15 أبريل,2024

أفضل الأنبياء والمرسلين

اطبع المقالة اطبع المقالة
أفضل الأنبياء والمرسلين

 

من الحقائق التي تضمنتها آيات القرآن الكريم، حقيقتان:

الأولى: تفاضل الأنبياء والرسل(ع) فيما بينهم، قال تعالى:- (ولقد فضلنا بعض النبيـين على بعض)، وقال سبحانه:- (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض).

وقد اتفق المسلمون قاطبة ولعله الظاهر من القرآن الكريم أيضاً أن أفضل الأنبياء والمرسلين هم أولوا العزم من الرسل، فلاحظ قوله تعالى:- (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)، وقد حدد الله سبحانه وتعالى أولي العزم وشخصهم بأسمائهم، فقال سبحانه:- (وإذ أخذنا من النبيـين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى).

 

الثانية: أن الدين عند الله الإسلام، ويستفاد هذا المعنى من بعض الآيات القرآنية، قال تعالى:- (إن الدين عند الله الإسلام)، وقال سبحانه:- (ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)، ولهذا لم يبعث الله تعالى نبياً من الأنبياء ولم يرسل رسولاً من الرسل إلا وكان مسلماً بالدين الإسلامي، وقد حكى القرآن ذلك على لسان عدد من الأنبياء، فقال تعالى حاكياً عن نوح(ع):- (وأمرت أن أكون من المسلمين)، وجاء على لسان إبراهيم خليل الرحمن(ع) قوله تعالى:- (أسلمت لرب العالمين)، وجاء في حديث القرآن الكريم عن لوط، فقال تعالى:- (وما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)، وجاء على لسان ملكة سبأ قوله عز من قائل:- (وأسلمتُ مع سليمان لله رب العالمين).

 

والمقصود من الإسلام الوارد ذكره في هذه الآيات الشريفة هو الطاعة والخضوع والتسليم لله تعالى، كما أشار لذلك صاحب الميزان(قده)، حيث قال: إنه تسليم وإطاعة لله سبحانه فيما يريده من عباده على لسان رسله[1].

وكما وصف القرآن الكريم مجموعة من الأنبياء والمرسلين(ع)، بالإسلام، وأنهم مسلمون، ورد ذلك في شأن النبي الأكرم محمد(ص)، إلا أن التوصيف الذي ورد في شأنه يختلف عن التوصيف الوارد في شأن بقية الأنبياء، فقد قال تعالى:- (وبذلك أمرت وأنا وأول المسلمين).

 

إلا أن المتأمل في الآية القرآنية التي تضمنت الحديث عن إسلام رسول الإنسانية محمد(ص) يجدها تختلف تماماً عن بقية الآيات الأخرى التي تضمنت وصف الأنبياء والمرسلين(ع)، ذلك أن توصيف النبي محمد(ص) لم يقتصر على وصفه بكونه مسلماً، وإنما تضمن أمراً آخر وهو أنه أول المسلمين، وهذا يعني وجود وصفين لديه(ص)، وهما:

الأول: امتلاك صفة الإسلام، وهي التي يشترك فيها مع بقية الأنبياء والمرسلين(ع).

الثاني: اختصاصه بأنه أول المسلمين، وهي الصفة التي يتميز بها على بقية الأنبياء(ع)، فلا يشاركه فيها أحد.

وهذا الوصف الثاني لم يعط حتى للأنبياء أولي العزم(ع)، بل قد انفرد به النبي الأكرم محمد(ص)، كما يظهر ذلك لكل من قرأ الآيات القرآنية ووقف على مضامينها ومعانيها.

 

وقفة مع الحقيقتين:

وربما تصور البعض أن الحقيقة القرآنية الأولى حول تفاضل الأنبياء(ع)، لا تعطي أفضلية لواحد من الأنبياء على البقية كافة، إذ أقصى ما يظهر من بعض الآيات ما عرفت من تفضيل أنبياء أولي العزم(ع) على بقية الرسل، وهذا ما يستدعي الوقوف عنده.

كما أن الحقيقة القرآنية الثانية والتي تضمنت وصف النبي محمد(ص)، لا تعطيه أيما امتياز أكثر من الأسبقية ليس إلا.

 

أفضل الأنبياء والمرسلين:

والصحيح أن ملاحظة الحقيقتين اللتين أشرنا إليهما يوقفان الباحث على ضرورة وجود نبي يعد أفضل الأنبياء والمرسلين قاطبة، ولا يساويه بقية الأنبياء(ع)، ويمكن استفادة ذلك من التوصيف الذي ميز به بعض الأنبياء عن البقية فأعطي ما لم يعطه غيره حال التوصيف بالإسلام، وهذا يعني أن أفضل الأنبياء والمرسلين هو نبينا الأكرم محمد(ص)، وفقاً لما دل عليه القرآن الكريم.

 

أولية الإسلام:

ويمكن الاستدلال بمجموعة من الآيات القرآنية لإثبات هذه الحقيقة وهي أفضلية النبي محمد(ص) خاتم الأنبياء والمرسلين، على جميع الأنبياء والمرسلين(ع).

منها: قوله تعالى:- (قل إني أُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين* وأمرت أن أكون أول المسلمين)، وتتضح دلالة الآية الشريفة على المدعى بملاحظة ما سبقت الإشارة إليه من أنه سبحانه وتعالى قد وصف مجموعة من الأنبياء(ع)، بصفة الإسلام، إلا أنه قد خص النبي(ص) بأنه أول المسلمين.

 

وهنا احتمالان في طبيعة هذه الأولية الوارد ذكرها في الآية الشريفة:

الأول: أن تكون الأولية الواردة في الآية الشريفة أولية زمانية، ويكون المقصود منها أن نبينا محمد(ص) أول المسلمين في عصره، وبالنسبة إلى أمته.

ويمنع القبول بهذا الاحتمال، عدم الخصوصية للنبي محمد(ص) بذلك، فإن بقية الأنبياء وخصوصاً الذين سبقوه كأولي العزم(ع) أولى بتسمية كل واحد منهم بأول المسلمين، لأن كل واحد منهم هو كذلك بالنسبة إلى أمته وعصره، ومع ذلك لم يستعمل القرآن الكريم هذه الصيغة بالنسبة لأحد غير الخاتم(ص) من بقية الأنبياء(ع).

 

والحاصل، إن الاستعمال القرآني لصيغة أول المسلمين مختص به(ص)، دون سواه، مما يكشف عن أن هذه الأولية ليست هي الأولية الزمانية.

الثاني: أن يكون المقصود من الأولية المذكورة في الآية المباركة هي الأولية الرتبية، أي أن الرسول(ص) هو أول الأنبياء(ع) رتبة من حيث الانقياد والطاعة والعبودية لله سبحانه وتعالى، فهو أول من حاز أعلى مراتب العبودية والقرب الإلهي.

 

وقد أكدت هذا المعنى جملة من الآيات القرآنية والنصوص:

منها: أن القرآن الكريم لم يستعمل لفظ العبد دون تقيـيد إلا في خصوص النبي الأكرم محمد(ص)، كما في قوله تعالى:- (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)، وقوله سبحانه:- (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً)، وقوله عز من قائل:- (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)، وقوله عز وجل:- (فأوحى إلى عبده ما أوحى)، وقوله تبارك وتعالى:- (هو الذي ينـزل على عبده آيات بينات)، وقوله سبحانه:- (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله).

وهذا بخلاف ما لو ذكر اسم العبد في غيره(ص)، فإنه يذكر مع ذكر اسم ذلك النبي، أو أي قرينة تدل عليه، فلاحظ قوله تعالى:- (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأولي الأيدي والأبصار)، وقوله سبحانه:- (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله)، وقوله عز وجل:- (واذكر عبدنا داوود).

 

وبالجملة، إن القرآن الكريم في كل مورد استعمل لفظة العبد وأراد من ذلك واحداً من الأنبياء(ع)، غير الخاتم(ص)، فإنه يذكر اسم ذلك النبي، أو يشير إليه من خلال ذكر قرينة إثباتية تدل عليه. أما إذا جاء بلفظ العبد من دون تقيـيد، فإنه يدل على أن مراده من ذلك هو الرسول الأعظم(ص).

ومن الطبيعي أن يكون هذا التميـيز لنكتة استدعى اتخاذ هذا الأسلوب في الآيات القرآنية، والظاهر أن نكتة ذلك الإشارة إلى واحد من المقامات الخاصة التي بلغها النبي الأكرم محمد(ص)، والتي توجب أفضليته على غيره من الأنبياء والمرسلين(ع)، وهو مقام العبودية الخاصة، وأنه(ص) قد بلغ أعلى مراتب العبودية المحضة لله تعالى.

 

إن قلت: أليس كل موجود ممكن هو عبداً لله سبحانه وتعالى، فكيف تقولون أن رسول الله(ص) قد حاز أعلى مراتب العبودية، مع أن كل المخلوقات لها عبودية لله تعالى ولا امتياز لأحدهما على الآخر، لأنها كلها مصنوعة مخلوقة لله تعالى.

 

قلت: إن العبودية لله سبحانه وتعالى على نحوين:

الأول: العبودية العامة، وهي عبودية تكوينية خارجة عن الاختيار، وهي عبودية عامة ثابتة لكافة المخلوقات والموجودات، ولا تختص بأحد دون آخر، كما في الرحمة العامة الشاملة لكل شيء، قال تعالى:- (ورحمتي وسعت كل شيء).

الثاني: العبودية الخاصة، وهي العبودية الاختيارية، والتي يمتاز بها بعض المخلوقين بمحض إرادتهم بالقرب إلى الله تعالى، فالإنسان المملوك الوجود لله سبحانه، والمخلوق من قبله، لا يخلو حاله عن أحد أمرين، فهو إما أن يكون جارياً في حياته على ما يستدعي مملوكيته الذاتية لله تعالى ويستسلم له، وإما أن لا يكون جارياً على ذلك. وعليه، فإما أن يكون هذا الإنسان قائماً بأدب المملوكية والعبودية لله تعالى، وقد لا يقوم بذلك، فإن قام بأدب العبودية والمملوكية، يكون قد حقق العبودية الخاصة التي تختلف عن العبودية العامة، وهنا يختلف حال الناس في قيامه بأدب العبودية والمملوكية، فيصنفون إلى صنفين، إذ يقوم بعض الناس بأدب العبودية، إلا أنهم يعيشون داخل أنفسهم الاستكبار على الباري سبحانه وتعالى، فتكون طاعتهم له وعبوديتهم الخاصة طاعة خوف، فتكون طاعة العبيد، أو طاعة طمع، فتكون طاعة التجار. وهذا بخلاف من يقوم بأدب العبودية والمملوكية بأرقى وأكمل ما يمكن، فيعبد الله لا خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، وإنما يعبد الله تعالى لأنه أهل للعبادة، بمعنى أن مقتضى مولويته تعالى أن يخضع العبد لمولاه، سواء كانت هناك جنة أو نار، أم لم تكن.

 

ومثل هذا النوع من الناس في أداء أدب العبودية قليل جداً، ولا يكون إلا في فئة خاصة جداً، ومن أجلى مصاديق هذه الفئة وأعلاها رتبة ومنـزلة نبينا الأكرم محمد(ص)، وهذا ما أوجب أن يكون(ص) أفضل الأنبياء(ع)، وهو الذي دعى أن يوصف(ص) بصفة العبودية مطلقة دون حاجة لتميـيز ولا قرينة تدل عليه، لأنه(ص) النموذج الكامل لعبد الله سبحانه وتعالى.

 

————————————————————————————–

[1] الميزان في تفسير القرآن ج ص