مسلمون ظاهراً وواقعاً(2)

لا تعليق
خواطر حوزوية
7
0

مسلمون ظاهراً وواقعاً(2)

 

مناقشة تعريف الإسلام الواقعي:

وعلى أي حال، فقد عرفت أن قوام تعريف الإسلام الواقعي أمران:

الأول: التصديق والإذعان القلبي، فلا يكفي مجرد الإقرار باللسان.

الثاني: الاعتقاد بالأصول الأساسية للإسلام كالإمامة والعدل، فلا يكفي الاعتقاد بالتوحيد والنبوة فقط.

ومع البناء على تعدد حقيقة الإسلام، وأنهما حقيقتان، إسلام ظاهري، وإسلام واقعي، وأن الثاني منهما، أخص من الأول، بني على أنه ليس المقصود من الدين الذي جاء به النبي(ص) من عند الله تعالى، والذي أشير إليه في قوله تعالى:- (إن الدين عند الله الإسلام)، هو الإسلام الظاهري، بل المقصود منه الإسلام الواقعي، وهو الذي يريد الله تعالى من عباده التدين به، وهو الإسلام الذي بشر به النبي(ص)، وبلغه إلى الناس، والذي تكون ركائزه التوحيد والعدل، والنبوة والإمامة، وكل ما يطلب الإيمان والاعتقاد به، لأنها كلها أصول لهذا الدين[1].

كفاية الشهادتين في الاسلام:

أما الأمر الأول، فقد وقع الخلاف بين الأعلام في اعتبار شيء في تحقق الإسلام غير النطق بالشهادتين، كالاعتقاد الباطني، فوجد قولان في المقام:

الأول: البناء على أنه يكتفى في تحقق الإسلام خارجاً مجرد نطق الإنسان بالشهادتين، ولا يعتبر فيه أكثر من ذلك، ولو لم يعلم باعتقاده الباطني، فيكفي في ترتيب جميع الأحكام المتعلقة بالإسلام عليه من حرمة المال والعرض وجواز المناكحة وحلية الذبيحة، إظهار الشهادتين. بل قد تضمنت كلمات جملة من الأعلام ترتيب ذلك عليه حتى مع العلم بنفاقه، وعدم مطابقة تظاهره بالإسلام للواقع[2]. قال بعض الأعاظم(ره): إن المناط في الإسلام وحقن الدماء والتوارث وجواز المناكح، إنما هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وهي التي عليها أكثر الناس، وعليه فلا يعتبر في الإسلام غير الشهادتين، فلا مناص معه عن الحكم بإسلام أهل الخلاف[3]. وقال بعض الأعلام(ره): المعيار الأصيل في الإسلام هو شهادة التوحيد والرسالة[4].

ويظهر من بعض الكلمات، أن هذا هو أدنى ما يتحقق به الإسلام، وإن كان يمكن أن يتحقق بما هو أعلى، ذلك أن اظهار الإسلام يأتي على صور كما ذكر ذلك بعض الأعلام(ره):

الأولى: الاقرار بهما مع عقد القلب عليهما، واليقين بالمعارف الإسلامية وعلم الغير بذلك أيضاً، ولا ريب ولا إشكال في صحة إسلامه.

الثانية: الاقرار بهما وعقد القلب عليهما مع عدم اليقين وعدم علم الغير بذلك أيضاً، ومقتضى العمومات والسيرة الحكم بإسلامه أيضاً، كما عليه سواد الناس، خصوصاً في أوائل الإسلام. ولو اعتبر اليقين مضافاً إلى عقد القلب، لزم منه عدم إسلام جمع من الناس.

الثالثة: مجرد الاقرار اللفظي مع عدم عقد القلب بهما، ومع علم الغير بأنه لا يعتقد بمفاد إقراره، ولكن مع العمل بأحكام الإسلام وقوانينه ظاهراً. ومقتضى سيرة النبي(ص)، وخلفائه المعصومين(ع)، الحكم بإسلامه، وقد أفتى بذلك جمع كثير من الفقهاء.

الرابعة: هو عين الصورة الثالثة، ولكن مع عدم علم الغير بمخالفة إقراره لاعتقاده، ويظهر حكمه من سابقه بالأولى كما لا يخفى[5]. وقريب منه جاء في بعض الكلمات[6].

الثاني: ما أختاره صاحب العروة(ره)، وجماعة، من عدم كفاية الاسلام الصوري في تحقق الإسلام وترتيب آثاره من خلال إظهار الشهادتين فقط.

ولا يظهر من صاحب العروة(ره) أنه يعتبر في تحقق الإسلام شيئاً آخر مضافاً للإقرار بالشهادتين، بل مقصوده(ره)، أن لا يظهر المقر ما يوجب خلاف إقراره، فلا يصدر منه مثلاً الانكار الصريح للتوحيد أو النبوة، أو إنكار ما يكون ثابتاً بالملازمة لنبوة النبي الأكرم محمد(ص)، وما شابه ذلك.

وإن شئت فقل، إن صاحب العروة(ره)، يتوقف في صدق عنوان المسلم على المنافق وهو الذي يعلم منه أنه يبطن خلاف ما يظهر، وهذا لا يعني أنه يعتبر في صدق عنوان المسلم على الفرد خارجاً الاذعان القلبي، وإنما يكتفي منه بمجرد التصديق اللساني.

أدلة القول الأول:

وقد تمسك أصحاب القول الأول لمختارهم بأمور:

الأول: النصوص المستفيضة، بل قيل إنها متواترة، والدالة على كفاية الاقرار بالشهادتين، وأن بالإسلام تحقن الدماء، وتجري المواريث، وقد استعرضنا شيئاً منها حال الحديث عن مبرزات التسليم والانقياد.

الثاني: التمسك بالسيرة القطعية المنعقدة على قبول إسلام المظهر للإسلام، ولو مع العلم بنفاقه، حيث رتب رسول الله(ص) آثار الإسلام على أبي سفيان مع علمه بنفاقه، وعدم دخول الإسلام في قلبه[7]. بل إنه ومع إخبار القرآن الكريم بنفاق بعض المسلمين وعدم دخول الإيمان في قلوبهم، إلا أنه تم التعامل معهم معاملة المسلمين. ولم يختلف حال الأئمة الأطهار(ع) عن حال رسول الله(ص)، فإن المطالع لسيرتهم بدءاً من أمير المؤمنين(ع) وصولاً إلى الإمام العسكري(ع) يجدها قائمة على التعامل معهم معاملة المسلمين، حيث خالطوهم وتزوجوا منهم، وأكلوا ذبائحهم، ولو كانوا كفاراً لعمدوا(ع) إلى اجتنابهم، كما أن بعضاً من أصحاب الأئمة(ع) الملازمين لهم والجالسين معهم، لم يكونوا من المؤمنين بولايتهم، وقد دونت المصادر التاريخية والحديثية أسماء هؤلاء كالسكوني وغيره.

كما يمكن الاستدلال ولو في الجملة، لإثبات كفاية الاسلام بما ذكر، وأنه لا يعتبر فيه أكثر من ذلك، ما نراه خارجاً من عدم التعاطي مع من يقر بالشهادتين فقط معاملة الكافر، بل يتعاطى معه معاطاة المسلم، وترتيب مجموعة من الآثار المعتبر ملاحظتها في المسلم عليه، من حيث اعتبار الطهارة، والعبادة ودخول المسجد، والتوارث، وجواز النكاح، وما شابه ذلك.

أدلة القول الثاني:

ومع أنك قد عرفت أن صاحب العروة(ره)، ومن وافقه لا يصلح قولهم لإثبات ما أخذ معتبراً في تحقق الإسلام الواقعي، إلا أنه لا بأس بالإشارة إجمالاً لما يصلح أن يكون دليلاً لهذا القول، فإنه يمكن الاستدلال له بأمرين:

أحدهما: إن ألفاظ الشهادتين مجرد طريق للكشف عن عقد القلب، ولا تكون حجة مع العلم بمخالفتها له.

ثانيهما: ما تضمنته بعض النصوص من عدّ المنافق فئة ثالثة، فليس كافراً، ولا مؤمناً، ففي خبر محمد بن الفضيل عن أبي جعفر(ع): ليسوا من الكافرين، وليسوا من المؤمنين، وليسوا من المسلمين، يظهرون الإيمان ويصيرون إلى الكفر والتكذيب، لعنهم الله[8].

وقد أجيب عنه في كلمات بعض الأساطين وبعض الأعيان(ره)، بأن هذا النوع من الأدلة لا يكفي لإثبات كفر المنافق، خصوصاً مع ورود الروايات التي استند لها أصحاب القول الأول، والتي تؤكد على إسلامه. كما أن خبر محمد بن الفضيل قد دل على أنه ليس كافراً، نعم قد تضمن نفي مرتبة من مراتب الإسلام عنه[9].

ومن خلال ما تقدم، لم يتضح منشأ ما جاء في المقوم الأول لحقيقة الإسلام الواقعي، فإنه خلاف ما تضمنته كلمات الفقهاء كما سمعت، لعدم وجود ما يشير إلى ذلك في أقوالهم في اعتبار صدق الإسلام خارجاً، مضافاً إلى قيام الدليل على ذلك.

ومن الواضح أنه مع عدم تمامية جزء الموضوع، لن يكون الموضوع عندها ثابتاً، لأن قوامه بملاحظة كلا جزئيه.

اعتبار الاعتقاد بالإمامة والعدل في تحقق الاسلام:

وأما ما تضمنه الأمر الثاني من مقومات الإسلام الواقعي، وأنه لابد وأن يكون معتقداً بالركائز الأساسية للإسلام، والتي هي عبارة عن: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد، وفقدان الاعتقاد بواحد منها موجب لانتفاء عنوان المسلم عنه، وهو ظاهر في عدّ الإمامة أصلاً من أصول الدين، وأن قوام الإسلام بوجودها، فلو فقدها شخص ما، لم يصدق عليه أنه مسلم، بل يكون كافراً.

فإن البناء عليه، فرع كون الإمامة مثلاً من أصول الدين، وأما مع البناء على أنها أصل من أصول المذهب، فلا يتم أخذ هذا القيد أيضاً في حقيقة الإسلام الواقعي.

ومع أن عدّ الإمامة من أصول الدين مسألة خلافية بين الأعلام، وأن الثابت في محله البناء على عدم كونها كذلك، إلا أن ما ينبغي الإشارة إليه في البين، أن مقتضى أخذ قيدية الإمامة مثلاً في صدق عنوان الإسلام الواقعي يستدعي البناء على كفر كل من لا يكون ممتلكاً إياها، وهذا هو المستفاد من كلمات الأعلام، حيث أن المراجع لكلماتهم يقف على أنهم قد حكموا بكفر غير الشيعي الإمامي من الفرق الإسلامية الأخرى، وإنما حكموا بإسلامه إسلام دنيا، وليس إسلام آخرة، ما يعني أنه لا نجاة له يوم القيامة.

والمقصود من غير الشيعي، كل من يكون من الطوائف الإسلامية غير الشيعة بمعناه الأعم، وهم الذين لا يعتقدون بخلافة أمير المؤمنين(ع) وأولاده المعصومين(ع) بعد رسول الله(ص) بالنص عليهم من قبل الله تعالى، والنصب إليهم من رسول الله(ص)، بل يعتقدون أن أمير المؤمنين(ع)، هو رابع أربعة. وهم على قسمين:

الأول: المسلم الناصب، وهو الكاره لأهل بيت العصمة والطهارة(ع)، والناصب العداوة والبغضاء لهم(ع).

الثاني: المسلم المخالف في إمامة أمير المؤمنين(ع)، وخلافته، وإمامة الأئمة(ع) من بعده، وهو قد يكون محباً، كما قد يكون محايداً.

ولا ريب في البناء على كفر الناصبي لتمامية الدليل على ذلك، وإنما البحث في ثبوت ذلك لغيره ممن لا يعتقد بإمامة أمير المؤمنين(ع)، وأولاده المعصومين(ع)، إذ جعلوا أمير المؤمنين(ع) رابع أربعة، وقدموا عليه غيره، ولا يؤمنون بخلافته بعد رسول الله(ص).

وإنما الكلام في حكم القسم الثاني من المسلمين، والذي يمكن تصنيفهم لفئتين أساسيتين: المستضعفون، وغير المستضعفين.

ويمكن تقسيم الفئة الثانية منهما بلحاظ وصول الحجة وعدمه، إلى: من وصلتهم الحجة، ومن هم في معرض وصولها، كما أن من وصلتهم الحجة، ينوعون إلى من زالت عنهم الشبهات جميعها، ومن بقي لديه شيء منها مع قيام الحجة عليه، وهو نوعان، من لا مجال لارتفاع الشبهة عنه حتى لو عمد إلى الفحص، ومن لو قام بالفحص ارتفعت الشبهة عنه.

ولا يخفى أن ما ذكرناه من تقسيم الناس إلى قسمين، موالين لأهل البيت(ع)، وعادة ما يقصدون بهم خصوص الشيعة الإمامية، دون بقية الفرق الشيعية التي تقدم أمير المؤمنين(ع)، على غيره، إلا أنها لا تؤمن بإمامة الأئمة الاطهار(ع)، من ولده جميعاً كالفطحية لو كان لها وجود والواقفة مثلاً، ومخالفين لهم، وتقسيم المخالفين لهم إلى نواصب وغير نواصب، ويعبرون عن غير النواصب بالعوام، ويدرجون فيهم بقية الفرق الشيعية غير الإمامية عادة، هو الوارد في ألسنة الأعلام.

تصنيف الناس وفق الروايات:

ومع أن التصنيف الوارد في كلماتهم، قد بني على العلاقة الموجودة لهم بأهل البيت(ع)، وبالتحديد بأمير المؤمنين(ع)، إلا أن الوارد في النصوص الشريفة تصنيف آخر يغاير الموجود في كلماتهم، حيث تضمنت تصنيفهم إلى أصناف ثلاثة:

الصنف الأول: وهم الذين يرتبطون بهم ويوالونهم، من خلال الاعتقاد بإمامة أمير المؤمنين(ع)، وأبنائه الأئمة المعصومين(ع)، وتقديم أمير المؤمنين(ع) على غيره، لأنه منصوص عليه، ومنصوب من قبل الله تعالى على لسان نبيه الكريم محمد(ص)، ويعبر عنهم في النصوص بالشيعة، أو بشيعتهم.

الثاني: وهم الذين يعادون أهل بيت العصمة والطهارة، ويبغضونهم، ويعاندون منهجهم، ولا يرضون بهم، الجاحدون لولايتهم، ولحقهم، والرافضين لإمامتهم(ع)، وقد عبرت عنهم النصوص بهذا التعبير، وهو الجاحد، أو الجاحدون.

الثالث: وهم الذين لا يعيشون حالة الموالاة لأهل بيت العصمة والطهارة، إلا أنهم لا يبغضونهم، ولا يعتقدون بإمامتهم، لسبب من الأسباب، كعدم الإحاطة بالدليل على ذلك، أو بسبب الاطمئنان لعالم يثقون به، أو ما شابه. وهذه الصنف يحب أهل بيت العصمة والطهارة(ع)، ولا يبغضهم. وقد عبرت عنهم النصوص بالضالين، وأشارت إلى أنهم مرجون لرحمة الله تعالى، ورحمته تعالى قد سبقت غضبه.

فمن النصوص المشيرة، خبر أبي حمزة الثمالي، أنه قال: سمعت أبا جعفر الباقر(ع) يقول: إن علياً(ع) باب فتحه الله، فمن دخله كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً، ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال الله تبارك وتعالى: لي فيهم المشيئة[10]. وقد اشتمل سنده معلى بن محمد البصري، وهو لم يوثق توثيقاً خاصاً، نعم وقع في أسناد كامل الزيارات. وقد تضمن النص تصنيف الناس إلى فئات ثلاث بلحاظ رابطتهم بأمير المؤمنين(ع)، فجعل الفئة الأولى، شيعته وأتباعه ومحبوه، بينما كانت الفئة الثانية هي المعادية له والموالية لأعدائه، المبغضين إليه، والمناوئين إياه، والمحاربين له، ولأبنائه الطاهرين(ع)، وأما الفئة الثالثة، فإنهم وإن لم يتخذوه إماماً، إلا أنهم لا يتبرأون منه، لأنهم يحبونه، ويعرفون له شيئاً من الفضل والمقام من سابقة في الهجرة، وجهاد في سبيل الله بين يدي رسول الله، وأنه أحد الصحابة، بل يعدونه واحداً من العشرة المبشرين بالجنة، وهو في نظرهم رابع الخلفاء الراشدين، كل ذلك لجهلهم بحقه وعدم معرفتهم بمقامه الحقيقي والواقعي، ولو أنهم وقفوا على ما له من فضل ومقام، ما كانوا ليفرطوا فيه. وذلك لأسباب، فقد يكون منشأ ذلك عدم وصول الحجة إليهم، وقد يكون لثقة منهم بأحد العلماء الذي زين لهم هذا الطريق، وغير ذلك.

وقد تضمن خبر الفضيل بن يسار توضيحاً للصنف الثاني من الناس، لأنه قد عرض أصنافاً ستة، فقد روى عن أبي جعفر الباقر(ع) أنه قال: إن الله عز وجل نصب علياً(ع) علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالاً، ومن نصب معه شيئاً كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل الجنة[11]. ومن الواضح أن الذي يدخل الجنة بولايته هم الصنف الأول في الخبر، وهم الذين آمنوا بولايته، وأقروا بخلافته وإمامته بعد رسول الله(ص) للنص والنصب الإلهي. بينما يندرج في الصنف الثاني من الناس، كل من: المنكرين لإمامته وخلافته، والناصبين معه شيئاً، وهم الغلاة. ويبقى الجاهلون به، وهم الضالون، وهم الصنف الثالث الذي تمت الإشارة إليه فيما تقدم.

ويندرج في الصنف الثاني أيضاً كل من قدم عليه أحداً وأخره(ع) ظلماً وعدواناً، وكذا كل من ظلمه(بأبي هو أمي).

ومن الملاحظ أن النصين لم يسما الصنف الثالث من الناس بوصف الكفر، كما وصف الصنف الثاني، وهذا يعني بقاء صفة الإسلام عليهم، وأنه مسلمون، وليسوا بكفار. وقد خلا الخبر الثاني من الإشارة إلى مصيرهم في الآخرة، بينما جعلهم الخبر الأول من الراجين لأمر الله تعالى الآملين رحمته وعفوه ورضوانه، وهو الذي سبقت رحمته غضبه.

بل يمكن البناء على وصف بعض أصحاب الصنف الثالث بالإيمان بملاحظة ما جاء في صدر خبر الفضيل بن يسار، والذي جعل معيار الإيمان وجود المعرفة بمقامات أمير المؤمنين(ع)، وفضائله، والمعرفة عنوان كلي طبيعي يتحقق بأول مراتبه، بل بادناها، فيكون من عرف شيئاً من فضائل أمير المؤمنين(ع)، وأحاط ببعض مقاماته، وإن لم يكن معتقداً أنه الخليفة الأول من المؤمنين أيضاً، بمقتضى النص، وهذا يعطيه نجاة في عالم الآخرة على طبق القاعدة ما لم يكن هناك شرط آخر معتبر.

وجاء في خبر ابن الطيار المروي في تفسير العياشي، قال: قال أبو عبد الله(ع): الناس على ست فرق يؤتون إلى ثلاث فرق: الإيمان والكفر والضلال، وهم أهل الوعد من الذين وعد الله الجنة والنار، وهم المؤمنون والكافرون والمستضعفون والمرجون لأمر الله، إما يعذبهم، وإما يتوب عليهم، والمعترفون بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وأهل الأعراف[12].

وما رواه الصباح بن سيابة، عن أبي عبد الله(ع)، قال: إن الرجل ليحبكم وما يدري ما تقولون، فيدخله الله الجنة، وإن الرجل ليبغضكم وما يدري ما تقولون، فيدخله الله النار[13]. وهو صريح في التقسيم الثلاثي وتصنيف الناس إلى ثلاثة أصناف.

ولا ينافي ما تقدم من تصنيف للناس ما تضمنته بعض النصوص من عدّ الناس ستة أصناف، ففي خبر الحلبي، عن أبي عبد الله(ع) قال: الناس على ست فرق: مستضعف، ومؤلف، ومرجىء، ومعترف بذنبه، وناصب، ومؤمن[14]. لما عرفت فيما تقدم، أن ما تضمنه الخبر ليس تصنيفاً، وإنما هو إيضاح وبيان للأصناف والفئات الثلاث، فيندرج المستضعف، والمرجئ، والمؤلف، وحتى المعترف بذنبه في الفئة الثالثة، كما لا يخفى. وقد اشتمل سند الخبر على سهل بن زياد، وقد عرفت حاله في محله.

انطباق عنوان المستضعف على الصنف الثالث:

وربما استند لوجود الصنف الثالث من الناس الذي أشير إليه في النصوص السابقة، بالنصوص التي تضمنت الحديث عن المستضعف، مثل: معتبر زرارة، عن أبي جعفر(ع)، في قول الله عز وجل:- (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين، ثم إنهم دخلوا في الإسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار، فهم على تلك الحال، إما يعذبهم، وإما يتوب عليهم[15]. على أساس أن(المرجون لأمر الله)، لا يختص بما كانوا في عصر الرسالة، بل يشمل من توفرت فيهم الصفة الأساس، وهم أنهم دخلوا في الإسلام، فوحدوا، إلا أنهم لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم.

وكذا جاء ذلك أيضاً في خبر موسى بن بكر الواسطي، عن رجل، قال: قال أبو جعفر(ع): المرجون قوم كانوا مشركين فقتلوا حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين، ثم إنهم بعد ذلك دخلوا في الإسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك ولم يكونوا يؤمنون فيكونوا من المؤمنين ولم يؤمنوا فتجب لهم الجنة، ولم يفكروا فتجب لهم النار، فهم على تلك الحال مرجون لأمر الله[16].

وكذا النصوص التي تضمنت توسعة مفهوم المستضعف ليشمل الصنف الثالث، فيأخذ حكمه، على أساس أن المستفاد منها أن عنوان المستضعف كل من لم يكن ناصبياً، معادياً لمحمد وآله(ع)، جاحداً لفضل أمير المؤمنين(ع) وحقه. وهو ما بنى عليه الشهيد الثاني(ره)، فقد ذكر عند تعليقه على نص يتضمن موضوع المستضعف: والمراد بالمستضعف هنا مستضعف المخالفين، كما دلت عليه الرواية، وهو من لا يعاند الحق منهم[17].

فعن عبد الغفار الجازي، عن أبي عبد الله(ع) قال: إن المستضعفين ضروب يخالف بعضهم بعضاً، ومن لم يكن من أهل القبلة ناصباً فهو مستضعف[18].

ومثل ذلك ما رواه أبو خديجة، عن أبي عبد الله(ع) في قوله عز وجل:- (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً)، فقال: لا يستطيعون حيلة إلى النصب فينصبون، ولا يهتدون سبيل أهل الحق فيدخلون فيه، وهؤلاء يدخلون الجنة بأعمال حسنة، وباجتناب المحارم التي نهى الله عز وجل عنها، ولا ينالون منازل الأبرار[19].

وعن سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن قول الله عز وجل:- (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان)، الآية، قال: يا سليمان في هؤلاء المستضعفين من هو أثخن رقبة منك، المستضعفون قوم يصومون، ويصلون تعف بطونهم وفروجهم لا يرون أن الحق في غيرها، آخذين بأغصان الشجرة(فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم) إذ كانوا آخذين بالأغصان وإن لم يعرفوا أولئك، فإن عفى عنهم فبرحمته وإن عذبهم فبضلالتهم عما عرفهم[20].

وما وراه عمرو بن أبان، قال: سألت أبا عبد الله الصادق(ع) عن المستضعفين؟ فقال: هم أهل الولاية، فقلت: أي ولاية؟ فقال: أما أنها ليست بالولاية في الدين، ولكنها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين، ولا الكفار، منهم المرجون لأمر الله عز وجل[21].

ومن الواضح أن مفاد هذا المضمون من النصوص اندراج المستضعف تحت عنوان الجاهل القاصر، كما يساعد على ذلك بعض النصوص المتقدمة.

ويمنع من الاستناد إليها، معارضتها بنصوص أخرى تضمنت تضيـيق هذا المفهوم، بحيث لا يكون بهذه السعة، وتحقيق الحق في المقام، وعلاج المعارضة المتصورة، بعد الإحاطة بما يكون مورد الاعتماد والقبول من طائفتي النصوص، خارج عن حريم البحث.

وممن أشار إلى ضيق مفهوم المستضعف العلامة المجلسي(ره)، فقد عرفه(ره)، بقوله: أن المستضعف المعذور في معرفة الإمام في زمان الهدنة في الجملة، إنما هو إذا لم تبلغه الحجة، واختلاف الناس فيه، أو بلغه ولم يكن له عقل يميز به بين الحق والباطل[22].

والظاهر أن من القائلين بذلك أيضاً بعض الأساتذة(دامت أيام بركاته)، فقد عرف المستضعف بقوله: ذلك الشخص الذي يعاني من ضعف فكري أو بدني أو اقتصادي، يمنع من التعرف على الحق والباطل، أو أنه ذلك الذي يستطيع التعرف على العقيدة الصادقة الحقة، إلا أنه ولمعاناته من عجز جسماني، أو مالي أو قيود يفرضها عليه المحيط الذي يعيش فيه، يعجز عن أداء واجباته التي كُلف بها بصورة كاملة، كما يعجز عن القيام بالهجرة[23].

 ……………………………………………….

 

 

 

[1] مجلة المنهاج العدد 46 ضروريات الدين والمذهب دراسة قس المنطلقات لظاهرة التكفير القسم الأول ص 211.

[2] مصباح الفقيه ج 7 ص 266، مستمسك العروة ج 2 ص 123، موسوعة الإمام الخوئي ج ص

[3] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 3 ص 78.

[4] نتائج الأفكار في نجاسة الكفار للسيد الكلبيكاني(ره) ص 242.

[5] مهذب الأحكام ج 2 ص 109-110.

[6] مدرك العروة ج 6 ص 285.

[7] موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 3 ص 243، وكذا يلاحظ مصباح الفقيه ج 7 ص 266.

[8] مستمسك العروة ج 2 ص 123-124.

[9] مستمسك العروة ج 2 ص 124، مهذب الأحكام ج 2 ص 110.

[10] أصول الكافي ج 1 باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية ح 8 ص 437.

[11] المصدر السابق ح 7 ص 437.

[12] المصدر السابق ح 30 ص 165-166.

[13] المصدر السابق ح 7 ص 159.

[14] بحار الأنوار ج 69 باب المستضعفين والمرجون لأمر الله ح 4 ص 158.

[15] أصول الكافي ج 2 باب المرجون لأمر الله ح 1 ص 407.

[16] المصدر السابق ح 2.

[17] مسالك الأفهام ج 1 ص 421.

[18] المصدر السابق ح 8 ص 159.

[19] المصدر السابق ح 10 ص 160.

[20] المصدر السابق ح 14 ص 161.

[21] أصول الكافي ج 2 ح 5 ص 405.

[22] بحار الأنوار ج 66 ص 232.

[23] الأمثل في تفسير القرآن المنزل ج 3 ص 246.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة