26 فبراير,2024

قولوا حسناً

اطبع المقالة اطبع المقالة

قولوا حسناً

 

لما كان القسم الأساسي من حياة الناس هو العشرة والاختلاط مع بعضهم، احتاج ذلك إلى عمل صياغة تنظيمية لهذه العلاقة فيما بينهم، وقد أشير لذلك في العديد من النصوص الدينية، فقال تعالى:- (وقولوا للناس حسناً)، ويمثل هذا التعبير القرآني أصلاً موضوعياً في التعامل مع الآخرين، والحوار معهم من دون فرق بين الوالدين والأرحام وعامة الناس. فكل من أراد الحديث مع شخص ما لابد وأن يكون المعيار في الحديث الحاصل بينهما هو القول الحسن، ويكون الحديث بينهما خالياً من الخشونة والاتهامات.

 

وقد ورد تفسير القول الحسن في الآية كما في مجمع البيان عن الإمام الباقر(ع) بقول أحسن ما يحب الإنسان أن يقال له، قال(ع): وقولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله عز وجل يبغض السباب اللعان الطعان على المؤمنين، الفاحش المفحش السائل، ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف.

 

وعن الإمام أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: قولوا للناس ولا تقولوا إلا خيراً حتى تعلموا ما هو. فالمطلوب من الانسان هو التعامل مع الآخرين معاملة حسنة، ويقوم بالإحسان إليهم ولو كان بينه وبين هذا الإنسان عداوة، فلا يكون ذلك سبباً لاستصغاره أو استحقاره أمام الناس، فيكون التعامل مع الآخرين أفضل مما نريد منهم أن يعاملوننا به، يقول أمير المؤمنين(ع): اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما تحب ألا تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك.

 

ولا ينحصر مدلول هذه النصوص الدينية في خصوص الأقوال، بل تعدّ الأفعال من مصاديقها أيضاً، كما يشير لذلك ما جاء في تفسير العياشي، أن أحد أصحاب الإمام الصادق(ع) سأله: أطعم سائلاً لا أعرفه مسلماً؟ فأجابه(ع) قائلاً: نعم أطعمه ما لم تعرفه بولاية ولا بعداوة، إن الله يقول:- (وقولوا للناس حسناً).

 

وقد تضمنت رواية الإمام الباقر(ع) تصنيف الناس وفقاً لهذا القانون الإلهي إلى صنفين، يبغض الله سبحانه الصنف الأول منهما، ويحب الصنف الثاني، وقد ذكر الإمام(ع) مصاديق للصنف الأول المبغوض، وهم:

1-الذين يلعنون الآخرين أو يسبونهم، أو يهينونهم ويطعنون عليهم.

2-الذين يتعاملون مع الآخرين بحدة وأذية وانتقام ويذيعون عيوب الآخرين أمام الناس.

3-الذين يلحون في السؤال ويصرون على الطلب الشخصي من الآخرين.

وأما الصنف الثاني وهم الذين يحبهم الله تعالى فمصاديقه:

1-الذين يستحون ويخجلون من القيام بالأفعال القبيحة، بل يستحون من مشاهدة المناظر القبيحة أيضاً.

2-الذين يحلمون عن الآخرين، ويسعون بكظم غيظهم تماماً، فيتحملون إهانة الآخرين ويكفون أنفسهم عن ردة الفعل تجاهها، كما أنهم لا يتأثرون بمدح الآخرين لهم.

3-الذين يتصفون بالعفة، ويتعاملون مع الآخرين بطهارة وصفاء.