26 فبراير,2024

مفطرية تعمد البقاء على الجنابة(3)

اطبع المقالة اطبع المقالة

مفطرية تعمد البقاء على الجنابة(3)

 

أدلة القول الثاني:

واستدل للقول الثاني: بأمرين:

الأول: الكتاب العزيز وهو قوله تعالى:- (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهنفالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)[1]. بتقريب: إن مقتضى إعطاء الجواز وإبداء الحلية هو إيقاع المباح داخل الفترة الزمنية المحددة، وهذا يعني أن للمكلف جواز إيقاع المباشرة من أول آنات الليل حتى آخر آناته، أعني الجزء الأخير منه. ومما لا ريب فيه أن جواز إيقاعها في الجزء الأخير منه تستدعي طلوع الفجر على المكلف وهو على جنابة.

 

وبعبارة أخرى إن اللازم من إيقاعها في آخر جزء من أجزاء الليل هو تعمد المكلف البقاء على جنابة.

ولا يخفى أن هذا الدليل قوي جداً لا إشكال فيه.

الثاني: النصوص وهي عدة أخبار:

منها: صحيح الخثعمي عن أبي عبد الله (ع) قال: كان رسول الله (ص) يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ثم يجنب ثم يؤخر الغسل متعمداً حتى يطلع الفجر[2].

وهذا الصحيح من النصوص التي انفرد شيخ الطائفة(ره) بنقله، وقد عرفت منا غير مرة أن انفراد الشيخ(ره) بشيء يعطي شاهداً سلبياً يدعو لرفع اليد عنه وعدم دخوله دائرة الحجية، إلا أنه في المقام لن يسقط الخبر عن الحجية، وذلك لوجود شواهد إيجابية تساعد على دخوله إياها، ويكفيه أنه يوافق الكتاب العزيز بالبيان المتقدم، فلاحظ.

ولا يخفى تمامية دلالته على المدعى، بل هو صريح في ذلك، أعني عدم المانعية.

 

لكن بعض الأعاظم (ره) ناقشها بأن مضمونها مما لا يمكن قبوله وتصديقه، إذ مقتضى التعبير بـ(كان) هو الظهور في الدوام والاستمرار بمعنى أنه (ص) كان مواظباً على ذلك،

ولما كان قبول هذا المعنى مما لا يمكن المصير إليه، فلا بد من رد علم الصحيح إلى أهله، أو تحمل على التقية بقرينة خبر إسماعيل بن عيسى قال: سألت الرضا (ع) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمداً حتى يصبح أي شيء عليه؟ قال: لا يضره هذا ولا يفطر ولا يـبالي فإن أبي(ع) قال: قالت عائشة إن رسول الله (ص) أصبح جنباً من جماع غير احتلام لأن الاستشهاد بكلام عائشة ظاهر في التقية[3].

 

ولا يخفى أنه(قده) ذكر جوابين عن الصحيحة محل البحث، وهما:

الأول: لما كانت الصحيحة متضمنة لما لا يمكن الالتـزام به وهو تكرر البقاء على حدث الجنابة متعمداً إلى طلوع الفجر في اليوم الصومي من رسول الله(ص) المستفاد من التعبير بكلمة (كان)، فلابد من رد علمها إلى أهلها، وقد أمرنا بذلك، كما ورد ذلك في موثق سماعة: أرجئه حتى تلقى إمامك.

الثاني: أن يعمد إلى حمل الصحيح على التقية، وبالتالي التشكيك في تمامية الصدور من خلال فقدان أصالة الجهة، لأنه متى ما انتفت أصالة الجهة، بنينا عندها على سقوط الخبر عن الحجية، ويشهد لعدم توفر أصالة الجهة خبر إسماعيل بن عيسى الذي ذكره(ره).

 

ولقائل أن يقول أن ظهور (كان) في الاستمرار مطلقاً محل تأمل، نعم لو أحتف الكلام بقرائن حالية أو مقالية دلت على ذلك فيكون القول عندها بكونها تفيد الاستمرار وجيهاً، لكن لا لأن كان تفيد ذلك، بل لوجود القرائن المساعدة على ذلك.

والظاهر فقد ذلك في المقام حيث أنه (ع) في مقام الحكاية عن فعله (ص) ولا يعني ذلك حصول ذلك منه مرات عديدة بحيث يعدّ من شأنه.

وأما الخبر فلعل الاستشهاد بكلامها، لكونه في مقام ينظر له أنه راوٍ كغيره من الرواة، أو أنه أراد إقناع من لا يقتنع إلا بمثل أقوال أمثالها.

 

ثم إنه تعرض (ره) للجواب عنها على فرض استقرار المعارضة فأجاب بجوابين:

الأول: كونها خبراً شاذاً وتلك النصوص المانعة مشهورة بل متواترة فتقدم عليه. وهذا قد عرفت في البحوث السابقة الجواب عن مثله على أن دعوى التواتر حتى الإجمالي غير واضحة أولاً.

ثانياً: لو سلمنا أن النصوص المانعة من السنة القطعية لكنها مخالفة للكتاب العزيز فلا قيمة لها ودعوى التخصيص والتقييد تقدم جوابها.

الثاني: إن الأخبار المانعة مخالفة للعامة بينما الصحيح المذكور موافق لهم وقد عرفت أن الترجيح للمخالف[4].

 

وفيه: إن أول المرجحات هو الكتاب وهو موافق لصحيح حبيب الدال على عدم المانعية، لأن المفطرات في الكتاب مختصة بخصوص الأكل والشرب والجماع.

ومنها: خبر حماد بن عثمان أنه سأل أبا عبدالله “ع” عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل وأخر الغسل حتى يطلع الفجر فقال: كان رسول الله “ص” يجامع نسائه من أول الليل ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب يقضي يوماً مكانه[5].

 

والخبر مرسل حيث لم تذكر الوسائط بين الصدوق وبين حماد وقد أجاب عنها بعض الأعاظم “ره” بما تقدم جواباً عن صحيح حبيب وأضاف هنا احتمالاً مفاده أن ما صدر منه “ع” إنكار منه على هؤلاء فتكون دالة على مدعى القول الأول لأنه يقول لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب بل أقول يقضي يوماً مكانه[6].

ولا يخفى عليك أنه “ره” أراد الفرار من أن يفعل رسول الله “ص” مكروهاً فجعله يفعل محرماً لأنه ترك صيام يوم بل أيام من شهر رمضان فكان عليه قضائها وهو كما ترى.

ومنها: صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبدالله “ع” عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل فأخر الغسل حتى طلع الفجر. فقال: يتم صومه ولا قضاء عليه[7].

 

وأجاب عنها بعض الأعاظم ” ره” تارة بالجمع الدلالي وأخرى بالعلاج والترجيح. فذكر في الجمع الدلالي بأنها مطلقة تشمل العمد وغير العمد لعدم صراحتها في الأول لأنه عبر فيها طلع وهو يصدق على من أخر الغسل راجياً بقاء الوقت. نعم لو عبر فيها بيطلع لكان صريحاً في العمد وأن غايته هي طلوع الفجر وهو على جنابة وعليه فتكون مقيدة بمعتبر أبي بصير الدالة على البطلان في صورة العمد وتحمل هذه الصحيحة على غير العامد.

وإن لم يقبل هذا الجمع فهذا خبر واحد شاذ لا يقاوم السنة القطعية. وعلى فرض مقاومته فهو مرجوح بموافقته للعامة ومادل على المانعية راجح فيقدم عليه[8].

 

ويلاحظ عليه: أما الجمع الدلالي فمضافاً لكونه بلا شاهد لا ربط للعمد وعدمه بطلع ويطلع بل الذي ينبغي هو ملاحظة كلمة أخر في أنها ظاهرة في أنه تهاون في ترك الغسل حتى طلع الفجر أو أنه ترك الغسل اعتماداً على تمكنه من الاغتسال ففاجأه الفجر أو غير ذلك. لا يخفى أن المتفاهم العرفي منها أنه ترك الغسل حتى طللع الفجر. نعم كون الناوي للغسل لا يصدق عليه تعمد البقاء على الجنابة استفادته من مقام آخر وعليه لا وجه لحمل الخبر على صورة غير العمد خصوصاً وقد ورد في المصدر: إلى أن طلع الفجر.

وأما العلاج فقد عرفت جوابه في جوابنا عنه في صحيح حبيب فإنه بعينه يجري في المقام.

 

ومنها: صحيحة العيص أيضاً أنه سأل أبا عبدالله (ع) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل؟ قال: لا بأس[9].

ودلالتها وإن لم تكن صريحة لكنها ظاهرة حيث أن المستفاد أنه سيصبح على جنابة وقد ذكر “ع” أنه لا بأس بذلك وهو صريح في العمد.

ومنها: صحيحة القماط أنه سئل أبو عبدالله “ع” عمن أجنب في أول الليل في شهر رمضان فنام حتى أصبح؟ قال: لا شيء عليه وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال[10].

ودلالتها أيضاً واضحة إلا أن يدعى بأنها غير صريحة في العمد فتقيد بما دَل على ذلك.

 

ومنها: خبر سليمان بن أبي زينبة قال: كتبت إلى إبي الحسن موسى بن جعفر “ع” أسأله عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل فأخر الغسل حتى طلع الفجر؟ فكتب “ع” إلي بخطه أعرفه مع مصادف: يغتسل من جنابته ويتم صومه ولا شيء عليه[11].

ومنها: خبر ابن رئاب قال: سئل أبو عبد الله “ع” وأنا حاضر عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان فينام ولا يغتسل حتى يصبح؟ قال: لا بأس يغتسل ويصلي ويصوم[12].

وقد يؤيد المدعى بل قد يجعل دليلاً عليه صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما “ع” قال: سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل؟ قال: يتم صومه ويقضي ذلك اليوم إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر فإن انتظر ماء يسخن أو يستقي فطلع الفجر فلا يقضي يومه[13].

 

وقد يؤيد أيضاً بالنصوص المطلقة الدالة على جواز النوم بعد الجنابة ولا يستيقظ حتى يطلع عليه الفجر.

ومما يستدل به على المدعى صحيح محمد بن مسلم الحاصر للمفطرات في الطعام والشراب والنساء والإرتماس.

ولا يـبعد القول بتواتر هذه النصوص إجمالاً فلا ينطبق عليها أنها خبر واحد شاذ وهو ما كان يصر عليه بعض الأعاظم (قده) كما تقدم.

وقد يقال بأن النصوص المانعة لما كان مشتهرة بين الأصحاب والشهرة في الرواية إن لم تكن مرجحة فلا ريب في كونها مميزة وهذا كافٍ لإسقاط نصوص عدم المفطرية عن الاعتبار.

لكنه ممنوع لما عرفت أثناء عرض الروايات أن نصوص المانعية من متفردات الشيخ (ره) المعلوم حالها مما يعني نفي الشهرة الروائية عنها. على أن الشهرة إن لم تكن في طرف النصوص الدالة على عدم المفطرية فلا توجد في المقام. ومما ذكرنا تعرف أنه لا يمكن رفع اليد عن نصوص عدم المفطرية بدعوى إعراض المشهور.

 

فتحصل أن الأقوى هو القول بعدم المفطرية ولا وجه للاحتياط ظاهراً لأن الإجماعات المدعاة فضلاً عن كونها محتملة المدرك فإنها إجماعات الانتصار والخلاف والغنية وحالها معلوم ولا عبرة بإجماعات السرائر والتذكرة والمنـتهى لأنها اجتهادية لا تتضمن نكتة حجية الإجماع. كما أن القول بالمانعية كما عرفت من الشرائع هو الأشهر مما يشير إلى أن المفطرية مشهور. على أنه لو تم كونه مشهوراً فهو بين المتأخرين وبالجملة لا نرى وجهاً للاحتياط بالمانعية إلا ما قد يقال من كونه خلاف سيرة المتشرعة ومرتكزاتهم والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

 

 

 

[1] سورة البقرة الآية 187.

[2] المصدر السابق ح 5.

[3] مستند العروة ج 1 ص 177.

[4] المصدر السابق ص 178.

[5] الوسائل ب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3.

[6] مستند العروة ج 1 ص 178.

[7] الوسائل ب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 4.

[8] مستند العروة ج 1 ص 179.

[9] المصدر السابق ح 2.

[10] المصدر السابق ح 1.

[11] المصدر السابق ح 5.

[12] المصدر السابق ح 7.

[13] الوسائل ب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3.