المختار الثقفي في الميزان(3)

لا تعليق
كلمات و بحوث الجمعة
112
1

المختار في الميزان:

ثم إنه بعد الفراغ عن كون الرجل كيساني المعتقد، يلزم البحث عن ما يوجب وثاقته، وصلاحه وحسن حاله بعدما ثبت فساد معتقده، وهذا يستدعي دراسة النصوص التي وردت في شأنه، وأن المادح منها هل يصلح لإثبات ذلك.

ومن المعلوم أن النصوص الواردة فيه طائفتان، نصوص مادحة ونصوص ذامة.

أما النصوص المادحة:

وهي التي تمسك بها القائلون بحسن حاله، وحكموا بصلاحه، وأود قبل التعرض إليها التبيه إلى أمر مهم في دلالتها، إذ سوف يجد القارئ أن أقصى ما يستفاد منها تركيزها على كونه قد طلب بثأر الإمام الحسين(ع)، وقصرها الحديث عنه في خصوص هذه الناحية، من دون أن تكون متعرضة إلى ذلك بصورة مطلقة، ومن المعلوم أن مقتضى ذلك هو عدم البناء على حسن حاله، فضلاً عن صلاحه، لما ورد عن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: إن الله عز وجل إذا أراد أن ينتصر لأوليائه انتصر لهم بشرار خلقه، وإذا أراد أن ينتصر لنفسه انتصر بأوليائه، ولقد انتصر ليحيى بن زكريا ببخت نصر[1]. ونحن لا نقول بكون المختار مصداقاً لشرار خلقه سبحانه وتعالى، لكن نود التأكيد على أن مجرد أخذ الثأر والطلب بالدم، وقتل القتلة، لا يعدّ منقبة يمكن أن يستكشف منها حسن حال الطالب بالثأر. على أن هناك كلاماً كثيراً بين المؤرخين حول الدوافع والدواعي التي دعت المختار للطلب بثأر الإمام الحسين(ع) وقتل قتله، سوف نشير إليها إن شاء الله تعالى في ختام الحديث.

والحاصل، إن مقتضى ما ذكر، أنه لا يرتب أثر الصلاح والبناء على حسن الحال، ومن ثم الوثاقة لمجرد وجود النصوص التي تضمنت أنه قد أخذ بالثأر، بل لابد وأن تكون هناك نصوص أخرى دالة على ذلك، أو تضمن تلك النصوص أموراً أخرى تكشف عن ذلك.

ثم إنه بعد ما عرفت ما يلزم تقديمه، نعمد إلى عرض النصوص المادحة:

فمنها: ما رواه جارود بن المنذر عن أبي عبد الله(ع) قال: ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين(ع).

ولا يخفى أن ما يقصى ما يستفاد منها الحديث عن قيامه بأخذ الثار للإمام الحسين(ع)، وأن ذلك ترك أثره على البيت العلوي، أما أن للرواية دلالة من قريب أو بعيد عن حسن حال الرجل، أو أن ما أقدم عليه من عمل كان يطلب به وجه الله تعالى، ولم يكن من خلاله يطلب أغراض دنيوياً، فليس واضحاً كما لا يخفى.

ومنها: ما رواه سدير عن ابي جعفر(ع) قال: لا تسبوا المختار، فإنه قتل قتلتنا، وطلب بثأرنا، وزوج أراملنا، وقسم فينا المال على العسرة.

ولا يختلف حال هذا النص، بعيداً عن الخلل السندي فيه بوجود هشام بن المثنى، عن سابقه، ذلك انه لا يفيد أقصى من قيامه بالانتقام لأهل البيت(ع)، وقد عرفت أن الاستناد لمثل هذا الانتقام، لترتيب آثار الصلاح على الرجل متوقف على إحراز أن الرجل كانت أهدافه منحصرة في هذا الجانب، وفقاً لما كان يملكه من ارتباط عقدي مع البيت العلوي، والذي عرفت في ما تقدم، عدم توفره، مع أنه لم يحرز أن أهدافه كانت منحصرة في هذه الجانب.

وبالجملة، لا دلالة للخبر على أكثر مما ذكرنا، بل لا يبعد البناء على دلالته على ذم المختار، وعدم أهليته، لكون النهي الوارد من الإمام(ع) كان متوجهاً لأصحابه، وهو كاشف عن أن سبه كان أمراً متداولاً بينهم، وقد رغب إليهم الإمام(ع) بترك ذلك، فجاء ينهاهم عن الاستمرار فيه، ولا ريب أن المنع من الاستمرار في سبه، يؤكد عدم صلاحه، وما طلبه ترك الاستمرار في سبه إلا لأجل أن يحفظ له ما قام به، فلا يرمي أعداء أهل البيت(ع) أصحابهم، بأنهم لا يقدّرون من يقوم بخدمتهم.

والحاصل، إن الخبر المذكور، لو لم يكن تام الدلالة على الذم، فلا ريب في عدم صلوحه للدلالة على الحسن، فتدبر جيداً.

ومنها: ما رواه عبد الله بن شريك، قال: دخلنا على أبي جعفر(ع) يوم النحر وهو متكئ، وقد أرسل إلى الحلاق فقعدت بين يديه، إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال: من أنت؟ قال: أنا أبو محمد الحكم بن المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وكان متباعداً من أبي جعفر(ع) فمد يده إليه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، ثم قال: أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك، قال: وأي شيء يقولون؟ قال: يقولون كذاب، ولا تأمر بشيء إلا قبلتهن فقال: سبحان الله أخبرني أبي والله إن مهر أمي كان مما بعث به المختار، أو لم يبن دورنا، وقتل قاتلينا، وطلب بدمائنا؟ رحمه الله، وأخبرني أنه كان ليتم عند فاطمة بنت علي يمهد لها الفراش ويثني لها الوسائد، ومنها أصحاب[2] الحديث، رحم الله أباك، رحم الله أباك، ما ترك لنا حقاً عند احد إلا طلبه، قتل قتلتنا وطلب بدمائنا.

وهذه الرواية واضحة الدلالة في عدم صلاح الرجل، ومنع حسن حاله، ذلك أن ولده قد جاء يسأل عن حال أبيه عند الإمام المعصوم(ع)، وهذا يعني أن الرجل لم يكن ذا مقبولية في الوسط الشيعي، وأنه كان مورد رفض، ولا وجه لحمل كلمة الناس في الخبر على أبناء العامة، كما يصار إلى ذلك في بعض النصوص، لأنه لا معنى لأن يطلب رأي الإمام(ع) في مقابل رأي هؤلاء الأخشاب، خصوصاً وأنه قد جعل المعيار على كلام الإمام(ع)، وظاهره أنه يرغب أن يجعل قوله(ع) مورداً للإحتجاج على القائلين فيه بما قاله له للإمام(ع)، كما لا يخفى.

هذا ولو أريد التمسك بترحم الإمام(ع)، منع من ذلك، بأنه لا يتعدى كونه دعاءً صادراً منه(ع)، ولا ظهور له في أكثر من ذلك، بل إن الملاحظ أن السائل جاء يطلب من الإمام(ع) نفي تهمة الكذب، لكنه(ع) لم يجبه إلى ذلك، وإنما قصر حديثه على بيان ما قام به من عمل، وقد عرفت حال مثل هذا الأمر، فلا نعيد.

على أن في الرواية ما يمنع من القبول بها، وهو ذكره(ع) أن مهر أمه(ع) كان مما بعث به المختار، وهذا يتنافى وكونه(ع) كان مولوداً يوم واقعة الطف، أي قبل قيام المختار بحركته.

ولم يتضح لي المقصود بفاطمة بنت علي(ع)، فلو كان المراد بها واحدة من بنات الإمام زين العابدين(ع)، فإنه يتنافى والوضع الأمني للإمام(ع)، وهو الذي جعله العلامة المامقاني(ره) حال تقية، فكيف يبقى في بيتها، على أن المفروض أنه في تلك الحقبة كان ما بين السجن، وبين الانشغال ببناء دولته، وملكه وسلطانه. مضافاً إلى أنه كيف نتصور دخول أجنبي إلى البيت الهاشمي، وهو بيت العفة والطهارة.

وبالجملة، إن الخبر المذكور، فيه موانع من القبول بصدوره، على أنه غير ظاهر في المدعى، ولعل الاغتشاش الذي فيه كان سببه نقله بالمعنى، فتأمل جيداً.

ومنها: ما رواه الاصبغ بن نباتة، قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين(ع)، وهو يمسح رأسه، ويقول: يا كيس، يا كيس.

وتقريب دلالتها على المدعى سوف يكون بالبيان الذي سبق وحكيناه عن العلامة المامقاني(ره) من خلال معرفة الإمام(ع) بعاقبته، وصدور مثل هذا الفعل منه يشير إلى حسن حاله، ومكانته.

والإنصاف، أن أقصى ما يستفاد من الخبر أنه(ع) يشير إلى فطنة الغلام، و ما سوف يقوم به من عمل تجاه أهل البيت(ع)، أعني أخذه بثأرهم ليس إلا.

ومنها: ما رواه عمر بن علي بن الحسين، إن علي بن الحسين(ع) لما أتى برأس عبيد الله بن زياد، ورأس عمر بن سعد، قال: فخر ساجداً، وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي، وجزى الله المختار خيراً.

وتقريب دلالتها على المدعى من خلال قوله(ع): وجزى الله المختار خيراً، فإن هذا الكلام الصادر منه(ع) يدل على صلاح الرجل، ورضا الإمام(ع) بالعمل الذي قام به. وقد عرفت استناد العلامة المامقاني(قده) إلى مثل هذا الخبر في ما تقدم.

والصحيح، أنه لا يستفاد من الخبر المذكور أكثر من دعاء الإمام(ع) إليه، وقد عرفت منا في ما تقدم، أن دعاء المعصوم(ع) قد يكون للفاسقين كما يكون للصالحين، لأنه نحو طلب من الله سبحانه وتعالى، كما هو في دعاء الإمام الصادق(ع) لزوار قبر أبي عبد الله الحسين(ع).

وقد تحصل مما تقدم، عدم وجود رواية واحدة صالحة للمدح، والبناء على حسن الحال، وبالتالي لا يحتاج الباحث إلى دراسة النصوص الذامة، لأنه ووفقاً لما جاء، سوف يبنى على أقل التقادير على كون الرجل مجهول الحال. هذا ولا يفوت القارئ أنه لم نتعرض لملاحظة أسناد النصوص المادحة، تبعاً لما جرى عليه الإمام الخوئي(ره)، فإنه أعرض عن التنصيص على حال هذه الأخبار، وقصر الأمر على خصوص الرواية الأولى، وإن كان بنى آخرون على اعتبار الرواية الثانية أيضاً، لكننا قد نبهنا على ضعفها بهشام، لمجهوليته من جهة، ولأن رواية ابن أبي عمير عنه لا تفي ما لم تكن محققة لشرط ذكرناه في محله.

إلا أنه واستكمالاً للبحث، يلزم التعرض أيضاً للرواية الذامة:

فمنها: ما رواه حبيب الخثعمي، عن أبي عبد الله(ع) قال: كان المختار يكذب على علي بن الحسين(ع).

ولم يعقب عليها الإمام الخوئي(ره) رغم أنها من النصوص الصحيحة، كما أن دلالتها على المدعى واضحة، ذلك أن الإمام(ع) يحكي أمراً من حال المذكور، وأنه كان يكذب على الإمام السجاد(ع) ولعمري أنه لا مجال لأن يحمل هذا النص على التقية، لما هو المعلوم من أنه يعتبر أن تكون هناك نكتة عقلائية في الحمل عليها، وهي غير متوفرة في المقام، فإن الرجل قد مات، ومضى عليه زمن كبير، ولم تكن الدولة الأموية في عصره(ع) من القوة بمكان، فكيف لو كان صدور هذا النص منه في عصر بني العباس.

والحاصل، لا ريب في تمامية دلالة هذا الصحيح على ذم الرجل، وعدّه في زمرة الكذابين على المعصومين(ع)، فلاحظ.

ومنها: ما رواه يونس عن أبي جعفر(ع) قال: كتب المختار بن أبي عبيدة إلى علي بن الحسين(ع) وبعث إليه بهدايا من العراق، فلما وقفوا على باب علي بن الحسين دخل الآذن يستأذن لهم فخرج إليهم رسوله فقال: أميطوا عن بابي، فإني لا أقبل هدايا الكذابين، ولا أقرأ كتبهم، فمحوا العنوان وكتبوا المهدى إليه محمد بن علي، فقال أبو جعفر: والله لقد كتب إليه بكتاب ما أعطاه فيه شيئاً إنما كتب إليه يا ابن خير من طشى ومشى، فقال أبو بصير لأبي جعفر(ع): أما المشي فأنا أعرفه، فأي شيء الطشي؟ فقال أبو جعفر: الحياة.

والخبر المذكور كسابقه من حيث الوضوح في الذم للرجل، فإن الإمام(ع) لم يقتصر على عدم قبول هداياه، الكاشف عن عدم مشروعية ما قام به من عمل، وأن الأموال التي بيده ليست شرعية، ومع أن الإمام(ع) كان يمكنه أخذه بما له ولاية على الأمة، بل له ملك الدنيا وما فيه، لكن أخذه إياها سوف يعطيه شرعية، ما كان(ع) يرغبها، ولهذا أمتنع عن الأخذ كما يظهر لعامة الناس عدم رضاه عما يفعله. بل عمد إلى وصفه بالكذاب.

ثم إن الخبر المذكور تضمن قوله(ع): والله لقد كتب إليه بكتاب ما أعطاه فيه شيئاً، والضمير عائد للمختار، وكأن غاية الإمام(ع) التأكيد على ما ذكرناه من عدم رضاه(ع) عن حركة الرجل، وأنها غير شرعية، وذلك بتأكيده على أن المختار لم يبعث للإمام(ع) شيئاً من الهدايا، وأن كتابه لم يكن متضمناً للاستئذان منه في حركته، فتدبر.

نعم من المحتمل أن يكون الضمير عائداً على محمد بن الحنفية، وقد يساعد عليه أنه الأقرب وعوده إليه أولى، وبالتالي يكون الإمام(ع) بصدد تبرئة عمه من أن يكون مخالفاً لأبيه(ع) وآخذاً لمنهج يغاير منهجه، فلاحظ.

ومنها: ما رواه عمر بن علي: أن المختار أرسل إلى علي بن الحسين(ع) بعشرين ألف دينار فقبلها، وبنى بها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت، ثم قال: ثم إنه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعدما أظهر الكلام الذي أظهره، فردها ولم يقبلها.

وقد يدعى مناقضة هذا الخبر لما تقدم، ذلك أن المستفاد منه أنه قد قبل هدايا المختار، بينما هو في الخبر السابق قد ردها، وهذا الذي دعى العلامة المامقاني(ره) إلى حمل هذه النصوص على التقية، وأن المقصود من قوله(ع): بعدما أظهر ما أظهر، يعني بعدما شاع أمره وفشى ذكره بين الناس، فصار الإمام يتقي من بني أمية، ومن عبد الملك.

وما ذكر يقبل، لو كان المقصود بقوله: بعدما أظهر الكلام الذي أظهره، ما قصده(ره) إلا أن هناك نصاً يفسر هذا الخبر، وهو ما روي عن أبي عبد الله(ع) أن أباه حدثه أن علي بن الحسين(ع) أتى محمد بن علي الأكبر، قال: إن هذا الكذاب أراه يكذب على الله وعلى رسوله، وعلينا أهل البيت، وذكر أنه يأتيه جبرئيل وميكائيل(ع)، فقال له محمد بن علي: يا ابن أخي أتاك بهذا من يصدّق؟ قال: نعم، قال: اذهب فارو عني لا أقول هذا، وإني أبرأ ممن قال به(ممن قاله)فلما انصرف من عنده دخل عليه عبد الله بن محمد وامرأته وسريته، فقالوا له: إنما أتاك علي بن الحسين بهذا أنه حسدك لما يبعث به إليك، فأرسل إليه محمد بن علي لا ترو علي شيئاً، فإنك إن رويت عني شيئاً قلت: لم أقله[3].

وقد عقب العلامة المجلسي غواص بحار الأنوار(ره) هذا الخبر بقوله، بيان: المراد بالكذاب المختار، (وذكر أنه) أي ذكر المختار للناس أن محمد بن الحنفية يأتيه جبرئيل وميكائيل، فلما خرج(ع) دخل على ابن الحنفية ابنه وامرأته وسريته ليصرفوه عن رد المختار وتكذيبه، لثلا ينقطع عنهم ما يأتيهم من قبله من الأموال، فلم يقبل منهم، وبعث إلى المختار لا ترو عني الأكاذيب بعد ذلك. فإنك إن رويت عني قلت للناس: أني لم أقله وإنه كاذب[4].

ولا يذهب عليك أن ما أفاده(قده) خلاف الظاهر، إذ أن ظاهر قوله: فأرسل محمد بن علي لا ترو علي…ألخ…، أن المرسل إليه هو الإمام زين العابدين(ع)، وهو المنسجم مع دخول من دخل عليه. وقد ألتفت إلى هذا العلامة المجلسي(ره)، وأشار إلى أن داعيه لحمل الخبر على خلاف ظاهره هو مراعاة شأن محمد بن الحنفية، قال(قده): هذا تأويل للكلام يناسب حال محمد بن الحنفية، وإلا فظاهر الكلام أنه قبل منه ذلك، وبعث إلى علي بن الحسين(ع) أن لا تنقل ما أمرتك بروايته عني من تكذيب المختار وبراءتي منه، وإلا فأنا أكذبك في ذلك عند الناس[5].

وكيف كان، فالظاهر من الخبر المذكور، أن المقصود من الكلام الذي أظهره دعواه أن محمد بن الحنفية يوحى إليه، بل ربما يستفاد من بعض الكلمات أن المختار قد أدعى النبوة، وقد سبقت الإشارة منا إلى ذلك، وهو ربما الظاهر من الخبر محل البحث، فلاحظ قوله(ع): وذكر أنه يأتيه جبرئيل وميكائيل(ع)، فإن الضمير يعود للمختار كما هو واضح، وهذا كاشف عن كونه يدعي نزول الوحي عليه، وأنه قائل بدعوى النبوة، الموجب لكفره. ولم يتضح لي منشأ إرجاع العلامة المجلسي(ره) الضمير إلى محمد بن الحنفية، وهذا الخبر يفند ما قدم ذكره من أن نسبة دعوى المختار للنبوة، ونزول الوحي عليه عامية، فإن هذا خبر مروي عن الإمام زين العابدين(ع).

ومنها: ما رواه ابن سنان في الصحيح قال: قال أبو عبد الله(ع) إنا أهل بيت صادقون، لا نخلو من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله(ص) أصدق البرية لهجة، وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين(ع) أصدق من برأ الله من بعد رسول الله، وكان الذي يكذب عليه(ويعمل في تكذيب صدقه بما يفترى عليه)من الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي(ع) قد ابتلى بالمختار، ثم ذكر أبو عبد الله الحارث الشامي، وبنان، فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين(ع)، ثم ذكر المغيرة بن سعيد، وبزيعاً، والسري، وأبا الخطاب، ومعمراً، وبشاراً الأشعري، وحمزة اليزدي، وصائداً النهدي، فقال: لعنهم الله، إنا لا نخلوا من كذاب يكذب علينا، أو عاجز الرأي، كفانا الله مؤنة كل كذاب، وأذاقهم الله حر الحديد[6].

وأحتمل فيها السيد الخوئي(ره) التحريف، لكون المختار مقيماً في الكوفة، والإمام الحسين(ع) كان مقيماً في المدينة، مما يجعل المختار المقصود في الصحيح شخصاً آخر غير المختار بن أبي عبيدة الثقفي[7].

وهو غريب جداً، ذلك أن المعروف تاريخياً أن الإمام الصادق(ع) كان مقيماً في المدينة المنورة، وكان أبو الخطاب في الكوفة، فكيف صار من الكذابين عليه، وكذا البقية، فهل سوف يحتمل سيدنا(ره) أن المقصود به شخص آخر غير المعروف؟!

على أنه لا يعتبر في الكذاب على شخص أن يكون هو والمكذوب عليه في بلد واحد، بل لعل عدم وجوده معه أدعى لإمكانية الكذب عليه، وأقصى ما يكون مطلوباً كونه ممن يحتمل فيه اللقاء به، ليمكن تصديق ما ينقله عنه.

ومنها: ما جرى منه تجاه الإمام الحسن السبط(ع)، وقد ضربه أحدهم بخنجر مسموم لما صار في مظلم ساباط، فأمر(ع) أن يعدل به على بطن جريحي، وعليها سعد بن مسعود الثقفي عم المختار، فقال المختار لعمه: تعالى حتى نأخذ الحسن ونسلمه إلى معاوية فيجعل لنا العراق، فنظر بذلك الشيعة من قول المختار لعمه، فهموا بقتل المختار، فتلطف عمه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار ففعلوا.

ودلالة الخبر المذكور على حال الرجل بينة لا تحتاج إيضاحاً، وقد أشرنا عند الحديث عن عقيدته إليه، وبيان ما هو المستفاد منه، فلا نعيد.

إلا أن السيد الخوئي(قده) منع من الاستناد إليه، لكونه ضعيف السند أولاً، فإن الصدوق(ره) قد رواه مرسلاً.

وثانياً: بأن من الممكن جداً حملها على عدم كون طلبه من عمه جدياً، وإنما أراد أن يستكشف رأي عمه، فإن علم أن عمه يريد ذلك لقام باستخلاص الحسن(ع) فكان قوله هذا شفقة منه على الحسن(ع)[8].

ويلاحظ عليه، أما بالنسبة للإرسال، فالظاهر أن الخبر المذكور مما وثق بصدوره لوجود قرائن عديدة تساعد عليه، حتى أن السيد المرتضى(ره)، وهو الذي عرف عنه أنه لا يعمل بخبر الآحاد، وإن كان راويه ثقة، قد نقله، كما جاء في كتاب تنـزيه الأنبياء عندما تعرض للإجابة عما يعترض به على الإمام الحسن(ع) في خلعه نفسه من الخلافة. قال: أوليس أحدهم جلس له في مظلم ساباط، وطعنه بمغول كان معه أصاب فخده وشقه حتى وصل إلى العظم، وانتزع من يده، وحمل(ع) إلى المدائن، وعليها سعد بن مسعود عم المختار، وكان أمير المؤمنين(ع) ولاه إياها، فادخل منزله، فأشار المختار على عمه أن يوثقه ويسيّر به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوحى سنة فأبى عليه، وقال للمختار: قبح الله رأيك، أنا عامل أبيه، وقد ائتمنني وشرفني، وهبني بلاء أبيه، ءأنسى رسول الله(ص) ولا أحفظه في ابن بنته وحبيبته[9].

ولا أقل من البناء على أن هذه الحادثة التاريخية من القضايا المشهورة التي لم تعد بحاجة إلى ملاحظة سندها في مقام الإثبات، هذا مع رفع اليد عن عدم حاجة القضايا التاريخية للملاحظة السندية، كما عرفت.

وأما التأويل الذي أفاده(ره) فلم يتضح وجهه، خصوصاً وأنه لا يوجد عليه ما يساعده من شواهد، بل الشواهد على خلافه، إذ أن النصوص الذامة له من جهة، والاختلاف الحاصل بين المؤرخين في معتقده، مساعدات على حمل الأمر على نحو الجد، كما أن المختار نفسه لم يعتذر لعمه أنه كان في مقام الاختبار، بل الظاهر أنه سكت، وقد قبل أن الشيعة احتوشوه، وكادوا أن يقتلوه، فلو كان ما صدر منه على الاختبار لاعتذر بذلك.

ومنها: ما رواه سماعة قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: إذا كان يوم القيامة مرّ رسول الله بشفير النار، وأمير المؤمنين والحسن والحسين، فيصيح صائح من النار: يا رسول الله أغثني يا رسول الله ثلاثاً، قال: فلا يجيبه، قال: فينادي يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ثلاثاً أغثني، فلا يجيبه، قال: فينادي يا حسين يا حسين يا حسين أغثني، أنا قاتل أعدائك، قال: فيقول له رسول الله: قد احتج عليك، قال: فينقض عليه كأنه عقاب كاسر، قال: فيخرجه من النار. قال: فقلت لأبي عبد الله(ع): ومن هذا جعلت فداك؟ قال: المختار، قلت له: ولم عذب بالنار، وقد فعل ما فعل؟ قال: إنه كان في قلبه منهما شيء، والذي بعث محمداً بالحق لو أن جبرئيل وميكائيل كان في قلبيهما شيء لأكبهما الله في النار على وجوههما[10].

وقد عقب العلامة المجلسي(ره) على الخبر المذكور، بقوله: بيان: كأن هذا الخبر وجه جمع بين الأخبار المختلفة الواردة في هذا الباب، بأنه وإن لم يكن كاملاً في الإيمان واليقين، ولا مأذوناً فيما فعله صريحاً من أئمة الدين، لكن لما جرى على يديه الخيرات الكثيرة، وشفي بها صدور قوم مؤمنين كانت عاقبة أمره آئلة إلى النجاة، فدخل بذلك تحت قوله تعالى:- (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم)، وأنا في شأنه من المتوقفين، وإن كان الأشهر بين أصحابنا أنه من المشكورين[11]. بل قد جعل(ره) التوقف فيه أنه أحوط وأولى.[12]

وقريب من الخبر السابق جاء في التهذيب في باب تلقين المحتضر من الزيادات[13].

وقد منع من الاستناد إليهما السيد الخوئي(ره) لضعفهما سنداً، ذلك أن رواية السرائر منقولة من كتاب أبان بن تغلب، وهو بحسب الطبقة لا يتصور فيه أن يكون راوياً عن جعفر بن إبراهيم الحضرمي عن زرعة، مضافاً إلى أن جعفراً نفسه لو كان المقصود به من عدّ في أصحاب الباقر(ع) لم تثبت وثاقته، ولو كان المقصود به من عدّه الشيخ في أصحاب الإمام الرضا(ع) فلا يتصور رواية أبان بن تغلب عنه.

وبالجملة، إن أهل الاختصاص في علم الرجال، يعلمون أن ابن إدريس ليس وارداً في هذا الفن، وأن كتابه يشتمل على تخليط كثير، فلاحظ.

وأما رواية التهذيب، فمضافاً لكونها مرسلة، فإن سندها قد اشتمل على أمية بن علي القيسي، وهو لم تثبت وثاقته[14].

وما أفاده(ره) من الخدشة السندية، في شأن رواية التهذيب لا ريب فيها، إلا إن المناقشة في مروية السرائر، فيمنعها كلام ذكره بعض أعلامنا المعاصرين(حفظه الله)[15]، من أن الكتاب بقرينة إسناده ليس لأبان بن تغلب، بل هو لشخص من محدثي القرن الثالث، ولعل مؤلفه هو أبان بن محمد البجلي المعروف بسندي البزاز ابن أخت صفوان بن يحيى، وهو يروي عن صفوان بن يحيى وعلي بن الحكم، وكذا محمد بن الوليد على بعض نسخ التهذيب، وقد روى عن هؤلاء الثلاثة هنا، ولعل المأخوذ منه هو نوادر أبان البجلي الذي رواه عنه جماعة منهم أحمد بن أبي عبد الله، ومحمد بن علي بن محبوب، وإنما خلط المؤلف(قده) بين أبانين[16].

ومما يساعد على القبول، بما ذكره(أطال الله بقائه)، ما ذكره الإمام الخوئي(ره) في شرح حال ابن إدريس من أنه ليس من أهل الفن في هذا المجال، فحصول الخلط منه متصور، وبقوة أيضاً. مضافاً إلى أن مقتضى الطبقة التي أشار إليها(ره) من عدم تصور رواية واحد من أصحاب الإمام الباقر(ع) عن زرعة، تساعد على كون الموجود هو جعفر بن إبراهيم بن ناجية الحضرمي، المعدود في أصحاب الرضا(ع)، وهو الذي يمكن أن يروي عنه أبان البجلي بحسب طبقه، ولا يضر وجود هذا الوهم، فإنه في النصوص من غير الواردين في هذا الفن كثير.

وللمحقق التستري(ره) في رجاله، كلمة في شأن ابن إدريس تنفع للمقام، قال(ره): ومن المستطرف أن الحلي ابن إدريس في مستطرفاته قال في عدة أخبار نقلها انه انتزعها من كتاب أبان بن تغلب، مع أنها من مرويات من كانقريباً من عصر الكليني[17].

وقد تحصل مما تقدم، كون مروي السرائر معتبراً، وبالتالي يصلح دليلاً للمدعى.

على أنه لو بني على كونه ضعيفاً كخبر التهذيب، إلا أن ذلك لا يوجب رفع اليد عنه، لأنه يصلح أن يكون مؤيداً لما تقدم من النصوص، بل إن ضمه إليها، ربما أوجد استفاضة على أضعف التقادير، لو لم يقل بثبوت التواتر المعنوي، فتأمل جيداً.

هذا والظاهر أن المقصود من قوله(ع): إنه كان في قلبه منهما شيء، إشارة إلى الشيخين، وقيل أن المقصود بهما، حب السلطة والملك، والدنيا والجاه.

وقد تحصل مما تقدم، أن أقوال أصحابنا في الرجل ثلاثة:

الأول: وهو الأشهر، وفقاً لما جاء في تعبير العلامة المجلسي(ره) من أنه المشكورين.

الثاني: وهو المشهور، لأنه المقابل للقول الأشهر كما لا يخفى بأنه ليس مقبول الأمر، وليس مشكور الحال، فضلاً عن أن يكون حسنه.

الثالث: الالتـزام فيه بالتوقف، وذلك لتعارض الأخبار المادحة والذامة فيه، ولو في الجملة، وعدم وضوح النصوص التي ادعى مدحها إياه لإثبات حسن الحال، بل أقصى ما تدل عليه أنه طلب بالثأر.

[1] بحار الأنوار ج 45 ح 4 ص 339.

[2] هكذا في المصدر ولعل الصواب أصاب.

[3] بحار الأنوار ج 42 ح 17 ص 88-89.

[4] المصدر السابق ص 89.

[5] المصدر السابق.

[6] معجم رجال الحديث ج 15 ص 263.

[7] المصدر السابق ص 263.

[8] معجم رجال الحديث ج 19 ص 105.

[9] بحار الأنوار ج 44 ص 28.

[10] بحار الأنوار ج 45 ح 5 ص 339.

[11] المصدر السابق.

[12] ملاذ الأخيار ج 3 ص 315.

[13] التهذيب ج 1 ص 467 ح73 من الزيادات في تلقين المحتضرين.

[14] معجم رجال الحديث ج 19 ص 108.

[15] المرجع الديني آية الله العظمى السيد موسى شبيري الزنجاني.

[16] السرائر ج 3 حاشية ص 563.

[17] قاموس الرجال ج 1.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة