8 ديسمبر,2022

حكم ما لا فلس له من الأسماك (2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

[font=arial][/font][size=6][/size]
الدليل الاجتهادي:

هذا ويمكن أن يتمسك بعمومات تصلح لأن تكون مرجعاً عند عدم تمامية الأدلة الخاصة:

منها: قوله تعالى:- (قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنـزير…)[1].

بتقريب:

أن الآية الشريفة في صدد بيان قانون لما يحل وما يحرم من الأطعمة، فتقرر أن المحرم في شريعة المصطفى(ص) هو خصوص الأمور التي ذكرتها، وهي الميتة والدم ولحم الخنـزير، وعليه فكل ما عدا ذلك محكوم بالحلية، ومن الواضح أن السمك بقسميه، ما له فلس وما لا فلس له، ليس مصداقاً للمنوعات المذكورة في الآية، فتدخل في دائرة الحل.

هذا ولكن بعض الأعاظم(قده) منع دلالة الآية الشريفة على المدعى، لوجود احتمالين فيها، إذ يحتمل فيها أن الحصر الواقع فيها إضافي، وليس حصراً حقيقياً، كما يحتمل فيها أن الحصر حقيقي لكن التحريم كان بالنظر إلى وقت نزول الآية الشريفة، قال(قده) عند الإشارة إلى دعوى النسخ فيها: والحق عدم النسخ، لأن مفاد الآية هو الإخبار عن عدم وجدان محرم غير ما ذكر فيها، وهو دليل على عدم الوجود حين نزولها، وعليه فلا معنى لدعوى النسخ فيها، فإن النسخ لا يقع في الجملة الخبرية، وإذن فلابد من الالتزام بأن الحصر في الآية إضافي، فإن المشركين حرموا على أنفسهم أشياء، وهي ليست محرمة في الشريعة الإلهية، وهذا يظهر من سياق الآيات قبل هذه الآية، أو الالتزام بأن الحصر حقيقي، وأن المحرمات حين نزول هذه الآية كانت محصورة بما ذكر فيها، فإن هذه الآية مكية، وقد حرمت بعد نزولها أشياء أخرى، وكانت الأحكام تنـزل على التدريج.

ومن الظاهر أن تحريم شيء بعد شيء لا يكون من النسخ في شيء، وكون الحصر حقيقياً أظهر الاحتمالين وأقربهما إلى الفهم العرفي، ومع ذلك فلا نسخ في مدلول الآية، ولو كان الحصر إضافياً كما عرفت[2].

وحاصل ما ذكره(قده) أن في الآية الشريفة احتمالين:

الأول: أن يكون الحصر الوارد فيها حصراً إضافياً، ويشهد له الآيات التي وقعت قبلها، حيث أن المستفاد حينئذٍ بعد ضم الآيات بعضها إلى بعض أنها في مقام الرد على بعض المنسوجات الخرافية الموجودة عند سكان مكة في تحريمهم أموراً لم تحرّم عليهم، كما يحدثنا التاريخ.

وهذا الاحتمال في منع دلالة الآية الشريفة قد ورد قبوله في بعض الكلمات لبعض الأعلام(دامت أيام بركاته).

وقد ذُكر هذا الاحتمال في تفسير الآية الشريفة في التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم القمي، قال: وقد احتج قوم بهذه الآية(قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنـزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)فتأولوا هذه الآية أنه ليس شيء محرماً إلا هذا، واحلوا كل شيء من البهائم، القردة والكلاب والسباع والذئاب والأُسد والبغال والحمير والدواب، وزعموا أن ذلك كله حلال لقوله(قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه) وغلطوا في هذا غلطاً بيناً، وإنما هذه الآية رد على ما أحلت العرب وحرمت، لأن العرب كانت تحلل على نفسها أشياء وتحرم أشياء، فحكى الله ذلك لنبيه(ص) ما قالوا، فقال:- (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) فكان إذا سقط الجنين حياً أكله الرجال وحرم على النساء، وإذا كان ميتاً أكله الرجال والنساء[3].

الثاني: أن يكون الحصر الوارد فيها حصراً حقيقياً، لكنه في خصوص ما ذكر في القرآن الكريم لحين وقت نزول الآية المباركة، وليس له نظر بقول مطلق لكافة الموارد، ويشهد لذلك صدور جملة من التحريمات لمجموعة من الأمور في القرآن الكريم بعد نزول هذه الآية الشريفة.

وقريب من هذا الاحتمال أفاد بعض أكابر المفسرين في تفسيره القيم، قال(قده) بعد الإشارة لبعض النصوص المتضمنة لكون المحرّم هو خصوص ما حرمه الله: وإذا تمت حرمة ما عدا المذكورات في الآية فإنما هي مما حرمها النبي(ص) استخباثاً له، وقد وصفه الله تعالى بما يمضيه في حقه، قال تعالى:- (الذين يتبعون الرسول النبي الأُمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)[4].

نعم يفترق ما أفاده بعض أكابر المفسرين(قده) أن التحريمات الأخرى الواردة بعد الآية الشريفة يكون من تشريع النبي(ص) وقد أذن الله تعالى له في ذلك، بخلاف ما جاء في كلام بعض الأعاظم(قده) فإنه لم يكتفِ بالإشارة إلى وجود تحريم صادر من رسول الله(ص) سواء تشريعاً منه، أم من وحي الله تعالى إليه، بل أشار إلى وجود تحريم صادر من الباري سبحانه وتعالى في القرآن الكريم.

أقول: أما الوجه الأول، فيرده: النصوص الواردة والدالة على أن الحرام هو ما حرمه الله تعالى، والحلال ما أحله، ومفاده بيان حصر الحلية بالحصر الحقيقي في خصوص ما حرمه الله تعالى في كتابه، ويستشهد(ع) لذلك بخصوص الآية الشريفة محل، ومن النصوص:

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) أنه سئل عن سباع الطير والوحش حتى ذكر له القنافذ والوطواط والحمير والبغال والخيل، فقال: ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه، وقد نهى رسول الله(ص) يوم خيبر عنها(أكل لحوم الحمير)[5]، وإنما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوها وليس الحمر بحرام، ثم قال اقرأ هذه الآية:- ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنـزير فإنه رجس أو فسقاً أُهل لغير الله به)[6].

ودلالة هذا الصحيح على المدعى من كون الحصر الوارد في الآية المباركة حصر حقيقي، وليس حصراً أضافياً لا تخفى، كما أن المتأمل فيها يجد أن الحصر الوارد فيها بلحاظ ما تضمنـته من المحرمات، وأنها في مقام حصر المحرم في خصوص ما ذكر خصوصاً بقرينة تعداد عدة أمور مما يتصور حرمته في كلام السائل، وعليه لا مجال حتى للمحتمل الثاني الموجود في كلام بعض الأعاظم(قده) كما هو واضح.

ومنها: صحيح محمد بن مسلم الوارد في علل الصدوق(قده) عن أبي جعفر(ع) قال: نهى رسول الله(ص) عن أكل لحوم الحمير، وإنما نهى عنها من أجل ظهورها مخافة أن يفنوها، وليست الحمير بحرام، ثم قرأ هذه الآية:- ( قل لا أجد فيما أُوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه) إلى آخر الآية[7].

أقول: لا يـبعد اتحاد النص المذكور مع النص السابق.

ومنها: صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن الجري والمارماهي والزمّير، وما ليس له قشر من السمك أحرام هو؟ فقال لي: يا محمد! اقرأ هذه الآية التي في الأنعام:- ( قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً) قال: فقرأتها حتى فرغت منها، فقال: إنما الحرام ما حرم الله ورسوله في كتابه، ولكنهم قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها[8].

ودلالتها على المدعى واضحة كدلالة النص السابق عليها.

ومنها: صحيح زرارة قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن الجرّيث؟ فقال: وما الجرّيث؟ فنعته له، فقال:- ( قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه) إلى آخر الآية، ثم قال: لم يحرّم الله شيئاً من الحيوان في القرآن، إلا الخنـزير بعينه، ويكره كل شيء من البحر ليس له قشر مثل الورق، وليس بحرام، إنما هو مكروه[9].

ولا يخفى أن دلالتها على المدعى من كون الحصر الوارد في الآية الشريفة من الحصر الحقيقي أوضح من سابقتها.

إن قلت: إن هذه النصوص لم يعمل بها الأصحاب، بل أعرضوا عنها، فتسقط حينئذٍ على الحجية.

قلت: إنما يسقط الخبر عن الحجية بإعراض الأصحاب عنه-بناءاً على تمامية كبرى كسر الإعراض-إذا لم يكن منشأ ذلك أحد الوجوه الصناعية، كالظفر بالمعارض الأقوى، أو إجراء الجمع العرفي بين النصوص من خلال حمل المطلق على المقيد، ضرورة أنه لو كان كذلك فإنه لا يستدعي سقوط الخبر عن الحجية، ومن الواضح أن مقامنا من هذا القبيل كما لا يخفى.

مضافاً إلى أن الأصحاب قد عملوا بمضمون هذه النصوص ولو من خلال التمسك بالآية في موارد عديدة في باب الأطعمة المحللة، فكيف يقال بإعراضهم عنها!!!

اللهم إلا أن يقال: أن التمسك سواء بالآية الشريفة أم بالنصوص التي تضمنت الاستدلال بالآية على الحلية، ليس من باب التمسك بإطلاق الدليل الاجتهادي، وإنما من باب التمسك بأصالة الحلية والإباحة، وعليه فلا تكون الآية الشريفة دليلاً اجتهادياً، بل تكون دليلاً على الأصل، ومع كون المقام كذلك لا يقال حينئذٍ بنفي تحقق الإعراض، فلاحظ.

وأما الأمر الثاني، وهو الوارد في كلام بعض الأعاظم(قده) وهو الذي استظهره، بكون الحصر في الآية حصراً حقيقياً، وأن الآية في مقام بيان ما كان محرماً لحين نزولها، وأنها ليست في مقام حصر المحرمات مطلقاً في خصوص ما ذكر، فقد يجاب عنه، بأن ما ذكر لا يمنع من ثبوت الإطلاق القرآني.

وفيه ما لا يخفى، إذ أن ظهور اللفظ في الإطلاق لا يكون حجة إلا بعد عدم وجود المقيد المانع من انعقاد الظهور، وهذا لا يتسنى إلا بعد الفحص عن عدم وجود المقيد، لكي يكون الظهور المستفاد من اللفظ حينئذٍ حجة، وإلا فلا.

ومقتضى ما أفاده بعض الأعاظم(قده) أن الإطلاق لو كان ظاهراً من الآية الشريفة إلا أن هناك ما يمنع من حجيته، وهو الآيات أو النصوص الواردة عن المعصوم(ع) في بيان محرمات أخرى.

وعلى هذا فلا مجال لأن يتمسك بالآية الشريفة في إثبات عموم للدليل اجتهادي يدل على حلية كل شيء ما عدا ما ورد تحريمه في خصوص الآية.

ومع وجود محرمات أخرى لم تـتعرضها الآية الشريفة، يتضح عدم إمكان الاستدلال بها نعم يمكن أن تنفعنا في إجراء الاستصحاب في مشكوك الحرمة، إذ أن مقتضى عدم ثبوت التحريم لشيء آخر غير ما ذكر فيها لحين وقت نزولها، وهذا يثبت الركن الأول من أركان الاستصحاب وهو اليقين بالحدوث، وهناك شك في البقاء مع ترتب الأثر، فتنفعنا في ذلك كما لا يخفى.

هذا ويمكن المنع عن ثبوت الإطلاق في الآية الشريفة بوجه آخر، وهو أنه لو قيل بثبوته مع القطع بورود مجموعة من المحرمات الأخرى سواء كانت في القرآن الكريم، أم على لسان رسول الله(ص)، فإنه يلزم من ذلك تخصيص الأكثر المستهجن.

لا يقال: إنه لا يتأتى إشكال تخصيص الأكثر، وذلك لأن سورة الأنعام مكية، وهي تحكي لما كان محرماً وقت نزول الآية في مكة، وما ورد من التحريم بعد ذلك قد نزل في المدينة المنورة، وعليه لا يتأتى ما ذكر، لأن النصوص المتضمنة للتحريم تكون ناسخة للآية الشريفة؟…

قلت: قد عرفت في ما نقلناه من كلام بعض الأعاظم(قده) المنع عن كون الآية الشريفة منسوخة، فراجع.

ثم إن هناك مانعاً آخر يمنع من التمسك بالآية للمدعى غير ما ذكرناه، كونه دليلاً لأصالة الحل والإباحة الشرعية الدالة على هذا الأصل، فكيف يصح التمسك حينئذٍ للمدعى.

فتحصل إلى هنا عدم تمامية الآية الشريفة كإطلاق يصلح الرجوع إليه عند إعواز الدليل.

ومنها: قوله تعالى:- (أحل لكم ما في الأرض جميعاً)[10]، وتقريب دلالتها:

إن مقتضى كون الشيء مخلوقاً للإنسان قابلية الانتفاع به، ولو كان هذا الشيء ممنوعاً الإنسان عن التصرف والتقلب فيه لصدر المنع، وعدم وروده كاشف عن جواز الاستفادة منه، فيستفاد من إطلاقها جواز الانتفاع بما في الأرض مطلقاً من دون فرق بين فرد وفرد آخر.

ومن الواضح أن من أجلى مصاديق الانتفاع تناول الموجودات وأكله، فتكون دالة على حلية مطلق الأشياء الموجودة في الأرض.

ولا ريب في أن ما لا فلس له من الأسماك من المخلوقات الموجودة في الأرض فيجوز الانتفاع بأكلها بمقتضى إطلاق الآية الشريفة.

وقد أشكل على دلالتها على ذلك بعض الأعاظم(قده)، بوجود احتمالين في الآية الشريفة:

الأول: أن يراد الانتفاع بما في الأرض من الفوائد الباطنية، كمعرفة الله وتوحيده وعلمه وقدرته وسائر صفاته الجلالية، لأن المخلوقات على اختلافها دالة على وجود صانع عليم حكيم قادر.

الثاني: أن يكون المراد بالانتفاع بما في الأرض، هو الانتفاع من الفوائد الظاهرية كالأكل والشرب والركوب ونحو ذلك مما به قوام حياة الإنسان.

وعلى كلا الاحتمالين لا دلالة للآية الشريفة على المدعى، لوضوح ذلك بناءاً على الاحتمال الأول، وعلى الاحتمال الثاني، فلأنه لا إطلاق لها بالنسبة إلى جميع الانتفاعات، لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، بل هي في مقام بيان أن جميع ما في الأرض فائدته لكم، فتستفيدون به فائدة ظاهرية[11].

وحاصل ما أفاده(قده) أن المستفاد من الآية الشريفة أن جميع المخلوقات الواردة في الأرض قد خلقت ليستفيد منها الإنسان، لكن الاستفادة قد تكون استفادة معنوية، وهذا المعنى ورد في النص عن أمير المؤمنين(ع) في تفسيره للآية الشريفة قال(ع): خلق لكم ما في الأرض جميعاً لتعتبروا به، وتـتوصلوا به إلى رضوانه، وتتوقوا به من عذاب نيرانه. ثم استوى إلى السماء أخذ في خلقها إتقانها فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم، ولعلمه بكل شيء علم المصالح، فخلق وشرع ما في الأرض لمصالحكم يا بني آدم.

أو تستفيدوا منه فائدة مادية كالأكل والشرب والركوب، وهي بهذا المقدار تصلح للمدعى لكن بعد ثبوت إطلاق لها وأنها في مقام بيان حلية الأكل، وليست بصدد بيان أنها خلق ليستفاد منها فتكون الفوائد المتحصلة منها للإنسان، ومع كونها كذلك لا تصلح للمدعى.

لكنه(قده) في تقريره الآخر، ذكر أن في اللام الواردة في وقوله تعالى:- (لكم) احتمالين، أحدهما أن تحمل على الغاية، أو تحمل على النفع، قال(ره): إن الآية غير دالة على جواز الانتفاع بجميع ما في الأرض، بل هي إما ناظرة إلى بيان أن الغاية القصوى من خلق الأجرام الأرضية وما فيها ليس إلا خلق البشر وتربيته وتكريمه، وأما غير البشر فقد خلقه الله تعالى تبعاً لخلق الإنسان ومقدمة له، ومن البديهي أن هذا المعنى لا ينافي تحليل بعض المنافع عليه دون بعض.

وإما ناظرة إلى أن خلق تلك الأجرام وتكوينها على الهيئات الخاصة والأشكال المختلفة والأنواع المتشتـتة من الجبال والأودية والأشجار والحيوانات على أنواعها، لبيان طرق الاستدلال على وجود الصانع وتوحيد ذاته وصفاته وفعاله وعلى إتقان فعله وعلو صنعه وكمال قدرته وسعة علمه، فتكون اللام للانتفاع[12].

هذا وقد عرفت أنه اختلف في هذا البيان عما كان في بيانه السابق من جهة أنه جعل احتمالاً آخر في اللام، بحيث يكون المراد من الآية بناءاً عليه أن الغاية من خلق ما خلق وجعل ما جعل في الأرض كونها مقدمة لخلق الإنسان، ومن ثمّ تربيته وإعداده ليـبلغ أعلى المراتب والمنازل، ومن الواضح أن هذا لا يثبت تحليل كافة الموجودات أصلاً.

وبالجملة فالمستفاد من كلا تقريره(قده) أن الآية تـتضمن ثلاثة احتمالات:

أولهما: أن الغاية القصوى من خلق المخلوقات هو كونها مقدمة لخلق الإنسان وإعداده وتربيته تربية تكاملية ليبلغ أعلى المنازل الملكوتية.

ثانيهما: أنها طريق لإثبات وجود الصانع ووحدانيته وقدرته وسعة علمه وإحاطته.

ثالثها: أن يكون المراد منها الانتفاع المادي، من ركوب وأكل وشرب وما شابه.

لكنها على جميعا الاحتمالات لا دلالة لها على المدعى، لأن عمدة ما ينفع المستدل هو الاحتمال الثالث، وقد عرفت عند بيان كلامه(ره) أنه يمنع كونها في مقام البيان من هذه الناحية.

أقول: أما الاحتمال الأول، وهو كون اللام في الآية الشريف للغاية، بحيث يكون مفاد الآية أن خلق المخلوقات أخذ مقدمة لخلق الإنسان وإعداده، فهو خلاف الظاهر، لأن ظاهر قوله تعالى:- ( خلق لكم) بعد ثبوت الخلق للإنسان، فيكون مفادها الانتفاع، وعليه يكون معنى الآية خلق لمنفعتكم.

وأما الاحتمالين الثاني والثالث، فلا مانع من الالتـزام بدلالة الآية الشريفة عليهما معاً، بحيث يقال بأن مقتضى إطلاقها، يستدعي الشمول لجميع الانتفاعات المعنوية والمادية، من اختصاص لها بأحدهما دون الآخر.

نعم لو قيل بعدم كون الآية الشريفة في مقام البيان، وإنما هي بصدد بيان ما امتّن الله به على عباده، فتكون في مقام الإخبار عما وفره الله تعالى للإنسان من مقومات الحياة وأمتّن به عليه، وأن جميع ما خلق في الأرض يكون من أجل منافعه، لمنع ذلك من التمسك بها حينئذٍ، لأنه عدم كونها في مقام التشريع يمنع من جريان مقدمات الحكمة فيها لانعقاد إطلاق.

وهذا وقد يقال أن الآية الشريفة لا تصلح دليلاً على المدعى لا لما ذكرناه، وإنما لكونها ناظرة إلى إثبات أصالة الإباحة في الأشياء فتكون حينئذٍ دليلاً شرعياً على ذلك الأصل، وهو غير بعيد.

ومنه يتضح عدم صلوح الآية الشريفة للتمسك بها في إثبات المدعى.

——————————————————————————–

[1] سورة الأنعام الآية رقم 145.

[2] البيان في تفسير القرآن ص 349.

[3] تفسير القمي ج 1 219.

[4] تفسير الميزان ج 7 ص 383.

[5] هذه الزيادة موجودة في المصدر الذي نقل عنه صاحب الوسائل(قده) كما أشار له المحقق.

[6] الوسائل ب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 6.

[7] المصدر السابق ب 4 من أبواب كراهة لحوم الحمر الأهلية وعدم تحريمها ح 6.

[8] وسائل الشيعة ب 9 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 20.

[9] المصدر السابق ح 19.

[10] سورة البقرة الآية رقم

[11] محاضرات في الفقه الجعفري ج 1 ص 136.

[12] مصباح الفقاهة ج 1 ص 169.