15 أبريل,2024

خمس راتب التقاعد

اطبع المقالة اطبع المقالة
خمس راتب التقاعد

 

تلتـزم كثير من جهات العمل لموظفيها بعد نهاية مدة عملهم بمرتبات شهرية يعطوها، وتكون هذه الرواتب حصيلة ما يستقطع من الموظف خلال مدة الخدمة بنسبة معينة متفق عليها توضع عند مؤسسة حكومية تعرف في بلادنا بالتأمينات، وهي الجهة التي تسلم الموظف الراتب شهرياً بعد انتهاء مدة خدمته الوظيفية في جهة العمل.

وحتى يبنى على تعلق الحق الشرعي بالراتب التقاعدي، لابد من معرفة طرفي العقد الذين يوقعانه، والإحاطة بطبيعة العقد الواقع بينهما، ومن ثمّ يلحظ أنه لابد من تحقق القبض المباشر باليد، فلا يتعلق الخمس مثلاً ما لم يتحقق ذلك، أو أنه يكتفى يلتـزم بتعلق الخمس به، ولو لم تتم عملية القبض باليد.

 

طرفا العقد:

من المعلوم أن الطرف الأول للعقد هو مؤسسة التأمينات، وإنما الكلام في تحديد الطرف الثاني، وهنا احتمالات ثلاثة:

الأول: أن يكون الطرف الثاني عبارة عن جهة العمل التي يعمل الموظف فيها، لأن المبلغ المسلم للتأمينات يكون مملوكاً لها.

الثاني: أن يكون الطرف الثاني عبارة عن الموظف وجهة العمل، لأن المبلغ المسلم للتأمينات يكون منهما بنسبة متفق عليها بينهما.

الثالث: أن يكون الطرف الثاني هو الموظف، لأن ما تدفعه جهة العمل من نسبة مالية مقررة، هي ملك واستحقاق له بمقتضى العقد.

 

والظاهر سيما بملاحظة أهل الاختصاص، تعين المحتمل الثالث منها، وهذا يعني أن العقد الحاصل طرفاه، هما:

1-مؤسسة التأمينات.

2-الموظف.

 

طبيعة العقد:

ثم إنه بعد الفراغ عن تحديد طرفي العقد، صار لازماً معرفة طبيعة العقد الحاصل بينهما، وفي المقام احتمالات أيضاً:

الأول: البناء على أن الموجود بينهما عقد قرض، وذلك بأن يعمد الموظف إلى إقراض مؤسسة التأمينات مبلغاً مقدراً شهرياً، ويبقى في ذمة المؤسسة، ثم تعمد لسداده بعد حلول وقت الأجل المتفق عليه بينهما، وهو نهاية خدمة الموظف.

الثاني: أن يكون الواقع بينهما هبة مطلقة غير مقيدة ولا معلقة على شيء أبداً، وذلك بأن يهب الموظف مؤسسة التأمينات المبلغ المقتطع من راتبه شهرياً، وما تعيطه إياه جهة العمل للمؤسسة دون أي مقابل.

الثالث: أن يكون الواقع بينهما هبة مشروطة ومعوضة، وذلك بأن يهب الموظف المؤسسة المال شرط أن تعوضه مقابله في الفترة المتفق عليها بينهما.

 

الرابع: أن يكون الواقع بينهما عقد شركة استثمارية، فيضع كل واحد من الطرفين مقداراً معيناً من رأس المال، ويقوم الطرف الأول بالعمل، به، وتكون الأرباح بعد ذلك مقدرة بكيفية معينة بينهما.

ومن الواضح أنه سوف يختلف الحال وفق اختيار أي واحد من أنواع العقود الأربعة المتقدمة، فلو كان المختار هو العقد الثاني، وهو كون الحاصل هبة مطلقة، فمن الطبيعي أنه لن يكون الموظف مالكاً لشيء من المال، ولا يتعلق بما يعطاه الخمس بعد ذلك، لأن المفروض أن ما يعطاه سوف يكون هدية مجانية من المؤسسة، كما أنه أعطى المؤسسة المال هدية مجانية. نعم سوف يتعلق الخمس بما دفعه من مال من حيث كون المبلغ المدفوع للمؤسسة بنحو الهبة المجانية مناسباً لشأنه أو لا.

وهذا بخلاف ما لو بني على أن الواقع بين المؤسسة والموظف هو النوع الثالث أو الرابع من العقد، فإنه سوف يكون الموظف مستحقاً مبلغاً مالياً معلوماً عن المؤسسة، وبالتالي يتعاطى معه معاطاة الدين الذي يرتجى تحصيله، فيتعلق به الخمس.

ومن المستبعد جداً أن يكون العقد الحاصل بين الموظف والمؤسسة من النحو الثاني، ومثل ذلك أيضاً النحو الأول، وعليه سوف يدور الأمر بين النحوين الثالث والرابع، وقد عرفت أنه سواء بني على الأول منهما أم الثاني، سوف يلتـزم بتعلق الخمس في الراتب التقاعدي.

 

القبض وعدمه:

ووفقاً لما تقدم، لن يفرق بين كون الموظف قد قبض الراتب التقاعدي بيده، أم أنه قد حول إليه في حسابه البنكي، لأن المفروض أن ما يتعلق به الخمس، هو الحق الثابت له على المؤسسة، فإن سلم له باليد يكون قد حصل حقه، وإن لم يسلم له في يده، يكون حقه ثابتاً، وبعد ذلك متى استلم المبلغ المحول للبنك، سوف يتعاطى معه معاملة مجهول المالك، والذي لا يؤذن له التصرف فيه من قبل الحاكم الشرعي أو وكيله إلا بعد إفراغه لذمة المؤسسة.

 

ملاحظة:

هناك بعض الحيثيات التي ينبغي عدم الغفلة عنها في نظام مؤسسة التأمينات، مثل إعطاء ذوي الموظف وورثته بعد موته، وما شابه ذلك من أمور، تكون خاضعة لأنظمة المؤسسة، وتعدّ شروطاً ضمنية أو مصرحة.