الحقد مرضٌ أخلاقيٌ إجتماعي

لا تعليق
من القلب إلى القلب
126
0

من الامراض الاخلاقية التي ينبغي عدم إصابة المؤمنين بها وإن كانت تصيب المجتمعات البشرية عادة مرض الحقد، وللمرض المذكور آثار وخيمة وخطيرة جدا على الإنسان وعلى المجتمع.

حقيقة الحقد ومعناه:
يستفاد من كلمات اللغويين عند شرحهم لحقيقة الحقد أنه: إضمار العداوة في القلب، وتربص فرصة الإيقاع به.

وهذا التعريف يشتمل على ركنين:

الأول: هو العداوة التي تكون مبتدأ الحقد ومنشأه، فهو لا يكره شخصا إلا بعد أن يكون عدوا له.
الثاني: التشفي والشماتة، وهذا كما يكون بالظفر بمن يحقد عليه يكون بالشماتة به حال وقوعه في مصيبة مثلا، أو نزول نازلة به كفقد عزيز أو خسارة مال وما شابه ذلك. ولهذا ورد عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: الحقد نار كامنة لا يطفأها إلا موت أو ظفر.

وأشدّ من الحقد الضغينة وهي تعني الحقد في مرتبته العالية، ولهذا يعبر عن الحقد الشديد بالضِغْن. فكل ضغن حقداً، وليس كل حقد ضغناً، فالنسبة بينهما العموم المطلق.

ويعدّ الحقد سبباً من أسباب حصول الغِل وتحققه، لأن المقصود منه: إدخال شيء في شيء يوجب تغيراً وتحولاً. ومن مصاديقه الغل وهو ما يدخل في القلب ويوجب تحوله من الصفاء والخلوص إلى خلط وانكدار، كالعداوة والبغض والضغن والحقد والحسد والخيانة وغيرها[1].

ونلاحظ إطلاق مفهوم الغل على مجموعة من الأمور التي تنفذ للقلب والتي منها الحقد، وعليه يكون نفوذ الحقد مصداقاً لحصول الغل.

الآثار المترتبة على الحقد:

لا يختلف الحقد عن بقية الأمراض التي تقاس مدى خطورتها بما لها من الآثار، فيعرف مقدار خطورتها بآثارها وعواقبها الوخيمة لتعدّ من الأمراض الخطيرة، سواء كانت أمراضاً روحية أم جسدية. أما لو كانت آثارها عادية فسوف يكشف ذلك عن عدم أهمية المرض المذكور فضلاً عن عدم خطورته.

وتظهر مدى خطورة مرض الحقد بملاحظة ما له من آثار وخيمة ويمكن تقسيمها إلى قسمين:

الأول: الآثار الدنيوية.
الثاني: الآثار الأخروية.

أما القسم الأول، فيمكن ذكر مصداقين له:

أحدهما الآثار النفسية:

لا ريب في كون الحقد سببا موجبا لسلب الراحة والاستقرار لمن يبتلى به، فلا يعرف طعما للراحة والاستقرار، ويشير لهذا المعنى إمامنا العسكري(ع) عندما يذكر أن أقل الناس راحة هو الحقود، قال(ع): أقل الناس راحة الحقود[2]. مضافا لكونه سببا مباشرا في قطع علاقاته الاجتماعية مع الآخرين، وقد أشار لذلك أمير المؤمنين(ع) فقال: ليس لحقود أخوة. وهذا يوجب له عزلة اجتماعية فيؤدي به ذلك لحالة القلق النفسي وفقدان الاستقرار.

ثانيهما: الآثار الاجتماعية:

وقد عرفت قبل قليل كيف يكون الحقد سببا لحصول عزلة اجتماعية لصاحبه لما ورد عن سيد الموحدين(ع) من أنه ليس لحقود أخوة، مضافا إلى أنه يمثل عنصر أساس في كثير من الفتن الاجتماعية. ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى عزلة اجتماعية وفقدان الارتباط بين الأفراد. وقد ورد عن أمير المؤمنين(ع): أن رأس العيوب الحقد.

الآثار الأخروية:

وأما القسم الثاني، وهو الآثار الأخروية، فالمستفاد من النصوص كونه أحد الأسباب الموجبة لحصول الإحباط، فقد ورد عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: الحقد يحبط الحسنات.

تطهير القلب منه:

ولتطهير القلب من هذا المرض يلزم اتباع خطوات:

منها: الوقفة الصادقة مع النفس: فيجلس الإنسان متفكراً بينه وبين ربه وبين نفسه، ويتأمل في الفوائد المترتبة على حقده على الآخرين، وما يجنيه من ذلك، فإن هذه الوقفة كفيلة لتخفيف حالة الاحتقان الموجودة عنده عندما يلتفت لعدم وجود أي أثر إيجابي لما يحمله في قلبه من حقد. فضلا عما يترتب عليه وعلى علاقته بربه من آثار سلبية وفقدانه للاستقرار والراحة.

ومنها: تجنب الخصومات والمشاحنات: لأنها توجد الاحقاد، وتغمر القلب الذي وجد ليعمر بالحب والمودة بالكراهية والشحناء والبغضاء.

ومنها: التثبت في ترتيب الآثار: فلا يتعجل الإنسان في ترتيب الأثر لمجرد أن يسمع قولا من شخص أو يبلغه خبر من فرد، بل يلزمه التثبت والتريث حتى يتبين له الحق وينجلي له الأمر، وهذا قد يحتاج في بعض الأحيان للمصارحة والمكاشفة مع الآخرين، لتنجلي الحقائق وتتضح الأمور.

نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من كل حقد وغل وضغينة وأن يجعلها عامرة بحبه وذكره وطاعته بحق محمد وآله الطاهرين(ع).

[1] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج 7 ص 312.
[2] تحف العقول

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة