20 سبتمبر,2020

عباد الرحمن (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى:- (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)[1].

تمهيد:

يعتقد الكثيرون أن الشخصية الدينية تـتقوم بمقدار ما تملكه من البعد المعنوي والروحي، بحيث يكون ما توجده خارجاً من العلاقة مع الله سبحانه وتعالى من كثرة ممارسة للطقوس العبادية، من صلاة وصوم وأداء نوافل، وكثرة قراءة للقرآن، ودفع الصدقات والمداومة على غير ذلك من المستحبات، هو الميزان في وجودها وتحققها خارجاً.

ويُغفل عن أمر آخر يعدّ مقوماً أيضاً للشخصية الدينية بحيث لو لم يوجد كان ذلك سبباً في عدم وجودها، وهو الجانب الأخلاقي، وهذا يعني أن كلا الأمرين الجانب الروحي والجانب الأخلاقي يعدّ جزء علة في تكون الشخصية الدينية، وانتفاء أحدهما مانع من تحققها ووجودها خارجاً.

ونلمس مدى أهمية الجانب الأخلاقي في تكوين الشخصية الدينية بملاحظة النصوص الواردة في هذا المجال، فعن الإمام أبي عبد الله الصادق(ع)، قال: ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله يوم القيامة حتى يفرغ الناس من الحساب: رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يديه، ورجل مشى بين أثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة، ورجل قال الحق فيما له وفيما عليه[2].

حيث يستفاد من هذا النص مدى أهمية الجانب الأخلاقي في الشخصية الدينية، حتى أنه(ع) جعل ذلك هو السبب في كون هؤلاء في تلك المنـزلة التي هم فيها. نعم من الواضح أن هذا مع وجود الجانب المعنوي الروحي لا مطلقاً.

ويتأكد ما للجانب الأخلاقي من أهمية في تكوين الشخصية الدينية بملاحظة الآيات القرآنية التي وردت في الحديث عن صفات عباد الرحمن، وأولها هي الآية التي أفتـتحنا بها المقام، إذ أنها في معرض الحديث عن صفات عباد الرحمن، وقد نصت على ضرورة وجود العنصر الأخلاقي عند كل من أراد أن يتصف بهذه الصفة، ويوسم بكونه من عباد الرحمن، فلاحظ قوله تعالى:- (الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)، وكذا قوله سبحانه:- (وإذا مروا باللغو مروا كراماً).

بل لو قيل بأن قوام الشخصية الدينية هو خصوص الجانب الأخلاقي لم يكن في ذلك مجازفة، ضرورة أن العبادة والالتـزام بالمعايـير المعتبرة فيها يعدّ نوعاً من الأخلاق، إذ أنها نوع من الوفاء للباري سبحانه وتعالى، وشكر لآلائه، واعتراف بجميله على العبد.

نعم حكي عن المحقق الطوسي(ره) أن العبادة على ثلاثة أقسام: قلبي كالعقائد الحسنة، وبدني كالأعمال الحسنة، واجتماعي كالمعاملات الشرعية والأخلاق الحسنة مع الناس[3].

وهذا الكلام ربما يوجب توهماً أن هناك تنافياً بين ما ذكرناه وبين ما أفاده المحقق الطوسي(قده)، لكنه مدفوع، بأن العبادة التي تكون قسماً من أقسام الأخلاق، هي التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وهي التي يكون أحد أقسامها الخلق الحسن.

عباد الرحمن:

هذا وتمثل الآية التي أفتـتحنا بها المقام واحدة من الآيات المتعرضة لبيان مواصفات الشخصية الدينية من خلال الإشارة لجملة مما هو دخيل في تحقيق المقومين اللذان يعتبران في تحققها خارجاً، وهما الجانب الروحي والأخلاقي.

هذا وقد ابتدأ الباري سبحانه في بيان ذلك من خلال وصفهم بأنهم(عباد الرحمن)، وهذا التوصيف من خلال الإضافة إلى الذات المقدسة، موجب لتساؤل، وهو لماذا أضافهم الباري سبحانه وتعالى إلى نفسه، فوصفهم بأنهم عباد الرحمن، ولم يصفهم بالصالحين، أو الصادقين، أو المتقين، أو المؤمنين، كما ورد ذلك في غير واحدة من الآيات الشريفة، قال تعالى:- (قد أفلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون)[4]، وقوله تعالى:- (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين)[5]، وقوله تعالى:- (والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات)[6]، وغير ذلك من الآيات الشريفة.

من الواضح أن لهذا التوصيف نحو خصوصية أراد الباري سبحانه وتعالى بيانها من خلال ذكره لهذه الإضافة، لأن التعبيرات القرآنية وإن وردت على الطريقة العرفية للمحاورة بين العقلاء، لكنها أمتازت عن تلك المحاورات بأنها لم تتضمن حشو الكلام الذي يوجد في المحاورات العرفية، وهذا يعني أن كل تعبير ورد في القرآن الكريم، فهو يشير إلى معنى، وهناك غاية وهدف من الإتيان به، فلم يأت به لمجرد التفنن في العبارة أو التنويع في الخطابات.

وبناءً على ما ذكرناه، فلابد أن يكون التعبير بـ(عباد الرحمن) إشارة إلى شيء خاص، فما هو ذلك الشيء؟…

إن هذه الإضافة والتوصيف تشعران بأن هناك عناية خاصة، وهو كما في قوله تعالى:- (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان)[7]، ومثل قوله تعالى:- (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً)[8].

لكن ما هي هذه الإضافة، وهذه العناية الخاصة التي تشير لها الآيات القرآنية التي تضمنت وصف جملة من الخلق بالعبودية لله سبحانه وتعالى، أليس جميع الخلق عباداً لله عز وجل. أليست العبودية تعنى الملكية المطلقة، فالله سبحانه وتعالى مالك لجميع الموجودات والمخلوقات، وكلهم عبيد له؟!!!.

لا ريب في أن الإجابة سوف تكون بالإيجاب، إذاً ما هي العبادة التي خصص بها هؤلاء؟…

إننا نسلم بأن جميع الخلق عباد لله سبحانه وتعالى، كما أننا نسلم بأن الجميع مملوكين لله عز وجل، لكن هذه العبودية الواردة في هذه الآيات الشريفة ليست العبودية بالمعنى الذي ذكر، بل إنها عبودية من نوع خاص.

ولتوضيح ذلك، نقول: إن أسمى مقام يمكن للإنسان أن يـبلغه هو مقام العبودية، قال تعالى:- (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)[9]، فوصف الباري سبحانه وتعالى نبيه بوصف العبودية، ولم يصفه لا بالحبيب ولا بالنبي ولا بالرسول، وإنما وصفه بوصف العبودية، لأنه لو كان هناك ثمت وصف أفضل لذكره عز وجل وأشار إليه.

وهذا يكشف عن مدى ما للعبودية من منـزلة، ومرتبة عالية، ومنه يتضح كيفية العناية الخاصة الموجودة من الله سبحانه وتعالى بمن أضافهم إلى نفسه، ووصفهم بأنهم(عباد الرحمن)، إذ أنه تعالى قد أعطاهم وصفاً وصف به حبيـبه محمد(ص)، وهو وصف متميز.

مقام العبودية:

هذا ولعل الداعي لكون مقام العبودية بهذه المنـزلة، بحيث كان أسمى مقام يبلغه الإنسان لكونه ينطوي على الانقياد المطلق والخضوع التام لله عز وجل، وتنفيذ كافة الأوامر واجتناب جميع النواهي، فلا يتصور المخالفة أو الترك، فالعبودية تعني الاعتصام المطلق بالباري سبحانه، قال تعالى:- (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً)[10].

ما تعنيه العبودية:

لكن السؤال الذي يـبقى مطروحاً، هو ماذا تعني العبودية ذات هذا المقام الشامخ وهذه المرتبة العالية؟…

في الحقيقة إن العبودية في مثل هذه المواضع تعني قرب الله سبحانه وتعالى من عبده، لأن القرب قد يكون من العبد للرب، وقد يكون من الرب للعبد، ولا يكون الثاني إلا بعد أن يتحقق الأول، فما لم يكن العبد قريـباً من ربه، لن يكون الله سبحانه قريـباً منه، لكن قد يكون العبد قريـباً من الله تعالى متقرباً إليه، لكنه تعالى لا يكون قريـباً منه، ولعل هذا يفسر لنا جملة من النصوص مثل: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، أو: كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، وأضراب ذلك، فإن هذه النصوص تشير إلى وجود تقرب من العبد لله سبحانه، لكن الباري سبحانه بعيد عنه، فلم يحصل القبول.

وعلى أي حال، فمقام العبودية المثبت لعباد الرحمن، يعني قرب الله سبحانه وتعالى منه، ولعل هذا يتضح من خلال التأمل في قوله تعالى:- (وإذا سألك عبادي عني فإن قريب أجيب دعوة الداعي)، فإن معنى قربه سبحانه، أي قربه من عبده.

يمشون على الأرض هوناً:

ثم إنه سبحانه وتعالى بعدما وسمهم بوسام عظيم جداً من خلال إضافتهم له، وبالتالي بيان مدى قربه منهم، أخذ في تعداد صفاتهم وسجاياهم، وأول الصفات التي أشار إليها هي صفة أخلاقية، تـتمثل في منهجية في الحركة الاجتماعية على أرض الواقع، وذلك من خلال أسلوبهم في السير، فقال سبحانه:- (يمشون على الأرض هوناً) .

لكن ما هو المراد من المشي في الآية الشريفة، بمعنى هل أنه محمول على معناه الظاهر منه، وهو عبارة عن الحركة المعروفة على الأرض، أم أنه إشارة إلى معنى آخر بحيث يكون كناية عنه، فليس اللفظ محمولاً على ظاهره؟…هناك احتمالان في المقام:

الأول: ما هو المعروف والمذكور في كلمات المفسرين، وهو المصير إلى الاحتمال الأول، فيـبقى اللفظ على ظاهرة دونما تصرف فيه، خصوصاً وأنه لا يوجد في البين قرينة موجبة لصرفه عن ظاهره.

الثاني: ما تبناه السيد العلامة الطباطبائي(قده) في تفسيره القيم الميزان، من أن اللفظ إنما هو كناية عن العلاقة التي بين عباد وبين الناس من خلال عيشتهم بمخالطة الناس، ومعاشرتهم[11].

ولا يخفى أننا لو كنا ومقتضى القواعد لبنينا على الاحتمال الأول، ضرورة أن حمل اللفظ على غير ظاهره يحتاج إلى قرينة موجبة لصرفه عن ما هو ظاهر فيه، ولم يُقم السيد العلامة(قده) أي قرينة تساعد على هذا المعنى، وبالتالي لقائل أن يقول بتعين الاحتمال الأول، وبقاء الاحتمال الثاني مجرد دعوى، لا مجال للمصير إليها.

لكن يمكن أن يذكر للسيد العلامة بعض ما يصلح للقرينية، ومن ثمّ الحمل على الكناية، فنقول:

هناك قرائن ثلاث يمكن ذكرها لإثبات استظهار السيد العلامة(قده)، وهي:

الأولى: إن صدر الآية الشريفة، وهو قوله تعالى:- (وعباد الرحمن) يقتضي ذلك، فإن إضافتهم إلى كلمة(الرحمن) التي تشير إلى الرحمة الرحمانية، وهي التي تعني المعنى العام الشامل للجميع، يساعد على أن يكون النظر إلى جانب المعاشرة، والمخالطة، لا السير على الأرض، ضرورة أن هذه الإضافة لهذه الصفة تشير إلى تخلق المضافين بالصفة المضاف إليها، وهي الرحمة الواسعة والشاملة للجميع، فهذا يعني أنهم أثناء مخالطتهم للناس، يعيشون حالة من الرحمة والرأفة، فهم يعاشرون هوناً.

الثانية: إن ذيل الآية الشريفة، وهو قوله تعالى:- (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) يساعد على هذا الاستظهار، لكونه ينسجم بصورة أوضح من خلال المعاشرة، لا مجرد السير والحركة على الأرض.

الثالثة: بعض النصوص التي وردت في تفسير الآية الشريفة، وهي وإن حملت(عباد الرحمن) على الأوصياء، لكنها أشارت إلى أن المشي هوناً، إشارة إلى التقية، وهو يكشف عن المعاشرة، لا عن الحركة على الأرض، ففي أصول الكافي عن سلام، قال: سألت أبا جعفر(ع) عن قوله تعالى:- (الذين يمشون على الأرض هوناً)قال: هم الأوصياء مخافة من عدوهم[12].

على أنه يمكن أن يستكشف ما أفاده(ره) من نفس شاهد الحال في الآية بمعنى أن الحركة التي يمارسها الإنسان على الأرض أثناء سيره عليها تكشف عن منهجية في التعامل مع الناس والنظر إليهم، فمن كان يسير بشيء من التواضع والبساطة من دون تكلف ولا غرور أو تكبر، لا ريب في أن معاشرته للناس تكون على وفق هذا المنوال، أي على وفق المعاملة الحسنة والكلمة الطيـبة، لا المعاملة الخشنة. ويمكن أن يساعد هذا المعنى ما ورد في بعض النصوص من تفسير الآية بقوله(ع) أي الإنسان يسير على سجيته دون تكلف، فعن أبي عبد الله الصادق(ع) قال: في تفسير قوله تعالى:- (يمشون على الأرض هوناً)، قال: الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها، لا يتكلف ولا يتبختر[13].

ومن قوله تعالى:- (ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً)[14].

——————————————————————————–

[1] سورة الفرقان الآية رقم 63.

[2] الخصال باب الثلاثة ح 5.

[3] مواهب الرحمن ج 1 ص 40.

[4] سورة المؤمنون الآيتان رقم 1-2.

[5] سورة المائدة الآية رقم 84.

[6] سورة الأحزاب الآية رقم 35.

[7] سورة البقرة الآية رقم 186.

[8] سورة الأنبياء الآية رقم 65.

[9] سورة الإسراء الآية رقم 1.

[10] سورة الأنبياء الآية رقم 65.

[11] الميزان في تفسير القرآن ج 15 ص 239.

[12] الكافي ج 1 ص 427 ح 78.

[13] مجمع البيان ج 4 ص 179.

[14] سورة الإسراء الآية رقم 37.