19 سبتمبر,2019

الغناء حكمه وحقيقته

اطبع المقالة اطبع المقالة

الغناء حكمه وحقيقته

 

لا خلاف بين علمائنا في حرمة الغناء وأن فعله من الكبائر التي توعد الله فاعلها النار، ويدل على ذلك نصوص متعددة ذكرها الفقهاء في المصادر الحديثية، ولا يعتبر في حرمة شيء استفادة ذلك من القرآن الكريم، فإن بعض الأمور تم بيانها في ما ورد عن المعصومين(ع).

نعم هناك بعض الآيات الشريفة قد فسرت بالغناء، مثل قوله تعالى:- (واجتنبوا قول الزور)، فقد فسر قول الزور فيها بالغناء. وقوله سبحانه:- (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله)، فقد فسر لهو الحديث في الآية الشريفة بالغناء.

وكيف ما كان، إن الحديث عن الدليل ومدى دلالته من الأمور التخصصية التي يترك أمرها للمختصين شأن هذا الموضوع شأن بقية المجالات الأخرى.

والذي ينبغي للمكلف الإحاطة به هو الحكم الشرعي وموضوعه، وقد عرفت الأول وهو حرمة الاستماع للغناء، وبقي الإحاطة بالثاني وهو بيان حقيقته ومعناه.

 

تعريف الغناء:

وقع الخلاف بين العلماء في تعريف الغناء، وبيان حقيقته، فوجد قولان المقام:

الأول: ما أختاره السيد السيستاني(دامت أيام بركاته)، من أن الغناء هو: الكلام اللهوي الذي يؤتى به بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب.

وهذا التعريف يتضمن ركنين:

أحدهما: دخالة المادة في حقيقة الغناء وتعريفه، ونعني بذلك الكلمات المستخدمة في الغناء سواء كانت نثراً أم كانت شعراً، فيعتبر فيها شروطاً ما لم تتوفر لن يحكم بحرمة الاستماع بنحو الفتوى، وسوف نشير لما يعتبر في الكلمات.

ثانيهما: دخالة الكيفية الأدائية، فيعتبر فيها أن تكون مناسبة لمجالس اللهو واللعب، وليست مناسبة لمجالس الحزن والرثاء أو الإنشاد العسكري، أو الإنشاد الوطني أو الديني.

ومتى أنتفى الركنان معاً لم يحكم بحرمة الاستماع، وكذا لو أنتفى الركن الثاني أيضاً.

أما لو أنتفى الركن الأول منهما بحيث كانت الكلمات المستخدمة في العمل الغنائي لا تناسب مجالس اللهو واللعب كما لو تغنى بالقرآن الكريم، أو بالأدعية الواردة عن المعصومين(ع)، أو ببعض الأغاني الوطنية أو الحماسية، أو التربوية، أو التعليمية، فالأحوط وجوباً اجتناب الاستماع إليها.

 

الثاني: وهو الذي يجعل المدار في ثبوت الحرمة على خصوص الكيفية الأدائية من دون دخالة للمادة في الحرمة وهو مختار الإمام الخوئي(ره)، والأستاذ الشيخ الوحيد والسيدان الخامنئي والحكيم (دام ظلهم). قال الإمام الخوئي(قده): الغناء حرام إذا وقع على وجه اللهو والباطل، بمعنى أن تكون الكيفية كيفية لهوية.

وعليه، لو استخدمت عبارات غير لائقة خادشة للحياء والعفة مثلاً من دون كيفية لهوية لم يحكم بحرمتها من باب الغناء. نعم قد يحكم بحرمتها من باب آخر. وكذا لو استخدمت كلمات سامية مهذبة كالحديث عن الأم والوطن، والعفاف والحجاب، وأديت بطريقة مناسبة لمجالس اللهو والباطل، حكم بحرمة الاستماع إليها.

والحاصل، إن المعيار في البناء على حرمة الاستماع وصدق عنوان الغناء على ملاحظة الكيفية الأدائية فإن كانت مناسبة لمجالس اللهو والباطل بني على الحرمة، وإلا فلا.

 

الفرق بين القولين:

وعند التدقيق يتضح الفرق بين القولين، ذلك أن القول الأول أخص من القول الثاني، لأنه اعتبر ملاحظة المادة والكيفية في صدق مفهوم الغناء، وهذا بخلاف القول الثاني، فإنه جعل المدار على ملاحظة الكيفية الأدائية فقط.

 

معنى اللهو واللعب واللهو والباطل:

وقد اتفق القولان في أخذ قيدية اللهو في الحرمة بملاحظة الكيفية الأدائية، واختلفا في القيد الثاني وهو اللعب والباطل، وهذا يجعل القول الثاني أخص من القول الأول، لأنه لو لم تكن الكيفية الأدائية محققة لعنوان الباطل، كالإضلال عن الطريق المستقيم، والابتعاد عن الله سبحانه وتعالى، وفعل المنكرات، وترك الواجبات، لن يكون الغناء محرماً. والمدار في تشخيص ذلك إلى العرف.

وهذا بخلاف القول الأول، فإن عنوان اللعب يعني الخروج عن حد الاعتدال وسمت الوقار والاتزان، وفعل ما لا يحسن فعله من حركات الرقص والقفز وما شابه حتى يخيل للناظر أن فاعلها سكر ثمل.

ومنه يتضح أن معنى مناسبة مجالس اللهو واللعب، يعني ما يوجب خروج الإنسان عن حالة وقاره واستقراره، وهدوءه إلى حالة الرقص والقفز، وما شابه ذلك.

أما المناسب لمجالس اللهو والباطل، فيعني كل ما يوجب الابتعاد عن الله سبحانه وتعالى، ويؤدي إلى الانحراف عن الجادة القويمة، ويؤدي إلى تنبيه غرائزه وتحريك مشاعره، والمرجع في تشخيص ذلك إلى العرف، وليس الشخص نفسه.

 

أمنية ونصيحة:

ومما يؤسف أنه قد تسربت في الآونة الأخيرة لوسطنا الاجتماعي عادة الاستماع للغناء، سواء في الأعراس، وأخص بذلك الأعراس النسائية، أم في الوسط الشبابي، في جلساتهم وحال تنقلهم في سيارتهم، وفي أجهزتهم الإلكترونية، وهذا وإن لم يصبح ظاهرة واضحة في الوسط الاجتماعي، فلا زال المجتمع محافظاً على تدينه والتزامه وابتعاده عن المحرمات، بل هو يرفضها بصورة جازمة قطعية، لكن هذا يدعونا للعمد للوقوف أمام هذه الحالات الفردية، خصوصاً وأن ذلك قد ينشأ من غفلة منهم عن الحكم الشرعي، أو شبهة عندهم في حلية مثل هذه الأعمال وشرعيتها، لذا ينبغي العمد للقيام بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انطلاقاً من قوله تعالى:- (أدعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بأيدينا لما فيه الخير والصلاح.