25 سبتمبر,2022

التربية الصالحة

اطبع المقالة اطبع المقالة

مع أن القرآن الكريم ليس كتاباً مختصاً بتربية الطفل، إلا أن آياته تضمنت عرضاً للخطوط الأساسية في التربية، من خلال التوجيه التربوي والأخلاقي الذي كان يقوم به الأنبياء والصالحون على مرّ التاريخ، فنبي الله يعقوب(ع) كان مربياً لأبنائه بشكل عام، مع اختصاصه بتربية نبي الله يوسف(ع) ورعايته بصورة خاصة، قال تعالى:- (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً)[1].

وقد مارس لقمان الحكيم(ع) دور التربية والتوجيه مع ولده، فقال تعالى:- (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)[2].

كما عرض القرآن الكريم نموذجين لمواقف الأبناء مع الآباء، فكان ابن نوح[3] نموذجاً للمعصية والمخالفة، ويظهر هذا بملاحظة الحوار الذي دار بينهما، قال تعالى:- (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين* قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء)[4].

وأما نموذج الطاعة فتمثل في شخصية نبي الله إسماعيل(ع)، وطاعته لأبيه النبي إبراهيم(ع)، قال تعالى:- (قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)[5].

وقد يكون سبب اقتصار القرآن الكريم على عرض خطوط عريضة في هذا الموضوع، مع ماله من أهمية، رغبته في إفساح المجال أمام العقل البشري، لينشط ويتحرك في مجال دراسة أساليب فن التربية والتعليم، فلاحظ.

ولا يخفى أن التربية الصالحة يلزمها توفر عوامل حتى تتحقق خارجاً، إلا أن ذلك ليس بنحو العلة التامة، بل الظاهر أخذها بنحو الاقتضاء، لأنه قد تتوفر العوامل المذكورة، ومع ذلك لا يكون الولد صالحاً.

ولهذا لا ينبغي أن يقتصر في مقام التنشئة على هذه العوامل التي سوف نذكر، بل يلزم أن تلحظ العوامل الأخرى الخارجة عن عملية التربية، فإن لها تأثيراً على الطفل، مثل عنصر المدرسة، والمجتمع، وغير ذلك.

وسوف نقصر الحديث على بعض العوامل الدخيلة في العملية التربوية للوصول للتربية الصالحة، لأن عرضها جميعاً يوجب طولاً من جانب، كما أنه يصعب الاستقراء التام، خصوصاً وأن هناك عوامل تخضع لقانون التجربة والممارسة، فتدبر.

النطفة ما قبل الانعقاد وما بعده:

من المعروف أن أول تخلق الإنسان وتكونه يكون من خلال النطفة التي تنعقد في رحم الأم جراء التقاء العنصر الذكري بالعنصر الأنثوي، فينتج عنها ذلك، فالنطفة عنصر مشترك بين الرجل والمرأة.

ويتأثر هذا الموجود بمجموعة من العوامل:

منها: قانون الوراثة:

ونقصد به ما ينقل إليه من الأبوين من صفات وراثية بواسطة الجينات، والقدر المتيقن صفاتهما المادية، وإن أصرّ بعض المختصين على انتقال الصفات الباطنية والسلوكية أيضاً، فإن الأبن المتولد من أب بخيل يكون بخيلاً، كما أن الفتاة المتولدة من أم حسودة، تنتقل إليها صفة الحسد أيضاً.

وحاصل هذا الرأي، أن الصفات الباطنية ذات البعد المعنوي والأخلاقي، كالكرم والشجاعة والمودة، والعاطفة، تنتقل إلى الطفل كما تنتقل الصفات المادية من الشبه مع الأبوين، ولون البشرة مثلاً، وغير ذلك.

وقد عرضنا هذا في بحث السلوك الإنساني بصورة مفصلة، وأشرنا إلى ما يمكن التوفيق به بين القائلين بحصر الانتقال في الصفات المادية، وعدم انتقال الصفات الباطنية، وبين القائلين بانتقالها، فراجع.

ويمكن استفادة دخالة العنصر الوراثي في التربية من قوله تعالى:- (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً)[6]، فإنها تشير إلى تقسيم الأرض لنوعين، أحدهما صالح يعطي نتاجاً طيباً، والآخر خبيث لا يرتجى منه صلاحاً، فلا يتصور من أرض مالحة أن تعطي ثمراً طيباً، ولا من أرض مليئة بالشوك أن تقدم ورداً، فكذلك الزوجان فلا يتصور أن ينتجا ولداً صالحاً وهما منحرفان، ويندر أن ينحرف ولد المؤمنين، فلاحظ[7].

كما يستفاد دخالته وتأثيره فيها، من النصوص الواردة عنه(ص) في التركيز على انتخاب الزوجة الصالحة، والزوج المؤمن، قال(ص): انظر أين ما تضع نطفتك فإن العرق دساس.

وعليه لابد أن يكون انتخاب الشريك لصاحبه في العلاقة الزوجية مبنياً على توفر الصفات الخاصة من الإيمان والتقوى والعفة وما شابه، بل لو أمكن أن يحرز انتفاء الصفات السلوكية السلبية من الحسد والبخل وغير ذلك، سواء في الزوجة أم في الزوج، كان ذلك أمراً حسناً. فقد جاء رجل إلى الإمام الحسن السبط(ع)، يستشيره في تزويج ابنته، فقال له(ع): زوجها من رجل تقي، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها[8].

ومنها: شركة الشيطان في انعقاد النطفة:

ونقصد به مشاركة الشيطان في انعقاد النطفة، وهو عامل مهم جداً، يغفل عنه كثير من الآباء، وعن أثره في فشل العملية التربوية. وهناك أسباب توجب اشتراك الشيطان في انعقاد النطفة:

أحدها: عدم مراعاة الآداب الشرعية في اللقاء:

وذلك بوقوع أحد الأمور التالي:

1-اشتغال الأبوين حال انعقاد النطفة بشيء غير ذكر الله تعالى، وهذا يخالف ما تضمنته النصوص الشريفة من أن يكون الأبوان عند انعقاد النطفة متوجهين لله سبحانه وتعالى بقلب خالص، ولسان لهج بذكره سبحانه وتعالى، لحفظ النطفة المتخلقة من هذا اللقاء، وأن لا يجعل للشيطان فيها شركة ولا له عليها سبيلاً.

2-عدم ابتدائهما عند اللقاء بالبسملة، فقد ورد أن من لم يفعلا ذلك كان الشيطان شريكاً لهما في النطفة المنعقدة. فعن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: إذا جامع أحدكم فليقل: بسم الله وبالله، اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتني. قال(ع): فإن قضى الله بينهما ولداً لا يضره الشيطان بشيء أبداً[9]. وجاء في وصية الإمام أبي عبد الله الصادق(ع) قوله: إذا أتى أحدكم أهله فلم يذكر الله عند الجماع وكان منه ولد كان شرك الشيطان، ويعرف ذلك بحبنا وبغضنا[10].

3- ممارسة أحد الأبوين العلاقة الطبيعة مع الآخر بشهوة طرف ثالث، لا بقصد من هو معه. فقد جاء في وصية رسول الله(ص) لأمير المؤمنين(ع): يا علي لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك، فإني أخشى إن قضي بينكما ولد أن يكون مخنثاً مؤنثاً مخبلاً[11].

ثانيها: عدم اجتناب اللقمة الحرام:

فإن للغذاء دوراً أساسيا في التكوين، كما أن له تأثيراً كبيراً على السلوك والأخلاق، ومتى انعقدت نطفة الطفل من اللقمة الحرام أصبح الطفل بمثابة الأرض البور التي لا تصلح للزراعة. وعلى عكسه لو انعقدت نطفته من مال حلال، أصبح أرضاً خصبة صالحة للزراعة والإثمار. فعن الإمام الصادق(ع) أنه قال: كسب الحرام يبين في الذرية[12].

فاللازم على الآباء الاعتناء بمصادر أموالهم التي يتحصلون عليها، وأن يكسبوها من الطرق المشروعة والمحللة، ويحذروا استفادتها من طريق غير شرعي.

نعم قد لا يكون الطعام الذي انعقدت منه النطفة محرماً، بل يكون مشتبهاً ولذلك أسباب ليس هذا محل ذكرها، وهو يختلف من حيث التأثير عن الطعام المحرم، فإن الطعام المحرم لا يمكن أن يزول تأثيره، وإن ألتـزم بالآداب الشرعية وعمد إلى مراعاتها، إلا أن الطعام المشتبه قد تزول آثاره لو بني على الالتزام بالآداب الشرعية، بحيث روعيت البسملة في بداية العلاقة الطبيعية، وكان الوالدان مشتغلين خلالها بذكر الله تعالى، فلاحظ.

ومنها: الذنوب والمعاصي:

وثبوت أثرهما في الحياة الإنسانية على الأفراد من الواضحات والمسلمات التي لا تحتاج بياناً، وإنما نركز الحديث على تأثيرهما على النطفة عند انعقادها، وقد نفهم أثر الذنوب على الإنسان من خلال قوله تعالى:- (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنـز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنـزهما رحمة من ربك)[13]، فإن العناية الإلهية قد لحقتهما بسبب صلاح أبيهما، فلاحظ.

وعلى أي حال، فإن للذنوب جانبين في مسألة انعقاد النطفة:

أحدهما: الذنوب والمعاصي التي ترتكب ليلة الزفاف.

ثانيهما: الذنوب والمعاصي المرتكبة ساعة انعقاد النطفة.

أما الجانب الأول: فلا كلام في أن ما يصدر من أفعال في تلك الليلة يترك أثره الفعال في النطفة المتخلقة من هذا الزواج، فلو كان الفعل الحاصل فيها يرضي الله سبحانه ورسوله، فلا ريب أن يتخلق مولود يأمل فيه الصلاح والطاعة، وعلى عكسه لو كانت الذنوب محيطة بتلك الليلة، بل ذنب واحد يقع فيها يكفي لأن يكون الطفل المتخلق فيها شقياً.

ولهذا ينبغي أن تراعى الجوانب الشرعية في ليلة الزفاف وأن يحذر من اشتمالها على شيء من المحرمات، وتضمنه للمعاصي، من وجود الغناء، والرقص، وأمثال ذلك، فضلاً عن مظاهر الإسراف، والبذخ المبغوض في الشريعة الإسلامية.

وأما الجانب الثاني: فإنه لا يقل أهمية عن الجانب الأول، فإن المعصية أو الذنب الذي يرتكب حال انعقاد النطفة لا يقل خطورة وتأثيراً فيها وفي مستقبل الطفل التربوي عنه، فلاحظ.

فتـرة الحمل:

ثم إن وجود الارتباط العضوي بين الأم والجنين، وارتباطهما في المصير، يستدعي تأثر الطفل بكل فعل يصدر من أمه، فيلزمها الحذر من الأفعال الخبيثة والسلوك السيء، كالحسد، والتكبر، والغرور، فإنه يتغذى على مضمون هذه الصفات ويشب عليها وهو في بطنها.

وليعلم أن تأثير الذنوب والمعاصي، واللقمة الحرام لا ينحصر في خصوص تكوين النطفة وتخلقها، بل يكون لهما تأثير أيضاً حتى بعد الانعقاد، فما ترتكبه الأم من معاصي وذنوب يترك أثره على الجنين الذي في بطنها، كما أن ما تتناوله من طعام محرم، أو مشتبه له تأثير في الجنين الموجود في رحمها، فلاحظ.

وليست الذنوب من حيث التأثير على مستوى واحداً، بل هي متفاوتة، فإن ما يرتبط منها بحقوق الناس يكون أكثر أثراً مما يكون مرتبطاً بحقوق الله تعالى، وهذا يعني أن الذنب الذي يصدر من الأم لو كان مرتبطاً بحق من حقوق الناس، كان تأثيره على الجنين أشد مما لو كان مرتبطاً بحقوق الله تعالى.

وكما أن للجانب العضوي في فترة الحمل مدخلية في العملية التربوية للطفل، فإن للجانب النفسي دوره أيضاً فيها، فإن فترة الحمل حساسة للغاية، بحيث أن الانفعالات النفسية تترك أثرها مباشرة على التكوين الجسماني والنفسي للجنين، كما أشار لذلك بعض علماء النفس، حيث ذكروا أن عدم اجتناب الانفعالات النفسية، قد يؤدي إلى اصابة الجنين ببعض الأمراض العضوية كالصمم، أو يؤدي به إلى الإصابة ببعض العقد النفسية التي تسبب انحرافه.

ويمنع تأثير الانفعالات النفسية على الجنين خلال فترة الحمل، اللجوء للدعاء والتوكل على الله تعالى، وقراءة القرآن الكريم، والتوسل بأهل بيت العصمة(ع). مضافاً إلى لزوم تحلي المرأة الحامل بالهدوء والسكينة، وعدم الانفعال لكل شيء خصوصاً إذا كان أمراً لا قيمة له.

فترة الرضاعة:

وبعد انتهاء فترة الحمل، تأتي مرحلة الرضاعة، وهي المرحلة التي يكون يزداد الارتباط فيها بين الطفل وأمه، ولا تقل هذه المرحلة عن سابقتيها، ويجري فيها أيضاً العوامل الدخيلة في المرحلتين السابقتين لنجاح العملية التربوية، فإن لاجتناب الذنوب، واللقمة الحرام، وكذا الانفعالات النفسية دوراً في نجاح العملية التربوية للطفل مستقبلاً، وفشلها، فلاحظ.

قصة الشيخ الأعظم(ره):

ومن جميل ما يحكى عن والدة الشيخ الأعظم الأنصاري(ره)، أنها لما بلغها استلامه المرجعية، لم تعر لذلك اهتماماً، وأجابت من تعجب من فعلها، بأنها كانت تأمل فيه شيئاً أكبر من ذلك، لأنها قد ألتـزمت طيلة فترة رضاعته ألا ترضعه إلا على طهارة، وأنها كانت تقوم في منتصف الليل لتجدد وضوئها، سواء كان الجو بارداً، أم كان حاراً لأجل إرضاعه على طهارة.

ولا كلام في أن للإرضاع على طهارة تأثيره العملي، فينتج شخصاً كالشيخ الأعظم(ره)، كما أن للإرضاع على جنابة تأثيراً، ينتج شخصاً غير قويم السلوك والأخلاق، فتدبر[14].

المنهج التربوي المتبع:

العامل الآخر لنجاح العملية التربوية، هو ملاحظة المنهج التربوي المتبع في تطبيقها، لأن نجاحها لا ينحصر في خصوص العوامل الدخيلة من حيث التأثير كما سعمت ذلك في ما تقدم، بل لابد وأن يضم إليها الأسلوب والطريقة المتبعة في العملية التربوية، وهو ما يعبر عنه بالمنهج التربوي. وقد ذكر علماء التربية منهجين في التربية، وجعلا لكل واحد منهما شروطاً ومجالاً.

والمنهجان المذكوران في كلامهم هما:

أحدهما: التربية النظرية:

وهي التي تكون بواسطة القول والكلام، بمعنى أن المربي يعمد إلى تقديم ما يود تعليم الطفل إياه بواسطة الكلام، فيتحدث إليه عنه، ويقوم ببيانه من خلال قوله.

ومجال هذه المنهج، هو القيم والأفكار، فيتم عرض القيم الأخلاقية، والأفكار الدينية والعقائدية من خلال القول والكلام، فيأخذ المربي بالتحدث إليه عن القيم الأخلاقية، ويقول له ما يود قوله من مفاهيم عقدية ودينية، وهكذا.

شروط التربية النظرية:

وقد ذكروا لتحقيق هذا المنهج التربوي أثره، شروطاً:

1-سعة الصدر: وضبط الأعصاب، ومع مطلوبية هذين بشكل عام في الحياة، إلا أنه يتبلور بصورة أكبر في الجانب التربوي، فوجوده ضروري لنجاح العملية التربوية، لأنه لا يمكن للمربي القيام بدوره فيها من دونه، فلاحظ.

2-اللين والمودة: فيلزم توفر هذا الشرط فيها، فإن القهر والغلبة لا يمكن أن يؤديا لنتيجة، فالكلام الليّن هو البداية الطبيعية للعملية التربوية في مراتبها المختلفة.

3-التوازن بين التشدد والإهمال: هناك خطأ عند الكثيرين في العملية التربوية، لأن الغالب في الناس أن يكونوا مهملين لأولادهم في العملية التربوية، أو يكونوا متشددين فيها، وقد ذكرت الكثير من الإحصائيات أن الانحرافات الموجودة عند الأولاد كما أن سببها هو الإهمال، فإن للتشدد الزائد عن المقدار اللازم دوراً أيضاً.

وبالجملة، إن التشدد الزائد من المربي، في محاسبة الأولاد والضغط عليهم ومراقبتهم في كل صغيرة وكبيرة تنتهي إلى نتائج غير محمودة، وآثار وخيمة. فلا ينبغي أن يفرط الوالدان في المحاسبة والتشدد، بأن يثقلا على ولدهما عند وجود أي نقص أو خلل عنده بالعقوبة، فلو كذب الطفل أو قام بعمل غير صحيح مثلاً، لا ينبغي مواجهته بالتقريع والتشديد واللوم العنيف، وإنما ينبغي أن يهمل بعض الوقت إلى أن تحين الفرصة المناسبة للتنبيه، فيقوم أحد الأبوين مثلاً بأخذ الطفل برفق بعد مدة ويتحدث إليه بما يؤدي الغرض المطلوب من خلال ما يكون متناسباً وعمره، وقابليته في الفهم.

ثانيهما: التربية السلوكية العملية:

وتتحقق من خلال جعل الأبوين نفسيهما نموذجاً عملياً يتبعه الطفل في الالتزام بالقيم والتعاليم، فيسير على وفق ما يعملان ويحاكي جميع ما يفعلان، فيكونا قدوة حسنة له ونموذجاً صالحاً من خلال سلوكهما ومواقفهما وأعمالهما.

وعلل ذلك، بقيام العملية التربوية على أساس قانون المحاكاة، فالطفل يملك ميلاً خاصاً إلى تقليد ومحاكاة تصرفات الآخرين، وقد نصت الدراسات التربوية على ابتداء هذا القانون منذ السنة الأولى أو الثانية للطفل، من خلال الملاحظة المباشرة لفعل الآخرين وبدون الاعتماد على الصور الذهنية، ومع تطور الجهاز الإدراكي عند الطفل يكون العمل وفق قانون التقليد والمحاكاة لأفعال الآخرين مبنياً على أساس امتلاك صور ذهنية يقوم الطفل باسترجاعها بعدما يكون قد حفظها وخزنها في وعيه.

فالطفل الذي يرى والده يؤدي الصلاة سوف يميل إلى محاكاته، والفتاة التي ترى والدتها ملتـزمة بالحجاب تميل إلى محاكاتها، وهكذا.

وكما أن لقانون المحاكاة والتقليد دوره الإيجابي في العملية التربوية، فإن له دوراَ سلبياً أيضاً، فإن الطفل أو الفتاة يحاكيان الأبوين في سلوكهما السلبي، وإن لم يطلبا منهما ذلك، فمجرد ترك الأب للصلاة يجعل طفله يحاكيه في ذلك فلا يعتني بها، وإن لم ينهه الأب عن أدائها، كما أن عدم التـزام الأم بالحجاب موجب لترك الفتاة حجابها محاكاة وتقليداً للأم، وإن لم تأمر الأم ابنتها بترك الحجاب، فتدبر[15].

العملية التربوية:

وبعد الفراغ عن البعد النظري تقريباً في العملية التربوية، يأتي دور الجانب التطبيقي منها، ونقصد به الممارسة والتنفيذ.

وقد قسمت الشريعة الإسلامية أدوار الطفولة إلى ثلاثة:

1-دور عدم التميـيز: وهو من الولادة إلى الدخول في سن التميـيز، ويحصل التميـيز إذا توفر عند الطفل أمور:

أحدهما: امتلاكه القدرة على فهم الخطاب الإلهي المرتبط بالأمور الشرعية.

ثانيهما: قدرته على إدراك الأمور الحياتية بصورة عامة.

ثالثها: قابليته لفهم الظواهر الطبيعة والاجتماعية.

ولا يتساوى جميع الأطفال في تحصيل الأمور المذكورة، بل هناك تفاوت بينهم، فقد يمتلك الطفل الإدراك لفهم الأمور العامة في سن السابعة، إلا أنه لا يدرك الأمور الخاصة كالقضايا الجنسية مثلاً، إلا بعد سن العاشرة، مثلاً.

2-دور التميـيز: ويبدأ هذا الدور من سن السابعة غالباً حتى سن البلوغ، ويعتبر هذا الدور مرحلة التدريب على الارتباط بالله سبحانه وطاعته، وغالباً ما يكون الطفل في هذا الدور متوجهاً للأبوين أكثر من توجهه لله تعالى، ولهذا أشرنا قبل قليل إلى قانون التقليد والمحاكاة، فلاحظ.

3-دور البلوغ: ومتى وصل الطفل لهذه المرحلة صار ملزماً من قبل الشارع بأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وقد ذكرت في البحوث الفقهية علامات البلوغ للذكر والأنثى[16].

ومن المعلوم أن الدور الثالث خارج عن حريم بحثنا، لأنه متى بلغ الطفل دور البلوغ، لم يعد للأب عليه سلطة تربوية، وإنما يكون دوره عندها دور الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، كما يفصل ذلك في البحث الفقهي.

وتتركز العملية التربوية فعلاً في الدور الثاني من أدوار الطفولة، وهو الذي يعمد فيه إلى تطبيق المنهجين، سواء المنهج النظري، أم المنهج العملي، فلاحظ.

وعلى أي حال، فإن نجاح العملية التربوية يتوقف على مقدمات لابد من توفرها:

الأولى: وجود العلاقة بين المربي والمربى:

يغفل الكثير دور العلاقة التي تكون بين المربي وبين الطفل، فلا يعتنون بوجودها قبل البدء في العملية التربوية، ومن الطبيعي أن يجد المربي نفرة من الطفل عندما يود القيام بالدور التربوي، وقد أشارت الدراسات الحديثة إلى أنه يلزم أن تبدأ العلاقة بينهما على أقل التقادير من سن الرابعة أو الخامسة، فإن شخصية الطفل تبدأ بالتشكل في سن السادسة أو السابعة، ما يجعل تشكيل علاقة بينه وبين أبيه صعباً في هذه المرحلة. ويساعد على ذلك ما ذكروه من النمو والتكامل في الذكاء عند الطفل، فإن قوة الذكاء عنده تزداد حوالي 50% وهو في سن الرابعة، وتزداد بعد ذلك بحوالي 30% وهو في سن الثامنة، ثم يكتمل الذكاء الإنساني عند بلوغه السابعة عشر تقريباً.

الثانية: مقوم التربية:

تقوم العملية التربوية على عنصرين، وهما: التهذيب، والتأديب. وكثيراً ما يقع الخلط بينهما، ولا يلتفت إلى وجود طولية بينهما، فلا تصل النوبة للتأديب إلا بعد الفراغ عن التهذيب، وأسوء من ذلك أن يعمد للعقاب مباشرة من دون أن يكون هناك تهذيب ولا تأديب.

ونقصد من التهذيب: قيام الأبوين بعملية التوجيه والتعليم للطفل من خلال إعطائه النصائح والإرشادات اللازمة قبل الوقوع في الخطأ. فيعمد إلى تعليمه كيفية التعامل مع الكبار، ويعمد إلى تعليمه كيفية الجلوس على المائدة، وكيفية الجلوس في المجالس العامة، واحترام الوالدين، وعدم المقاطعة في الحديث، وهكذا.

وأما التأديب: فهو قيام الأبوين أو أحدهما بمعاقبة الطفل بعدما يتجاهل ما طلب منه تنفيذه، وعدم التـزامه بما هذب عليه.

ومن الواضح مدى الفرق بين الأمرين، فإن التهذيب يحتاج صبراً ومعاناة من الأبوين، لأنهما بصدد تعليم الطفل الطريقة السليمة في التعامل مع الحياة. وهذا عكس التأديب تماماً، فإنه لا يحتاج إلى أكثر من إيقاع العقوبة على الطفل حتى يتألم فيبكي ليكون ذلك رادعاً له عن تكرار الخطأ مرة أخرى.

كما أنهما يختلفان من حيث الآثار، فإن التهذيب تظهر آثاره ونتائجه مستقبلاً من خلال ما يؤديه الطفل من مراعاة للقيم الأخلاقية وآداب التعامل، والالتزام الشرعي، وهذا بخلاف التأديب، إذ ليس ضرورياً أن يكون العقاب المفروض على الطفل موجباً لردعه عن خطأه.

أسلوب التهذيب:

ونظراً لأهمية التهذيب في العملية التربوية، يلزم مراعاة التالي:

اولاً: إحاطة الأبوين بالقدرة الموجودة لطفلهما في الذكاء وتأدية الأعمال في كل مرحلة مرحلة، فإن الطفل ذو الخمس سنين قابليته تختلف عمن بلغ السابعة من عمره، وهما يختلفان عن البالغ عشر سنين، وهكذا. لهذا لا ينبغي أن يطالب الطفل أن يتصرف تصرفات الكبار، وهو في مرحلة لا يعي فيها إلا احتياجاته وشؤونه.

ثانياً: بناء علاقة متينة من الأب مع أولاده، فإن فقدان علاقة الحب بينهما مانع من تحقيق الغرض المطلوب، فالطالب الذي يكره أستاذه مثلاً لا يمكن أن يتفاعل مع مادته، ولا يكون معتنيا بها، فكذلك الأبن الذي لا يملك حباً لأبيه، لا يمكن أن يتفاعل مع نصائحه وتوجيهاته التهذيبية. ولهذا يحتاج الأب أن يجعل لنفسه وقتاً خاصاً يجلس فيه مع ولده، ويخصص له وقتاً خاصاً للاستماع إليه وتبادل الحديث معه.

ثالثاً: أن يكون الأب حازماً مع الطفل منذ السنين الأولى، ليرسم الطفل عن أبيه صورة جادة وأنه يعني ما يقول، لا أنه يتراجع عن قوله بمجرد أن يبدي الطفل انزعاجاً أو يأخذ في البكاء.

ولهذا من الأخطاء الشائعة في التربية تراجع الأب عما أتخذه من قرار تجاه السلوك الخاطئ من الطفل، إذ أن هذا يعطي للطفل تصوراً عن عدم جدية أبيه، فيستخدم هذا السلاح كل مرة ليجعل أباه يتراجع عن قراره، وهذا يوجب فشل العملية التربوية.

رابعاً: استخدام عنصر المكافأة على أعمال الطفل الجيدة، سواء كانت مكافأة معنوية، بكلمات المدح والإطراء والثناء عليه خصوصاً بين أقرانه وأخوته، أم كانت مادية.

أسلوب التأديب والعقاب:

ومع أن دوره لا ينكر في العملية التربوية، لكن يحسن بالوالدين عدم الإفراط فيه، حتى لا يكون مردوده عكسياً ولا يحقق الغرض المطلوب.

ويتم هذا الأسلوب بمراحل أيضاً، فلا ينتقل إلى الأمر الأشد إلا بعد أن يكون الأمر الأسهل فقد فاعليته، فالوصول إلى الضرب بعد عدم تأثير عقوبة الحرمان من بعض الأشياء المحببة للطفل، أو بعد عدم تأثير عزله عن بعض أصدقائه، وهكذا.

ولا ينبغي أن يعامل جميع الأطفال من حيث العقوبة على مستوى واحد، بل لابد من التفريق بينهم، فإن هناك أطفالاً أشقياء مشاغبين، يحتاجون إلى شدة في العقوبة معهم، بينما بعض الأطفال وإن صدر منهم الخطأ إلا أنهم ليسوا بذلك المستوى، فيلزم أن تكون عقوبتهم أخف حتى وإن كانوا أخوة في بيت واحد، فلا يعامل الجميع سواء.

ويمكن القول، أنه لا يوجد عندنا ضابطة محددة في هذا الجانب، بل يترك الأمر للأبوين يفعلا ما يجدان فيه المصلحة، لكن عليهما أن لا يفرطا في ذلك كثيراً.

ولا يحسن أن يتكرر أستخدام أسلوب العقوبة دائماً مع الطفل، فإن ذلك يفقد هذا الأسلوب أثره، بل من المستحسن أن يحسس الطفل في بعض الموارد بالعفو، وإعطاء فرصة جديدة لتحسين صورته، وهكذا.

وعندما يعمد الأب إلى تأديب الطفل بواسطة الضرب، فعليه أن يراعي الجانب الشرعي، بحيث لا يوجب ضربه إياه احمراراً ولا اخضراراً، ولا اسوداداً في بدنه، لأن ذلك يستتبع دية يدفعها إلى الطفل، ويختلف الحكم بحسب موضع الضربة، فإنها لو كانت في الوجه مثلاً، اختلفت ديتها عما لو كانت في موضع آخر من البدن، كما فصل ذلك في الفقه، فليلاحظ[17].

عوامل بناء شخصية الطفل:

ومما يساعد على نجاح العملية التربوية، اعتناء الأبوين ببناء شخصية الطفل، ولذلك عوامل:

منها: العاطفة والمحبة من الأبوين:

فإن ما يقدمه الأبوان إليه من عاطفة ومحبة، هو الذي يمنحه شخصية، فعلى الأم أن لا توكل أمر تربية طفلها لا إلى الخادمة، ولا إلى دور الحضانة ورياض الأطفال. كما على الأب أن يفيض حبه وحنانه على ولده، ويعتني بذلك كثيراً.

ومنها: عدم إهانته وانتقاصه:

يخطئ من يعتقد أن الإهانة أسلوب من أساليب التأديب، فإن التأديب أمر مطلوب، بينما الإهانة أمر محرم شرعاً، فليس الصراخ في وجهه تأديباً له. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تكون الإهانة والانتقاص له أمام الأجانب، خصوصاً أقرانه وأصدقاؤه.

ومن الأخطاء الشائعة أن يعمد الأبوان إلى توبيخ أبنهما، ومقارنته بزملائه في الدراسة، عندما لا يكون مواكباً لتفوقهم، ويغفلان عن أن هذا يوجب زرع الحقد والبغضاء في نفسه على زملائه، ويخلق منه إنساناً عدائياً.

ومنها: عدم استخدام الكلمات البذيئة في مخاطبته:

فإن بعض الآباء يقوم بتوجيه طفله حال تربيته ببعض الكلمات النابية والبذيئة التي لا يحسن صدورها من المربي، وأسوء من ذلك ما يصدر من بعض الأمهات من دعاء على أبنتها، وأنها تتمنى لها حياة تعيسة، وتسأل الله أن يرزقها أبناء أشقياء، وما شابه ذلك. ولا يتلفت الأبوان إلى مدى تأثير مثل هذه الأمور على الطفل خلال هذه الفترة، وما يخلفه ذلك فيه من أثر سلبي جداً.

بل إن اللازم على الأبوين أن يعمدا إلى منهج رسول الله(ص) والأئمة الأطهار والسيدة الزهراء(ع) في التعامل، من خلال الكلمة الطيبة، والأسلوب اللين والهادئ، بعيداً عن الانفعال والصياح.

ومنها: رعاية أطوار نمو الشخصية:

وقد عرفت في ما تقدم، أن للطفل أدواراً ثلاثة، فلا يكون التعامل معه فيها بمستوى واحد، بل يلزم التفريق بين كل دور دور، ويكون لكل واحد منها معاملته الخاصة التي تختلف عن الدور الذي قبله، والدور الذي يليه، فلاحظ[18].

[1] سورة يوسف الآية رقم 5.

[2] سورة لقمان الآية رقم الآية رقم 12.

[3] يحري الكلام سواء قلنا بكونه ولداً له، أم قلنا بكونه ربيبه، فلاحظ.

[4] سورة هود الآيتان رقم 42-43.

[5] سورة الصافات الآية رقم 102.

[6] سورة

[7] أود أن أؤكد على أن هذا ليس على نحو العلة التامة، بل هو على نحو المقتضي، فلابد من ملاحظة العوامل الأخرى، فتدبر.

[8] مكارم الأخلاق ص 204.

[9] وسائل الشيعة ب

[10] المصدر السابق

[11] مكارم الأخلاق ص 209.

[12] وسائل الشيعة ب

[13] سورة الكهف الآية رقم 82.

[14] تربية الطفل في الرؤية الإسلامية ص 49-117(بتصرف)

[15] تربية الطفل في الرؤية الإسلامية ص 360-371(بتصرف)

[16] الأخلاق القرآنية ج 1 ص 257-260(بتصرف)

[17] الأخلاق القرآنية ج 1 ص 225-265(بتصرف)

[18] تربية الطفل في الرؤية الإسلامية ص 227-238(بتصرف)