15 أبريل,2024

وجوب الإمساك تأدباً(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة
وجوب الإمساك تأدباً(1)

 

ذكر صاحب العروة، وغيره من الأعلام، رحم الله الماضين منهم، وأطال في عمر الباقين، أن من أصبح يوم الشك مفطراً، ثم تبين له أنه أول أيام شهر رمضان المبارك، وجب عليه الإمساك تأدباً.

وقد حكى بعض الأساطين(ره)، دعوى الإجماع على ذلك عن الشيخ الطوسي(ره)، في كتابه الخلاف، وعن العلامة(قده) في كتابيه المنتهى والمختلف. وقد ادعى الإجماع في المسألة أيضاً صاحب الجواهر(قده) قال: وهو الحجة بعد اعتضاده بما عرفت[1]. نعم قد ذكر بعض الأعلام كالشيخ الأعظم الأنصاري(ره)[2]، وغيره، عدم الوقوف على مستند شرعي للحكم المذكور.

 

ثم إنه لما كان وجوب الإمساك المذكور لا ينطبق عليه عنوان الصوم الحقيقي الشرعي، وإنما يكون مراعاة لحرمة الشهر الكريم، وللحفاظ على قدسيته، كان القول به يحتاج دليلاً آخر غير ما دل على وجوب الصوم، لأن المفروض أن أدلة وجوب صوم شهر رمضان المبارك موضوعها هو الصوم الحقيقي الشرعي، والفرض عدم صدق ذلك على الإمساك المذكور، فيكون الإلزام به بحاجة إلى دليل، ومع عدمه، فإن الأصل العملي وهو البراءة قاض بالتأمين عن الوجوب.

ولا يعني التزام الشهيد الثاني(ره) بوجوب الكفارة على من خالف هذا الوجوب بترك الإمساك تأدباً، والاتيان بالمفطر بأن الوجوب المذكور يشير لصدق عنوان الصوم حقيقة وشرعاً، قال(قده): ولو أفطر وجب عليه الكفارة، إذ لا منافاة بين وجوبها وعدم صحة الصوم، بمعنى إسقاطه القضاء[3]. فإنه مع صراحة كلامه(ره)في ثبوتها حال المخالفة بترك الإمساك. إلا أن ذلك يعود لشيء آخر كما سوف نشير، وليس للبناء على صدق عنوان الصوم الحقيقي الشرعي، وإن كان محتملاً جداً.

 

ولأجل انتفاء عنوان الصومية حقيقة وشرعاً عن الممسك تأدباً، صرح بعض الأساطين(ره)، بعدم ثبوت الكفارة عليه، وعلل ذلك بأنه نظير من أتى بالمفطر بعد إفطاره، فلا يكون هناك موضوع للكفارة، قال(قده): إن حكمه في الكفارة حكم من استعمل المفطر بعد الإفطار[4].

والظاهر أن البناء على ثبوت الكفارة وعدمه رهين ملاحظة مفاد أدلة ثبوتها، فلو كان مفادها هو مطلق استعمال المفطرات، فإنه سوف يلتـزم بوجوب الكفارة عليه، وإن كان مفطراً، لأن المفروض أنه قد استعمل المفطر أثناء نهار شهر رمضان المبارك، وهذا يوجب ثبوتها عليه. وهذا بخلاف ما لو بني على أن مفاد دليل الكفارة هو خصوص الإفطار لمن كان صائماً، فإنه لا ريب في عدم ثبوت الكفارة عليه والحال هذه، لأن الفرض أنه مفطر وليس صائماً، والمفروض أن ثبوتها فرع كونه صائماً.

 

نعم لو بني على أن الإمساك تأدباً يعدّ صوماً شرعياً، يعتبر فيه نية القربة والاخلاص، وكل ما يعتبر في هذه العبادة، ولو من باب التوسعة في حقيقة الموضوع، بل ربما بني على ثبوت حقيقة شرعية للصوم ولو تستفاد من خلال مجموع الأدلة، فالظاهر البناء على عدم الفرق بين الموردين، فكما يلتـزم بثبوت الكفارة في المورد الأول، فإنه سوف يلتـزم بثبوتها في المورد الثاني، لأن المفروض أن إمساكه يعدّ صياماً، وإن كان لا يسقط القضاء.

وكيف ما كان، فإن المستفاد من أدلة وجوبها كما هو محرر في محله أن موضوعها هو الإفطار، وليس استعمال المفطر، وعليه، ما لم يصدق على الفعل الصادر من المكلف أنه افطار، لانتفاء عنوان الصوم عنه أساساً منذ البداية، كما في الفرض، وهو من أصبح في يوم الشك مفطراً، فإنه لو أخل بوجوب الإمساك تأدباً بفعل شيء من المفطرات، فلن تجب عليه الكفارة.

بل حتى لو بني على توسعة حقيقة الموضوع، والبناء على كون الإمساك تأدباً صوماً ولو من باب ثبو

ت حقيقة شرعية للصوم، فالظاهر أنه يصعب البناء على ثبوت الكفارة عليه حال الإخلال بذلك، وفعل ما يوجب المفطرية، كما لو كرر تناول الطعام في يوم الشك أكثر من مرة، وشرب الماء أكثر من مرة، ومارس العلاقة الطبيعية أكثر من مرة، وهكذا، إما لعدم إفتاء أحد من أعلام الطائفة(رض) بذلك، ما يكشف عن اشتمال نصوص الكفارة شيئاً من ذلك، إذ لو كان لبان، فإن المسألة كما قيل ابتلائية كثيرة الدوران في حياة الناس[5]، وإما لإعراض عن العمل به لو كان موجوداً، وتفصيل ذلك يطلب من بحث الكفارات.

 

أدلة القائلين بوجوب الإمساك:

وقد استند القائلون بوجوب الإمساك تأدباً على كل من أصبح يوم الشك مفطراً، وكذا لو أفطر في يوم من أيام شهر رمضان المبارك، إلى وجوه:

الأول: الإجماع، وقد عرفت حكايته من بعض الأساطين(ره) عن كل من شيخ الطائفة، والعلامة(ره)، في الخلاف، والمنتهى والتذكرة[6]. بل قد سمعت عدّ صاحب الجواهر(قده) إياه العمدة في الاستدلال على الوجوب، وكذا يظهر ذلك من بعض الأعلام(قده) أيضاً[7]، وقد تضمنت كلماتهما تأيـيده بشيء آخر.

 

وقد نسب العلامة(قده) في كتابيه الخلاف في المسألة إلى خصوص أحمد وعطاء، إذ لم يلتـزم أحد سواهما بعدم وجوب الإمساك، وهذا يكشف عن وجود اتفاق بين المسلمين إلا من قد عرفت.

وكيف ما كان، فإن مفاد الدعوى المذكورة عدم وجود خلاف بين علماء الطائفة، في المقام، وأن ذلك هو المعروف والمشهور بينهم.

والظاهر أنه عمدة الدليل الذي استند إليه بعض الأعاظم(قده)، معبراً عنه بالتسالم، قال(ره): الظاهر أنه من المتسالم عليه، بل لعله من الواضحات التي يعرفها حتى عوام الناس، فإنهم لا يشكون في أن من كان مكلفاً بالصوم، وإن لم يكن منجزاً عليه لجهله فأفطر ولو لعذر وجب عليه الإمساك بقية النهار وجوباً تأديباً، وإن لم يحسب له الصوم، فإن تم الإجماع-والظاهر أنه تام- فلا كلام[8]. ومثله قال بعض أعلام تلامذته(قده)[9].

 

وبعيداً عن كون أحد المنقول عنهما الإجماع هو شيخ الطائفة(ره) في كتابه الخلاف، وحال إجماعات الخلاف معلوم من أنها إجماعات اسكاتية، مضافاً إلى التشكيك في أصل حجية إجماعاته(قده) مطلقاً، لابتنائها كما هو معلوم على قاعدة اللطف وهي لا تصلح للدليلة في حجية الإجماع التعبدي الكاشف عن قول المعصوم(ع)، وفقاً لمختار المشهور في حجيته كما هو مقرر في محله.

فإن الظاهر عدم وجود مخالف في وجوب الإمساك تأدباً من أعلام الطائفة، إذ قد نسب القول بذلك للمشهور بينهم، وإن لم يعرف مخالف في ذلك، وهذا يشير بدواً إلى توفر صغرى الإجماع مع رفع اليد عما تقدم، وأما مع مراعاة ذلك، فلا مجال لترتيب الأثر، ولعل هذا ما حدى ببعض الأعاظم(قده) من استعمال مفردة التسالم حذراً مما سمعت وغيره.

 

إلا أنه ومع ذلك، فإن مثل هذا الإجماع لن يصلح للدليلة بالكشف عن قول المعصوم(ع)، وذلك لأنه لو لم يكن مدركياً، فلا ريب في كونه محتملها لما سوف تسمع من أدلة تمسك بها القائلون بوجوب الإمساك.

اللهم إلا أن يلتـزم بما ورد في كلمات بعض الأكابر، وبعض الأعلام(ره)[10] ، من أن مجرد وجود أدلة مذكورة في  مقام الاستدلال في مسألة ما يحتمل استناد المجمعين إليها، لا يوجب عدّ الإجماع مدركياً أو محتمله، بل لابد من إحراز استنادهم إلى ذلك، خصوصاً عندما تكون تلك الأدلة المذكورة غير صالحة للدليلة عندنا وقابلة للمناقشة، فإنه كما أننا لا نقبلها ولا نستند إليها لعدم تماميتها، فإنهم كذلك.

 

وقد شكك بعض الأعلام(قده)[11] في صحة نسبة دعوى الشيخ، والعلامة(ره) الإجماع وصدور ذلك منهما، لخلو كلماتهما من ذلك، نعم قد تضمنت كلماتهما ذكراً للإجماع، إلا أنه لا ربط له بمحل البحث أصلاً، فإن الوارد في الخلاف في مسألة 20: إذا أصبح يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان، ويعتقد أنه من شعبان بنية الإفطار، ثم بان أنه من شهر رمضان لقيام بينة عليه قبل الزوال، جدد النية وصام، وقد أجزأه، وإن بان بعد الزوال أمسك بقية النهار، وكان عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يمسك وعليه القضاء على كل حال. واختلفوا في إذا أمسك هل يكون صائماً أو لا؟ قال الأكثر: أنه يجب عليه الإمساك، ولا يكون صائماً. وقال أبو إسحاق: يكون صائماً من الوقت الذي أمسك صوماً شرعياً[12].

 

ومن الواضح أن موضوع المسألة محل البحث من أصبح فاقداً لنية الصوم، وهي التي أدعي عليها الإجماع، وهي خلاف المسألة محل البحث فإن موضوعها من أصبح مفطراً، وليس فاقداً للنية معاً، يعني أنه مضافاً لعدم وجود نية الصوم عنده، فعل قاطع الصوم متعمداً وهو الإتيان بالمفطر. ولا مجال للبناء على وجود ملازمة بين الفرعين، بحيث أن وجوب الإمساك على من أخل بالنية ولم يفعل المفطر، يستلزم ثبوت ذلك في حق من تناوله، وقد أخل بها أيضاً.

ومع اختلاف المسألتين، فإن الإجماع المدعى وجوده وحصوله على المسألة الأولى، لا ربط له بالمسألة محل البحث، ولا يصلح أن يكون دليلاً عليها.

 

وقال العلامة(قده) في كتابه التذكرة تحت عنوان فروع، في الفرع الثاني منها: لو نوى الإفطار لاعتقاد أنه من شعبان، فبان من رمضان قبل الزوال، ولم يتناول، نوى الصوم الواجب وأجزأه لمحل بقاء النية، والجهل عذر، فأشبه النسيان.

ولو بان بعد الزوال، أمسك بقية نهاره، ووجب عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي أوجب القضاء في الموضعين. وقال عطاء يأكل بقية يومه، وهو رواية عن أحمد، ولم يقل به غيرهما[13]. فإن قوله(قده): ولم يقل به غيرهما، إشارة لما ذكرناه سابقاً من اتفاق المسلمين قاطبة إلا من سمعت على وجوب الإمساك، وهذا كافٍ للبناء على انعقاد الإجماع الكاشف عن قول المعصوم(ع)، ليصلح للدليلية، إلا أن المشكلة تكمن بأن الإجماع المذكور في المسألة لا ربط له بمسألتنا محل البحث، ذلك أنه منعقد على من أصبح وقد أخل بالنية، ولم يتحقق منه فعل القاطع الموجب لصدق عنوان المفطر عليه، ومن الواضح الفرق بين المسألتين، وهذا يمنع من الاستناد للإجماع المنعقد على المسألة الأولى للاستدلال به على المسألة الثانية.

 

وهو مقبول في الجملة لا بالجملة، إذ أن المراجع لكتاب الخلاف يقف على دعوى الإجماع من الشيخ(ره) في المسألة محل البحث، قال(قده): إذا أصبح يوم الشك مفطراً، ثم ظهر أنه كان من رمضان، وجب عليه إمساك باقيه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي في البويطي: لا يلزمه إمساك باقيه، وقال في القديم والجديد: يلزمه.

 

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً قوله تعالى:- (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وهذا قد شهد. وقوله(ع): صوموا لرؤيته، وهذا قد صحت عنده الرؤية[14].

وكلامه(ره) نص واضح وصريح في المسألة محل البحث، وقد تضمنت دعوى الإجماع منه(قده)، وهذا يعني صحة ما نسبه إليه بعض الأساطين(قده)، وعدم حصول اشتباه منه.

ولم أقف بمقدار ما فحصت على وجود هذا الفرع في كلام العلامة(ره) في التذكرة، وإنما الموجود هو ما حكيناه سابقاً عنه، وقد عرفت أن موضوعه الإخلال بالنية، وهذا يوجب البناء على صحة ما ذكره بعض الأعلام(ره)، من حصول الاشتباه لبعض الأساطين(قده).

اللهم إلا أن يدعى أن تعبير العلامة(ره) في التذكرة: لو نوى الإفطار، شامل لحالتي نية القطع والقاطع، وعليه يكون الأمر متحققاً، أو أن كل من نوى القاطع متعمداً، فلا ريب في أنه ناوٍ للقطع، فيعود لنية القطع، ويكون مشمولاً للإجماع المدعى على الإخلال بالنية بسبب القطع فقط، فتأمل.

 

والإنصاف، أن البناء على شمول عبارة العلامة(ره) لحالتي القطع والقاطع معاً من الصعوبة بمكان، بل بملاحظة ما نسبه لعطاء وأحمد، فإنه يظهر اختصاص كلامه بخصوص الإخلال بنية القطع، وهذا يجعل مورد الإجماع المدعى أجنبياً عن المقام، وبه يصح ما ذكره بعض الأعلام(ره) من حصول الاشتباه لبعض الأساطين(قده).

ثم إنه بعد التشكيك في وجود إجماع مدعى من قبل العلامة(قده)، وظهور حال إجماع الخلاف، فإنه يصعب والحال هذه عدّه دليلاً يستند إليه في مقام البناء على الوجوب، بل حتى دعوى بعض الأعاظم(قده)، أن في البين تسالماً غير محرز، ذلك أن الظاهر خلو كلمات القدماء من عنونة المسألة، نعم قد ذكرها الشيخ(قده) في كتابه النهاية[15].

 

الثاني: التمسك بخبر الأعرابي، الوارد في يوم الشك من طرق المسلمين، وقد نقله المحقق في كتابه المعتبر، من أن ليلة الشك أصبح الناس، فجاء أعرابي فشد برؤية الهلال، فأمر النبي(ص) منادياً ينادي من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك[16]. وتقريب دلالته على المدعى من خلال الأمر الوارد في قوله(ص): ومن أكل فليمسك، فإنه ظاهر في الوجوب[17].

 

ويمنع من القبول بها بعد ضعف سندها بسبب الإرسال، مضافاً لعدم ورودها في شيء من مصادرنا الحديثية، مخالفة مضمونها للنصوص الدالة على كفاية شاهد في واحد في ثبوت الهلال، وأنه لا يثبت إلا ببينة شرعية. وهذا الشاهد الواحد أعرابي مجهول الحال والهوية.

ودعوى المحقق الهمداني(قده)، جبر ضعفه بالعمل غير محرز، لاحتمال استناد المشهور لشيء آخر مما سوف تسمع من أدلة، وهذا كافٍ للبناء على تحقق المطلوب. فضلاً عن أنه لا يحرز وجود شهرة عملية في المقام تدعو للبناء على حصول الجبر من خلالها.

نعم لو قيل بأن الأمر بالصيام والإمساك الوارد في الخبر لم يكن اعتماداً من رسول الله(ص)، على قول الأعرابي ليكون مضمون الخبر مخالفاً للقواعد المعتبرة في ثبوت الهلال، وإنما كان حكماً منه(ص)، بعلمه، فإنه سوف ينحصر المانع في الاستناد للخبر المذكور، بخلو مصادرنا منه، وضعف سنده بالإرسال.

 

مع أنه قد يدعى أن خلو مصادرنا منه لا يعدّ مانعاً من القبول به لو تحقق الوثوق والاطمئنان خصوصاً على ما سلكناه في حجية خبر الواحد من ملاحظة العامل الكمي والكيفي في الحجية المستفاد من حساب الاحتمال. نعم الجزم بتوفر ذلك في مثل هذا الخبر، وإن تعدد نقله في مصادر المسلمين من الصعوبة بمكان، فتأمل.

 

وقد تضمنت بعض الكلمات عدّه مؤيداً للبناء على وجوب الإمساك تأدباً[18]. وهو إنما يصلح للتأيـيد لو كان المانع من حجيته خصوص الضعف السندي، أما لو كان المتن مما لا يمكن الالتـزام به، فإنه لن يصلح لذلك.

بقي أن يشار إلى وجود اختلاف في نسخ الحديث، فإن الموجود في السنن الكبرى عن طريق عكرمة الإباضي، عن ابن عباس، أنه قد جاء ليلة هلال شهر رمضان، وأنه قد رأى الهلال: جاء أعرابي إلى النبي(ص)، فقال: إني رأيت الهلال-يعني هلال شهر رمضان-قال(ص): يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غداً[19]. وقد خلى من الإشارة إلى الأمر بالصوم لمن لم يفطر، والإمساك لمن قد أفطر.

 

وهذا الاختلاف يوجب رفع اليد عن موضع الاستشهاد والاستدلال لزيادتها، لأنه لم يثبت بناء العقلاء على جريان أصالة عدم الغفلة في جانب الزيادة، ولا أصالة عدم الغفلة في جانب النقيصة، وعليه فلا مناص من رفع اليد عنها، وعدم ترتيب الأثر عليها، وقد عرفت أنها مورد الاستدلال.

نعم قد وردت هذه الزيادة في النص الوارد في شأن صوم يوم عاشوراء، ومن الواضح أنه خارج عن محل الكلام.

 

الثالث: ما استند إليه العلمان صاحب الجواهر، والشيخ الأعظم(قده)، من التمسك بقاعدة الميسور، وتقريب ذلك أن يقال: أن الواجب على المكلف في يوم الشك الذي تبين له أنه أول أيام شهر رمضان المبارك، هو الصوم المستجمع لشرائط الصحة، والتي منها النية والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. ومع فوات شيء من الشروط المعتبرة في حقيقة الصوم الشرعي وهي النية، فإنه يبقى عنده الإمساك فيكون مطالباً، فيلزمه أن يكون ممسكاً[20].

 

ويمنعه، أنه بعد البناء على تمامية القاعدة المذكورة، عدم صلوح المقام صغرى لها، ذلك أن موضوعها هو صحة العمل المأتي به فاقداً لشيء من الشروط المعتبرة فيه، كما لو عجز عن أداء الصلاة من قيام وأداها من جلوس، فإن الصلاة الناقصة تكون من صغريات القاعدة، وكذا لو عجز عن المباشرة المعتبرة في الوضوء، وتوضأ مستعيناً بآخر، فإنه يبنى على صحة الوضوء الفاقد لهذا الشرط، ويكون من صغريات جريان القاعدة. ومن الواضح أن المقام ليس كذلك، لعدم البناء على أن الصادر منه صوم، وإنما هو إمساك تأدبي لنكتة وغاية مقصودة كما عرفت ذلك قبل قليل.

وبكلمة جامعة، إن مورد جريان القاعدة، هو المورد الذي يتحقق فيه الاتيان بالمركب المأمور به ناقصاً، بحيث يصدق على الصادر أنه المطلوب ناقصاً، لا أنه لا يصدق عليه العنوان كما في المقام.

نعم لو بني على توسعة موضوع الصوم الشرعي ليكون شاملاً للمورد، ويبنى على أنه صوم حقيقة، ويكون صحيحاً، وإنما يكون القضاء منه عقوبة مثلاً، فالظاهر إمكان جعل المورد من صغريات القاعدة.

——————————————-


 

 

 

[1] جواهر الكلام ج 16 ص 214.

[2] كتاب الصوم ج12 ص123.

[3] مسالك الأفهام ج 2 ص 14.

[4] مستمسك العروة ج 8 ص 228.

[5] لا يذهب عليك أن موضوع المسألة محل البحث شامل لمن أفطر في نهار شهر رمضان المبارك متعمداً، أعني حال الجزم والإحراز أن اليوم من أيام شهر رمضان، فإن الواجب عليه هو الإمساك تأدباً، وعليه يأتي ما ذكرناه من أنه لو أخل بهذا الوجوب التأدبي، وعمد إلى الاتيان بالمفطر مكرراً، فشرب الماء أكثر من مرة، وأكل أكثر من مرة، ومارس العلاقة الطبيعية في هذا اليوم أكثر من مرة، فإن المفروض حال البناء على كون الإمساك تأدباً صوماً هو تكرر الكفارة عليه، وهذا ما تنفيه قاعدة لو كان لبان، لأن المفروض أن هذا الفرض وهو الإفطار في اليوم الرمضاني المعلوم من المسائل الابتلائية كثيرة الدوران في حياة الناس، ويجري ذلك أيضاً فيمن أفطر في القضاء بعد الزوال، وهكذا.

[6] الخلاف ج 2 ص 203، منتهى المطلب ج 9 ص 49، تذكرة الفقهاء ج 6 ص 20.

[7] مهذب الأحكام ج 10 ص 44. مصباح المنهاج كتاب الصوم ص 51.

[8] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 21 ص 80.

[9] الغاية القصوى في شرح العروة الوثقى كتاب الصوم ص 60.

[10] الشهيد السعيد السيدر محمد باقر الصدر(ره) في كتابه بحوث في شرح العروة الوثقى، والمرجع الديني الكبير الشيخ محمد الفاضل اللنكراني (ره) في كتابه تفصيل الشريعة كتاب الاجتهاد والتقليد.

[11] كتاب الصوم ص 76-77 للشيخ المنتظري(ره)، قال: وإجماع الخلاف، ليس في هذه المسألة، بل في الفرع التالي، وكذلك كلام العلامة في المنتهى والتذكرة، والملازمة بين الفرعين ممنوعة، لأن وجوب الإمساك فيمن لم يتناول لا يقتضي وجوبه فيمن تناول، وقد اشتبه في المستسمك، حيث حكى إجماع الخلاف وكلام العلامة في هذا الفرع.

[12] الخلاف ج 2 كتاب الصوم مسألة 20 ص 178-179.

[13] تذكرة الفقهاء ج 6 ص 19-20.

[14] الخلاف ج 2 كتاب الصوم المسألة رقم 56 ص 203.

[15] النهاية ص 152.

[16] المعتبر في شرح المختصر ج 2 ص 646، منتهى المطلب ج 9 ص 22، مدارك الأحكام ج 6 ص 21. صحيح مسلم ج 2 ص 499 ح 1135، صحيح البخاري ج 3 ص 98 الباب 155، سنن النسائي ج 2 ص 160 الباب 107، مسند أحمد ج 13 ص 50 ح 16478، سنن البيهقي ج 4 ص 288.

[17] مهذب الأحكام ج 10 ص 44-45.

[18] الغاية القصوى كتاب الصوم ص 60.

[19] السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 211-212.

[20] جواهر الكلام ج 16 ص 216، كتاب الصوم ص 122.

[21] وسائل الشيعة ج 10 ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 ص 31.