12 أغسطس,2020

آداب زيارة المريض (3)

اطبع المقالة اطبع المقالة

تأخير شرب الدواء:

ومنها: ترك المبادرة إلى شرب الدواء بمجرد الإصابة بالمرض، وترك المبادرة إلى مراجعة الطبيب بمجرد ذلك، بل عليه أن يؤخر ذلك إلى أن يصل إلى اليأس من حصول البرء بدونهما، لقوله(ع): تجنب الدواء ما احتمل بدنك الداء، فإذا لم يحتمل الداء، فالدواء.

وقد عللت نصوص أخرى التأخير بوجود بعض الأعراض الجانبية لكل دواء على الجسد، وإن كان ذلك الدواء علاجاً لمرض ما، لكنه يخلف آثاراً وأعراضاً أخرى. فقد قال الإمام الكاظم(ع): ليس من دواء إلا ويهيج داء، وليس شيء أنفع في البدن من إمساك اليد، إلا عما يحتاج إليه.

هذا ويدخل ضمن عدم احتمال الداء الذي يبادر معه إلى شرب الدواء ومراجعة الطبيب، ما إذا خاف المريض طول المرض، أو خاف شدته، فلاحظ.

تجنب ما يحتمل الضرر:

ومنها: أن يعمد إلى اجتناب كل ما يحتمل إضراره به، فضلاً عما يعلم كونه مضراً إليه، ومنشأ هذا يعود إلى أن المريض حال مرضه يبحث عن كل ما يحقق له الصحة والبرء من المرض، بل ربما تعجل بعضهم ذلك فيسمع كل ما يلقى إليه، ويعمد إلى الاستفادة منه رغبة في الوصول إلى الغاية والنتيجة التي هي البرء، وهذا يعني أنه والحال هذه يأخذ الدواء من كل إنسان، وربما يكون في ما يوصف له ما لا يسوغ له تناوله، كما لو كان الموصوف له مشتملاً على ما يحرم تناوله كاشتماله على النجاسة، أو كان ما وصف له مضراً به، وبناءً على هذا فيلزم على المريض أن يجتنب تناول كل ما يكون موجباً للضرر عليه، ومن المعلوم أن دفع الضرر المحتمل إذا كان قليلاً فهو مستحب، أما لو كان كثيراً فهو واجب، ولا ريب في حكم العقل بلزوم دفع الضرر، قليله أو كثيره.

الاستشفاء بالصدقة:

ومنها: دفع الصدقة بقصد الاستشفاء بها، ولا يشترط أن تكون الصدقة منه بنفسه، أو من ذويه وأقربائه، بل يمكن أن يتصدى لدفعها عنه أي مؤمن، وإن كان يحسن أن يكون دفعها من قبل أقربائه، بل يحسن أن يكون دفعه من قبله هو نفسه.

واتخاذ الصدقة دواء مما نصت عليه النصوص الشريفة، فقد جاء عن الرسول الأكرم محمد(ص)، أنه قال: داووا مرضاكم بالصدقة.

وهو وإن كان يمكن حمله على الدواء من الأمراض المعنوية، وليس من الأمراض المادية، فيكون المقصود منه دواء أمراض القلوب والنفوس والأرواح مما أصابها من الذنوب، إلا أن هناك نصوصاً لا يتصور الاحتمال المذكور فيها، توجب حمله على إرادة المرض العضوي والمادي، فقد جاء عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: الصدقة دواء منجح. فإن التعبير بالدوائية لا يتصور أن يكون علاجاً للمرض المعنوي، فتأمل.

وعلى أي حال، فقد نص أمير المؤمنين(ع) على كونها دواء، وليست أي دواء، بل دواء منجح، أي مقرون بالتأثير والتوفيق، ويؤدي إلى حصول الشفاء والبرء بإذن الله تعالى.

ما يعتبر في الصدقة العلاجية:

ثم إنه هل يعتبر في الصدقة العلاجية شروط حتى تكون مؤثرة أثرها، أم أنه لا يعتبر فيها شيء من ذلك؟

قد يتصور البعض عدم اختلاف الصدقة العلاجية عن غيرها من الصدقات، فكما أنه يكتفى في الصدقة التي تكون طلباً لسلامة السفر، أو التي تكون طلباً لقضاء الحاجة، أو غير ذلك إخراجها بأي كيفية كانت، ومن دون قيود، فكذلك تكون الصدقة العلاجية، فلا يعتبر فيها شيء أكثر من إخراج مقدار من المال يدفعه المتصدق إلى الفقير ليجنى الأثر المترتب عليها.

إلا أن المستفاد من النصوص الشريفة وجود اختلاف بين الصدقة العلاجية وبين بقية أنواع الصدقات، إذ يعتبر فيها شروط زائد على مجرد الإخراج، وكيفية مخصوصة، نشير لشيء منها:

1- مباشرة المريض إلى عملية التصدق بنفسه، من خلال إعطائه الفقير الصدقة بيده. فقد ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: يستحب للمريض أن يعطي السائل بيده ويأمر السائل أن يدعو له[1].

وجاء عنه(ع) أيضاً أنه قال: الصدقة باليد تقي ميتة السوء. وروى محمد بن عمر بن يزيد عن الإمام الرضا(ع) قال: أخبرت أبا الحسن الرضا(ع) أني أصبت بابنين، وبقي لي بنيَّ صغير، فقال: تصدق عنه، ثم قال حين حضر قيامي، مر الصبي فليتصدق بيده بالكسرة، والقبضة والشيء وإن قل فإن كل شيء يراد به الله وإن قل بعد أن تصدق النية فيه، عظيم، إن الله عز وجل يقول:- (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، وقال:- (فلا أقتحم العقبة* وما أدراك ما العقبة* فك رقبة* أو إطعام في يوم ذي مسغبة* يتيماً ذا مقربة* أو مسكيناً ذا متربة)، علم الله عز وجل أن كل أحد لا يقدر على فك رقبة فجعل إطعام اليتيم والمسكين مثل ذلك تصدق عنه[2].

نعم في حال عدم تمكنه من ذلك كما لو كان المريض في غيبوبة، أو كان المريض في غرفة العناية المركزة التي لا يدخل عليه فيها أحد أو خصوص أفراد محددين، فهل يكتفى بوكيله عنه، أو يتبرع بها متبرع عنه، بحيث يكون المناط في الصدقة المعطاة هو وصولها إلى الفقير، أو أن هناك خصوصية في استلام خصوص الفقير منه بيده؟ مقتضى ما تضمنته النصوص أن الإعطاء من المريض مقدم على الإعطاء من غيره عنه، وكأن ذلك يشير إلى تفاوت رتبي بين درجات الإعطاء، ولا يبعد دخالتها في تأثير العلاجية، من حيث السرعة، والبطء، فلاحظ.

2- أن تكون الصدقة المعطاة إلى الفقير من الطعام الضروري، كالخبز والحنطة وما شابه ذلك، فهنا قيدان وهما: الطعامية، والضرورية، وهذا يعني أنه لا يتحقق الغرض المرتجى من الصدقة العلاجية لو كان المعطى نقداً، كما لا يتحقق الغرض أيضاً لو كان المدفوع طعاماً لكنه لم يكن ضرورياً يحتاج إليه الإنسان غالباً.

وعليه لا يكتفى بالتصدق بالأموال في الصدقة العلاجية، وإنما يكون النفع للمريض إذا كان المدفوع للفقير هو الطعام للجائع المحتاج.

ويدل على اعتبار هذين الشرطين فيها، ما جاء عن أبي عبد الله الصادق(ع) من أن بعض أهل بيته ذكر له أمر عليل عنده، فقال: ادع بمكتل فاجعل فيه براً واجعله بين يديه، وأمر غلمانك إذا جاء سائل أن يدخلوه عليه فيناوله منه بيده ويأمر أن يدعو له. قال: أفلا أعطي الدنانير والدراهم؟ قال: اصنع ما آمرك به، فكذلك رويناه، ففعل فرزق العافية.

بل قد نصت نصوص أخرى على خصوص الخبز، وحددته بنفسه وتضمنت أنه الدواء للمرض الصعب. فقد جاء عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: إذا كان عندك مريض قد أعياك مرضه فخذ رغيفاً من خبزك فاجعله في منديل أو خرقة نظيفة فكلما دخل سائل فليعطه منه كسرة ويقال له: ادعوا لفلان، فإنه يستجاب لهم فيكم، ولا يستجاب لهم في أنفسهم[3].

هذا ولا يبعد أن يكون ذكر الخبز والحنطة من باب المثال، فلا يكون لهما خصوصية في البين، وإنما المدار على صدق عنوان الطعام الضروري، وهذا يعني أنه قد يختلف من زمان لآخر، كما أنه يتغير من مكان لآخر، فلاحظ.

ثم إنه لو لم يكن في بلد المريض فقير يستحق الإعطاء، أو كان في بلده فقراء، إلا أنهم لم يقبلوا أخذ الطعام، وكانوا يطلبون الأموال، فهل يمكن رفع اليد عن اعتبار التصدق بالطعام، وينتقل إلى التصدق بالأموال؟

الظاهر أنه لا موجب لرفع اليد عما دل على كون التصدق يكون بالطعام، ومجرد عدم قبول فقراء البلد أخذ الطعام لا يوجب الانتقال إلى التصدق بالأموال، بل يطلب الفقراء في بلد آخر، وتنقل الصدقة إليهم، لأن الصدقة كما عرفت دواء، وكما أن الدواء يطلب من بلد إلى آخر، فكذلك الصدقة الدوائية، فلاحظ.

3- أن تكون الصدقة الدوائية بمقدار قوت يوم للمعطي، فلا تقل عن ذلك، فقد روى معاذ بن مسلم بياع الهروي، قال: كنت عند أبي عبد الله(ع) فذكروا الوجع، فقال: داووا مرضاكم بالصدقة، وما على أحدكم أن يتصدق بقوت يومه، إن ملك الموت يدفع إليه الصك بقبض روح العبد، فيتصدق عنه فيقال له: رد عليه الصك.

دوائية الصدقة لكافة الأمراض:

وربما يتصور اختصاص دوائية الصدقة ببعض الأمراض، فلا تصلح للدوائية لكل مرض، ويستند في ذلك لما ورد عن الإمام أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: الصدقة باليد تقي ميتة السوء، وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء، وتفك عن لحى سبعين شيطاناً كلهم يأمره أن لا يفعل[4]. إذ مقتضى التحديد الوارد فيها بسبعين نوع من أنواع البلاء يستدعي تخصيص الدوائية فيها ببعض الأمراض دون البعض، وعليه فلن تكون الصدقة دواء لكل داء كما لا يخفى.

وتمامية دلالة النص المذكور على المدعى تقوم على الالتـزام بكون السبعين نوع من البلاء كلها أمراض، أما لو كان العدد المذكور إشارة إلى عدة أنواع من البلاءات، أحدها هو المرض، فسوف تكون أجنبية عن المدعى، والظاهر هو الثاني، ويشهد له بل يدل عليه ما جاء عن النبي الأكرم محمد(ص) من أنه قال: إن الله لا إله إلا هو ليدفع بالصدقة الداء والدبيلة والحرق والغرق والهدم والجنون وعدّ سبعين باباً من السوء[5].

——————————————————————————–

[1] الكافي ج 4 باب فضل الصدقة ح 9.
[2] الكافي ج 4 باب فضل الصدقة ح 10.
[3] الأصول الستة عشر ص 77.
[4] الكافي ج 4 ح7.
[5] الكافي ج 4 ح 2.