11 ديسمبر,2019

وسائل معرفة الإمام (كلمة الجمعة)

اطبع المقالة اطبع المقالة

يحتاج أي موضوع من الموضوعات إلى وسائل لإثباته، سواء كان ذلك الموضوع مرتبطاً بالجانب الفقهي، أم كان مرتبطاً بالجانب العقائدي، أم بالجانب التاريخي، فلا يصدق مدعى الاجتهاد مثلاً إلا إذا كان هناك ما يدل على صدق دعواه، وكذا عندما تدعى الأعلمية في شخص ما، فإن القبول بهذه الدعوى يتوقف على وجود مثبتاتها، بحيث لو لم تتوفر المثبتات لها، لم تقبل، ومثل ذلك يجري في شأن المسافة الشرعية التي توجب التقصير، لأنه لا يرتب أثر على مجرد دعوى أن ما بين المنطقتين المحددتين مسافة شرعية، وإنما يعول على ذلك متى كانت هناك وسائل إثبات تثبته، ويعرف من خلالها ذلك.

وهكذا أيضاً الموضوعات التاريخية، فعندما يقرر أن هذا القبر لأحد الأولياء الصالحين، أو لأحد أبناء الأئمة الطاهرين(ع)، فإن ذلك يعتمد على ما يثبت ذلك، فما لم يكن هناك ما يثبته، لن يمكن القبول به والتعويل على مجرد الادعاء، وهكذا.

ولهذا نجد أن الفقهاء مثلاً قد ذكروا الوسائل التي يعول عليها في تحديد الموضوع وتحققه، حتى يرتب عليه الأثر، وكذا فيا لبحوث التاريخية هناك وسائل يركن إليها في ثبوت موضوع من الموضوعات، وهكذا.

وبالجملة، إن الموضوعات الخراجية تحتاج في مقام الإثبات إلى وسائل إثباتية تثبتها، وهذا يتفاوت من علم إلى علم آخر، فلاحظ.

ومن الموضوعات الخارجية التي يحتاج إثباتها إلى وسائل إثباتية أيضاً، عنوان الحجة، وهو من يكون حجة الله تعالى على عباده، والإمام المنصوب من قبل الله عز وجل على لسان النبي الكريم محمد(ص)، أو على لسان أحد أوصيائه(ع). فيعرف من خلال تلك الوسائل من هو الحجة حقاً، ويميز من هو الإمام الذي افترض اللته تعالى على العباد طاعته، فلا يصدق كل من يدعى هذاا لمنصب لنفسه، إلا إذا توفرت فيه تلك الوسائل.

وسائل معرفة الإمام:

وكما نص كل أهل علم من العلوم على وسائل إثبات يعتمدون عليها في إثبات الموضوعات وتحصيلها، فالفقهاء مثلاً ذكروا الوسائل التي يركن إليها في إثبات الموضوع، كما أن المؤرخين مثلاً لهم وسائلهم الإثباتية التي يعتمدونها في هذا المجال، كذلك تضمنت النصوص الشريفة الوسائل التي يمكن من خلالها إحراز من هو الإمام الحق، ومن هو الكذاب المدعي الذي لا يقبل قوله، ولا تصدق دعواه.

الوصية الظاهرة:

من الوسائل التي يعرف بها الإمام الذي يكون حجة الله تعالى على الخلق، أن تكون له الوصية الظاهرة من الإمام الذي سبقه.

وهذا يكون بأحد نحوين، بل قد يكون بكليهما أحياناً:

الأول: أن يعمد إلى الإشارة إليه من خلال ذكر اسمه، وهذا مثل النصوص التي صدرت عن رسول الله(ص) بالإشارة إلى الأئمة المعصومين(ع)، من قبل ولادتهم.

الثاني: أن يكون ذلك من خلال الإشارة إليه بشخصه وعينه، وهذا يكون بعد ولادته، وعند قرب حلول وقت إمامته.

وقد جمع النحوين، ما روي عن الإمام الكاظم(ع) في النص على إمامة الإمام الرضا(ع)[1]، عن يزيد بن سليط، قال: لقيت أبا إبراهيم(ع)، ونحن نريد العمرة في بعض الطريق، فقلت: جعلت فداك هل تثبت هذا الموضع الذي نحن فيه؟ قال: نعم، فهل تثبته أنت؟ قلت: نعم، إني أنا وأبي لقيناك هاهنا وأنت مع أبي عبد الله(ع) ومعه إخوتك، فقال له أبي: بأبي أنت وأمي، أنتم كلكم أئمة مطهرون، والموت لا يعرى منه أحد، فأحدث إلي شيئاً أحدث به من يخلفني من يعدي فلا يضل.

قال: نعم يا أبا عبد الله، هؤلاء ولدي، وهذا سيدهم-وأشار إليك-وقد عُلّم الحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج إليه الناس، وما اختلفوا فيه من أمر دينهم ودنياهم، وفيه حسن الخلق، وحسن الجواب، وهو باب من أبواب الله عز وجل، وفيه أخرى خير من هذا كله.

فقال له أبي: وما هي بأبي أنت وأمي؟

قال(ع): يخرج الله عز وجل منه غوث هذه الأمة، وغياثها، وعلمها، ونورها وفضلها وحكمتها، خير مولود، وخير ناشئ يحقن الله-عز وجل- به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلم به الشعث، ويشعب به الصدع، ويكسو به العاري، ويشبع به الجائع، ويؤمن به الخائف، وينزل الله به القطر ويرحم به العباد….-إلى أن قال-فقال له أبي: بأبي أنت وأمي، وهل ولد؟ قال: نعم، ومرت به سنون-إلى أن قال-ثم قال: أخبرك يا أبا عمارة، إني خرجت من منزلي، فأوصيت إلى ابني فلان، وأِركت معه بني في الظاهر، وأوصيته في الباطن، فأفردته وحده[2].

ويقصد من الوصية الظاهرة، أن يكون الإيصاء إليه من الوضوح والمعروفية بمكان، كما فسرت ذلك بعض النصوص، فعن عبد الأعلى، قال: قلت لأبي عبد الله(ع): ما الحجة على المدعي لهذا الأمر بغير حق؟ قال: ثلاثة من الحجة لم يجتمعن في رجل إلا كان صاحب هذا الأمر: أن يكون أولى الناس بمن قبله، ويكون عنده سلاح رسول الله(ص)، ويكون صاحب الوصية الظاهر الذي إذا قمت المدينة سألت العامة والصبيان: إلى من أوصى فلان؟ فيقولون: إلى فلان[3].

وربما منع من كلية الوسيلة المذكورة، لأنه لم يكن ذلك واضحاً في شأن الإمام الكاظم، ولا الإمام الرضا(ع)، إذ لم يكن الأول معروفاً حتى عند خواص أبيه(ع)، كما يحكى ذلك في شأن زرارة بن أعين، من أنه مات ولم يعرف من هو الإمام، وإنما حدد ذلك من خلال الكتاب المجيد، فقد روي أنه أرسل ابنه عبيد الله إلى المدينة ليتعرف على ذلك، ومات زرارة قبل عودة عبيد الله، ووضع المصحف على صدره، وقال: اللهم إن إمامي من أثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد(ص).

كما أن بعض أصحاب أبي عبد الله(ع) قد دخلوا فوجدوا عبد الله الأفطح جالساً مجلس أبيه(ع)، وأخذوا يسألونه، فلم يقتنعوا أنه الإمام، وأنهم خرجوا متحيرين إلى أين يمضون إلى المرجئة أو إلى المفوضة، وهكذا[4].

ومثل ذلك في شأن الإمام الرضا(ع)، وما وجود فرقة الواقفة والتي رأسها بعض وكلاء الإمام الكاظم(ع) إلا نموذجاً على أنه لم يكن واضحاً عند الشيعة أنهم الذي أوصى إليه الإمام(ع).

وهو في غير محله، بل إن الوسيلة كلية جارية في شأن جميع المعصومين(ع) دون استثناء، عمدة ما كان أن هناك ظروفاً قد تحيط بالموضوع بحيث لا يكون الأمر جلياً منذ البداية، بل مقتضى الحفاظ على الإمام(ع) يستوجب عدم الإبراز مباشرة.

وبعبارة أخرى، إنه لا يعتبر في انطباق الوصية الظاهرة أن يكون الموصى إليه واضحاً عند عامة الناس منذ البداية، بل ولو كان ذلك بعد مضي فترة ن الزمن، ولو من خلال إحراز الوسائل الأخرى، فلاحظ.

على أنه يمكن دفع ما ذكر من نموذجين، فيقال:

أما ما جاء في موضوع زرارة، ومسألة إمامة الإمام موسى الكاظم(ع)، فقد أوضحها الإمام الرضا(ع)، فقد سأله إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: قلت للرضا(ع): يا بن رسول الله أخبرني عن زرارة، هل كان يعرف حق أبيك(ع)؟ قال: نعم، فقلت له: فَلِمَ بعث ابنه عبيد الله ليتعرف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر ابن محمد، فقال(ع): إن زرارة كان يعرف أمر أبي(ع)، ونص أبيه عليه، وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي(ع) هل يجوز له أن يرفع التقية في اظهار أمره ونص أبيه عليه، وأنه لما أبطأ عنه ابنه طولب في إظهار قوله في أبي(ع)، فلم يحب أن يُقدّم ذلك دون أمره، فرفع المصحف وقال: اللهم إن إمامي من أثبت في هذا المصحف إمامته من ولد جعفر ابن محمد(ع)[5]. ودلالة المعتبر واضحة في كون زرارة كان على دراية ومعرفة بالإمام بعد الإمام الصادق(ع)، وأنه لم يكن غائباً أو مجهولاً بالنسبة إليه، وإنما كان يسأل عن شيء آخر، وهو إبراز إمامته(ع)، أم أن الوقت زمان تقية، ويساعد على هذا أن المعروف كون وصية الإمام الصادق(ع) كانت لخمسة أحدهم المنصور الدوانيقي.

وبالجملة، إن النص المذكور ينفي توهم كون الوصية للإمام الكاظم(ع)، لم تكن ظاهرة، فتدبر.

ومثله يجري في شأن ما ذكر من دخول بعض أصحاب أبي عبد الله(ع) على الأفطح، وقد جلس مجلس أبيه، وكان منهم ما كان، ويشهد لذلك ما جاء في الخبر: قلت: جعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضلال، فألقي إليهم وأدعوهم إليك، فقد أخذت علي الكتمان وخذ عليه الكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح، وأشار بيده إلى حلقه[6]. فإنه واضح الدلالة في كون الزمان زمان تقية، وخفاء للأمر حفاظاً على الإمام(ع) لما عرفت من تربص الدوانيقي به ورغبته في قتله، لهذا لم يكن الأمر مذاعاً، لكن لم يكن ذلك يعني خفاء، وإنما كان يعني عدم إذاعة، وفرق بين المقامين، فتدبر.

وأما ما جاء في شأن الإمام الرضا(ع)، فقد تعددت النصوص من الإمام الكاظم(ع) في النص على إمامته، وأخذت أشكالا عدة، فقد دخل عليه داود الرقي، وقال له: جعلت فداك إني قد كبر سني، فخذ بيدي من النار، فأشار بيده إلى ابنه أبي الحسن الرضا، وقال: هذا صاحبكم من بعدي[7]. وقد سُئل مرة عن الخلف من بعده، فكان جوابه(ع): هذا أبو الحسن الرضا[8].

ومن أبرز الأدلة التي تكشف عن كون الوصية الظاهرة كانت للإمام الرضا(ع)، محاولة المأمون التخلي عن الخلافة للإمام(ع)، ومن ثم قيامه بتنصيبه ولياً لعهده، فإن ذلك إنما تم لأنه كان الشخصية الأبرز في العلويـين، ولأنه الإمام المفترض الطاعة، في الوسط الشيعي. وقد صرح الإمام الرضا(ع) بما له من منصب إلهي، في حديث السلسلة الذهبية، عندما مر على نيشابور، وهو حديث تناقلته الأمة بأجمعها.

من هنا يتضح، أن ما جرى من الواقفة، أو بعضهم الذين بقوا على ضلالهم، ولم يعودوا إلى طريق الحق كعلي بن أبي حمزة والقندي، وغيرهما، لم يكن نتيجة خفاء في معرفة الإمام(ع)، أو لعدم وجود وصية ظاهرة إليه، وإنما كان ذلك لأغراض مادية، فقد غرتهم الدنيا، وأخذت عقولهم، فصاروا مملوكين إليها، بسبب ما كان تحت أيديهم من أموال وجواري، ويساعد على هذا رجوع جملة منهم، ممن كان يبحث عن الحقيقة، كعبد الله بن المغيرة، والحسن بن علي الوشاء، لما تبين لهم الحق، وزال عنهم الغمام، فاتبعوا الطريق القويم، وقالوا بإمامة الرضا(ع).

توفره على صفات خاصة:

كما يعرف الحجة على الخلق من خلال توفره على مجموعة من الصفات التي لا تكون ثابتة لغيره، بحيث يكون مميزاً بها، فيكون وجودها سبباً لمعرفة الحجة ممن يدعيها بهتاناً وزوراً، والنصوص وإن أشارت إلى تلك الصفات الخاصة التي يعرف بها الحجة، إلا أنها قد اختلفت فيها من حيث العدد، إذ يجد القارئ تفاوتاً فيها في ذلك، فقد تضمن بعضها ذكر صفات ثلاث، وجاء في آخر أربع صفات، بينما جاء في نص ثالث عشر صفات، وقد ذكر بعضها أكثر من ذلك.

ويتوهم فيتصور أن هذا التفاوت يوجب معارضة بين النصوص، ما يدعو لرفع اليد عنها. وهو فاسد، لأنه اللجوء للتساقط فرع عدم إمكان التوفيق والجمع بين المتعارضين، وأما مع إمكان ذلك، فإنه لا يصار إلى ذلك، والظاهر أنه يمكن التوفيق بين النصوص في المقام، بحمل التحديد الوارد في بعضها على الحصر الإضافي، أو أن الإمام(ع) حين عرضه لبعض الصفات دون البقية، لم يكن في مقام البيان من جميع الجهات، بل كان في مقام البيان في الجملة، ولهذا عمد إلى عرض شيء دون الكل، أو لأنه(ع) قد أشار إلى أ[رز الصفات التي تكون واضحة وجلية للناس، ويمكن لهم أن يقفوا عليها، وترك الباقي مما كان خفياً أو لا يلتفت إليه كل أحد.

وبالجملة، إن التفاوت المذكور، لا يوجب رفع اليد عن هذه النصوص، ولا يضر بحجية شيء منها من هذه الناحية، فلاحظ.

فمن النصوص[9]، ما ورد عن الإمام الرضا(ع)-وتعتبر هذه الرواية أجمع الروايات التي تعرضت للحديث عن هذه الصفات الخاصة-قال للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختوناً ويكون مطهراً، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل. وإذا وقع إلى الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ويكون محدثاً، ويستوي عليه درع رسول الله(ص)، ولا يرى له بول ولا غائط، لأن الله عز وجل قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، وتكون رائحته أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم، وأمهاتهم، ويكون أشدّ الناس تواضعاً لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما يأمر به، وأكف الناس عما ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجاباً حتى أنه لو دعا على صخرة لانشقت بنصفين.

ويكون عنده سلاح رسول الله(ص) وسيفه: ذو الفقار، وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة.

وتكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصفر، إهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش، وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة(ع)[10].

وقد تضمنت الرواية الشريفة الصفات التي يلزم توفرها في حجة الله وخليفته على بريته، ولا يخفى أن الصفات التي جاءت فيها ليست على نسق واحد، إذ بعضها يرتبط بالوضع المادي لشخص المعصوم(ع) وبعضها له علاقة بالبعد المعنوي، وفي بعضها صفات إعجازية خارقة للعادة.

والإنصاف، أن جميع ما جاء فيها يحتاج شرحاً مفصلاً والوقوف عليه، إلا أنه طلباً للاختصار سوف نقصر الأمر على بعض الصفات التي تحتاج بياناً فقط، ويمكن للقارئ العزيز المتابعة، فنقول:

أعلم الناس:

وهذه أول الصفات التي يلزم توفرها في الحجة، وتكون عنصر تميـيز له عن المدعين لهذا المنصب، والطريق لإحراز وجودها هو الاختبار وقد علم الأئمة الأطهار(ع) أصحابهم ذلك، بحيث يمكنهم كشف زيف من يدعي هذا المنصب، ومعرفة صاحب المنصب حقاً، نعم التميـيز إنما يكون من أهل الاختصاص، وليس من كل أحد، وهذا هو المقصود بالنصوص التي لم تجعل السؤال ميزاناً للتميـيز، فعن أحمد بن عمر عن أبي الحسن الرضا(ع)، قال: سألته عن الدلالة على صاحب هذا الأمر. فقال: الدلالة عليه: الكبر، والفضل والوصية إذا قدم الركب المدينة، فقالوا: إلى من أوصى فلان؟ قيل: إلى فلان بن فلان، ودوروا مع السلاح حيثما دار، فأما المسائل فليس فيها حجة[11]. لأنه ربما اشتبه الأمر على السائل إذا لم يكن من ذوي التخصص، فلا يمكنه أن يميز أن الجواب حق أو باطل، ولهذا جرت سيرة أصاحبهم(ع) أنهم يعمدون إلى السؤال بطريقة مألوفة عندهم، فكانوا مثلاً يعمدون إلى سؤال مدعي المنصب بنفس الأسلوب الذي كانوا يسألون به الإمام الذي سبقه، ويطلبون منه أن يجيبهم بنفس الأسلوب الذي كان يجيبهم به، فمثلاً يحضرون له ويقولون له أخبرنا بما يوجد في الهميان من نقود، وهي لمن، كما كان يفعل الإمام الذي سبقك، وهكذا، أو يقولون له قد جئنا بمسائل لبعض أهلينا، فأبلغنا لمن المسائل، وأصحابها وأجوبتها، وهكذا.

وهذا لا يمكن أن يكون في متناول كل أحد، فلهذا قد يغترا لبعض من العامة بمجرد وجود مدعٍ يدعي المنصب، فيقومون باتباعهم، دون أن يقوموا بعملية الفحص والاختبار، فتدبر.

بل قد تضمنت عدة نصوص، أن المعصوم(ع)يعرف لغة كل واحد من أصحابه، فيمكنه أن يتحدث لذوي اللسان الأعجمي بلسانه، فلاحظ.

ولنشر لرواية جليلة، وإن كانت طويلة، تتضمن عرض لكيفية الاختبار لمدعي الحجة، فقد روى هشام بن سالم، قال: كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله(ع)، أنا وصاحب الطاق، والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر أنه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق، والناس عنده، وذلك أنهم رووا عن أبي عبد الله(ع) أنه قال: إن الأمر في الكبير ما لم يكن به عاهة، فدخلنا عليه نسأله عما كنا نسأل عنه أباه، فسألنها عن الزكاة في كم تجب؟ فقال: في مائتين خمسة، فقلنا في مائة، فقال: درهمان ونصف، فقلنا: والله ما تقول المرجئة هذا، قال: فرفع يده إلى السماء، فقال: والله ما أدري ما تقول المرجئة…ألخ…

وقد تضمن النص المذكور أموراً نشير لبعضها:

الأول: أن منشأ تكالب الناس على عبد الله هو خطأهم في تطبيق الموضوع، ذلك أنهم اقتصروا على النص في أنه أكبر الأبناء، وغفلوا عن أنه يعتبر فيه أن لا يكون ذا عاهة، إذ أن وجودها يكون مانعاً من صلاحيته للتصدي، وعلى أي حال، كونه الأبن الأكبر أوجب لهم لبساً، فظنوا إمامته، وساعد على ذلك ظرف التقية الذي كان يعيشه الإمام الكاظم(ع)، فلاحظ.

الثاني: إن المختبرين لعبد الله فقيهان من خيرة أصحاب أبي عبد الله(ع)، أي أنهما من ذوي الاختصاص، ولهذا تبين لهما عدم دراية عبد الله بالعلم، وجهل بالأحكام.

الثالث: لقد أتخذ المختبران طريقة معينة في عملية الاختبار تمثلت في نفس الطريقة التي اعتاد على سؤال الإمام الصادق(ع) بها، لينكشف لهما إن كان المتصدي صادقاً من عدمه.

ولهذا لو راجع القارئ العزيز بقية الرواية، لوجد أنهما لما جلسا إلى الإمام الكاظم(ع)، وأخذ يجيبهما عن كل ما أرادا، أطمأنت نفسيهما وسكنت لصدقه، لأنهما وجدا ما يعتبر من العلم متوفراً عنده، فلاحظ.

ولنكتفي بهذاا لمقدار، في الحديث عن هذه الصفة، مع أنه يمكن للقارئ العزيز أن يجد لذلك نماذج عديدة في سيرة كل واحدة من الأئمة الأطهار(ع).

ولادته مختوناً مطهراً:

تضمن النص الإشارة إلى أن الحجة لا يحتاج إلى الختان كبقية الذكور، لأنه يولد مختوناً، وهذا من الواضحات، إلا أن الكلام في التوصيف الآخر بأنه مطهر، فقد ذكرت فيه احتمالات:

أحدها: أن المقصود من التطهير صفة أخرى غير صفة الختان، وعندها يكون المقصود منه الطهارة من الدم، وسائرا لكثافات الأخرى التي تتبع شأن الولادة عادة.

ثانيها: أن المقصود بالطهر في البين، أنه يكون مقطوع السرة، ولا يحتاج إلى قطع سره كما يكون ذلك في بقية الولادات الأخرى للبشر.

ثالثها: البناء على أن الطهارة في المقام ليست صفة جديدة تغاير صفة الولادة مختوناً، وإنما هي تأكيد لعين الصفة السابقة، فيكون المقصود من كونه مطهراً أي مختوناً، وقد ورد استعمال لفظة الطهارة على حال الختان، فيقال عن عملية الختان بأنها تطهير، وقد أشير لذلك في بعض النصوص، فقد جاء عن النبي(ص) أنه قال: طهروا أولادكم يوم السابع، ومن الواضح أن المقصود به هو الختان، فلاحظ.

والإنصاف، أن هذه المحتملات، وإن ذكرت في كلمات الأعلام، إلا أنها لا تخلو عن تكلف، مضافاً لكونها خلاف الظاهر، ولا يوجد ما يوجب الحمل عليها، فتأمل.

الرؤية من الخلف:

من الصفات التي يلزم توفرها في الحجة، أنه يرى من خلفه، كما يرى من بين يديه، وفي هذه الصفة احتمالان منشأهما عدم ضبط الكلمة:

أحدهما: أن تكون كلمة(من) فيها اسماً موصولاً بمعنى الذي، فيكون معنى العبارة أنه يرى الشخص الذي يكون خلفه كما يرى الشخص الذي يكون بين يديه.

ثانيهما: أن تكون كلمة(من)حرف جر، فيكون معنى العبارة أنه يبصر من خلفه كما يبصر من أمامه.

ولا يخفى مدى الفرق بين المعنيـين، ضرورة أنه وفقاً للاحتمال الأول، سوف تكون رؤيته معلقة على وجود الشيء الذي يمكن أن يُرى، فما لم يكن هناك شيء فلن تكون رؤية، وهذا بخلافه على الاحتمال الثاني، فإن الرؤية ليست معلقة على وجود الشيء، وإنما هي تحكي عن وجود قابلية، سواء كان هناك شيء يرى، أم لم يكن.

وكيف ما كان، سواء بني على الاحتمال الأول، أم كان البناء على الاحتمال الثاني، يلزم تصوير كيفية إمكانية وقوع الرؤية منه في هذه الحالة، وقد ذكرت لذلك توجيهات:

منها: أن المقصود من الرؤية في النص هو العلم، وعليه يكون معناها أنه يعلم بمن يكون واقفاً خلفه كما يعلم بمن يكون واقفاً أمامه، ولا يخفى أن هذا ينسجم مع الاحتمال الأول، ولا يتصور في الاحتمال الثاني، فلاحظ.

وقد يقال: بأنه ما الداعي إلى حمل الرؤية في الرواية على العلم، وهو حمل للفظ على خلافه معناه؟

قلت: إن إبقاء اللفظ على ظاهره، وحمله على المعنى المقصود منه وهو الرؤية الحقيقة يستوجب توفر الشروط المعتبر توفرها في حصولها، ولا ريب أن الرؤية المعنية في النص ليست مستجمعة لشروط الرؤية الحقيقية، ما يمنع من إبقاء اللفظ على حاله، فلتدبر.

ومنها: إن الله سبحانه وتعالى قد أوجد إدراكاً في قفا المعصوم(ع)، يكون له القابلية على الرؤية، كما يوجد سبحانه وتعالى القابلية لليدين والرجلين والجلد يوم القيامة، فتنطق لتشهد على الإنسان بما عمله من أعمال.

وهذا المعنى يمكن تصوره على كلا الاحتمالين دون فرق بينهما، إلا أن القبول به يقوم على التسليم بأن النطق الذي يوجده سبحانه وتعالى يوم القيامة في الأعضاء والحواس، نطقاً حقيقياً كالنطق الذي يكون صادراً من الإنسان حتى يلتـزم بأن الرؤية التي تكون للمعصوم(ع) من الخلف تكون رؤية حقيقية، فتأمل.

ومنها: إن الرؤية التي تحصل من الخلف، إنما هي انعكاس، لأنها بمثابة المرآة ليس إلا، فينعكس شعاع أبصارهم إذا وقع على ما يقابله كما المرآة. وهذا المعنى يتصور على كلا المحتملين أيضاً، فلاحظ.

ومنها: ما تبناه شيخنا الصدوق(ره) من أن الرؤية من الخلف ليس المقصود منها معناها الحقيقي، بل المقصود معنى كنائي، وهو الإشارة إلى عنصر الفراسة والتوسم الذي يكون متوفراً لدى المعصوم(ع)، فيكون رؤيته بسبب ما يكون له من قابلية على التوسم والفراسة[12].

انعدام الظل:

ومن الصفات التي تضمنتها الرواية، انعدام الظل للمعصوم(ع)، يقصد من الظل الفيء، فلا يكون للحجة المنصوب من قبل الله تعالى فيئاً.

والتأمل في هذه الصفة، يوجد تساؤلاً في تحديد المقصود من نفي الظل والفي له(ع)، فهل المقصود عدم وجود الظل أصلاً، أو أن المقصود أن له ظلاً إلا أنه لا يقع على الأرض؟

وقد ذكر احتمالان في عدم وجود ظل للمعصوم(ع):

أحدهما: أن لا يرى إليه ظل إذا مشى على الأرض، على أساس أن الظل أثر من آثار الكثافة الجسمية، وأما النور فلا ظل له، وعليه يكون إنعدام الظل للمعصوم(ع) لشدة نوريته، إذ أن جسده الظاهر يكون مبعثاً لنور نفي الظل، لأن الظل إنما يكون للأجسام المعتمة، دون الأجسام المنيرة.

وبعبارة أخرى، إن موضوع الظل إنما هو خصوص الجسم المعتم الذي لا يكون له نور، أما الجسم الذي يكون له نور، فلا يمكن أن يكون له ظل، ولما كان المعصوم(ع) وجوده نوري، فلا يكون جسمه(ع) معتماً بل يكون منيراً، وهذا يوجب عدم وجود الظل إليه. وقد أشار إلى هذا االحتمال شيخنا الصدوق(ره) في كتابه الخصال[13].

ولا يذهب عليك، أنه وفقاً لهذا الاحتمال، يكون المقصود من نفي الظل بالنسبة إليه، يعني عدم وجود ظل له أصلاً، لا أن المقصود وجوده لكنه لا يكون على الأرض، فتدبر.

ثانيهما: أن يكون له ظل، إلا أن هذا لا ينطبع على الأرض، والسبب في عدم انطباعه عليها يعود إلى أنه لا ينبغي أن يساء للمعصوم(ع)، أو أن ينال منه مطلقاً، ووجود ظل له على الأرض، قد يمكن بعض الكفار أو المنافقين من الوطء عليه ليكون ذلك سبباً لإهانته وانتقاصه.

وطبقاً لهذا المحتمل، فإن معنى عدم وجود الظل، ليس نفي وجوده، بل المقصود من ذلك عدم انطباع صورته على الأرض، وهذا يعني أنه له ظلاً إلا أنه لا ينطبع على الأرض، فلاحظ.

كونه محدثاً:

ومن الصفات التي تميز الحجة عن غيره، اتصال به بعالم الغيب، ومن الطبيعي أن هذا الاتصال لن يكون من خلال رؤية الملك كما كان ذلك بالنسبة للنبي الأكرم محمد(ص)، وإنما سوف يكون بإحدى الكيفيات الأخرى من كيفيات الوحي التي كانت تتبع مع الأنبياء والأوصياء(ع)، وقد أشارت الرواية إلى أن الوسيلة المتبعة هي التحديث، وهي تعني أنه يسمع الصوت ولا يرى الصورة، وهذا المعنى تضمنته نصوص عديدة، فلاحظ مثلاً ما رواه محمد بن إسماعيل قال: سمعت أبا الحسن(ع) يقول: الأئمة علماء صادقون مفهمون، محدثون[14].

وربما يشكل، بأنه كيف له أن يعرف أن هذا هو صوت الملك، وليس صوت الشيطان مثلاً؟

فيجاب، بأنه قد سئل الإمام الصادق(ع)، عن ذلك، فعن محمد بن مسلم، قال: ذكر المحدث عند أبي عبد الله(ع) فقال: إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص. فقلت له: جعلت فداك، كيف يعلم أنه كلام الملك؟ قال: إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام ملك[15].

والظاهر أن الجواب الصادر منه(ع) بأنه يعطى السكينة والوقار، تعبير كنائي عما يصيبه من حالة سكون النفس وطمأنينة القلب اللذين يدلان على أن ما يلقى إليه من الملك، وليس من غيره، فلاحظ[16].

وقد يتمسك بالنصوص التي تضمنت أن الملائكة تنـزل على المعصوم(ع) في ليلة القدر، كي ما تحدثه، ونزولها في ليلة القدر عليه(ع) مما ريب فيه، إلا أن الظاهر أنها لتتلقى منه الأوامر، وتأخذ منه ما يجب عليها القيام به طيلة السنة، وليس لتلقي إليه شيئاً، كما فسرنا ذلك، في الحديث حول سورة القدر، فليطلب من هناك.

تنام عينه ولا ينام قلبه:

ومن الصفات التي تميز الإمام المعصوم(ع) ليثبت أنه حجة عن من يدعيها، أنه ينام قلبه، وإنما تنام عينه فقط، ولعل ذلك لأن المحدث يمكن أن يوحي إليه في أي وقت من دون تحديد ولا تعيـين، ما يلزم أن يكون قلبه الذي يحرز من خلاله العلم حاضراً، مضافاً إلى أن المفروض أن المعصوم(ع) لا يغيب، ونوم القلب موجب لذلك، فتأمل.

نفي الاحتلام:

ومن الصفات التي تضمنها النص أيضاً، نفي الاحتلام عنه، ولم يتضح المقصود منه، فهل يراد به عدم حصول الجنابة منه مطلقاً؟ أم المقصود منه عدم احتلامه بدون المعاشرة الطبيعية، لما قيل من أن الاحتلام بهذه الكيفية نحو من أنحاء عبث الشيطان وسيطرته على الإنسان، ولا كلام في عدم وجود سلطة له على المعصوم(ع)، أم أن المقصود عدم لحوق خبث الجنابة به وإن وجب عليه الغسل تعبداً؟ احتمالات، لا يوجد ما يوجب ترجيح أحدها على الآخر، وإن كان أولها أبعدها، فيبقى الأمر بين الثاني والثالث، وإمكانية القبول بهما معاً ممكنة.

ابتلاع الأرض لنجواه:

ومن الصفات أيضاً أنه لا يرى ما يخرج من أسفليه، وقد علل بأن الله سبحانه وتعالى قد وكل الأرض أن تبلع ما يخرج منه، ثم أشار إلى كون رائحته أطيب من المسك، وفي الضمير الوارد في العبارة المذكورة احتمالان:

أحدهما: أن يكون الضمير عائداً على المعصوم(ع)، فيكون التعبير إشارة إلى إحدى الصفات التي تكون ثابتة للمعصوم(ع)، ليختلف بها عن سائر البشر، فيكون المعنى أن رائحة المعصوم(ع) أطيب من رائحة المسك.

ثانيهما: أن يكون الضمير عائداً على نجوى المعصوم(ع) الذي وكلت الأ{ض بابتلاعه، بأن رائحته أطيب من رائحة المسك، وهذه صفة أيضاً يمتاز بها الحجة عن البقية.

وطبقاً لقواعد اللغة العربية سوف يكون الترجيح للثاني، لأن الضمير يعود للأٌقرب، كما أنه يساعد عليه نصوص أخرى، جاء فيها أن نجوه كرائحة المسك[17].

ومنها: ما رواه البزنطي، قال: سئل أبو الحسن(ع): الإمام بأي شيء يعرف بعد الإمام؟ قال: إن للإمام علامات: أن يكون أكبر ولد أبيه بعده، ويكون فيه الفضل، وإذا قدم الراكب المدينة قال: إلى من أوصى فلان؟ قالوا: إلى فلان، والسلاح فينا بمنـزلة التابوت في بني إسرائيل يدور مع السلاح حيث كان[18].

وقد تضمنت هذا الرواية إضافة على ما جاء في النص السابق أن الإمام لابد وأن يكون أكبر ولد أبيه، وهذا قد يوجب إشكالاً، لأن بعض الأئمة كالإمام موسى(ع) لم يكن أكبر ولد أ[يه عند شهادته.

ويندفع الإشكال المذكور، بما أشرنا إليه في مطلع الحديث عن هذه العلامة، بأن الصفات المذكورة ليست مستقلة بعضها عن بعض، بل لابد من جمعها بنحو الحصر الإضافي، ما يعني أنه لابد من توفرها بأكملها في الحجة، ومن الصفات المعتبرة في الحجة أن لا يكون ذو عاهة، فلو كان ذا عاهة لم تكن فيه الإمامة وإن كان أكبر الأولاد، وعليه فسوف تقيد هذه الصفة، أعني أكبر أولاد أبيه، شرط أن لا يكون فيه عاهة، وبه يندفع الإشكال المذكور.

ومنها: ما رواه سليمان بن مهران، عن أبي عبد الله(ع)، قال: عشر خصال من صفات الإمام: العصمة، والنصوص، وأن يكون أعلم الناس، وأتقاهم لله، وأعلمهم بكتاب الله، وأن يكون صاحب الوصية الظاهرة، ويكون له المعجز والدليل، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يكون له فيء، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه[19].

ومنها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر(ع)، قال: للإمام عشر علامات: يولد مطهراً مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتناع عينه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب، ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك، والأرض موكلة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله(ص) كانت عليه وفقاً، وإذا لبسه غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً، وهو محدّث، إلى أن تنقضي أيامه[20].

وهنا أمر يلزم التوجه إليه، أن الصفات التي توجد في شخص الحجة ليست على مستوى واحد من الوضوح للناس، لأن بعضها فيه من الخصوصية التي لا يمكن الإطلاع عليها، مثل كونه مختوناً حال الولادة، وأنه كان مطهراً عندها، وأن الأرض تبلغ نجواه، وأن رائحة نجواه أطيب من المسك مثلاً.

نعم بعضها يمكن الوقوف عليه، والإحاطة به، مثل عدم وجود ظل إليه، وأنه يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وأنه أكرم الناس، أشجع الناس، أعلم الناس، وهكذا.

تزويده بالمعجزة:

ومنها: تزويده بعنصر الإعجاز الخارق لناموس الطبيعة، ولهذا شواهد كثيرة في النصوص، فمن ذلك قصة حبابة الوالبية مع أمير المؤمنين(ع)، حيث جاء فيها: فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما دلالة الإمامة يرحمك الله؟ قالت، فقال: ائتيني بتلك الحصاة وأشار بيده إلى حصاة فأتيته بها، فطبع لي فيها بخاتمه، ثم قال لي: يا حبابة، إذا ادعى مدعٍ المامة فقدر أن يطبع كما رأيت، فاعلمي أنه إمام مفترض الطاعة، والإمام لا يعزب عنه شيء يريده.

وقد بقيت حبابة هذه تدور بحصاها على الأئمة الأطهار(ع)، حتى وصلت إلى عصر إمامة الإمام الرضا(ع)، فجاءت إليه، فطبع إليها فيها[21].

وقد تضمن النص المذكور وجود صفة الإعجاز التي يزود بها المعصوم(ع)، ومن المعلوم أنه يقصد بها المعجزة الاصطلاحية التي توجب خرق نواميس الطبيعة، نعم تفرق المعجزة في الحجة، عنها في النبي(ص)، أنه لا يعتبر فيها هنا عنصر التحدي، بينما يعتبر فيها ذلك هناك، وإن كان يظهر من الإمام الخوئي(ره) في كتابه البيان، أنه يعتبر هذا الشرط أيضاً في الإمام كما هو معتبر في النبي، فلاحظ.

وقد ظهرت على يدي الإمام الرضا(ع) صوراً متعددة لهذه الوسيلة، نشير لبعضها:

منها: قصة الريان بن الصلت أنه قال: لما أردت الخروج إلى العراق عزمت على توديع الرضا(ع)، فقلت في نفسي: إّا ودعته سألته قميصاً من ثياب جسده لأكفن به، ودراهم من ماله أصوغ بها لبناتي خواتيم، فلما ودعته شغلني البكاء والأسى على فراقه عن مسألته ذلك، فلما خرجت من بين يديه صاح بي: يا ريان، ارجع، فرجعت فقال لي: أما تحب أن ادفع إليك قميصاً من ثياب جسدي تكفن فيه إذا فني أجلك؟ أو ما تحب أن أدفع إليك دراهم تصوغ بها لبناتك خواتيم؟

فقلت: يا سيدي، قد كان في نفسي أن أسألك ذلك، فمنعني الغم بفراقك، فرفع الوسادة وأخرج قميصاً فدفعه إليّ، ورفع جانب المصلي فأخرج دراهم فدفعها إليّ، فعددتها فكانت ثلاثين درهماً[22].

ومنها: قصة جعفر بن عمر العلوي، فقد روى الحسين بن موسى بن جعفر(ع)، قال: كنا حول أبي الحسن الرضا(ع) ونحن شبان من بني هاشم إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي وهو رث الهيئة، فنظر بعضنا إلى بعض، وضحكنا من هيئة جعفر بن عمر، فقال الرضا(ع): لترونه عن قليل كثير المال كثير التبع، فما مضى إلا شهر أو نحوه حتى ولي المدينة، وحسنت حاله، فكان يمر بنا ومعه الخصيان والحشم[23].

ومنها: قصة محمد بن جعفر عم الإمام الرضا(ع)، فقد روى محمد بن داود، قال: كنت أنا وأخي عند الرضا(ع) فأتاه من أخبره أنه قد ربط ذقن محمد بن جعفر(أ] أنه يموت)، فمضى أبو الحسن(ع) ومضينا معه، وإذا لحياه قد ربطا، وإذا اسحاق بن جعفر وولده وجماعة آل أبي طالب يبكون، فجلس أبو الحسن(ع) عند رأسه، ونظر في وجهه فتبسم، فنقم من كان في المجلس عليه، فقال بعضهم: إنما تبسم شامتاً بعمه! قال الراوي: وخرج(ع) ليصلي في المسجد، فقلنا له: جعلنا فداك، قد سمعنا فيك من هؤلاء ما نكره حين تبسمت، فقال أبو الحسن(ع): إنما تعجبت من بكاء إسحاق، وهو والله يموت قبله، ويبكيه محمد. قال: فبرئ محمد ومات إسحاق[24].

امتلاكه السلاح النبوي:.

ومنها: أن يمتلك سلاح رسول الله(ص)، فلا يفارقه أبداً، وقد شبهة بعض النصوص وجوده بوجود التابوت في بني إسرائيل، فكما كان وجود التابوت في بني إسرائيل علامة على النبوة، أو على القيادة والحكومة، كذلك إن وجود سلاح رسول الله(ص)، يكون علامة على ذلك، فمن النصوص التي تضمنت ذلك ما جاء في حديث الإمام الصادق(ع) مع رجلين من الزيدية دخلا عليه، وسألاه أفيكم إمام مفترض الطاعة-إلى أن يقول-وإن عندي سلاح رسول الله(ص)، وإن عندي لراية رسول الله(ص)، وردع ولامته، ومغفره، فإن كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله(ص)؟ وإن عندي لراية رسول الله(ص) المغلّبة، وإن عندي ألواح موسى وعصاه، وإن عندي لخاتم سليمان بن داود(ع)، وإن عندي الطست الذي كان موسى يقرب به القربان، وإن عندي الاسم الذي كان رسول الله(ص) إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، وإن عندي لمِثلَ الذي جاءت به الملائكة. ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد التابوت على أبوابهم أوتوا النبوة ومن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة[25].

وعن أبي الحسن الرضا(ع) قال: سألته عن ذي الفقار سيف رسول الله(ص) من أين هو؟ قال: هبط به جبرئيل(ع) من السماء، وكانت حليته من فضة وهو عندي[26].

وعن سعيد السمان، قال: سمعت أباب عبد الله(ع) يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل أي أهل بيت وجد التابوت على باباهم أوتوا النبوة، فمن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة[27].

وهل أن المقصود بسلاح رسول الله(ص)، هو عين السلاح، فتكون النصوص مشيرة إلى العنوان المادية، أم أنها ترمز إلى أمر ما كالقوة مثلاً، أو غير ذلك؟ احتمالان في المقام، لعل ما يوجب ترجح أحدهما على الآخر، ملاحظة المقصود من التابوت في بني إٍرائيل، وهل أنه عنوان كنائي، أم أنه عنوان حقيقي مادي.

لقد وقع الخلاف بين المفسرين حول حقيقة التابوت أو صندوق العهد، كما يسمى أيضاً، فتعددت الأقوال حوله، وإن كان ظاهرها جميعاً الاتفاق على أنه عنوان حقيق مادي، وأنه موجود خارجاً.

وقد فسر وفقاً لما جاء في نصوص أهل البيت(ع)، بأنه الصندوق الذي وضعت فيه أم موسى ابنها موسى وألقته في اليم، وبعد ان أنتشل اتباع فرعون الصندوق من البحر وأتوا به إليه وأخرجوا موسى منه، ظل الصندوق في بيت فرعون ثم وقع بأيدي بني إسرائيل، فكانوا يحترمونه ويتبركون به، وقد وضع موسى(ع) فيه الألواح المقدسة، التي تحمل على ظهرها أحكام الله، ودرعه وأشياء أخرى تخصه، وأودع ذلك كله في أواخر عمره لدى وصيه يوشع بن نون. وقد أوجب هذا زيادة أهميته عن الإسرائيلين، فكانوا يحملونه معهم كلما نشبت حرب بينهم وبين الأعداء، ليصعد معنوياتهم، لذا قيل : أن بني إسرائيل كانوا أعزة كرماء ما دام ذلك الصندوق بمحتوياته المقدسة بينهم، ولكن بعد هبوط التزاماتهم الدينية وغلبة الأعداء عليهم سلب منهم الصندوق، ووعدهم اشموئيل بإعادة الصندوق باعتباره دليلاً على صدق قوله[28]. وذلك لما أبلغهم أن طالوت مختار من قبل الله تعالى ومؤيد منه، وستتحقق به أمانيهم، وترد إليهم عزتهم وشوكتهم ووحدتهم، فيكون التابوت أدلة صدق ذلك الملك، كما هو كذلك في جميع الدعاوى، لأن نسبة التابوت في أمة موسى(ع) كنسبة المقدسات الدينية في سائر الأديان السماوية، فإذا ظهر على يد أحد وهو يعمل بما فيه، يكون ذلك دليلاً على صدقه[29]. نعم هناك كلام في أنهما تابوتان وليسا واحداً، قد صنع نبي الله موسى(ع) أحدهما[30]. وتحقيق ذلك خارج عن محل كلامنا.

والحاصل، إن المستفاد مما قيل حول التابوت أمران:

الأول: أنه موجود مادي خارجي، ولذا عبر عنه بأنه الصندوق الذي وضع فيه موسى أو غير ذلك.

الثاني: أنه كان أحد الأدلة والبراهين التي يعرف بها صدق مدعي النبوة أو الخلافة الإلهية، فلاحظ.

أولويته بالمعصوم الذي قبله:

ومنها: أن يكون الحجة المنصوب من قبل الله تعالى، أولى الناس بالإمام الذي يكون قبله في جميع أموره وأحواله حتى يواريه في قبره، من غسل وكفن وصلاة ودفن. ويدل على ذلك النصوص التي تضمنت أن المعصوم لا يلي أمره إلا معصوم مثله.

وقد أوجبت هذه الوسيلة تشكيك البطائني في إمامة الإمام الرضا(ع)، على أساس أنه لما استشهد الإمام موسى(ع) كان في المدينة، ما يعني أنه لم يلِ أمر الإمام الكاظم(ع)، والمفروض أن الإمام لا يلي أمره إلا إما مثله، فقد قال للإمام الرضا(ع): إنا قد روينا عن آبائك أن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله، فقال أبو الحسن(ع): فأخبرني عن الحسين بن علي(ع) كان إماما أو كان غير إمام؟ قال: كان إماماً، قال: فمن ولي أمره؟ قال: علي بن الحسين، قال: وأين كان علي بن الحسين(ع)؟ قال: كان محبوساً في يد عبيد الله بن زياد في الكوفة، قال: خرج وهم كانوا لا يعلمون حتى ولي أمر أبيه ثم انصرف، فقال له أبو الحسن(ع): إن هذا الذي أمكن علي بن الحسين(ع) أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه فهو أمكن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه ثم ينصرف، وليس في حبس ولا في إسار[31].

أهمية دراسة سيرة المعصوم وشؤون حياته:

ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أمراً مهماً جداً، وهو السبب الذي دعى علمائنا الأقدمين على التركيز في التأليف في سيرة المعصومين(ع)، وعرض القضايا والمواقف والقصص التي كانت تجري لكل واحد منها، إذ قد تبين أن تلك المواقفو القصص تعتبر وسائل لمعرفة الإمام المعصوم وبرهان على كونه الحجة، فإن نقل المواقف التي كان يختبر فيها من قبل الرواة، تشير إلى وجود صفة الأعلمية فيه، وأن نقل ما كان يصدر عنه من معاجز وكرامات، يدل على أنه مزود بوسيلة الإعجاز، وهكذا.

——————————————————————————–

[1] إنما عمدنا إلى عرض هذا النص، بل وسيجد القارئ العزيز أننا نركز على ما ورد في شأن الإمام الرضا(ع)، لأن هذه الكلمة، قد ألقيت في أيام شهادته المباركة(ع)، فألتفت. مع أن القارئ يمكنه أن يطبق هذا المعنى الذي ذكرناه على أي واحد من الأئمة المعصومين(ع).

[2] أصول الكافي ج2 كتاب الحجة باب الإشارة والنص على أبي الحسن الرضا(ع) ح 14 ص 78.

[3] بحار الأنوار ج 25 باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة ح 8.

[4] أصول الكافي باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ح 7.

[5] كمال الدين وإتمام النعمة ص 81.

[6] أصول الكافي ج 2 كتاب الحجة باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ح 7 ص 194-195.

[7] الكافي ج 1 ص 372 ح 3.

[8] المصدر السابق ص 373 ح 5.

[9] لم نعمد للتدقيق في البحث السندي لهذه النصوص، لأنها لو لم تكن متواترة لفظاً، فلا ريب في تواترها إجمالاً، وهذا يوجب القطع بصدورها، لهذا أستغنينا عن الملاحظة السندية، فتدبر.

[10] بحار الأنوار ج 25 باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة ح 1 ص 116.

[11] أصول الكافي ج 1 باب الأمور التي توجب حجة الإمام ح 5 ص 711.

[12] الخصال ج 2 ص 49-50.

[13] الخصال ج 2 ص 49-50.

[14] أصول الكافي ج 1 كتاب الحجة باب أن الأئمة(ع) محدثون مفهمون ح 3 ص 675.

[15] المصدر السابق ح 4 ص 676.

[16] مرآة العقول ج 3 ص 163.

[17] بحار الأنوار ج 25 باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة ح 37 ص 168.

[18] بحار الأنوار ج 25 باب جامع في صفات وشرائط الإمامة ح 7 ص 137.

[19] بحار الأنوار باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة ح 12 ص 140.

[20] المصدر السابق ح 37.

[21] أصول الكافي ج 2 كتاب الحج باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ح 3 ص 1770181.

[22] منتهى الآمال ج 2 ص 349.

[23] المصدر السابق ص 348.

[24] المصدر السابق ص 34

[25] أصول الكافي ج ص كتاب الحجة باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله ومتاعه ح 1.

[26] المصدر السابق ح 5 ص 582-583.

[27] المصدر السابق كتاب الحجة باب أن مثل سلاح رسول الله(ص) مثل التابوت في بني إسرائيل ح 1.

[28] الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل ج 2 ص 153.

[29] مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج 4 ص 144-145.

[30] المعجم في فقه لغة القرآن ج 7 ص 486.

[31] معجم رجال الحديث ج 12 ص 240 ترجمة علي بن أبي حمزة البطائني. والرواية ضعيفة سنداً، وإنما ذكرناها من باب التأيـيد.