25 فبراير,2020

آداب المريض و آداب زيارته (5)

اطبع المقالة اطبع المقالة

من المستحبات المؤكدة التي نص عليها الفقهاء في كلماتهم، وأكدت عليها النصوص الشريفة زيارة المريض وعيادته أثناء فترة مرضه. بل ذكر الفقيه الكبير الشيخ صاحب الجواهر(ره) أن استحباب زيارة المريض من المسائل الإجماعية، التي لم يعرف فيها خلاف بين فقهاء الطائفة، وقد ذكر بعضهم أن الحكم المذكور من ضروريات الدين.

وقداختلفت ألسنة النصوص في بيان الآثار والفوائد التي يكتسبها الزائر للمريض، وعرضت ذلك بألسنة مختلفة، نشير لشيء منها:

منها: ما جاء عن النبي الأكرم محمد(ص) في خطبته قبل وفاته أنه قال: ومن عاد مريضاً فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منـزله سبعون ألف ألف حسنة، ومحي عنه سبعون ألف ألف سيئة، ويرفع له سبعون ألف ألف درجة، ووكل به سبعون ألف ألف ملك يعودنه في قبره، ويستغفرون له إلى يوم القيامة.

ولا يبعد أن يحمل النص على ظاهره، ولا موجب لحمله على الإشارة إلى الكثرة، فلاحظ.

ومنها: ما جاء عنه(ص) أيضاً من قوله: من عاد مريضاً نادى منادٍ من السماء باسمه: يا فلان طبت وطاب ممشاك بثواب من الجنة.

ومنها: ما جاء عنه(ص) أنه قال: من عاد مريضاً فإنه يخوض في الرحمة، وأومأ رسول الله إلى حقويه، فإذا جلس عند المريض غمرته الرحمة.

ومنها: ما جاء عن أمير المؤمنين(ع) أنه قد ضمن الجنة لمن خرج قاصداً زيارة المريض، وأدركه الموت في طريقه إليه، فقد ورد عنه(ع) أنه قال: ضمنت لستة الجنة، رجل خرج بصدقة فمات فله الجنة، ورجل خرج يعود مريضاً فمات وله الجنة، ورجل خرج مجاهداً في سبيل الله فمات فله الجنة، ورجل خرج حاجاً فمات فله الجنة، ورجل خرج إلى الجمعة فمات فله الجنة، ورجل خرج إلى جنازة رجل مسلم فمات فله الجنة[1].

ومنها: ما ورد عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق(ع) أنه قال: أي مؤمن عاد مؤمناً في الله عز وجل في مرضه، وكل الله به ملكاً من العواد يعوده في قبره ويستغفر له إلى يوم القيامة.

ومنها: ما رواه صفوان الجمال عنه(ع) أيضاً أنه قال: من عاد مريضاً من المسلمين وكلّ الله به أبداً سبعين ألفاً من الملائكة يغشون رحله ويسبحون فيه ويقدسون ويهللون ويكبرون إلى يوم القيامة نصف صلاتهم لعائد المريض.

ومنها: ما تضمن أن زائر المريض يصلي عليه سبعون ألف ملك، إن كان صباحاً حتى يمسي، وإن كان مساءً حتى يصبح، وأن له خريفاً في الجنة، فعن الحسن المجتبى(ع) أنه قال: من عاد مريضاً شيعه سبعون ألف ملك كلهم يستغفرون له إن كان مصبحاً حتى يمسي، وإن كان ممسياً حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة.

وقد فسر الخريف بأنه زاوية في الجنة، فعن الإمام الباقر(ع) وقد سئل: ما الخريف جعلت فداك؟ قال: زاوية في الجنة يسير الراكب فيها أربعين عاماً.

وهل أن الأربعين عام من سنين الدنيا، أم أنها من سنين الآخرة، لم يتعرض النص لتحديد ذلك، وإن الظاهر كون المقصود بها سنين الآخرة، كما لا يخفى.

ويكفي أن يسمع الزائر النص الذي عدّ زيارة المريض بأنها زيارة لله سبحانه وتعالى، ليعرف مدى فضل هذا العمل وثوابه، وما له من المكانة والمنـزلة عند الله تعالى، فقد روى علي بن جعفر(رض) عن أخيه الإمام موسى(ع) عن آبائه عن النبي(ص) أنه قال: يعيّر الله عز وجل عبداً من عباده يوم القيامة فيقول: عبدي، ما منعك إذا مرضت أن تعودني؟ فيقول: سبحانك سبحانك، أنت رب العباد، لا تمرض ولا تألم، فيقول: مرض أخوك المؤمن فلم تعده، وعزتي وجلالي لو عدته لوجدتني عنده، ثم لتكفلت بحوائجك فقضيتها لك، وذلك من كرامة عبدي المؤمن وأنا الرحمن الرحيم.

على أن النص المذكور لم يقتصر على تنـزيل زيارة المريض فيفترة مرضه بأنها زيارة للباري سبحانه وتعالى، بل تضمن أيضاً عرضاً لجملة من المكتسبات التي يتحصل عليها العبد نتيجة قيامه بهذه الزيارة، حيث أشار النص إلى وعد من الله سبحانه وتعالى لزائر المريض بتكفله بقضاء حوائجه، كرامة لعبده المؤمن المريض.

ولا يبعد القول بكراهة ترك زيارة المريض بمقتضى النص المذكور، فإنه لا معنى لأن يصدر التعيـير لمجرد ترك الاستحباب، بل هو كاشف عن كراهة لذلك، فلاحظ.

استثناء بعض الأمراض من تأكد استحباب العيادة:

ثم إن المستفاد من النصوص السابقة وغيرها مما يجده القارئ بمقتضى الإطلاق هو البناء على تأكد استحباب زيارة المريض أياً ما كان مرضه، إذ أن ذلك-أعني تأكد الاستحباب-هو مقتضى زيادة الاعتناء وكثرة الحث الصادرة من الشارع المقدس عليه، لأن الشارع قد يندب إلى عمل يحرز من خلال ذلك استحبابه، إلا أن كثرة الاعتناء به والتشديد عليه، توحي بأنه بلغ مرحلة الوجوب، لولا ما دل على عدم وجوبه، كما يظهر ذلك في غسل الجمعة، ومقامنا من هذا القبيل، إذ لولا ما دل على عدم وجوب زيارة المريض، لأمكن القول بأن هذه التشديدات مشيرة إلى وجوبها، ولهذا بنى الأعلام على كون زيارته من المستحبات المؤكدة كما عرفت.

وعلى أي حال، فمقتضى إطلاق النصوص الواردة في شأن زيارته، البناء على تأكد استحبابها مطلقاً وفي كافة الأمراض من دون فرق بين مرض وآخر، إلا أن الموجود في كلمات الفقهاء استثناء بعض الأمراض، من تأكد الاستحباب، لا من استحباب الزيارة، فيحكم بعدم ثبوت الاستحباب فيها، بل إنه يستحب زيارة المريض فيها، لكن هذا الاستحباب ليس مؤكداً، والأمراض المستثناة في كلماتهم هي:

الأول: مرض وجع العين.

الثاني: مرض الأسنان.

الثالث: من كان مصاباً بالدمل.

الرابع: من اشتد عليه المرض.

الخامس: من طال به المرض.

والحاصل، إن الزيارة في هذه الأمراض مستحبة، لكن الثواب المترتب عليها لا يكون بقدر الزيارة التي تكون في بقية الأمراض الأخرى.

ثم إن منشأ البناء على استحباب الزيارة في هذه الأمراض وعدم تأكدها، هو مقتضى الجمع بين النصوص التي دلت على النهي عن العيادة والزيارة للمريض، وهو ظاهر في المنع، وما دل على عيادة النبي(ص) أمير المؤمنين(ع) عندما رمد وأصيبت عينه.

فمن الأول: ما جاء عن أبي عبد الله(ع) أنه قال: لا عيادة في وجع العين، ولا تكون عيادة في أقل من ثلاثة أيام، فإذا وجبت فيوم ويوم لا، فإذا طالت العلة ترك المريض وعياله.

وقد تضمن النص المذكور نهياً عن زيارة المريض في موردين:

أحدهما: المصاب بوجع العين.

ثانيهما: من طال به المرض، فقد تضمن الأمر بتركه وعياله، بمعنى عدم الدخول عليه وعيادته.

كما تضمن النص بياناً لكيفية الزيارة، فذكر أنها لا تكون كل يوم، وإنما تكون بزيارته يوماً وتركها يوماً آخر، وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله تعالى.

وبالجملة، مقتضى النهي الوارد في النص المذكور البناء على عدم محبوبية زيارة من كان مصاباً بأحد المرضين الذين أشرنا إليهما، وهذا يقتضي البناء على كراهة زيارة من كان مريضاً بأحدهما، للنهي الوارد في النص، لعدم تصور حمله على الحرمة، فلاحظ.

ومن الثاني، ما روي عن أبي عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع) أن أمير المؤمنين(ع) اشتكى عينه فعاده النبي(ص) فإذا هو يصيح، فقال النبي(ص): أجزعاً أم وجعاً؟ فقال: يا رسول الله ما وجعت وجعاً قط أشد منه، فقال: يا علي، إن ملك الموت إذا نزل لقبض روح الكافر نزل معه سفود من نار فينـزع روحه فتصيح جهنم، فاستوى علي جالساً، فقال: يا رسول الله، أعد عليّ حديثك فلقد أنساني وجعي ما قلت، ثم قال: هل يصيب ذلك أحداً من أمتك؟ قال: نعم، حاكم جائر، وآكل مال اليتيم ظلماً وشاهد زور[2].

هذا وقد يبرر القول بعدم تأكد الاستحباب في الزيارة لذوي الأمراض المذكورة بوجود موانع عندهم تمنعهم من القيام بأداء حق الزيارة، فالأرمد مثلاً، وهو الذي يشتكي وجع العين، لا يقدر على النظر إلى زائريه، مما قد يجعلهم يشعرون بضيق من ذلك، كما يجعله يستشعر حرجاً، فضلاً عن أن وجع العين من الأمراض الشديدة جداً، وقد ورد عن النبي(ص) أنه قال: لا وجع إلا وجع العين، ولا هم إلا هم الدين[3].

وقد سمعت في شأن رمد أمير المؤمنين(ع)، كيف أنه كان يصيح ألماً، وهو البطل الذي قلع باب خيبر، وقتل العمرين، وقتل مرحباً، وهو فارس بدر وحنين.

كما أن المبتلى بوجع الأسنان، قد لا يملك القدرة على الكلام، مضافاً إلى أنه قد يكون في وضع لا يليق، لكثرة سيلان لعابه على بدنه مثلاً، أو عدم رغبته في أن يرى وهو بهذه الكيفية.

وأما صاحب الدمل، فقد ذكر أنه لا يعدّ في المرضى أصلاً، وبالتالي لا يكون مشمولاً للنصوص السابقة، لكنه غير واضح، ولعل ذلك لكونه لا يقوى على الحراك، كما أنه قد يكون مبتلى بروائح نتيجة ما أصيب به من الدماميل، والقرح، وما شابه.

وأما من اشتد به المرض، فلا ريب أنه لن يرضى أن يدخل عليه الآخرون ليروه يصيح، أو يتلوى، وربما كان بالأمس يرى بصورة الشخص الجلد القوي، والصبور.

وأوضح الجميع، من طال به المرض، فربما أصبح هو وذووه، يستثقلون دخول الزائرين عليهم، لما يكلفهم ذلك جهداً وعناءً، فلاحظ.

وبالجملة، إن هذه التوجيهات التي ذكرت لا تخرج عن كونها محاولة عرض لحكمة عدم ثبوت آكدية استحباب الزيارة بالنسبة لذوي الأمراض المذكورة، وإلا فيكفينا للبناء على عدم تأكد الاستحباب فيها ما عرفت من وجود النص الدال على ذلك، فتدبر.

التعدي من الأمراض المنصوصة:

هذا وهل يمكن أن يتعدى من الأمراض المنصوصة والتي تقدم ذكرها وبني فيها على عدم تأكد استحباب الزيارة، ليجري ذلك في أمراض أخرى غيرها، لا تقل حالة المريض فيها عن حال هؤلاء، أم يقتصر على خصوص مورد النص، فلا يتعدى مما جاء فيه إلى غيره؟

الإنصاف، أن التعدي يعد أمراً عرفياً، لكن الجزم به قد يوجب جرأة لا تحتمل، ولذا مقتضى الاحتياط، هو قصر الأمر على خصوص ما جاء في النص، وعدم التعدي عما ورد فيه إلى غيره، والمسألة بحاجة إلى مزيد تأمل.

…………………………………………

[1]وسائل الشيعة ب 28 من أبواب وجوب الحج ح 29.

[2]وسائل الشيعة ب 12 من آداب القاضي ح 1.

[3]الكافي ج 5 ص 101 ح 4.