المناجاة الشعبانية
من الأعمال العامة في شهر شعبان المعظم المناجاة الشعبانية، وهي من الأدعية التي يدعى بها في كل يوم من أيامه، بل يمكن الدعاء بها في مطلق الأيام غير شهر شعبان، وقد وردت النصوص أن المعصومين(ع) كانوا يناجون بها الله تعالى خلال هذا الشهر المعظم.
وقد أوردها السيد ابن طاووس(ره) في كتابه الإقبال، ولم يُعرف لها مصدر قبل ذلك. نعم قد نقلها العلامة المجلسي(ره) غواص بحار الأنوار في البحار من الكتاب الغروي العتيق، وقد اتفق العلمان على أنها مروية عن ابن خالويه، وهو مردد بين اثنين:
الأول: الحسن بن محمد(أحمد) بن خالويه، وهو شيخ بعض مشائخ النجاشي، وقد مدحه النجاشي، وقال عنه أنه كان عارفاً بمذهبنا مع علمه بعلوم العربية واللغة والشعر، وذكر أيضاً أنه قد سكن حلب. وقد حكى السيد ابن طاووس مدح ابن النجار إليه، حيث قال عنه: كان إماماً أو أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام العلم والأدب، وكانت إليه الرحلة من الآفاق، وسكن بحلب وكان آل حمدان يكرمونه.
الثاني: أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن مهجور(مهاجر) الفارسي، وهو شيخ مشائخ النجاشي.
وقد استظهر المحقق الكبير آغا بزرك الطهراني(ره) في كتابه الذريعة أن الراوي لها هو الثاني، ولعل ذلك يعود لأن له كتباً في عمل رجب وشعبان، وشهر رمضان، بينما بنى آخرون أن راويها هو الأول لكونه أشهر وأكثر معروفية من الثاني.
وسواءً كان الراوي للمناجاة هو الأول، أم الثاني، فإن ذلك لن يضر باعتبارها اعتماداً على وثاقة جميع مشائخ النجاشي(ره).
وقد احتلت المناجاة الشعبانية مكانة خاصة في الأوساط العلمية وبين العلماء لما تحويه من مضامين عالية ومهمة، ولتصريح الراوي لها أن الأئمة الأطهار(ع) كانوا يناجون الله تعالى بها. قال الشيخ الملكي التبريزي(ره) في كتابه المراقبات:
ومناجاته الشعبانية معروفة، وهي مناجاة عزيزة على أهلها، يحبونها ويستأنسون بشعبان من أجلها، بل ينتظرون مجيء شعبان ويشتاقون إليه من أجلها، وفي هذه المناجاة علوم جمة فكيفية تعامل العبد مع الله، جل جلاله، وبيان وجوه الأدب التي ينبغي أن نلتزمها ونتأدب بها عندما نسأل الله تعالى حوائجنا، وندعوه سبحانه ونستغفره، واستدلالات لطيفة تليق بمقام العبودية لإحكام مقام الرجاء المناسب لحال المناجاة، ودلالات صريحة واضحة في معنى لقاء الله تعالى والقرب منه، والنظر إليه جل جلاله-إلى أن قال-إن هذه المناجاة مناجاة جليلة ونعمة عظيمة من بركات آل محمد(ع)، يعرف قدر عظمتها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولعمري أن الأغلب لا يعرفون شأن نعمة هذه المناجاة.
وقد تضمن كلامه(ره) أموراً:
أحدها: أهمية المناجاة الشعبانية وفضلها، وهذا لا يكاد يدركه كل أحد، بل فئة خاصة من الناس، ولذا تراهم ينتظرون مجيء شعبان لأجلها.
ثانيها: اشتمالها على علوم عديدة ومعارف كثيرة في كيفية تعامل العبد مع ربه.
ثالثها: بيان وجوه الأدب التي ينبغي الالتـزام بها عند سؤال الله الحوائج ودعوته.
رابعها: تضمن استدلالات تليق بمقام العبودية لإحكام مقام الرجاء المناسب للمناجاة.
خامسها: دلالات صريحة في معنى لقاء الله، والقرب منه.
سادسها: أن المناجاة تعدّ واحدة من بركات آل محمد(ع).
سابعها: إن أغلب الناس لا يعرفون شأن المناجاة ومدى أهميتها.
وللإمام الخميني(ره) كلمات عديدة حول هذه المناجاة نشير لثلاث منها:
الأولى: نحن نفخر بأن لنا مناجاة الأئمة الشعبانية.
الثانية: لو لم يكن في الأدعية إلا المناجاة الشعبانية لكفى ذلك دليلاً على أن أئمتنا هم أئمة بحق، لأنهم أنشأوا هذا الدعاء، وواظبوا عليه.
الثالث: شهر شعبان هو لتهيئة الفرد والأمة لضيافة الله….والعمدة في هذه التهيئة هي المناجاة الشعبانية، أنا لم أر في الأدعية دعاء ورد حوله أن جميع الأئمة كانوا يقرؤونه إلا هذا الدعاء.
المناجاة الشعبانية، هي لإعدادك وإعداد الجميع وتهيئتهم لضيافة الله.
ويتضح من خلال ما تقدم، زيادة عناية العلماء بالمناجاة الشعبانية والاهتمام بها، والحث على ضرورة قراءتها خلال هذا الشهر مرة واحدة على الأقل، ويمكن للإنسان قراءتها أكثر من مرة في اليوم الواحد. ولا ينبغي أن يكون عدم الإحاطة ببعض مضامينها وانغلاق فهمها موجباً للإعراض عن قراءتها، بحجة اعتبار الفهم في القراءة، لأن ذلك ليس معتبراً، بل يكفي حصول الاحساس والشعور بعظمة الموقف ليحصّل الإنسان الغرض المطلوب. نعم يستحسن أن يبذل الإنسان قصارى المجهود للإحاطة بمداليل ألفاظها، وفهم معانيها، فإن ذلك أوقع في القلب. وينبغي أن يقرأ كل منا هذه المناجاة بلسان المعصوم(ع) حتى يستشعر اللذة في معانيها.
وقد ابتدأت المناجاة بالعبارات التالية بعد الصلاة على محمد وآله(ع): واسمع دعائي إذا دعوتك، واسمع ندائي إذا ناديتك، وأقبل علي إذا ناجيتك، فقد هربت إليك، ووقفت بين يديك، مستكيناً لك.
وهذا يوجب خطور سؤال في الذهن، وهو: ما هو الفرق بين الدعاء والنداء والنجوى، ذلك أن المقطع الذي افتتحت به المناجاة اشتمل على هذه المفاهيم الثلاثة، فما هو الفرق بينها؟ إن الإحاطة بمثل هذا الأمر يشير لما تقدم ذكره من ضرورة العناية بقراءة هذه المناجاة، ولزوم التدبر في مضامينها، ومحاولة السعي الحثيث للوقوف على شيء من ذلك.
وعلى أي حال، فقد تضمنت المناجاة فصولاً كثيرة جديرة بالوقوف عندها، والتأمل فيها حال قراءتها، وهي جديرة بالوقوف عند كل واحد منها، إلا أننا نكتفي الإشارة الإجمالية، ولعلنا نوفق في قادم الأيام للوقوف على ذلك بصورة مفصلة.
ولهاً بذكرك:
من المقاطع التي تضمنتها المناجاة قوله(ع): إلهي، وألهمني ولهاً بذكرك إلى ذكرك. الذكر هو مقدمة لحصول تلك الحالة المعنوية، والتي توجب الارتباط بين العبد وربه سبحانه وتعالى. ومن المعلوم أن للذكر أسباباً وعواملاً توجب استمراره في حياة الإنسان، ومن أهمها جداً الوقوف على معرفة موانع ذكر الله تعالى، فإن القضاء على موانعه ومحاربتها سبب رئيس لاستمراره بعد حصوله. كما أن الذكر سبب تعزيز معرفة العبد بربه سبحانه وتعالى.
كمال الانقطاع:
وجاء في المناجاة: إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك. وفي هذا الفصل من المناجاة محطات جديرة بالوقوف عنها:
منها: تحديد نوعية الطلب الوارد فيها، فقد جاء: هب لي، فما هي نوعية هذا الطلب.
ومنها: لقد تضمن المقطع طلب أمرين:
1-كمال الانقطاع. وهذا يستدعي بعد الإحاطة بحقيقة الانقطاع، ضرورة معرفة كيف يكون كمال الانقطاع، وما هي مقوماته.
2-أنر أبصار قلوبنا. ونحتاج تحديد المقصود من الإنارة التي يطلبها الداعي للقلوب، فهل هي من الإنارة المعروفة، أي الإنارة المادية على أساس أن للقلوب نظراً وبصراً، أم أن الحديث عن نحو خاص من الإنارة، فيكون الداعي ناظراً إلى البصيرة.
وقد أشار(ع) بعد ذلك إلى الأثر المترتب على هذين الطلبين، فقال: حتى تخرق أبصار قلوبنا حجب النور، وتصير أرواحنا معلقة، والسؤال الذي يطرح هو: ما هي حجب النور، هل هي الموانع التي تحول بين الإنسان ومواصلة الكمال، والرقي في الأبعاد المعنوية، أم هي شيء آخر؟ وهل يعدّ النور حجاباً، وإذا كان كذلك، فكيف يكون هذا الحجاب؟ هناك احتمالات في المقصود من حجب النور:
أحدها: كل الموجودات، لأن كل ما عدا الله سبحانه وتعالى هي وجود وماهية، والوجود نور، والنور وجود، فكل ما هو موجود هو من الحجب النورانية فتُكونُ الحجب الظلمانية.
ثانيها: الحجب المعنوية مقابل الحجب المادية، ومع البناء على أن الحجب الظلمانية حجب معنوية، يستبعد مثل هذا الاحتمال.
ثالثها: كل ما هو نور فهو حجاب مثل العلم وغيره، فالإنسان بعدما يتخطى حجب الظلمة ينتقل إلى حجب النور، ولكن يتخطى حجاب التقوى وغيره، ولذلك وجوه.
وعلى أي حال، فإن بين المحتملات المتقدمة فرقاً، إذ يعدّ الأول والثاني منها ذماً، بخلاف الثالث، والتفصيل له مجاله، لعدم كوننا بصدد شرح مفردات المناجاة وبيان مضامينها، وإنما الغرض هو الإشارة الإجمالية لما تنطوي عليه من معارف جديرة بالتأمل.










