مسلمون ظاهراً وواقعاً(1)

لا تعليق
خواطر حوزوية
4
0

مسلمون ظاهراً وواقعاً(1)

 

لا خلاف بين المسلمين في أن الإسلام هو الديانة التي جاء بها الرسول الأكرم محمد(ص)، وهو خاتمة الشرائع السماوية، خصوصاً وأن جميع الشرائع السماوية تشترك في الدين، وهو الإسلام وإن كانت تختلف في الشرائع.

وقد اتفقت كلمات اللغويـين على تفسير الإسلام بأنه الانقياد والاستسلام. ففي كتاب العين: الإسلام، الاستسلام لأمر الله تعالى، وهو الانقياد لطاعته والقبول لأمره[1]. وجاء في معجم مقايـيس اللغة: الإسلام، وهو الانقياد[2]. وفي تاج العروس: أسلم الرجل، انقاد، وبه فسر الحديث: ولكن الله أعانني عليه، فأسلم، فأسلم أي انقاد وكف عن وسوستي[3]. وجاء في لسان العرب: الاسلام والاستسلام: الانقياد، وكذلك ورد فيه معنى آخر هو الاخلاص لله في العبادة، ففيه:….إن أبا بكر محمد بن بشار، قال: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان: أحدهما المستسلم لأمر الله، والثاني المخلص له في العبادة، من قولهم: سلّم الشيء لفلان، أي خلصه، وسلِم له الشيء أو خلَص له[4].

نعم خالف صاحب المفردات فجعل ما تضمنته كلمات أهل اللغة من تفسير للإسلام بالانقياد معناه الشرعي وفسره لغة بأنه: الدخول في السلم، وهو أن يسلِم كل واحد منهما أن يناله من ألم صاحبه[5]. ومن الواضح أن هذا التفسير لحقيقة الإسلام أخص من المدعى ذلك أنه ينحصر في خصوص علاقة الإنسان بأخيه الإنسان عندما يَسلَمُ أحدهما من الآخر ويأمن منه، ولا يشمل علاقة الإنسان مع ربه، والتي أشير إليها في قوله تعالى على لسان خليل الرحمن إبراهيم(ع):- (قال أسلمت لرب العالمين)[6].

ووفقاً لما بنى عليه، فسر مفردة الإسلام التي وردت في العديد من الآيات الشريفة بالانقياد، على أساس أن هذا هو معنى الإسلام الاصطلاحي الشرعي.

ولم يتضح منشأ عدوله عما عليه علماء اللغة الذين قد عرفت كلماتهم، وتفسيرهم لحقيقة الإسلام، خصوصاً وأنه لم يشر لمستنده فيما بنى عليه، ويبقى احتمال وجود دليل لديه لم نعثر عليه وارداً، لكنه ضعيف، فتأمل.

والظاهر عدم اختلاف معناه الاصطلاحي عن ذلك، فإن المراجع للآيات القرآنية التي تحدثت عن الإسلام وهو الدين الذي يشترك فيه جميع الأنبياء(ع)، والذي جاءت به كل الرسالات يجدها تشير لمعنى الانقياد لله تعالى والتسليم بما جاء من عنده على يد رسله وأنبيائه(ع)، ويمكن تصنيف الآيات الشريفة بحسب التراتب الزمني للأنبياء(ع)، فقد عرف القرآن الكريم المسلم في عصر نبي الله نوح(ع)، بالمنقاد، قال تعالى:- (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليّ ولا تُنظرون* فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين)[7]، فإن المقصود من الإسلام الوارد ذكره في نهاية الآية الثانية هو الانقياد كما هو واضح.

وقد أطلق القرآن الكريم مفهوم المسلم على خليل الرحمن إبراهيم(ع)، وبنيه وأحفاده، في قوله تعالى:- (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين* إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين* ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يبنى إن الله اصطفى لكن الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)[8]. وقد دعى نبي الله إبراهيم(ع) ربه أن يجعله وولده إسماعيل مسلمين، وأن تكون ذريتهما أمة مسلمة، قال سبحانه:- (ربنا وأجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك وأرنا مناسكنا)[9].

وأطلق ذات المفهوم أعني المسلمين على نبي الله لوط(ع)، وأهل بيته، قال تعالى:- (فما خطبكم أيها المرسلون* قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين* لنرسل عليهم حجارة من طين* مسومةً عند ربك للمسرفين* فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين* فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)[10].

وقد أطلق لفظ المسلمين على قوم سبأ في قصتهم مع نبي الله سليمان(ع)، في خطابه مع الهدهد، قال تعالى:- (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون* قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم* إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم* ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين)[11].

وقد وصف السحرة في عصر موسى(ع) أنفسهم بالمسلمين بعدما بان لهم أن ما أبرزه نبي الله موسى(ع)، معجزة وليس سحراً، قال تعالى على لسانهم:- (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لمّا  جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين)[12].

وكذلك وصف الحواريون أنفسهم بالمسلمين حال حديثهم مع المسيح عيسى(ع)، قال تعالى:- (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون)[13].

وقد تعددت الآيات التي تضمنت التوصيف بالإسلام والمسلمين في عصر النبي الأكرم محمد(ص)، وأن المقصود منه هو الانقياد، فمن تلك الآيات قوله تعالى:- (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)[14]. وقد عد الباري سبحانه وتعالى واحدة من صفات المؤمنين اتصافهم بصفة الإسلام الذي هو بمعنى الانقياد والتسليم، قال سبحانه:- (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم في أنفسهم لا يجدوا حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)[15]. كما أنه سبحانه وتعالى جعل واحدة من مقومات المتقين صفة الإسلام لديهم، قال عز وجل:- (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين)[16].

وقد أشار القرآن الكريم إلى أدنى مراتب الإسلام عندما وصف الأعراب بذلك، حيث قال تعالى:- (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم)[17]. وقد ورد التوصيف بهذه الصفة في مقام احتجاج النبي الأكرم(ص) على أهل الكتاب، قال تعالى:- (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهد بأنا مسلمون)[18]. وقال تعالى في آية أخرى:- (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين)[19]. وغير ذلك من الآيات التي يقف عليها كل من يتابع الآيات الكريمة وحديثها عن النبي الأكرم محمد(ص)، وأمته وقومه، وما كان يجري بينه وبين معاصريه.

وبالجملة، إن المتأمل في الآيات القرآنية الشريفة يقف على أن المقصود من مفردة الإسلام ومشتقاتها الواردة فيها، هو عين ما قدمنا ذكره من المعنى اللغوي، وليس للشارع المقدس حقيقة أخرى مغايرة لما هو الموجود في كلمات أهل اللغة، وذلك لأن الشارع المقدس قد سار في جميع محاوراته وبياناته على ما جرت عليه سيرة العقلاء، ولم يتخذ طريقاً آخر مغايراً لما هم عليه. نعم في كل مورد غايرهم، فإنه يشير لذلك، وهذا يعني أنه في كل مورد لم يصدر منه ما يشير للمغايرة، يكون سائراً على ذات المنهج، ويكون المقصود من المفهوم هو ذات ما هو المعروف والمألوف عندهم وبينهم، وما يستعملونه.

وعليه، سوف يكون المقصود من الإسلام في الآيات الشريفة ما سمعت لعدم وجود بيان لحقيقة الإسلام في لسان الشارع المقدس، فيكون المرجع في تحديد المقصود منه العرف، لأن الشارع المقدس سار في بيان مراداته على ما عليه العقلاء، فكل ما لم يعمد لبيانه من المفاهيم الواردة في لسانه، يكون المقصود منه ما يكون معروفاً ومألوفاً عندهم وبينهم في مقام الاستعمال.

مبرزات الانقياد والتسليم:

وقد أشارت النصوص الشريفة إلى الكاشف عن تحقق الاستسلام والانقياد على أي حال، والذي على أثره ينتمي المقرّ به لشريعة المصطفى محمد(ص) بإظهار الشهادتين، ويظهر هذا من نصوص عديدة، بل هي صريحة في أنه لا يعتبر في صدق الإسلام خارجاً وتحققه أكثر من نطق الشهادتين:

منها: معتبرة سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله(ع): أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال: إن الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت: فصفهما لي. فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله(ص)، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس[20].

ومنها: موثقة حمران بن أعَيَن عن أبي جعفر(ع)، قال: سمعته يقول: الإيمان ما استقر في القلب وأفضى به إلى الله عز وجل، وصدقه العمل بالطاعة لله والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج، فخرجوا بذلك من الكفر وأضيفوا إلى الإيمان[21].

ومنها: صحيح الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: إن الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إن الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث، وحقن الدماء والإيمان يشرك الإسلام، والإسلام لا يشرك الإيمان[22].

ومنها: ما رواه هاشم صاحب البريد، قال: كنت أنا ومحمد ابن مسلم وأبو الخطاب مجتمعين، فقال لنا أبو الخطاب: ما تقولون فيمن لم يعرف هذا الأمر؟ فقلت: من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر، فقال أبو الخطاب: ليس بكافر حتى تقوم عليه الحجة فإذا قامت عليه الحجة فلم يعرف فهو كافر، فقال له محمد بن مسلم: سبحان الله ما له إذا لم يعرف ولم يجحد يكفر! ليس بكافر إذا لم يجحد. قال: فلما حججت دخلت على أبي عبد الله فأخبرته بذلك فقال: إنك قد حضرت وغابا، ولكن موعدكم الليلة الجمرة الوسطى بمنى، فلما كانت الليلة اجتمعنا عنده وأبو الخطاب، ومحمد بن مسلم فتناول وسادة فوضعها في صدره، ثم قال لنا: ما تقولون في خدمكم ونسائكم وأهليكم أليس يشهدون ألا إله إلا الله؟ قلت: بلى، قال: أليس يشهدون أن محمداً رسول الله(ص)؟ قلت: بلى، قال: أليس يصلون ويصومون ويحجون، قلت: بلى، قال: فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت: لا، قال: فما هم عندكم؟ قلت: من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر، قال: سبحان الله أما رأيت أهل الطريق وأهل المياه؟ قلت: بلى، قال: أليس يصلون ويصومون ويحجون أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قلت: بلى، قال: فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت: لا. قال: فما هم عندكم؟ قلت: من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر! قال: سبحان الله أما رأيت الكعبة والطواف وأهل اليمن وتعلقهم بأستار الكعبة؟ قلت: بلى، قال: أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله(ص)، ويصلون ويصومون، ويحجون؟ قلت: بلى، قال: فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت: لا، قال: فما تقولون فيهم؟ قلت: من لم يعرف فهو كافر، قال: سبحان الله هذا قول الخوارج[23]. وهو واضح الدلالة على كفاية صدور الشهادتين لتحقق الاسلام عند الإنسان وترتيب آثار ذلك عليه، ويظهر هذا من خلال رفضه(ع) لتكفير من لم يعرف مذهب أهل البيت(ع)، وإصراره على ثبوت الإسلام له من خلال تعداد مصاديق متعددة، وقد ختم(ع) كلامه بأن منهج تكفير من يقول بالشهادتين، وعدم ترتيب آثار الإسلام عليه هو مذهب الخوارج.

ومنها: ما رواه محمد بن سالم-في حديث- عن أبي جعفر(ع) أنه قال: ثم بعث الله محمداً(ص) وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً(ص) رسول الله إلا أدخله الله الجنة بإقراره، وهو إيمان التصديق، ولم يعذب الله أحداً ممن مات وهو متبع لمحمد(ص) على ذلك إلا من أشرك بالرحمن[24].

ومنها: ما رواه جميل بن دراج، قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن الإيمان، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله[25].

وبالجملة، إن المستفاد من النصوص المتقدمة وغيرها أن معيار الإسلام يكشف عنه نطق الشخص بالشهادتين، ومتى نطق بهما انطبق عليه أنه مسلم، وهذا كما عرفت ليست حقيقة شرعية لمفهوم الإسلام حتى يعرّف بأن الإسلام عبارة عن نطق الشهادتين، وإنما هو إبراز للتسليم والانقياد والتسليم الذي تحدث عنه القرآن الكريم، وجعله معيار كون الإنسان مسلماً، وهو عين ما تضمنته كتب اللغة كما سمعت.

وقد رتب الإمام(ع) آثار الإسلام على صدور الشهادتين الكاشف عن حصول الانقياد والتسليم من الشخص على الاتيان بهما.

تعدد مراتب الإسلام:

ولما كان مفهوم الانقياد من المفاهيم المشككة، لتفاوت المنقادين، وعدم كونهم جميعاً في مستوى واحد، ويكون منشأ الاختلاف بينهم لأسباب متعددة، فإن ذلك يستدعي أن يكون الإسلام ذا مراتب متعددة، ولا يكون مرتبة واحدة، فيكون له مرتبة عليا، كما تكون له مرتبة دنيا، وبينهما مرتبة أو مراتب أيضاً.

والظاهر أن أدنى مراتب الإسلام هي النطق بالشهادتين ولو صورياً، وهذا يظهر من خلال قبوله سبحانه وتعالى إطلاق مفردة الإسلام على الأعراب الذين أظهروا الإيمان، ولم يحرز توفرهم على ذلك واقعاً، قال تعالى:- (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم)[26]، وأعلى مراتبه ما أشير إليه في قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم* تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)[27]، لأن المفروض أن الإيمان الذي وصف به المؤمنون في مطلع الآية الأولى يغاير ما سوف يتصفون به والذي دعاهم إليه في الآية الثانية ،وهذا يعني وجود مغايرة بين الإيمانين في الآيتين، فيكون الإيمان في الآية الثانية أعلى رتبة ودرجة من الإيمان في الآية الأولى. وأوضح من ذلك، بل قد يشير لمرتبة أعلى من هذه المرتبة للإسلام قوله تعالى على لسان الخليل إبراهيم، وابنه النبي إسماعيل(ع):- (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةّ مسلمةّ لك وأرنا مناسكنا)[28]، لأن الظاهر أن السؤال كان من خليل الرحمن إبراهيم(ع) في أواخر عمره، بعد النبوة والرسالة، والإمامة أيضاً، وبعد المرور بمجموعة من الابتلاءات والتمحيصات، ما يجعل السؤال ليس عن مرتبة عادية من الإسلام، وإنما هو سؤال عن أعلى مراتب الانقياد والتسليم. ولهذا ألتـزم بعض أعلام التفسير(قده)، بأن المقصود من الاسلام الذي طلبه الخليل(ع) ليس مطلق الانقياد، بل خصوص الانقياد الصرف لما يريده المولى، أو يحبه ويرتضيه لتأخذه العناية الربانية، فشهد له أن الملك لله وحده، لا يملك شيء سواه لنفسه شيئاً إلا به، فلا رب سواه، وهذا معنى وهبي وإفاضته إلهية لا تأثير لإرادة الإنسان فيه[29].

ويمكن البناء على أن ما بين المرتبتين اللتين ذكرتا للإسلام، المرتبة التي يشير إليها قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة)[30]، لعدم توهم أن يكون المقصود من الإسلام فيها ما طلبه الخليل إبراهيم(ع)، وليس هو إسلام الأعراب. وقد يجعل من ذات المرتبة، أو أعلى منها بقليل قوله تعالى:- (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)[31]، لأن المقصود في الآية هو انقياد قلب المسلم، ما يوجب خضوع سائر القوى الباطنية، سواء كانت القوة الشهوية، أم القوة السبعية الغضبية، وسيطرته على ما يحاول الإمالة إلى زخارف الدنيا، فلا يبقى شيء من قوى الإنسان المسلم لا ينقاد لله سبحانه وتعالى.

تقسيم الإسلام إلى ظاهري وواقعي:

ووفقاً للنتيجة التي اتضحت من خلال التأمل في الآيات الشريفة في تحديد المقصود من مفردة الإسلام الواردة فيها، وملاحظة النصوص التي كشفت عن حقيقة الإسلام، وأنه يتحقق بمجرد الاقرار بالشهادتين دون اعتبار شيء آخر وراء ذلك، لن يتم الالتـزام بوجود معنيـين للإسلام، معنى ظاهري، ومعنى واقعي، كما جاء ذلك في كلمات غير واحد من الأعلام، فيقال في تعريف الإسلام الظاهري بأنه: الاقرار بالشهادتين فقط، وإن لم يقترن بالتصديق والإذعان القلبي.

ويكفي في تحققه مجرد الإقرار بالشهادتين لساناً، وإن لم يتحقق منه الاذعان والتصديق القلبي. كما يعتبر في انطباق عنوان المسلم عليه أيضاً الاستمرار على ما أقر به، وعدم صدور ما ينفي ذلك، وما يعدّ بمثابة الإنكار للشهادتين، وإلا كان خارجاً عن الإسلام[32].

وأما الإسلام الواقعي فيعرف بأنه: وهو التصديق والإيمان القلبي بالأصول الأساسية للإسلام بما فيها الإمامة والولاية مع إظهار ذلك.

ومن الواضح أن ما عدوه إسلاماً ظاهرياً هو ما قدمنا ذكره في بيان حقيقة الاسلام وفق المستفاد من كلمات اللغويـين، وظواهر الآيات القرآنية والنصوص المعصومية.

وقد اعتبروا في الإسلام الواقعي مضافاً إلى الاقرار بالشهادتين أمران:

1-التصديق والإذعان القلبي، فلا يكفي مجرد الإقرار باللسان.

2-الاعتقاد بالأصول الأساسية للإسلام كالإمامة والعدل فلا يكفي الاعتقاد بالتوحيد والنبوة فقط.

وإن شئت فقل، وفقاً لما تقدم، سوف يكون للإسلام تعريفان، تعريفاً فقهياً، وهو التعريف الذي يكتفي بصدور الشهادتين من المسلم، وتترتب عليه جميع الآثار الفقهية التي سمعت، وتعريفاً كلامياً، وهو الذي يكون سبباً للنجاة يوم القيامة. والنسبة بينهما هي العموم المطلق.

ولا مجال للبناء على عدم الفرق بين ما ذكرناه من وجود حقيقة واحدة للإسلام ذات مراتب مشككة، وما تضمنته كلمات الأعلام، من وجود حقيقتين له، حقيقة إسلام الدنيا، وهي الظاهرية، وحقيقة اسلام الآخرة، وهي الواقعية. لأن الاختلاف من حيث النتيجة، ذلك أن منشأ ما تضمنته كلماتهم ملاحظة عالم الآخرة، ولهذا حكموا بعدم نجاة أصحاب الإسلام الظاهري، وحصر النجاة في خصوص أصحاب الإسلام الواقعي، على أساس فقدان أصحاب الإسلام الظاهري لمقوم النجاة وهو الإسلام واقعاً، حيث يعاملون معاملة الكفار واقعاً.

ومن الواضح أنه حال القبول بوجود معنيـين للإسلام أحدهما ظاهري، والآخر واقعي، فإنه يستدعي البناء على عدّ سائر المسلمين ظاهراً كفاراً واقعاً.

………………………………………………….

 

 

[1] كتاب العين ج 7 ص 266.

[2] معجم مقاييس اللغة ج 3 ص 90.

[3] تاج العروس ج 8 ص 340.

[4] لسان العرب ج 12 ص 292.

[5] مفردات ألألفاظ القرآن ص 240.

[6] سورة البقرة الآية رقم 131.

[7] سورة يونس الآيتان رقم 71-72.

[8] سورة البقرة الآيات رقم 130-132.

[9] سورة البقرة الآية رقم 128.

[10] سورة الذاريات الآيات رقم 31-36.

[11] سورة النمل الآيات رقم 28-31.

[12] سورة الأعراف الآية رقم 126.

[13] سورة آل عمران الآية رقم 52.

[14] سورة آل عمران الآية رقم 85.

[15] سورة النساء الآية رقم 65.

[16] سورة الزخرف الآية رقم 69.

[17] سورة الحجرات الآية رقم 14.

[18] سورة آل عمران الآية رقم 64.

[19] سورة آل عمران الآية رقم 67.

[20] الكافي ج 2 ص 25.

[21] المصدر السابق ص 26.

[22] المصدر السابق.

[23] الكافي ج 2 ص 401.

[24] الكافي ج 2 ص 29.

[25] الكافي ج 2 ص 38.

[26] سورة الحجرات الآية رقم 14.

[27] سورة الصف الآيتان رقم 10-11.

[28] سورة البقرة الآية رقم 128.

[29] الميزان في تفسير القرآن ج 1 ص 302.

[30] سورة البقرة الآية رقم 208.2

[31] سورة النساء الآية رقم 65.

[32] أشير في كلمات الأعلام أن ما يوجب الخروج عن الإسلام بعد الاقرار أمور:

منها: الإنكار الصريح لأحد الأصلين أعني التوحيد والنبوة، أو لكليهما.

ومنها: الإنكار الثابت بالملازمة لذلك، كما إذا أنكر ما يعلم أنه من الدين وأن النبي محمد(ص) قد جاء به.

ومنها: الإنكار الفعلي كسب الله سبحانه وتعالى، أو سب النبي(ص)، وكذا إلقاء المصحف في القاذورات ونحو ذلك مما يعدّ استخفافاً واستهانة بالأصلين.

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة