11 ديسمبر,2019

دعاء المولودين في رجب

اطبع المقالة اطبع المقالة

دعاء المولودين في رجب

 

س: ما هو السبب في اقتصار الدعاء المعروف في شهر رجب بدعاء المولودين في رجب على ذكر الإمامين الجواد والهادي(ع)، ولم يتعرض لذكر الإمام أمير المؤمنين(ع)، وذكر الإمام الباقر(ع)، مع أنهما ولدا في شهر رجب أيضاً؟

ج: لا يخفى أن الدعاء المذكور صادر عن الناحية المقدسة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، وفيه احتمالان متصوران في منشأ الاقتصار على ذكرهما(ع) دون الإشارة إلى المناسبات الأخرى الموجودة في الشهر المبارك، وهما:

الأول: أن يكون الدعاء صادراً منه(عج) ابتداء من دون أن يكون هناك موجب دعاه لصدروه عنه، كأن يكون قد سئل عن تحديد تاريخ ولادة الإمامين الجواد والهادي(ع)، جراء وجود اختلاف عند الشيعة في تاريخ ولادتهما، مثلاً، وعليه سوف يكون الغرض من ذكرهما(ع) دون الإشارة لبقية المناسبات الأخرى بيانه أمراً ما، مثل الإشارة إلى جهة المشابهة بينه(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، للإمامين(ع)، من حيث تصديه لمنصب الإمامة وقيامه بأعباء الخلافة الإلهية في سن مبكرة، كما أنهما قاما بذلك في سن مقاربة له، وهما صغيران بعدُ لم يبلغا الحلم.

وعليه، سوف يزول موجب الاستغراب والاستفهام في ذكره(عج) للإمامين الجواد والهادي(ع)، وعدم إشارته للإمام أمير المؤمنين(ع)، أو الإمام الباقر(ع)، ذلك لأنه بصدد معالجة شبهة عقدية، إما قد وجدت، أو العمد لدفعها قبل وجودها، من خلال التذكير بإمامة الإمامين العظيمين(ع).

الثاني: أن يكون التوقيع الصادر من ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواه الفداء) جواباً عن سؤال قد وجه إليه لمعرفة الزمان الذي قد ولد فيه الإمامان(ع)، وذلك لوجود اختلاف في تحديد زمان ولادتهما، فقد تعددت الأقوال في زمان ولادة الإمام الجواد(ع)، فذكرت أقوال، من أنها كانت في العاشر من شهر رجب، وقيل أنها كانت في شهر رمضان المبارك، وقد اختلف القائلون بوقوعها في شهر رمضان في تحديد التأريخ من الشهر الشريف بعد اتفاقهم على وقوعها فيه، وهكذا.

وكذا أختلف في شهر ولادة الإمام الهادي(ع)، فذكر قولان، أحدهما أن ولادته كانت في شهر رجب الأصب، والآخر أنها كانت في شهر ذي الحجة.

وقد دعى ذلك أن يقدم إليه(بأبي وأمي) سؤال لمعرفة زمان ولادتهما، وقد كانت الإجابة منه(عج) بأن زمان الولادة كان في شهر رجب.

لا يقال: إن الدعاء المذكور لم يتضمن عرضاً لسؤال موجود من قبل سائل، وهذا يمنع البناء على الاحتمال الثاني.

فإنه يقال: إن المعروف أن التوقيعات الصادرة من ولي النعم(روحي له الفداء) كانت عبارة عن أسئلة توجه إليه عادة عن طريق السفراء الأربعة، وكانت الإجابة تخرج مكتوبة، وقد عرفت في الوسط الشيعي بالتوقيعات، والغالب أن يخرج التوقيع متضمناً للجواب من دون إشارة منه للسؤال. ويساعد على أن التوقيع عبارة عن سؤال موجه لولي النعمة(بأبي هو وأمي)، قول ابن عياش الراوي للتوقيع الشريف: وخرج إلى أهلي، فإنه لا معنى لأن يكون الخارج لأهله بالخصوص دون بقية الشيعة، إلا كونه جواباً على سؤال قد وجه للي النعمة(عج) من قبلهم،، وقد قام بالإجابة عليه.

وبناءً على هذا لن يخرج الدعاء المذكور عن كونه جواباً لسؤال قد قدم إليه(ع)، وقام بالإجابة عنه، وقد عرض الجواب بصورة دعاء كي ما يجيب على السؤال المقدم إليه، ويشير إلى إمكانية الاستفادة من ولادتهما من خلال التوسل بهما، وجعلهما طريقاً إلى الله سبحانه. وهذا يعني أنه لن يكون للدعاء أي مدلول وراء الجواب، مثل الإشارة لمطلب عقدي، أو معالجة شبهة عقدية.

ومنه تعرف الفرق بين المحتملين الأول والثاني، فإن الأول منهما يفيد أن الدعاء قد صدر من أجل أن يعالج شبهة عقدية، إما قد وجدت، أو قبل أن توجد. وهذا بخلاف الثاني، إذ أن غايته تحديد زمان الولادة ليس إلا، وهو أقرب إلى المعالجة التاريخية.

ولا يخفى أن ترجيح أحد المحتملين على الآخر رهين ملاحظة الدعاء المذكور نفسه، وأنه يشير لأي منهما وقد عرفت أنه توقيع صادر عن الناحية المقدسة، فقد روى الشيخ(ره) في كتابه مصبح المتهجد، عن ابن عياش قال: وخرج إلى أهلي على يد الشيخ أبي القاسم رضي الله عنه في مقامه عندهم هذا الدعاء في أيام رجب:

اللهم إني أسألك بالمولودين في رجب، محمد بن علي الثاني وابنه علي بن محمد المنتجب، وأتقرب بهما إليك خير القرب، يا من إليه المعروف طلب، وفيما لديه رغب، أسألك سؤال معترف(مقترف)[1] مذنب، قد أوبقته[2] ذنوبه وأوثقته عيوبه، وطال على الخطايا دؤوبه، ومن الرزايا خطوبه، يسألك التوبة وحسن الأوبة والنـزوع من الحوبة، ومن النار فكاك رقبته، والعفو عما في ربقته، فأنت يا مولاي أعظم أمله وثقته.

اللهم وأسألك بمسائلك الشريفة، ووسائلك المنيفة، أن تتغمدني في هذا الشهر برحمة منك واسعة، ونعمة وازعة، ونفس بما رزقتها قانعة إلى نزول الحافرة ومحل الآخرة وما هي إليها صائرة[3].

والتأمل في الدعاء المذكور يساعد على الاحتمال الثاني، بقرينة ما وجد من اختلاف في تاريخ ولادة الإمامين، الجواد والهادي(ع)، كما سمعت ذلك قبل قليل.

إن قلت: لقد وقع الاختلاف في تأريخ ولادة الإمام مير المؤمنين(ع)، والإمام الباقر(ع)، حيث قيل أن ولادة الأمير(ع) في شهر ذي الحجة، وأن ولادة الإمام الباقر(ع) في شهر صفر.

قلت: إن الاختلاف المتصور في ولادة الإمامين أمير المؤمنين والباقر(ع)، ليس بالنحو الموجود في ولادة الإمامين الجواد والهادي(ع)، لا من حيث الشهرة، ولا من حيث كثرة القائلين به، وهذا يوجب عدم الحاجة للسؤال عنه، خصوصاً وأن الشهرة كانت لكون الولادة واقعة في شهر رجب كما لا يخفى.

ووفقاً لما تقدم، لن يكون الدعاء المباركة مشيراً إلا لتحديد زمان ولادة الإمامين(ع)، وأنهما باب من ابواب الله التي منها يؤتى.

على أنه لو بني على الاحتمال الأول لم يكن في ذلك مانع، إلا عدم وضوح إرادة ذلك من ظاهر الدعاء المذكور، بل يمكن البناء على كون الدعاء صادراً من أجل الأمرين معاً، فهو كما يوضح حقيقة تاريخية، يعالج شبهة عقدية، وكأنه(ع) أراد استغلال الموقف ليستفيد منه في التدليل على إمامته.

وفي النفس شيء من القبول بحمل الدعاء على المحتمل الأول، لأنه يستوجب أن يكون هناك تشكيك في الوسط الشيعي في إمامة ولي النعمة مولاي صاحب الزمان(عج)، وهذا لا ينسجم والنصوص الكثيرة الواردة عندنا لبيان الأئمة وتحديد عددهم، بل في بعضهم النص عليهم بأسمائهم، وأنه لا يخرج الإمام من الدنيا حتى ينص على الإمام بعده.

ولا مجال لأن يتصور أن هناك من توقف في منصب الإمامة، وأنها في فلان، خصوصاً مع وجود الادعاءات، لأن هذه الادعاءات لم تكن واسعة الانتشار في الوسط الشيعي، بل كانت على مستوى أفراد محدودين، ولم تمثل ظاهرة، كما لا يخفى.

وقد حكى الكفعمي(ره) في حواشي البلد الأمين معالجة بعضهم للدعاء المذكور، بأن الإمامين الجواد والهادي(ع) لم يولدا في شهر رجب، فكيف يخبر الإمام(ع) بولادتهما فيه، بقوله: المولدين في رجب.

وأجاب عن ذلك، بمنع دلالة الدعاء المذكور على الولادة لهما في هذا الشهر، بل إن أقصى ما يستفاد منه، هو صدور التوسل من ولي النعمة الإمام صاحب الزمان(عج) بهما في هذا الشهر، لا إثبات ولادتهما فيه.

وأجاب عنه، بأن التوسل بهما في خصوص هذا الشهر لابد وأن يكون لمزية للزمان في ذلك، وإلا أي مرجح لأن يختار التوسل بهما في خصوص شهر رجب دون بقية الشهور، ولا مزية متصورة فيه إلا وقوع ولادتهما فيه، فيثبت المطلوب.

لا يقال: إن صريح الدعاء حصول الولادة لهما فيه، لقوله: المولودين في رجب.

فإنه يقال: إن هذا مبني على بطلان رواية ابن عياش[4].

والإنصاف، أنه لم يتضح لي الوجه في المعالجة المذكورة للبناء على إثبات ولادتهما في شهر رجب، مع رفع اليد عن رواية ابن عياش.

ولنختم الجواب بالإشارة إلى سند الدعاء المذكور، وقد عرفت أن الشيخ(ره) ذكره في كتابه مصباح المتهجد، نقلاً عن ابن عياش، وهو أحمد بن عبد الله بن الحسن بن عياش الجوهري، وقد كان معاصراً للصدوق(ره)، وهو مجهول الحال، لم يذكر في شيء من المصادر الرجالية، وقد ذكرتُ في بعض الموارد، أن المصادر الرجالية لم تعدُّ لتكون كتب تراجم، بل قد  كُتبَ فهرست الشيخ وفهرست النجاشي بغاية استعراض المؤلفين من أصحابنا، ولم يتم كتاب الرجال للشيخ، بل هو عبارة عن مسودات، وهذا منع من استيعابه لجميع الرواة، والظاهر أن للبرقي منهجية خاصة جعله لا يستوعب كل الرواة، فضلاً عن أنه يغلب على من ليس له رواية في أحد الكتب الأربعة عدم ذكره في المصادر الرجالية.

وعلى أي حال، فقد حكيت قولاً لبعض الأساتذة(دامت بركاته)، أنه يمكن البناء على اعتبار مثل هذا الراوي بلحاظ اعتماد بعض المشايخ المعتمدين كالصدوق(ره) مثلاً في النقل عنه، والظاهر عدم توفر ذلك في المقام، لعدم رواية الصدوق(رض) عنه، والمسألة تحتاج تتبعاً أكثر لا يسعه المقام.

ثم إنه لو بني على وثاقة ابن عياش، فإنه لم يذكر طريق الشيخ(ره) إليه، ما يعني أن الرواية مرسلة، والله العالم بحقائق الأمور، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 


 

[1] في نسخة.

[2] أي أهلكته.

[3] إقبال الأعمال ج 3 ص 215-216.

[4] بحار الأنوار ج 50 ص 14(بتصرف)