يكون مسلك الصدوق(ره) في الحجية هو خصوص خبر الثقة، وليس الخبر الموثوق بصدوره، لأنه لو كان مختاره الثاني، فإنه لن يكون الاستناد لشيء من النصوص كاشفاً عن اعتبار سندها، بل قد يكون ذلك لوجود قرائن أوجبت الوثوق بصدورها. وقد ذكرنا في محله بناء الصدوق(ره) على الثاني دون الأول.

 

ثانيها: ترجمة الشيخ(ره) له في الفهرست والرجال دون إشارة منه إلى ضعفه وعدم قبول مروياته، وهذا يعني أنه لو كان كذاباً لكان ذلك موجباً للنص عليه، فعدم نصه على ذلك يكشف عن حسن حاله على أقل تقادير.

ومع أن هذا لو سلم، فإنه مجرد ظهور، وهو لا يقاوم النص الصادر من ابن الغضائري، والنجاشي(ره)، ولا أقل الثاني منهما لو منع القبول بالصادر عن الأول.

على أنه قد تكرر منا غير مرة، أن كتاب الفهرست ليس كتاب جرح وتعديل، وإنما كان غرض الشيخ(ره) من كتابته هو تعداد مصنفات أصحابنا دون إشارة إلى شرح حالهم، وما قد يتضمنه من بيان حال بعضهم أحياناً، فإنه من باب الاستطراد.

وعدم تعرضه(ره) لبيان حاله في كتابه الرجال، لا يكشف بالضرورة عن نفي الكذب عنه، فقد يكون ذلك لعدم جزمه بذلك، أو عدم ثبوت ذلك عنده، لا أنه ينفي عنه ذلك.

 

ثالثها: وقوعه في أسناد تفسير علي بن إبراهيم القمي(ره).

رابعها: وقوعه في أسناد كامل الزيارات لابن قولويه(ره).

وقد عرفت حال هذين التوثيقين، وعدم صلاحيتهما لعدهما ضمن التوثيقات العامة.

خامسها: ما جاء عن الوحيد(قده) في التعليقة على منهج المقال، من أنه لم يطلع على رواية تدل على ضعفه وذمه، بخلاف بقية أصحاب جابر، بل إنه قد نص على أنه يعتقد اعتبار مروياته، على أساس كثرة رواية علي بن إبراهيم عنه في التفسير، والصدوق(ره).

ومع الغض عن كون الموثق من المتأخرين الذين لا يعول على الصادر عنهم، فإنه مستند للحدس، وليس ناجماً عن حس.

 

سادسها: اعتماد المفيد(قده)، وهذا يظهر منه في موضعين:

الأول: في كتابه الكافئة والذي ألفه مبنياً على المسائل العملية، وتقيد الأخبار وردها وقبولها، وقد تلقى أخباره في هذا الكتاب بالقبول، ولم يعمد إلى رد شيء منها.

الثاني: في الرسالة العددية التي ألفها للرد على أصحاب العدد.

 

سابعها: رواية الأجلاء عنه، واعتمادهم على مروياته، فقد كانوا يروون عنه ما يرويه عن جابر بن يزيد الجعفي غالباً، بحيث يعد هذا منهم توثيقاً حسياً فلا يعارضه التضعيف الصادر من النجاشي(ره)، لأنه سوف يكون بمثابة التضعيف الحدسي[21].

ومضافاً لما قد عرفته غير مرة من عدم تمامية الكبرى التي يعتمد عليها هذا الوجه للبناء على الوثاقة، فلا تعد رواية الجليل أمارة من أمارات التوثيق، فإن نقلهم عنه خصوص مرويات جابر قد يكون لخصوصية فيها بحيث أنهم قد أطلعوا على ما يساعد على عدم وجود وضع فيها أو تدليس وكذب.

 

ومنها: ما رواه أبو حمزة الثمالي، عن أبي جعفر(ع)، قال: سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها إما كسر وإما جرح في مكان لا يصلح النظر إليه يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أيصلح له النظر إليها؟ قال: إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت[22]. وتقريب دلالتها بلحاظ أن المستفاد من سؤال السائل أن هناك ارتكازاً متشرعياً ثابتاً يدل على عدم المنع من النظر إلى جميع أجزاء جسد المرأة، وإنما يحرم ولا يصلح النظر إلى بعض أجزاء منه، دون أجزاء أخرى فإنه يصلح النظر إليها ويجوز.

ولما كان الارتكاز المتشرعي منتهياً إلى الحكم الشرعي، فإنه يدل على ثبوت جواز النظر إلى تلك الأجزاء في الشريعة السمحاء، ومن المعلوم أن الارتكاز المتشرعي منعقد على عدم جواز النظر إلى ما عدا الوجه والكفين من جسد المرأة الأجنبية، فيثبت بذلك جواز النظر إليهما.

وإن شئت، فقل: إن تقريب دلالة الرواية من خلال تشكيل قياس منطقي من الشكل الأول، كبراه، إن وجود ارتكاز متشرعي ينتهي إلى الحكم الشرعي الكاشف عن بيان الحكم في الشريعة المقدسة، فلو كان الارتكاز المتشرعي منعقداً على المنع كان الحكم في الشريعة هو الحرمة، ولو كان الجواز، كان الحكم فيها هو الجواز، وهكذا.

 

وأما الصغرى وهي: إن في البين ارتكازاً متشرعياً منعقداً على جواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة الأجنبية، دون بقية الأجزاء الأخرى من جسدها، فتكون النتيجة هي جواز النظر إليهما.

ولولا المشكلة السندية التي سبقت الإشارة إليها عند الحديث عن معالجة الرجل الأجنبي للمرأة الأجنبية، لم يكن هناك ما يمنع من الاستناد إليها.

 

ومنها: معتبرة البزنطي، عن الرضا(ع) قال: سألته عن الرجل يحل له أن ينظر إلى شعر أخت امرأته؟ قال: لا، إلا أن تكون من القواعد، قلت له: أخت امرأته والغريبة سواء؟ قال: نعم، قلت: فما لي من النظر إليه منها؟ قال: شعرها وذراعها[23]. وتقريب دلالتها بلحاظ أن السؤال يكشف عن وجود أمر مفروغ عنه بالنسبة للسائل وهو النظر للوجه والكفين، وإنما جاء يسأل عن أكثر من ذلك، وإلا لو لم يكن عنده ارتكاز بجواز النظر إليهما، لكان السؤال عن جواز النظر إليهما أولى من السؤال عن جواز النظر إلى الشعر. وقد أمضى الإمام(ع) هذا الارتكاز، فلم يمنع منه، ولذا قصر الجواب على بيان عدم جواز النظر إلى شعرها.

 

ومنها: معتبرة الفضيل، قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال الله:- (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن)، قال: نعم، وما دون الخمار من الزينة وما دون السوارين[24]. وتقريب دلالتها على أساس أن المقصود من قوله: وما دون الخمار، وما دون السوار، هو الوجه والكفان، فيثبت المطلوب.

ولا ريب في دلالة المعتبرة على جواز إبداءهما، إلا أنه لا دلالة لها على جواز النظر إليهما، والمفروض أن موضوع البحث هو جواز النظر وليس جواز الإبداء. نعم بناءً على الالتـزام بوجود ملازمة بين جواز الإبداء والنظر، سوف يبنى على جواز النظر عندها.

 

 

 

 

[1] سورة النور الآية رقم 31.

[2] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 32 ص 41.

[3] وسائل الشيعة ج 20 ب 1 من أبواب النكاح المحرم ح 3 ص 308.

[4] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 32 ص 42.

[5] موسوعة الشيخ الأعظم(ره) ج 20 ص 53.

[6] جواهر الكلام ج 29 ص 79، موسوعة الشيخ الأعظم(ره) ج 20 ، موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 32 ص 43.

[7] موسوعة الشيخ الأعظم(ره) ج 20 ص 53-54.

[8] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 23 ص 43.

[9] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 12 ص 78-79.

[10] مستند الشيعة ج ص

[11] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 12 ص 79.

[12] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 32 ص 43.

[13] قرب الإسناد ح 890 ص 227.

[14] وسائل الشيعة ج 20 ب 109 من أبواب مقدمات النكاح ح 2 ص 201.

[15] وسائل الشيعة ج 20 ب 120 من أبواب مقدمات النكاح ح 3 ص 215.

[16] جواهر الكلام ج 29 ص

[17] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 32 ص 45.

[18] خاتمة المستدرك ج 4 ص 193.

[19] مستدركات علم الرجال ج 6 ص 45.

[20] معجم رجال الحديث ج 14 ص 117.

[21] الاجتهاد والتقليد في علم الرجال ص 496.

[22] وسائل الشيعة ج 20 ب 130 من أبواب مقدمات النكاح ح 1 ص 233.

[23] وسائل الشيعة ج 20 ب 107 من أبواب مقدمات النكاح ح 1 ص 199.

[24] وسائل الشيعة ج 20 ب 109 من أبواب مقدمات النكاح ح 1 ص 200.