فقه النـــــــــذر(5)

لا تعليق
الزاوية الفقهية - أبواب متفرقة
36
1

أحكام عامة:

س: إذا نذر الإنسان أن يتصدق بعين محددة من أمواله، كأرض معلومة عنده نذر أن يتصدق بها على الفقراء، أو نذر أن يوقفها، فهل يجوز له التصرف فيها أم لا؟
ج: عندنا صورتان يختلف الحكم فيهما:
الأولى: أن يكون التصرف في هذه الأرض مثلاً قبل لزوم الوفاء بالنذر، فعندها يجوز له التصرف في العين المنذورة في شؤونه وحاجاته ما دامت الأرض باقية. بل يجوز له التصرف فيها أيضاً بما يوجب إتلافها، أو إخراجها عن ملكيته ما دام لا يحرز تحقق نذره، ولا يعلم بحصوله.
نعم إذا كان يعلم بتحقق نذره، وبحصوله، أو كان نذره مشروطاً بإبقاء العين، فإنه لا يجوز له التصرف فيها، ولو تصرف بها بما يخرجها عن ملكيته، أو بما يوجب تلفها، فإن أمكنه استرجاعها، وجب عليه استرجاعها، ولزمه الوفاء بالنذر. فإن لم يكنه استرجاعها، لتلفها أو لمانع آخر، انطبق عليه عنوان الحانث بالنذر.

ثم إنه إذا قلنا بجواز التصرف له في العين وتصرف فيها، انطبق عليه عنوان الحانث بالنذر إذا تحقق متعلق النذر، لكن لا تجب عليه الكفارة. أما إذا قلنا بعدم جواز التصرف له في العين، فلا إشكال في أنه مع انطباق عنوان الحانث عليه، تلزمه الكفارة أيضاً.

الثانية: أن يكون التصرف في العين بعد لزوم الوفاء بالنذر، وذلك إما لأن النذر كان معلقاً على شيء وقد تحقق ذلك الشيء، كما لو نذر أن يتصدق بهذه الأرض متى شفي ولده من المرض، وقد شفي ولده من مرضه، أو كان نذره منجزاً من دون تعليق، حيث نذر: أن يتصدق بهذه الأرض لبناء مشروع لحوزة السيدة المعصومة(ع)، فهنا أيضاً نقول بأنه يجوز له التصرف في العين في شؤونه ولو بدون ضرورة ما دامت العين لن تتلف، وستكون باقية.

أما لو أخرجها عن ملكه ونقل ملكيتها إلى آخر، كان النقل باطلاً، ووجب عليه استرجاعها، ولو جاء ببديل لم يغن البديل عنها، بل لابد من استرجاعها نفسها، فإن تعذر استرجاعها، أو كانت قد تلفت عمداً منه، عدّ حانثاً بالنذر، ولزمته الكفارة.
أما إذا كان حصول شيء مما تقدم للعين من دون عمد منه، فيحكم عندها بانحلال النذر، ولا شيء عليه.

س: شخص نذر أن يتصدق بمبلغ من المال على طالب علم محدد مثلاً، وأبرأه المنذور له، فما هي وظيفته؟
ج: إذا كان متعلق النذر هو الصدقة على شخص بعينه محدد، لزم على الناذر أن يدفع المبلغ المنذور للمنذور له، فلو أبرأ المنذور له الناذر من المال، لم يكفِ ذلك لفراغ ذمة الناذر، بل يجب عليه أن يدفع له. نعم لا يجب على المنذور إليه أن يقبل بالنذر. فإذا دفعه الناذر إليه ولم يقبله المنذور، بطل النذر حينئذٍ.

س: لو رفض المنذور إليه قبول المال المنذور له في البداية، إلا أنه عاد بعد ذلك وقبل به، فما هو الحكم؟
ج: في هذه الحالة لابد من التفريق بين ثلاث صور:
الأولى: أن يكون المنذور موقتاً، وقد انتهى وقته وانقضى، فلا يجب على الناذر أن يدفع إليه شيئاً، لما عرفت فيما تقدم أن هذا ليس من موارد القضاء.
الثانية: أن يكون المنذور موقتاً، ولا زال وقته باقياً بعدُ لم ينتهِ، ففي هذه الحالة، يجب على الناذر أن يدفع للمنذور له المال المنذور.
الثالثة: أن يكون النذر مطلقاً، غير موقت بزمان، فإنه هنا أيضاً يجب على الناذر أن يدفع المال المنذور للمنذور له.

س: شخص نذر نذراً معلقاً أن يتصدق بمبلغ مالي محدد على شخص معين، وقد توفي ذلك الشخص المنذور له المال قبل تحقق النذر، فماذا يفعل؟
ج: إذا كان النذر معلقاً على شيء، وقد توفي المنذور له قبل تحقق النذر، حكم عندها ببطلان النذر وانحلاله. نعم لو كان موت المنذور له بعد تحقق النذر، وقبل الدفع إليه، فإنه يكون مستحقاً للنذر، فيجب أن يدفع لورثته حينئذٍ.

س: إذا نذر شخص التصدق بمقدار من أمواله، وقبل الوفاء بالنذر مات، فهل يخرج ذلك المقدار من المال من أصل تركته، ويلزم الورثة فعل ذلك أم لا؟
ج: في مفروض السؤال، لا يخرج المال من أصل التركة، وبالتالي لا يلزم الورثة بأداء ذلك، بل يكون إخراجه من ثلث الميت إن كان له ثلثاً، وإلا فلا. نعم الأحوط استحباباً للورثة إن كانوا بالغين أن يخرجوا ذلك المقدار من حصصهم، ولو كانوا كباراً وصغاراً، أخرج الكبار منهم المقدار من حصصهم دون الصغار.

س: إذا نذر صوم شهر معين، فهل يجب عليه صيام ثلاثين يوماً، أم أن المطلوب منه صيام ما بين الهلالين؟
ج: إذا التـزم صيام شهر معين بنذر، فهنا صورتان:
الأولى: أن يكون أدائه للنذر يبدأ في مطلع الشهر، ومع ثبوت الهلال، فهذا يكتفي بالصيام ما بين الهلالين، وهو ما نعبر عنه بالشهر القمري.
الثانية: أن يكون مبتدأ صيامه أثناء الشهر، وليس في مطلعه، كما لو ابتدأ الصيام في الثالث أو الخامس، أو السادس من الشهر وهكذا، فهذا يحتاج إلى كفاه صيام ولم يجب عليه صيام ثلاثين شهراً. نعم يكون مطالباً بصيام ثلاثين يوماً إذا كان شروعه في الصيام أثناء الشهر، كما لو صام من منتصف الشهر مثلاً، فهنا لابد أن يعدّ ثلاثين يوماً.

س: شخص ألزمه نفسه بنذر أن يصوم مدة سنة كاملة، فهل يجب عليه صيام يومي العيدين، أو يجب عليه قضائهما؟
ج: من نذر صيام سنة كاملة وجب عليه صيامها بأكملها، عدا يومي العيدين، الفطر والأضحى، فيفطر فيهما، ولا يجب عليه قضائهما. أما الإفطار فيهما، فلخروجهما تخصصاً عن موضوع النذر لحرمة الصوم فيهما، كما أنه لا يوجد فيهما مقتضٍ للصحة. وأما بالنسبة للقضاء، فلأنه تابع لوجود الدليل الدال عليه، وهو غير موجود في المقام.

س: شخص نذر أن يصوم كل خميس من كل أسبوع، وصادف أن كان يوم الخميس يوم عيد الفطر مثلاً، أو عيد الأضحى، فهل يصومهما، أم يفطر وعليه قضائهما؟
ج: إذا صادف يوم الخميس أحد العيدين، وجب عليه الإفطار، والقضاء بعد ذلك. أما وجوب الأفطار، فلأنه مقتضى حرمة صوم يوم العيدين، ولعدم وجود مقتضٍ فيهما للصحة، وأما وجوب القضاء فلصحيح علي بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي الحسن(ع): يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو ضاؤه، وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: قد وضع الله عنه الصيام في هذه الأيام كلها ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء الله[1].

س: كيف يكون الحكم في السؤالين السابقين بالنسبة للمرأة، خصوصاً وأنها ترى دم الحيض، وربما رأت أيضاً دم النفاس؟
ج: الكلام في المرأة من جهة العذر نتيجة طرو دم الحيض، هو الكلام في من نذر صيام كل خميس، فيجب عليها لإفطار متى طرأ الحيض أو النفاس، ووجب عليها بعد ذلك القضاء، ومثل الحيض والنفاس، ما لو طرأ المرض، والسفر أيضاً.

س: شخص نذر صيام عشرة أيام، فهل يلزمه الصيام متتابعاً، أم يجوز له التفريق، فيصوم يوماً مثلاً، ويفطر، وهكذا؟
ج: إذا نذر المكلف صيام عشرة أيام، فهنا ثلاثة فروض:
الأول: أن يكون قد قيد صيامه بالتتابع، فيلزمه أن يأتي بالصيام متتابعاً، وإن لم يفعل عدّ حينها حانثاً.
الثاني: أن لا يكون مقيداً الصيام بنحو التتابع، بل جعله على نحو التفريق، فهنا لا يلزمه التتابع، فيصوم مفرقاً.
الثالث: عدم تعيـينه لأحدهما، بمعنى أنه قد أطلق النذر من حيث اعتبار التتابع، أو التفريق، فهنا يتخير بينهما، فإن شاء صام متتابعاً، وإن شاء فرق.
ولا يختلف الحال من حيث الحكم لو كان المنذور هو صيام شهر، فلاحظ.

س: لو نذر شخص أن يزور أحد المراقد الطاهرة للمعصومين(ع)، أو بعض الأولياء والصالحين فما هو المقدار الموجب لتحقق النذر؟
ج: يكفي في تحقق نذر الزيارة لأحد المراقد الطاهرة للمعصومين(ع)، أو لأحد الأولياء والصلحاء، الحضور في المقام المقدس لهم، والسلام على المقصود بالنذر، فلو كان المنذور زيارته هو النبي الأكرم محمد(ص) مثلاً، فإنه تتحقق الزيارة، ومن ثمّ يتحقق النذر بمجرد الحضور في روضته المباركة، والسلام عليه(ص).
 
س: هل يعتبر في تحقق الزيارة المحققة للنذر الإتيان بالمستحبات المرتبطة بالزيارة، من غسل وما شابه؟
ج: لا يعتبر في تحقق المنذور بحصول الزيارة للمراقد الطاهرة لهم(ع)، الإتيان بالمستحبات المرتبطة بالزيارة من غسل، وصلاة ركعتي الزيارة، وما شابه. اللهم إلا أن يكون الناذر قد ألزم نفسه بالمستحبات المرتبطة بالزيارة أثناء عقده النذر فجعلها من ضمن المنذور، فهنا يلزمه الإتيان بها.

س: إذا نذر زيارة إمام من المعصومين(ع) بعينه، كما لو نذر زيارة الإمام الحسين(ع)، وعجز عن الوصول للزيارة لأي مانع كان، فهل يجزيه زيارة غيره من المعصومين(ع)؟
ج: إذا كان النذر معيناً بزيارة إمام معصوم بعينه، فلا يجزي زيارة غيره من المعصومين تحقيقاً للنذر حتى لو عجز الناذر عن الإتيان بالمنذور.

س: لو حدد للزيارة وقتاً محدداً، ولم يذهب لفعل المنذور مع تمكنه منه، فهل يعدّ حانثاً، ويجب عليه قضاؤها أم لا؟
ج: مع تركه لأداء الزيارة في وقتها المحدد لها، يعدّ حانثاً، وتجب عليه الكفارة، إلا أنه لا يجب عليه قضاؤها.

س: شخص نذر التصدق بجميع ما يملكه عيناً كان المملوك أم قيمة، إلا أنه بعد ذلك وجد مشقة في تحقيق النذر بالتصدق بجميع أمواله، فماذا يفعل؟
ج: في مفروض السؤال، الأحوط وجوباً له أن يتصدق بما يمكنه التصدق به، ويقوّم الباقي بقيمة عادلة في ذمته قبل أن يتصرف فيه ثم يتصدق عما في ذمته شيئاً شيئاً، ويبدأ حساب كل ما يدفعه للفقراء والمساكين والأرحام والمحتاجين، إلى أن يوفي تمام المال، ولو مات أوصى بأن يؤدى ذلك من تركته.

النذر للأماكن المقدسة أو العامة:

يحصل أن ينذر شخص من الناس دفع مبلغ مالي إلى مشهد من المشاهد المشرفة، أو مسجد من المساجد المعظمة، أو غيرها من الأماكن الطاهرة والمقدسة، أو نذر الدفع لأحد الأماكن العامة، كالجمعية، أو المستشفى، أو النادي، وما شابه ذلك، فهنا صورتان:

الأولى: أن يكون الناذر قاصداً صرف المال المنذور في جهة خاصة من جهات الصرف المتعلقة بشؤون ذلك المقام، أو المكان، فلا إشكال ولا ريب في أنه يجب صرف المال في تلك الجهة الخاصة.

الثانية: أن لا يكون حاصراً الصرف في جهة خاصة، من جهات الصرف المتعلقة بشؤون ذلك المقام، أو المكان العام، فيجب عندها أن يصرف بالدرجة الأولى في شؤون ذلك المكان المرتبطة بشؤونه ككيان، مثل ما يكون متعلقاً بعمارته، وترميمه، وصيانة تجهيزاته، وتجديدها، وإنارته، ونحو ذلك.
ومع استغنائه عن ذلك كله، صرف المال في شؤون زواره، ممن قصرت نفقتهم وانقطع بهم الطريق، أو معالجة المرضى منهم، ونحو ذلك من الأمور الضرورية.

النذر لأحد المعصومين:

إذا نذر مالاً للنبي الأكرم محمد(ص)، أو لبعض الأئمة الأطهار(ع)، أو لسيدتي الزهراء(روحي لها الفداء)، أو لبعض أعاظم الماضيـين من العلماء، والصالحين، فهنا صورتان:

الأولى: أن يكون الناذر قاصداً صرف المنذور في جهة خاصة، أو لم يتضح قصد ذلك من الناذر، إلا أن تلك الجهة الخاصة هي عادة المتعارف صرف النذر فيها، فعندها يجب أن أن يصرف النذر في تلك الجهة.

الثانية: أن لا يكون الناذر قاصداً الصرف في جهة خاصة ومحددة، ولا يوجد جهة يتعارف صرف النذور فيها، فعندها يجب صرف النذر في ما يرجع إلى المنذور له من جهات الصرف، فيتخير الناذر في صرفه في عدة جهات:

منها: صرفه على شؤون مقامه المختلفة.
ومنها: صرفه على نفقة المحتاجين من زواره.
ومنها: صرفه على إعلاء شأنه وإحياء ذكره بإقامة المجالس في ذكرى مولده ووفاته، ونشر علومه وفضائله، ونحو ذلك.

س: لو نذر لمقام أحد المعصومين(ع)، ولم يتسنَ له إيصال المبلغ المنذور لذلك المقام، سواء كان المانع من وصوله إليه فقدان النفقة الموصلة له، أو فقدان الأمن في الطريق، أو في المكان، أو كان المانع من إيصال المبلغ المنذور يعود لأن الجهة المشرفة على المقام، جهة غير مؤتمنة عليه، فماذا يفعل؟..

ج: في الفرضين المذكورين، يكون صرف المال المنذور في أحد الأمور التي أشرنا لها سابقاً بإحياء ذكره(ع) من خلال إقامة المجالس وما شابه، ومع استنفاذ ذلك كله، يتم التصدق بها على الفقراء.

خاتمة:

من الأحسن والأفضل لكل من نذر نذراً أن يفي به حتى لو كان النذر الصادر منه غير مستوفٍ للشروط المعتبرة في النذر، فمن نذر نذراً من دون أن يضيفه لله سبحانه وتعالى، فقال في نذره مثلاً: علي نذر، نذر علي، فإن من الأفضل له أن يفي بهذا النذر.
ومثل ذلك لو أضاف النذر إلى أحد غير الله سبحانه وتعالى، كما لو أضافه للنبي الأكرم محمد(ص)، أو لأحد المعصومين(ع).
 
 

[1] وسائل الشيعة ب 10 من أبواب النذر والعهد.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة