8 ديسمبر,2022

معالجة الرجل الأجنبي المرأة الأجنبية(4)

اطبع المقالة اطبع المقالة

معالجة الرجل الأجنبي المرأة الأجنبية(4)

 

 

بقي أن نشير في الختام لشيء من النصوص الذامة، المعارضة للنصوص المادحة، على فرض التسليم بدلالة النصوص المادحة على حسن الحال، أو الوثاقة:

منها: ما رواه حماد بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول للمفضل بن عمر الجعفي، يا كافر يا مشرك، مالك ولأبني، يعني إسماعيل بن جعفر، وكان منقطعاً إليه، يقول فيه مع الخطابية، ثم رجع بعده[1].

ومنها: ما رواه عبد الله بن مسكان، قال: دخل حجر بن زائدة وعامر بن جذاعة الأزدي، على أبي عبد الله(ع)، فقالا له: جعلنا فداك، إن المفضل بن عمر يقول: إنكم تقدرون أرزاق العباد، فقال: والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي فضاق صدري، وأبلغت إلى الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم، فعندها طابت نفسي، لعنه الله وبرئ منه، قالا: أفتلعنه وتتبرأ منه، قال: نعم، فالعناه، وابرءا منه، برئ الله ورسوله منه[2].

 

ومنها: ما رواه معاوية بن وهب، وإسحاق بن عمار، قالا: خرجنا نريد زيارة الحسين(ع)، فقلنا لو مررنا بأبي عبد الله المفضل بن عمر، فعساه يجيء معنا، فأتينا الباب فاستفتحناه، فخرج إلينا فأخبرناه، فقال: استخرج الحمار فخرج إلينا وركب وركبنا، وطلع لنا الفجر على أ{بعة فراسخ من الكوفة، فنـزلنا فصلينا، والمفضل واقف لم ينزل يصلي، فقلنا: يا أبا عبد الله لا تصلي؟ فقال: صليت قبل أن أخرج من منزلي[3].

والمتحصل من جميع ما تقدم، أنه لا مجال للبناء على وثاقة الرجل، وإن منع من ذلك، فلا ريب في لزوم التوقف في مروياته، وعدم العمل على وفقها.

ومنها: نصوص جواز التقية في مورد الاضطرار، ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر(ع) قال: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنـزل به[4].

 

وفي صحيح معمر بن يحيى بن سالم، ومحمد بن مسلم، وزرارة، قالوا: سمعنا أبا جعفر(ع) يقول: التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحله الله له[5]. وقد دلا على جواز فعل الحرام تقية، لأنها من مصاديق الضرورة والاضطرار، وبتنقيح المناط، أو إلغاء الخصوصية، يمكن البناء على دلالتهما على جواز ذلك في كل مورد ضرورة واضطرار، ليرتفع الحكم بالحرمة عندها. نعم الجزم بإلغاء الخصوصية حتى يتعدى من المورد لبقية الموارد الأخرى من الصعوبة بمكان، فإن العرف لا يفهم ذلك.

ومنها: نصوص رفع الاضطرار، كما في الصحيح عن حريز، عن أبي عبد الله(ع)، قال: قال رسول الله(ص) رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه[6]. وما رواه العياشي في تفسيره بسنده عن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: قال رسول الله(ص) رفعت عن أمتي أربع خصال: ما اضطروا إليه، وما نسوا، وما اكرهوا عليه، وما لم يطيقوا[7].

والحاصل، إن المستفاد من النصوص المتقدمة، هو ارتفاع الحكم الاولي حال حصول الضرورة والاضطرار، ومقامنا من صغرياته، ذلك أن الحكم الأولي هو حرمة نظر الرجل الأجنبي إلى بدن المرأة الأجنبية، إلا أنه وبسبب الضرورة الحاصلة والاضطرار للمعالجة، فإنه يرتفع ليحل مكانه حكم آخر، وهو جواز النظر.

 

ويمكن التمسك أيضاً بما دل على نفي الضرر، وكذا ما دل على نفي الحرج.

ومنع بعض الأعاظم(ره) صلاحية النصوص المذكورة للدلالة على المطلوب، وهو جواز نظر الطبيب الأجنبي لبدن المرأة الأجنبية حال المعالجة في مورد الضرورة والاضطرار، لعدم شمولها للطبيب نفسه، وإنما أقصى ما يظهر منها هو رفع الحكم الإلزامي التحريمي عمن يتوجه إليه الضرر، وعمن هو المضطر، وهو المريضة فعلاً، فتدل هذه النصوص على جواز كشفها لغير المماثل ما دامت مريضة، ولا دلالة في شيء منها على جواز معالجة غير المماثل إليها، بنظره إلى ما لا يجوز له النظر إليه.

إن قلت: إن ما ذكرتموه من التفكيك بين جواز إبداء المريضة شيئاً من جسدها للرجل الأجنبي، وعدم جواز نظره إليه، يستدعي التفكيك بين الإبداء والنظر، مع أن هناك ملازمة ثابتة بين جواز الإبداء وجواز النظر.

قلت: إن ما ذكر من قصر دلالة النصوص المذكورة على جواز الإبداء دون جواز النظر، لا يتنافى مع القول بالملازمة بين جواز الإبداء وجواز النظر، لأن وجودها حال كون الحكم أولياً، لا ما إذا كان الحكم ثانوياً، وأما إذا كان كذلك، بحيث حكم بجواز النظر بالحكم الثانوي، وليس بالحكم الأولي، فإن الملازمة المذكورة لا تتم، لأن ما دل على رفع الحكم حال الضرورة والاضطرار يختص بمن تلبس بالعنوان الثانوي، وهو في الفرض المريضة، وليس الطبيب كذلك، فإنه ليس مضطراً كما لا يخفى، ويساعد على ذلك أنه لو وجدت امرأة أجنبية وأكرهت على رفع سترها وكشف حجابها، فإنه لا يقول أحد بجواز النظر إليها اعتماداً على الملازمة بين جواز الابداء والنظر.

 

وأوضح من ذلك ما لو أكرهت المرأة على الزنا، ونحوه من الأفعال المحرمة، فإنه لا يحتمل أحد أن يقال بجوازه للرجل لمجرد أنها مكرهة[8].

وهو في غير محله، أما بالنسبة إلى نصوص الاضطرار والضرورة، فإنه يمكن البناء على دلالتها على جواز نظر الطبيب الأجنبي للمرأة الأجنبية أولاً: بدلالة الاقتضاء، وإلا كان الكشف لغواً.

إن قلت: إن ما ذكرتموه من محذور اللغوية يتم حال عدم وجود دليل خاص يدل على الترخيص للمضطر، ومن يتابع النصوص الشريفة يجد فيها موارد متعددة تضمنت رفع الأحكام عن المضطرين، فلا يرد إشكال اللغوية، لأن مقتضى وجود موارد الترخيص، يمنع أن يكون النص دالاً بدلالة الاقتضاء على أبعد من رفع الحكم الاضطراري لخصوص المضطر إليه فقط.

 

قلت: إن الجواب المذكور لدفع اللغوية مبني على النظر إلى القضية على أنها خطاب لبي، ولذا لا يكون الخطاب العام لغواً، ويكفي لدفع اللغوية تحقق الإباحة لخصوص المضطر في موارد كثيرة، لأنه سوف ينحل الخطاب لباً إلى أحكام ترخيصية بعدد الوقائع الاضطرارية، وأن ما تتوقف على دلالة الاقتضاء هو صحة مضمون الخطاب، ولا يكفي لدفع محذور اللغوية الصدق في الجملة، وإنما كل ترخيص يتوقف على فرض شيء آخر لابد أن يفرض فيه ذلك الشيء بدلالة الاقتضاء، فدلالة الاقتضاء تتشكل بسعة صدق الخطاب.

ثانياً: إن التفريق الذي أفاده(ره) فيجوز نظر الأجنبية لبدن المرأة الأجنبية حال كون الحكم ثابتاً بحكم أولي، ولا يجوز ذلك حال كونه ثابتاً بحكم ثانوي، غير واضح، فإن الذي يفهمه العرف مما دل على جواز مراجعة المرأة للطبيب الأجنبي عنها للعلاج حال الضرورة والاضطرار هو جواز فحصه لها، ونظره ولمسها بالملازمة العرفية، نظير ما قيل به من الملازمة بين جواز إبداء الزينة للمحارم، وجواز نظرهم إليها.

وهذا يعني أن دليل رفع الاضطرار وحلية المضطر إليه يثبت الترخيص للمضطر كما هو الحال فيما يثبت الحلية بالعنوان الأولي، فإنه يثبت الترخيص في الابداء للمرأة نفسها، ولما كان الترخيص الثابت بالعنوان الأولي أو الثانوي ملازماً عرفاً للترخيص في ناحية الناظر تعين الالتـزام به في الصورتين، ولا مجال للتفكيك بينهما.

 

بل إن مقتضى البناء على كون الملازمة المذكورة عرفية محضة في موارد الترخيص في الابداء بالعنوان الأولي، فإن التفكيك بين جواز الابداء للمضطر وجواز نظر المبدو له غير عقلائي، لأن المضطر إليه ليس هو طبيعي الابداء للطبيب، بل خصوص الابداء الذي يتعقبه فحص الطبيب ونظره، ولذا لو كان الطبيب ممتنعاً عن الفحص لم يجز للمرأة إبداء بدنها له، وعليه كيف يصح التفكيك بين الأمرين بالترخيص للمرأة في إبداء بدنها للطبيب المتعقب بنظره وفحصه، وتحريم النظر والفحص على الطبيب، إن هذين أمرين متنافيـين في مرحلة التشريع.

وأما النقض بمسألة الإبداء حال الإكراه، أو حال الزنى، فهو في غير محله، لأن المفروض وفقاً لما دل على نفي الاضطرار والإكراه البناء على عدم ثبوت حرمة على المرأة المكرهة على شيء من ذلك، نعم وجود الإكراه إليها لا يسوغ للفاعل الإقدام على العمل، لأن المفروض عدم صدق عنوان الاكراه عليه، كما هو واضح، وبالتالي تبقى الحرمة موجودة بالنسبة إليه.

 

والحاصل، إنه مع البناء على جواز كشف المرأة بدنها أمام الرجل الأجنبي بسبب الضرورة والاضطرار، فلا ريب في جواز نظر الرجل إليها للمعالجة.

ومن الأدلة العامة التي يمكن التمسك بها في المقام، قاعدة نفي الضرر، وقد استدل بها بعض الأساطين(ره)، ولعل ذلك على أساس أن المنفي بها كل حكم ينشأ منه الضرر، وإن كان الضرر الناشيء متوجهاً إلى غير من يتوجه إليه الحكم، والمقام من هذا القبيل، فإن تحريم النظر على الطبيب الأجنبي يودي إلى تضرر المرأة لفرض اضطرارها إلى العلاج، وتوقف علاجها على نظر الطبيب إليها، فيجوز له ذلك رفعاً للضرر عنها[9].

وقد أجاب عن ذلك بعض الأعاظم(ره) بما سمعته جواباً عن نصوص الاضطرار والضرورة، فلا نعيد.

 

ويمنعه أن المستفاد من حديث نفي الضرر، وكذا حديث نفي الحرج هو أن الحكم الضرري والحكم الحرجي منفيان في الشريعة المقدسة سواءاً أكان الضرر أو الحرج على المكلف متجهاً من إلزامه هو، أم كان ألزام غيره الموقع له في الضرر أو الحرج، فالشريعة ليس فيها حكم ضرري أو حرجي مطلقاً، وتحريم النظر على الطبيب إن كان يوقع المريضة في ضرر أو حرج فهو مرفوع عنه لتخليص المريض من الضرر أو الحرج.

بل إن القول بعدم ارتفاع ذلك لأن الشارع المقدس لا يرخص فيه، يتنافى وما هو المستفاد من دليل نفي الضرر أو دليل نفي الحرج، يقول تعالى:- (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

 

استدراك:

ومن النصوص الخاصة التي يمكن التمسك بها في المقام، خبر وهب بن وهب، عن أبي عبد الله(ع)، قال: قال أمير المؤمنين(ع): إذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد يتحرك شق بطنها ويخرج الولد.

وقال في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها، قال: لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه.

ورواه في موضع آخر مثله، إلا أنه قال: يتحرك فيتخوف عليه، وزاد في آخر: إذا لم ترفق به النساء[10]. وهي واضحة الدلالة في تصدي الرجل للقيام بعلاج المرأة في مورد الضرورة والاضطرار، وهو ما فهمه العلامة المجلسي(ره) في مرآة العقول حيث حمله على ما إذا لم يوجد المماثل. بل لا يبعد أن يستظهر منها جواز نظره إلى ما لا يجوز له النظر من بدنها. نعم لا يبعد بناء العرف على اختصاصها بموردها، وهو حال موت الجنين في بطنها، فتأمل. نعم قد نص على ضعف راويها، بل وعلى كذبه، وإن ورد في كلام ابن الغضائري(ره) أن مروياته عن أبي عبد الله(ع)، يوثق بها، ولعل هذا هو منشأ تعبير المجلسي(ره) عن الخبر محل البحث بالصحيح[11].

وقد يؤيد ما ذكره ابن الغضائري(ره) أمران:

 

الأول: عدم استثناء ابن الوليد إياه من نوادر الحكمة، مع أن ديدنه استثناء روايات الضعفاء، فيكون عدم الاستثناء كاشفاً عن كون مروياته عن الإمام الصادق(ع) مما يوثق بها.

الثاني: رواية السندي بن محمد عنه، وهي تبلغ مائة وخمسين مورداً، أكثرها في كتاب قرب الإسناد للحميري، وهو ثقة وجه في أصحابنا الكوفيين، وروايته عن أبي البختري والذي وصف بأنه أكذب البرية، اعدّ أمراً غير مقبول بين الناس، وتثير الاستغراب إذا كان الراوي من الأجلاء الثقات، كالسندي بن محمد، والتوجيه لذلك كونها مما يوثق به عن الأعلام، ولذا لم يتوقف في روايتها.

 

إلا أن الموجود في خلاصة العلامة(ره) خلاف ذلك، حيث قال: كان كذاباً قاضياً عامياً، إلا أن له أحاديث عن جعفر بن محمد(ع) كلها لا يوثق بها.

ومن المحتمل جداً أن يكون مصدرها كتاب ابن الغضائري(ره)، لأن المعروف عنه(قده) الاقتباس من كلمات الرجاليـين.

ويؤيد ما في الخلاصة، ما جاء كتاب نقد الرجال للتفريشي(قده)، فإنه حكى عن ابن الغضائري(قده) قوله: لا يوثق بها. وهذا يوجب احتمال الغلط في كتاب مجمع الرجال للقهبائي(ره)، والذي تضمن مقولة ابن الغضائري(ره): أن له روايات يوثق بها.

 

 

 

[1] معجم رجال الحديث ج 19 ص 323.

[2] المصدر السابق ص 324.

[3] المصدر السابق ص 325.

[4] وسائل الشيعة ج ب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح 1 ص

[5] المصدر السابق ح 2 ص

[6] وسائل الشيعة ج ب 56 من أبواب جهاد النفس ح 1 ص

[7] وسائل الشيعة ج ب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح 10 ص

[8] موسوعة الإمام الخوئي ج 32 ص 62-63.

[9] مستمسك العروة الوثقى

[10] وسائل الشيعة ج 2 ب 46 من أبواب الاحتضار ح 3 ص 470.

[11] مرآة العقول ج 13 ص 331.