31 مارس,2020

زيجات الإمام الحسن(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

تحقيق الحال:

هذا والصحيح أن يقال: بأن الإجابة عن النصوص المذكورة تحتاج قبل كل شيء إلى إحراز توفر الأصالات الثلاث فيها، وأول تلك الأصالات هي أصالة الصدور، فمتى أحرزت انفتح الباب أمام البحث عن الأصالتين الأخريـين، وأما بدون إحرازها فلا. بل يمكن القول أنها هي العمدة في المقام، خصوصاً بملاحظة إمكانية إحراز أصالة الجهة والجد، إذ لا معنى لأن يتقي أمير المؤمنين(ع) من أحد، خصوصاً بملاحظة أن النصوص قد صدرت في مدينة الكوفة، وقت ما كان أمير المؤمنين(ع) خليفة للمسلمين، فممن سوف يتقى أبو الحسن(ع)، كما أن الأصل أن تكون النصوص الصادرة من المعصوم محمولة على كونها في مقام البيان، وهذا يستدعي أن تكون أصالة الجد متوفرة فيها، كما لا يخفى.

كما أن ظهور النصوص المذكورة في النهي عن تزويج الإمام الحسن(ع) معللة ذلك بأنه رجل يكثر الطلاق، ولا يـبقي على النساء واضحة لا تخفى، مما يعني توفر أصالة الظهور فيها.
وبالتالي يتعين البحث بدواً في محاولة إحراز أصالة الصدور، وقد أشرنا قبل قليل أن إحرازها لن ينحصر-كما يتصور البعض-في الناحية السندية، كما يقال: بأنها نصوص صحاح، فضلاً عن أنها وردت في أصح كتاب حديثي عند الشيعة، وهو كتاب الكافي، وهذا بنفسه كافٍ للبناء على اعتبارها، وبالتالي الحكم بكونها صادرة عن أمير المؤمنين(ع).

بل لابد لتحقق الصدور من دراستها من الناحية المتنية أيضاً، وهو ما يعبر عنه بالنقد المتني، ويتم ذلك من خلال عرضها على قاعدتين، قاعدة عقلائية، وقاعدة شرعية، فإن ثبت عدم مخالفتها لكلتا القاعدتين، وكانت معتبرة الأسناد، بني عندها على توفر أصالة الصدور فيها، وإلا فلا.

القاعدة العقلائية:

ولبندأ بعرضها على القاعدة العقلائية، وليكن قبل الإقدام على ذلك بيان شيء موجز عن القاعدة العقلائية التي سوف يتم عرض النصوص محل البحث عليها:
لا يختلف اثنان في أن للعقلاء منهجاً يعتمدون عليه في القبول بالخبر الملقى إليهم من عدمه، ومن الطبيعي أن موجبا لقبول والرفض عندهم يتحرك من خلال وجود موازين لديهم يعتبرون توفرها في الخبر الواصل، وهذا يعني أن انتفاء شيء منها، أو اشتماله على ما يخالفه يوجب رفضهم القبول بصدور الخبر، وعده في ضمن الموضوعات، أو لا أقل يتوقفون فيه ولا يعولون عليه.

وهذا يعني أن هناك موازين لابد وأن تتوفر في الرواية الواصلة للعقلاء ترتبط بمتن الرواية، واختلال تلك الموازين يوجب رفض الرواية وعدم التعويل عليها. وتلك الموازين عبارة عن المتيقن من البديهيات العقلية، والوقائع التاريخية، والحقائق الكونية، والقوانين العلمية، وما كان ثابتاً بالحس، أو كان ثابتاً بالتجربة. نعم ما يجدر الالتفات إليه هو أن مجرد موافقة خبر من الأخبار المنقولة للقاعدة العقلائية لا يوجب القطع بصدوره، بل إن أقصى ما يستفاد منه حينئذٍ البناء على الظن بصدوره، نعم مخالفة الخبر للقاعدة العقلائية يقضي بالبناء على عدم صدوره كما عرفت.

وعلى أي حال، فالموازين التي تكون بمثابة الميزان الذي لابد من عرض الخبر عليها هي:

1-عدم منافاة الخبر لما هو متيقن من الدين الإسلامي، عقيدة وتشريعاً، فلا يكون منافياً للتوحيد، ولذا متى وجدنا خبراً يتحدث عن التجسيم كالأخبار التي تتحدث عن نزول الله سبحانه وتعالى في كل ليلة جمعة على حمار أسود مثلاً، فإنها تسقط عن القبول والحجية لأن مضمونها يتنافى وعقيدة التوحيد، فلا يحكم بصدورها عن المعصوم(ع)،كما لا يكون مخالفاً للاعتقاد بالنبوة، فالنصوص التي تتحدث عن أن النبي(ص) كان يحمل عائشة لتشاهد حالات اللهو، فإذا جاء فلان تراجع(ص)، وقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، وأمثاله من الأخبار التي تشين شخصية رسول الله(ص) وتسيء إلى قدس ساحته، أو الأخبار التي تسيء لمقام أحد الأنبياء(ع)، أو المعصومين(ع)، فإنها ترد لمنافاتها لمقام النبوة، ويعتبر أيضاً ألا يتنافى مع ما هو معلوم بالضرورة من التشريع، كتحليل ما ثبت تحريمه، أو تحريم ما ثبت تحليله.

2-أن لا يتنافى الخبر المنقول والحقائق التاريخية المتيقنة، مثل ما حكي من حضور أسماء بنت عميس ولادة سيدتنا ومولاتنا الزهراء(ع) بالإمامين الحسنين(ع)، فإن هذا مما يخالف ما تسالم عليه المؤرخون من أنها وقت ولادتهما كانت موجودة مع زوجها في الحبشة، وما عادت للمدينة إلا يوم فتح خيبر.

هذا ولابد من الالتفات إلى أنه يعتبر في رفع اليد عن خبر من الأخبار لمخالفته لما هو مقطوع به تاريخياً ومتسالم عليه، أن لا يكون في البين خلاف، وإلا كان ذلك مانعاً من رد الخبر والحكم عليه بالوضع حينئذ، وذلك مثل ما رواه ابن عباس من أن النبي(ص) كان يكثر تقبيل مولاتنا فاطمة الزهراء(ع)، ويعلل ذلك أنها خلقت من طعام الجنة، ليلة أسري به، وكلما اشتاق إلى تلك الثمار قبلها فأصاب من رائحتها. فقد حكم ابن الجوزي على هذا الخبر بالوضع، وعلل ذلك بأن ولادة السيدة الزهراء(ع) كانت قبل النبوة بخمس سنين، والإسراء كان قبل الهجرة بسنة بعد موت خديجة، وكان عمر الزهراء(ع) ليلة الإسراء سبع عشرة سنة[1]. فإن بين المؤرخين خلافاً في تأريخ ولادة الصديقة الطاهرة فاطمة(روحي لها الفداء)، كما أنهم يختلفون أيضاً في تعيـين حادثة الإسراء، ومع وجود هذا الاختلاف لا يمكن رد الخبر السابق، لعدم توفر الشرط المعتبر الموجب للرد وهو المخالفة للحقيقة التاريخية المتيقنة، فلاحظ.

3-أن لا يكون الخبر منافياً لمضمون الحقائق الكونية، والقوانين العلمية والبديهيات العقلية، والعادة جارية على التمثيل له بالخبر المذكور بطريق معتبر في بحار الأنوار من أن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا على قرن ثور إلى آخر، فإن هذا يتنافى والجنبة العلمية الثابتة اليوم من أن الأرض كوكب كروي سابح في الفضاء، وليست معلقة على شيء، فهذه المخالفة موجبة لعدم التعويل على صدور مثل هذا الخبر. ومثل ذلك ما روي من أن أمير المؤمنين(ع) كان ضيفاً على أربعين صحابياً في ليلة واحدة، قد طلب كل واحد منهم أن يضيفه، وأصبح يقول أن علياً كان ضيفه البارحة. إذ من المحالات العقلية تواجد أمير المؤمنين(ع) في مكانين مختلفين في آن واحد، وليس المورد من صغريات المعجزة، لأنه يعتبر فيها أن تجوز المحال، نعم لو قيل أن ذلك بالجسم المثالي، وليس بالجسم المادي، كان متصوراً، لكنه سوف يكون خارجاً عن حدود البحث، فلا تغفل.

ولا ينبغي التعجل في رد خبر بدعوى منافاته للبديهيات العقلية دونما تأمل وسعي في فهم مضمونه، ولا أقل إن كان هناك احتمالاً لصدوره بوجود معنى صحيح لم نتوصل إليه، ولنوضح ذلك بمثال: إن من المروي عن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عز وجل عليكم ما بين السماء والأرض، وجعل لكم الماء طهوراً فانظروا كيف تكونون[2]. فإن هذا الخبر بظاهره مما يتنافى والبديهة العقلية لأنه يوجب الكلفة والحرج الشديدين على العنصر البشري، لذا حاول العلامة التقي المجلسي(قده) رفع الاستيحاش عنه باستـثناء مخرج البول من هذا الحكم، وخص ذلك بغيره[3].

وأوضح ذلك الفيض الكاشاني(ره) بقوله: لعل قرض بني إسرائيل لحومهم إنما كان من بول يصيب أبدانهم من خارج، لا أن استنجاءهم من البول كان بقرض لحومهم فإنه يؤدي إلى انقراض أعضاءهم في مدة يسيرة، وكأن أبدانهم كانت كأعقابنا لم تدم بقرض يسير، أو لم يكن الدم نجساً في شرعهم معفو عنه[4]. فصار البيان الصادر منه(ره) رافعاً لتصور المخالفة للبديهة العقلية. إلا إن هناك جواباً أفضل من هذا أيضاً وينفي كل ما يتصور حول هذا الخبر، وهو ما حكاه في منتقى الجمان، فقد ذكر أن الرواية منقولة بالمعنى وأصل الخبر في تفسير القمي ذيل قوله تعالى:- (ويضع عنهم أصرهم والأغلال التي كانت عليهم)هكذا: إن الرجل من بني إسرائيل إذا أصاب شيء من بدنه البول قطعوه، والضمير المفرد راجع إلى الرجل، والجمع إلى بني إسرائيل، يعني تركوا معاشرته واعتزلوا عنه أو يمنعوه أن يدخل الكنيسة[5].

4-أن لا يكون الخبر منافياً لما هو ثابت بالحس والتجربة، وما هو مقتضى طبيعة الأشياء، فالخبر الذي تضمن أن عدد أضلاع الرجل أقل من عدد أضلاع المرأة، لأن حواء قد خلقت من ضلع آدم(ع)، مخالف لما هو الثابت اليوم في علم الطب والتشريح، لأنه لم ينقل عن أحد من الأطباء أن عدد أضلاع الرجل أقل من عدد أضلاع المرأة[6].

ثم بعد الفراغ من عرض القاعدة العقلائية، وعرض الميزان الذي يعول عليه العقلاء في قبول خبر ورده، ببيان ما يجعله العقلاء ميزاناً، نعمد الآن إلى تطبيق ذلك على مرويات زيجات الإمام الحسن الزكي(ع)، وكثرة طلاقه، لنرى هل أنها تتماشى والقاعدة العقلائية، وبالتالي يعمد العقلاء للبناء على صدورها، أم لا.
إن أول ما يجده العقلاء في هذه النصوص هو انتفاء الأمر الأول عنها، ذلك لأنها خالفت ما قد ثبت في الدين الإسلامي، وهو العصمة، فإن ثبوتها للإمام الحسن الزكي(ع) من الأمور المسلمة في الدين الإسلامي، سواء بنص القرآن الكريم لقوله تعالى:- (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)[7]، أم النصوص الشريفة. كما يمكن ذكر موجب آخر لانتفاء أول الموازين عن هذه النصوص، وهو مخالفتها لحديث الثقلين الذي تضمن عدم افتراق القرآن الكريم عن العترة الشريفة، لأن كثرة زواجه(ع) لا يخلو عن حالين، إما أن تكون مخالفة لما جاء في القرآن الكريم، فيلزم من ذلك افتراق العترة عن القرآن، وقد قال رسول الله(ص) أنهما لن يفترقا فيلزم منه والعياذ بالله كذب رسول الله(ص)، أو تكون كثرة زواجه موافقة للقرآن الكريم، فيلزم من ذلك الخدشة في أمير المؤمنين(ع)، لأنه لا موجب لمنع الناس من تزويجه، وعليه فيلزم افتراق القرآن الكريم عن العترة أيضاً، ذلك أن أمير المؤمنين(ع ) سوف يكون مخالفاً للقرآن.

والحاصل، إن النصوص المذكورة تستوجب مخالفة ما ثبت من الدين، ولا إشكال في أن العقلاء في هكذا موارد يردون النصوص ولا يعمدون للاستناد إليها، فتدبر.
وكما أن الأمر الأول منتفٍ في النصوص المذكورة، فكذلك ينتفي الأمر الثاني، إذ لا يختلف اثنان في أن الحقائق التاريخية الثابتة والمسلمة عدم ثبوت هذا العدد والكم الهائل من النساء المطلقات للإمام(ع)، ضرورة أنه لو كان كما يذكر لنقل لنا التأريخ أسمائهن، ولا أقل أسماء بعضهن، مع أننا لا نجد لذلك في التأريخ أثراً بعد عين. كما أن هناك شاهداً آخر في هذا المورد، وهو أن الثابت تاريخياً من سيرة المعصومين(ع)، ومنهم أمير المؤمنين(ع)، والإمام الحسن(ع)، ينفي نفياً قطعياً هذه النصوص، ويخالفها مخالفة تامة، إّ لم يعهد عن أمير المؤمنين(ع) التشهير بأعدائه، فكيف يشهر بابنه وفلذة كبده وخليفته من بعده، كما أن التأريخ عندما يتحدث عن الإمام الزكي(ع)، فإنه يذكر شخصية تميزت بنواحي الإنسانية في كافة أبعادها ونواحيها، أفهل يعقل منه بعد هذا أن يكون مصدراً للإيذاء؟!.

ومما ينتفي من النصوص المذكورة الأمر الثالث، فإنها مخالفة للبديهيات العقلية، إذ لا يخفى على أحد أن الغاية من بعثة الأنبياء، ومن ثمّ إقامة الأئمة والخلفاء من بعدهم قيامهم بدور التبليغ لأوامر الله سبحانه وتعالى، وإرسائلهم لتطبيق حكم تعالى في الأرض، وهذا يستوجب أن يكون الرسول، والوصي من بعده منـزهين عن كل ما يوجب النفور والابتعاد منهما، بل لابد وأن يمتلكا ما يوجب انجذاب الناس إليهم، وقربهم منهم، ولا ريب أن النصوص التي تضمنت كون الإمام الزكي(ع) مطلاقاً تتنافى والغاية من إقامته وصياً وخليفة لمحمد(ص)، فإن هذه الصفة فضلاً عن أنها توجب النفرة والابتعاد منه، ما يوجب نقض الغرض من تنصيبه، فإنها أيضاً تؤدي إلى فقدانه المصداقية بين الناس، وسلب الوثوق عنه.

وينتفي الأمر الرابع أيضاً لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يكون للإمام(ع) من خلال هذه الزيجات العديدة أبناء متعددين، فيكثر نسله، مع أننا لا نلمس لذلك أثراً، ولا نجد التأريخ يحدثنا عن هذا العدد الكبير والكم الهائل من الأبناء، بل إن المنقول تاريخياً من حيث عدد أبنائه لا يتناسب أبداً وهذا المقدار من الزيجات.
والمتحصل، خلال هذه المطالعة السريعة أن النصوص محل البحث لا تصمد أمام القاعدة العقلائية، مما يستوجب البناء على سقوطها وعدم الاعتناء بها أصلاً، والحكم بضعفها، لعدم إحراز أصالة الصدور فيها.

القاعدة الشرعية:

وتختلف هذه القاعدة عن السابقة في كونها قاعدة تعبدية تستمد حجيتها من النصوص الشريفة التي اشتملت على عرض أي خبر من الأخبار حتى يصح الاستناد إليه والعمل بما فيه على الكتاب العزيز، والسنة المتواترة، وتعد هذه الجهة من مميزات علم الحديث الشيعي، فإنه يعتبر شرطاً من شروط الحجية للخبر المروي ألا يكون مخالفاً لما هو قطعي الصدور، سواء كان الكتاب العزيز، أم كانت السنة المتواترة. ووفقاً لهذا فإن موافقة الخبر لما هو قطعي الصدور من النص الشرعي يقضي بالقطع بصدوره، كما أن مخالفته له قاضٍ بالقطع بعدم الصدور، فلاحظ.
وكما عمدنا لجعل النصوص محل البحث صغرى للقاعدة العقلائية نكرر ذلك في المقام، فنعمد لعرض النصوص المذكورة على الكتاب العزيز وعلى السنة القطعية الصدور حتى نرى إمكانية إحراز أصالة الصدور فيها من عدمه.

ولا يخفى أن مقتضى آية التطهير الدالة على ثبوت العصمة، وحديث الثقلين البناء على سقوط هذه النصوص عن الحجية، لأنها مخالفة للقرآن الكريم، وللسنة القطعية، وقد ثبت عندنا أن كل ما خالف كتاب ربنا لم نقله، واضرب به عرض الجدار، وأنه زخرف.
والمتحصل حينئذٍ البناء أيضاً على عدم توفر أصالة الصدور في هذه النصوص بسبب مخالفتها للقاعدة الشرعية التعبدية، فلا يمكن الركون إليها، والاحتجاج بها. والنتيجة التي وصلنا إليها أن نصوص كثرة الطلاق نصوص غير معتبرة، لمخالفتها للقاعدة العقلائية، والقاعدة الشرعية، والله سبحانه وتعالى العالم العاصم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
 

 

[1] الموضوعات ج 1 ص 308.
[2] التهذيب باب صفة الوضوء الموجبة للطهارة ح 37.
[3] روضة المتقين ج 1 ص 54.
[4] الوافي ج 6 ص 16.
[5] نتقى الجمان ج 1 ص 74.
[6] بحوث في نقد روايات الحديث، مباني نقد متن الحديث.
[7] سورة الأحزاب الآية رقم 33.