20 سبتمبر,2020

هل أن السابع والعشرين من شهر رجب يناسب ذكرى البعثة النبوية أم أنه ذكرى الإسراء والمعراج

اطبع المقالة اطبع المقالة

س: هل أن السابع والعشرين من شهر رجب الأصب يناسب ذكرى البعثة الشريفة للنبي(ص)، أم أنه ذكرى الإسراء والمعراج له(ص)؟

ج: لا يخفى أن في السؤال المذكور جانبين، جانباً دينياً، وجانباً تاريخياً، وغايتنا من الإشارة إلى هذا إخراج البحث عن الترف الفكري في الجملة، وعلى أي حال، أما الجانب التاريخي، فواضح.

وأما الجانب الديني، فإنه يختلف في كل واحد منهما عن الآخر، ذلك أنه في ذكرى الإسراء والمعراج، يمثل بعداً عقدياً خاصاً بالمذهب، استناداً لما تضمنته النصوص، من نفي الانتماء للمذهب لمن أنكر واحداً من أربعة أمور، كان أحدها هو الإسراء والمعراج، ففي الرواية عن ابن عمارة عن أبيه، قال: قال الصادق(ع): ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء: المعراج والمسائلة في القبر، وخلق الجنة والنار، والشفاعة[1].

بل يظهر من بعضها، أن لذلك ارتباطاً بالدين، لأن إنكاره يوجب تكذيب رسول الله(ص)، ومن الواضح أن تكذيبه يوجب الخروج من الدين، فعن الحسن بن فضال، عن الرضا(ع) أنه قال: من كذب بالمعراج فقد كذب رسول الله(ص)[2].

ولا يخفى مدى الفرق بين دلالة الخبرين، فإن الأول يوجب خروج المنكر للمعراج من المذهب، مع بقائه على صفة الإسلام كما لا يخفى، وهذا يخالف المستفاد من الخبر الثاني، فإن مفاده نفي صفة الإسلام عن منكره، وتفصيل الأمر يطلب من محله.

وأما في مسألة البعثة الشريفة، فلما تضمنته كلمات بعض الأعلام، من استحباب بعض الأعمال في يوم المبعث الشريفة، وأنه السابع والعشرون من شهر رجب الأصب، من الصيام والغسل وزيارة أمير المؤمنين(ع).

وعلى أي حال، لا يخفى أن البحث عن المسألة تارة بلحاظ كونها قضية تاريخية، وهذا يستوجب أن يكون المتبع فيها ما تثبته القاعدة التاريخية المتبعة.

وأخرى، سوف يكون البحث عنها بلحاظ بعدها الديني، سواء كانت ذات صبغة عقدية، لا ترتبط بأصول الدين، أم كانت ذات صبغة فقهية، فإنه يلحظ فيها ما قامت على حجيته الأدلة المعتبرة.

وعلى أي حال، فإن لأعلامنا، قولين في تحديد مناسبة يوم السابع والعشرين من شهر رجب الأصب:

أحدهما: أن يوم السابع والعشرين، هو يوم البعثة الشريفة، وهو الذي كلف فيه النبي(ص) بدعوة قومه، ونزل عليه الأمين جبرائيل(ع، بأول آيات القرآن الكريم في نزوله التدريجي. والظاهر أن هذا محط اتفاق بين أعلامنا، ولم يعرف في ذلك خلاف بينهم.

قال المفيد(قده) في المقنعة: باب صلاة يوم المبعث، وهو يوم السابع والعشرين من رجب، بعث الله فيه نبيه محمداً(ص) فعظمه وشرفه، وقسم فيه جزيل الثواب وآمن فيه من عظيم العقاب[3].

وقال السيد اليزدي(ره) في العروة في الأغسال المندوبة، الزمانية منها: السادس: غسل أيام من رجب، وهي أوله ووسطه وآخره، ويوم السابع والعشرين منه، وهو يوم المبعث، ووقتها من الفجر إلى الغروب، وعن الكفعمي والمجلسي استحبابه في ليلة المبعث أيضاً، ولا بأس به لا بقصد الورود[4].

ثانيهما: أن يوم السابع والعشرين، يصادف ذكرى حادثة الإسراء والمعراج، عندما ابتدأت الرحلة من مكة المكرمة، وتضمنت الذهاب إلى المسجد الأقصى، ثم كانت النهاية في السماء عند سدرة المنتهى.

والمتداول حصر القول به في خصوص العامة، وأنهم القائلون بذلك. وظاهر مثل هكذا تعابير عدم وجود قائل به من الشيعة، وإن وجد، فإنهم شرذمة قليلة، ما يجعل قولهم شاذاً.

والإنصاف، أنني لم أقف على قائل بذلك صريحاً في أعلامنا، بل إن الموجود في كلمات من أشار إلى وقوع الحادثة في السابع والعشرين من رجب، ذكره أن ذلك أحد الأقوال المذكورة، أو أنه الأشهر قولاً بين الأعلام، لكنني لم أقف على تصريح لأحد منهم بأن يوم السابع والعشرين هو يوم الإسراء والمعراج، ففي أعيان الشيعة للسيد الأمين(ره) قال: الإسراء والمعراج، قيل: كانا في ليلة واحدة، واختلف في تاريخ ذلك، فقيل: كان ذلك سنة اثنتي عشرة من البعثة قبل الهجرة بسنة أو سنة إحدى عشرة من البعثة قبل الهجرة بسنتين، أو قبل الهجرة بستة أشهر في السابع عشر من شهر رمضان، ليلة السبت أو بعد النبوة بسنتين ليلة الاثنين في شهر ربيع الأول أو ليلة سبع عشرة من ربيع الأول أو ليلة سبع وعشرين منه، أو ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر، أو ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان، أو ليلة تسع من ربيع الآخر، أو ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان، أو ليلة تسع وعشرين منه، أو ليلة سبع وعشرين من رجب، على اختلاف الروايات والأقوال وقيل كانا في وقتين مختلفين، والمعراج بعد الإسراء في ليلة أخرى[5].

وعبارته واضحة في عدم اختياره لكون الحادثة قد وقعت في السابع والعشرين من رجب كما لا يخفى.

وجاء في المجالس السنية: وعرج به من المسجد الأقصى إلى السماء في ليلة واحدة في شهر ربيع الأول، أو ليلة سبع وعشرين من رجب على اختلاف الأقوال والروايات.

وهي كسابقتها في عدم تضمنها تحديداً لوقت الكرامة، وأنه قائل بوقوعها فيه، فتدبر.

وحتى من عاصرناه من الأعلام، فإنه نص في تفسيره على أنه المشهور، من دون أن يشير إلى أن ذلك مختار الشيعة، أو أنه قول العامة، حيث أشار إلى وقوع الاختلاف في وقت الإسراء والمعراج، وأن فيه أقوالاً، كان الخامس عشر منها، أنه قد وقع في السابع والعشرين من رجب في السنة الثانية من الهجرة[6].

ولم يلتـزم بشيء من الأقوال التي ذكر، مع أنه لو بني على اختياره الأخير منها، وهو الخامس عشر، فيكفي لرده أنه خلاف الإجماع المركب القائم بين المسلمين على أن الإسراء والمعراج كان قبل الهجرة إلى المدينة المنورة، نعم هناك نصوص تضمنت تعدد حادثة الإسراء، إلا أن الحديث كما لا يخفى عن الحادثة التي تضمنت الذهاب للمسجد الأٌقصى، واشتملت على الصلاة بالنبيـين(ع)، وفرض فيها الصلاة، وكان العروج فيها بالروح والجسد، فتدبر.

وحتى ما جاء في كتاب شجرة طوبى للمازندراني، لا يخرج عن ذلك، فلاحظ.

حتى أن من يتصور فيه التصريح، كالعلامة الشيخ فرج العمران القطيفي(ره)[7]، حيث قال(قده): وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر المؤرخ، وهو يوم المعراج. يمكن حمل كلامه على كونه المشهور، أو الأشهر، لا على أنه مختاره، فتأمل.

والحاصل، لم أظفر في كلمات الأعلام(رض)، ما يشير إلى تبني أحد منهم القول بوقوع الحادثة المذكورة في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب الأصب، فتدبر.

وقد ذكر ابن شهرآشوب عن ابن عباس وقوعها في شهر ربيع الأول، وعن الواقدي والسدي وقوعه في السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك.

وفي كتاب المنتقى للكازورني، أقوال في تحديد الإسراء:

منها: ما نسبه للواقدي، من أن الحادثة قد وقعت في ليلة السبت السابع عشر.

ومنها: أنه كان في شهر ربيع الأول بعد مضي سبعة عشر ليلة منه قبل الهجرة بسنة.

ومنها: أنه كان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب[8].

وجاء في كتاب العدد القوية حكاية أقوال أيضاً في تحديد زمان الحادثة، فذكر:

1-أنها قد وقعت في ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان. قبل الهجرة بستة أشهر.

2-أن تاريخ وقوعها كان قبل الهجرة بستة أشهر في ليلة السبت السابع عشر من شهر رمضان المبارك.

3-أن ذلك كان في ليلة الاثنين من شهر ربيع الأول بعد البعثة بسنتين.

ثم حكى مؤلف العدد القوية عن كتاب التذكرة، أن الإسراء والمعراج كان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب الأصب في السنة الثانية من الهجرة النبوية[9].

ولم أجد أحداً من القائلين، بأن السابع والعشرين هو يوم الإسراء والمعراج، قد نفي أن يكون هذا اليوم، هو يوم البعثة الشريفة أيضاً. وهذا بخلافه في الملتـزمين بأن السابع والعشرين، هو يوم البعثة الشريفة، فإن بعضهم ينص على نفي كونه يوم الإسراء. وهذا ما حكي عن السيد العلامة الطباطبائي(قده)، من أن الموجب لجعل السابع والعشرين من رجب وقتاً لحادثة الإسراء، وأنه لم يكن في شهر رمضان المبارك، غايته إنكار انعقاد نطفة الطاهرة الزهراء(ع) من طعام الجنة.

وأما أبناء العامة، فقد اختلفوا في تحديد يوم بعثته الشريفة، ولهم في ذلك أقوال خمسة:

منها: أن البعثة الشريفة قد وقعت في شهر رمضان المبارك في الليلة السابعة عشر منه.

ومنها: أنها كانت في الثامن عشر من شهر رمضان المبارك.

ومنها: أنها كنت بعد مضي أربع وعشرين ليلة من شهر رمضان المبارك.

ومنها: أنها كانت في الثاني عشر من شهر ربيع الأول.

ومنها: أنها كانت في السابع والعشرين من شهر رجب الأصب.

وقد عدّ يوم السابع والعشرين يوم البعثة، مختار ابن عباس وأنس بن مالك، كما عن ابن شهرآشوب فقد حكى عنهما قولهما: أوحى الله إلى محمد(ص) يوم الاثنين السابع والعشرين من رجب[10].

وقد روى ذلك من العامة، في كنـز العمال، عن البيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان الفارسي، قال: في رجب يوم وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمن صام مائة سنة وقام مائة سنة، وهو لثلاث بقين من رجب، وفيه بعث الله محمداً[11].

وفي السيرة الحلبية، حكى عن الدمياطي في سيرته عن أبي هريرة، قال: من صام يوم سبع وعشرين من رجب، كتب الله تعالى له صيام ستين شهراً، وهو اليوم الذي نزل فيه جبرئيل على النبي بالرسالة، وأول يوم هبط فيه جبرئيل[12].

ومقتضى ما تقدم، يظهر أن القول بكون السابع والعشرين من رجب يوم البعثة الشريفة، ليس منحصراً في خصوص الشيعة، بل هناك من يقول به من الصحابة، كما أن هناك قائلاً به من العامة، فلاحظ.

ثم إن البحث ينبغي أن يكون تارة بلحاظ الجانب الديني في كليهما، وقد عرفت أنه لابد من توفر ما يصلح الاستناد إليه في مقام الاستدلال، وأخرى بلحاظ الجانب التاريخي، وعندها سوف يكون المتبع مقتضى القاعدة التاريخية في مقام الإثبات.

الجانب الديني:

أما الجانب الديني، فقد يستدل للقول الأول، بالنصوص:

منها: ما رواه الحسن بن راشد، عن أبي عبد الله(ع)، قال: قلت: جعلت فداك، للمسلمين عيد غير العيدين؟ قال: نعم يا حسن، أعظمهما وأشرفهما. قلت: وأي يوم هو؟ قال: هو يوم نصب أمير المؤمنين(ع) فيه علماً للناس. قلت: جعلت فداك، وما ينبغي لما أن نصنع فيه؟ قال: تصومه يا حسن، وتكثر من الصلاة على محمد وآله، وتبرأ إلى الله ممن ظلمهم، فإن الأنبياء(ص) كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتخذ عيداً. قال: فقلت: فما لمن صامه؟ قال: صيام ستين شهراً، ولا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب، فإنه هو اليوم الذي نزلت فيه النبوة على محمد(ص)، وثوابه مثل ستين شهراً لكم[13].

ولا يذهب عليك، أن ما يهمنا مما تضمنه الخبر المذكور، أمرين:

الأول: استحباب صيام يوم السابع والعشرين من شهر رجب.

الثاني: أن يوم السابع والعشرين منه، هو يوم بعثة النبي(ص).

وهذا يعني أن دلالته على المدعى واضحة جداً لا مجال لإنكارها. نعم ربما قيل، بأن الخبر المذكور، وإن تضمن النص على أن السابع والعشرين من رجب، هو يوم البعثة الشريفة، إلا أنه لم يتضمن نفي حصول حادثة الإسراء والمعراج فيه، بل ساكت عن ذلك.

اللهم إلا أن يقال، إنه لما كانت حادثة البعثة الشريفة متقدمة زماناً على حادثة الإسراء، وكونه(ع) في مقام البيان، وسكوته عن الإشارة إلى الحادثة المتأخرة، فإنه يكشف عن عدم ثبوتها، فلاحظ.

ولمنع الاستناد للخبر المذكور مجال، فإن سنده قد اشتمل على كل من القاسم بن يحيى، وقد ضعفه ابن الغضائري(ره)، كما اشتمل على الحسن بن راشد، فلاحظ.

ومنها: مرسل سهل بن زياد عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الأول(ع) قال: بعث الله عز وجل محمدا(ص) رحمة للعالمين في سبع وعشرين من رجب، فمن صام ذلك اليوم، كتب الله له صيام ستين شهراً، وفي خمسة وعشرين من ذي القعدة وضع البيت، وهو أول رحمة وضعت على وجه الأرض، فجعله الله عز وجل مثابة للناس، وأمناً، فمن صام ذلك اليوم، كتب الله له صيام ستين شهراً، وفي أول يوم من ذي الحجة ولد إبراهيم خليل الرحمن(ع)، فمن صام ذلك اليوم، كتب الله له صيام ستين شهراً[14].

وهو من حيث الدلالة كسابقه، فقد تضمن الأمرين السابقين، استحباب صيام يوم السابع والعشرين من شهر رجب، وأنه يوم المبعث الشريف، فلاحظ.

إلا أن المشكلة المانعة من الاستناد إليه، هي عين المشكلة الموجودة في سابقه لضعفه السندي، فمضافاً إلى كونه مرسلاً، فإن سهل بن زياد، لا يمكن أن يروي عن أبي الحسن الأول، وهو الإمام الرضا(ع) بدون واسطة، فقد اشتمل على سهل نفسه، وقد ذكرنا في بعض البحوث المفصلة، أنه لو لم يحكم بضعفه، فلا أقل من البناء على كونه مهملاً، لتساقط ما دل على توثيقه مع ما دل على تضعيفه بعد تعارضهما، وعدم إمكانية ترجيح أحدهما على الخر.

وقد تحصل، عدم تمامية الخبرين المذكورين للدليلية، بسبب ضعفهما السندي.

ومنها: ما رواه كثير النوا، عن أبي عبد الله(ع) قال: في اليوم السابع والعشرين من رجب نزلت النبوة على رسول الله(ص)[15].

وهو تام من حيث الدلالة على تحديد يوم البعثة الشريفة، وأنه السابع والعشرين من رجب، إلا أن المشكلة أن راويه وهو كثير النوا، لم تثبت وثاقته، نعم لو بني على القبول بكبرى أصحاب الإجماع المدعاة في كلام الكشي، أمكن البناء على ذلك، فإن الراوي عنه هو أبان بن عثمان إلا أن المفصل في محله عدم تماميتها، فلاحظ.

ومنها: ما رواه علي بن محمد رفعه: قال: قال أبو عبد الله(ع): يوم سبعة وعشرين من رجب نبئ فيه رسول الله(ص): من صلى فيه أي وقت شاء اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بأم القرآن وسورة ما تيسر، فإذا فرغ وسلم وجلس مكانه، ثم قرأ أم القرآن أربع مرات، والمعوذات الثلاث كل واحدة أربع مرات، فإذا فرغ وهو في مكانه، قال: لا إله إلا الله والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله أربع مرات…ألخ.[16].

وهو لا يقصر عن سوابقه فقد تضمن أمرين:

الأول: نصه على أن يوم المبعث الشريف، هو يوم السابع والعشرين من شهر رجب.

الثاني: أن هناك صلاة خاصة بذلك اليوم، يستحب الإتيان بها.

لكن يبقى الإشكال في سنده، فإنه مرفوع، وهذا يمنع من الاستدلال به، فلاحظ.

وقد يستند أيضاً لخبر الحسن بن بكار الصيقل، عن أبي الحسن الرضا(ع) قال: بعث الله محمداً(ص) لثلاث بقين من رجب[17]. وهو تام الدلالة على المدعى، إذ تضمن تحديد ليلة البعثة الشريفة بالسابع والعشرين من رجب. إلا أن النص قد رواه صاحب الوسائل هكذا: بعث الله محمد(ص) لثلاث ليال مضين من رجب، وصوم ذلك اليوم كصوم سبعين عاماً[18].

ولا يخفى أن مقتضى ذلك، كون المبعث الشريف في الثالث من شهر رجب وليس في السابع والعشرين، وهذا يوجب كون الخبر المذكور معارضاً لما تقدم من النصوص.

إلا أن صاحب الوسائل(ره)، حكى كلاماً لسعد بن عبد الله الأشعري، وهو: كان مشايخنا يقولون: إن ذلك غلط من الكاتب، وإنه لثلاث بقين من رجب[19]. يوجب عدم التعويل على النقل الثاني، والبناء على خصوص النقل الأول منهما.

وما ذكر وإن كان ممكناً، بل لا يبعد تصوره، لمقاربة النسخ بين كلمة(بقين) وكلمة(مضين)، وهذا يوجب الاشتباه عند الناسخ، حال النسخ.

إلا أن الجزم بذلك، في غيره محله، لأنه لا يوجد ما يوجب ترجح أحد المحتملين على الآخرين، فكما يحتمل أن يكون المورد بقين، يمكن أن يكون المقصود به مضين.

نعم الظاهر أن الذي دعى سعد بن عبد الله الأشعري لترجيح بقين على مضين، هو التصحيح القياسي للنص محل البحث على النصوص الأخرى التي تضمنت ذلك.

وهذا ليس مقبولاً على إطلاقه، نعم يمكن القبول به في خصوص أخبار ابن أبي عمير، لما جرى عليها كما هو مذكور في ترجمته، وليس مطلقاً، وتفصيله يطلب من محله.

وبالجملة، إن مثل هكذا نص، يصعب الوثوق به، والجزم بمتنه كي ما يكون دليلاً على المدعى. هذا كله بعد الفراغ عن إحراز أصالة الصدور فيه، وليس الأمر كذلك، فلاحظ.

ومنها: خبر أبي إسحاق ابن عبد الله، عن أبي الحسن علي بن محمد(ع)، أنه قال له: الأيام التي يصام فيهن أربعة: أولهن يوم السابع والعشرين من رجب، يوم بعث الله محمداً(ص) إلى خلقه رحمة للعالمين[20]. وقد تضمن الخبر المذكور أمرين:

أولهما: أنه يستحب صيام يوم السابع والعشرين من شهر رجب.

الثاني: أن يوم السابع والعشرين من رجب، هو يوم البعثة الشريفة.

ويبقى المانع من الركون إليه دليلاً على المدعى، ضعفه السندي، فتدبر.

ومنها: خبر محمد بن عفير الضبي، عن أبي جعفر الثاني(ع) قال: إن في رجب لليلة خير مما طلعت عليه الشمس، وهي ليلة سبع وعشرين من رجب، فيها نبئ رسول الله(ص) في صبيحتها، وإن للعامل فيها من شيعتنا أجر عمل ستين سنة، قيل له: وما العمل فيها أصلحك الله؟ قال: إذا صليت العشاء الآخرة أخذت مضجعك، ثم استيقظت أي ساعة…ألخ[21].

وقد تضمن الخبر المذكور أمران:

الأول: تحديد يوم البعثة الشريفة بأنه يوم السابع والعشرين من شهر رجب.

الثاني: وجود عمل مخصوص يستحب الإتيان به في ليلة السابع والعشرين من هذا الشهر، وهي صلاة بكيفية مخصوصة تضمنها الخبر.

إلا أن المشكلة تكمن في ضعف الخبر سنداً الموجب لعدم إمكانية الاستناد إليه في الاستدلال، فلاحظ.

هذا وقد يعمد إلى معالجة الخلل السندي الموجود في النصوص، بحيث يمكن الاستفادة منها في إثبات المدعى، بأحد بيانين:

الأول: الاستفادة من قاعدة التسامح في أدلة السنن، ومن ثمّ سوف يلتـزم بثبوت الأثر الذي تضمنته النصوص، فيثبت المطلوب.

ولا يذهب عليك، أنه بعد التسليم بثبوت القاعدة المذكورة، فهنا دعويـان، يلزم ملاحظة شمولية القاعدة لهما:

الأولى: الحكم باستحباب صيام يوم السابع والعشرين من شهر رجب، أو استحباب الصلاة فيه، أو الغسل، أو زيارة أمير المؤمنين(ع).

الثانية: إثبات أن يوم السابع والعشرين هو يوم البعثة الشريفة، وليس يوم حادثة الإسراء مثلاً.

ولا إشكال عند القائلين بثبوت القاعدة، في دلالتها على ثبوت الحكم بالاستحباب لما تضمنه الخبر الضعيف، وعليه يلتـزم باستحباب صيام يوم السابع والعشرين من شهر رجب أو الصلاة أو الغسل أو الزيارة.

إلا أن الكلام في الدعوى الثانية، وأنه هل يمكن أن يستفاد من القاعدة المذكورة، في إثبات القضايا التاريخية، أم لا؟

قد يقال، بشمول القاعدة لمثل هكذا موارد، على أساس أن المستفاد منها هو ترتب الثواب على كل عمل من الأعمال، ومن المعلوم أن ثبوت يوم السابع والعشرين من شهر رجب أنه يوم البعثة، سوف يكون مورداً لإحياء ذلك اليوم، ما يجعله مصداقاً لإحياء أمرهم(ع)، فلاحظ.

ولا يخفى أنه وفقاً لهذا التقريب، لن يكون الأمر منحصراً في خصوص أوقات الفرح، بل سوف يكون الأمر سارياً لمصائبهم(ع) فيمكن أن يلتـزم بثبوت أي مصيبة من المصائب المنسوبة إليهم(ع) وإن وردت بطريق ضعيف، لأن ذكرها يستوجب البكاء فيكون مصداقاً لإحياء الشعيرة، ويترتب عليه الثواب، فيكون مشمولاً للقاعدة المذكورة.

وببالي، أنه لما كنت مجاوراً في قم المقدسة، في رحاب سيدة عش آل محمد(ع)، أنني وقفت على بعض القائلين بهذا القول، ولعل منهم الشهيد الثاني(قده)، إلا أنني لست جازماً، ولم يتسن لي وقت للمراجعة.

وعلى أي حال، فقد منع الفقيه السيد البجنوردي(قده)، من القبول بالدعوى المذكورة، على أساس أنه يلزم التفريق بين الموضوع والحكم، فإن الذي تثبته القاعدة المذكورة، هو الأجر والثواب، وأما أن السابع والعشرين يوم البعثة الشريفة، فهذا من الموضوعات الخارجية، والتي لا تثبت بالخبر الصحيح، فضلاً عن الضعيف، فلاحظ[22].

ومقتضى ما تقدم، أن أقصى ما يمكن استفادته من القاعدة المذكورة، هو استحباب صيام يوم السابع والعشرين من شهر رجب، أو الصلاة المعينة فيه، أو استحباب الغسل، أو الزيارة. أما أنه يوم البعثة الشريفة، فإن إثباته لن يكون بواسطتها، بل لابد من طريق آخر.

اللهم، إلا أن يدعى، بأن القاعدة لما كانت مثبتة للاستحباب بمقتضى الدلالة المطابقية، فإنه يثبت أنه يوم السابع والعشرين بالدلالة الإلتـزامية، فتأمل جيداً.

وهو ممنوع، لأن محبوبية الصوم في يوم السابع والعشرين من شهر رجب، قد تضمنته بعض النصوص، من دون تحديد كونه يوم البعثة الشريفة، أو يوم الإسراء والمعراج، فقد روى الشيخ(ره) في كتابه المصباح عن الريان بن الصلت قال: صام أبو جعفر الثاني(ع) لما كان ببغداد، صام يوم النصف من رجب، ويوم السابع والعشرين منه، وصام معه جميع حشمه[23].

الثاني: الاستفادة من قاعدة أن عمل المشهور بالرواية الضعيفة السند يوجب جبر ضعفه السندي، ويدخله دائرة الحجية، فيصلح الاستدلال به.

ولا كلام في ثبوت العمل، لما عرفت من وجود الاتفاق بين أعلامنا، على أن يوم السابع والعشرين، هو يوم البعثة الشريفة.

ولا يذهب عليك، أن الكلام في عدم اختصاص الكبرى المذكورة بباب الأحكام، على أساس أن منشأ القبول بها يعود لنكتة عقلائية، مفادها أن كل ما يعمل به المشهور ،يوجب حصول الاطمئنان عند الفقيه، فيمكنه الاعتماد عليه.

إلا أن الجزم بالتعدية، وعدم الاختصاص، بباب الأحكام الفرعية من الصعوبة بمكان، خصوصاً وأن منشأ الحجية هو السيرة، وهو من الأدلة اللبية التي لا لسان لها، فيقتصر فيها على القدر المتيقن، فلاحظ.

اللهم إلا أن يقال، إن وجود الشهرة من الأصحاب على ثبوت الاستحباب لصيام يوم السابع والعشرين، يكشف عن وجود شهرة بينهم على أنه يوم البعثة الشريفة، وهذا وإن لم يثبت كحكم، إلا أنه يثبته كقضية تاريخية، وهو غير بعيد، كما سوف نشير إليه إن شاء الله تعالى.

ثم إنه بعد التسليم بتمامية المقتضي، على أن يوم السابع من شهر رجب، هو يوم البعثة الشريف، يلزم البحث عن المانع، فإن في المقام نصاً يعارض النصوص السابقة، وهو ما رواه الفضل بن شاذان، عن الرضا(ع)، قال: فإن قال: فلم جعل الصوم في شهر رمضان خاصة دون سائر الشهور؟ قيل: لأن شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن-إلى قوله(ع)-وفيه نبئ محمد(ص)[24]. وقد تضمن أن البعثة الشريفة لم تكن في شهر رجب الأصب، بل كانت في شهر رمضان المبارك، وهذا أحد الأسباب التي دعت إلى اختصاصه بالصيام دون غيره من الشهور الأخرى. نعم هو لم يتضمن تحديداً لليلة التي جرت فيها الحادثة المذكورة، لكن يمكن إحرازها من خلال نزول القرآن الكريم، وأنها ليلة القدر، فتكون ليلة البعثة الشريفة، هي نفس ليلة نزول القرآن الكريم، وهي ليلة القدر، فلاحظ.

ويمكن البناء على حجيته، وعدم الخدشة في سنده، اعتماداً على أن مصدره هو عيون أخبار الرضا(ع)، ويقصد من العيون المنتخب من الجيد، فيكون مفاده ما كان معتبراً، وليس كل خبر خبر، فيبنى على أن الذي تضمنه الكتاب، هو ما يبنى على حجيته، والقبول به، فتدبر.

ومع الالتـزام بكون النصوص التي تضمنت التحديد بالسابع والعشرين من رجب، تامة سنداً، فسوف تقع المعارضة، ولهذا عمد غواص بحار الأنوار العلامة المجلسي(قده)، إلى معالجة، ذلك فذكر جمعاً عرفياً، من خلال التصرف بمدلول خبر الفضل، بعرض محتملات[25]:

منها: أن يكون المقصود من قوله(ع): فيه نبئ محمد(ص)، ليس بدء بعثته بالرسالة إلى الناس، وإنما يقصد به بدء نزول القرآن الكريم عليه، فإن القرآن لم ينـزل عليه في شهر رجب عندما بعث، وإنما كان بدء نزوله عليه(ص) في شهر رمضان المبارك.

وفيه: إن هذا مبني على تفسير نزول القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك في ليلة القدر، على نزوله التدريجي، وابتداء نزوله، أما بناء على ما هو الصحيح، من أن المقصود به نزوله الدفعي، وليس التدريجي، فلن يكون للوجه المذكور مجال. هذا مع أنه خلاف الظاهر جداً، لأنه لا وجه لحمل قوله(ع): نبئ، على نزول القرآن الكريم.

منها: أن يكون المقصود من النبوة فيه معنى آخر يغاير المقصود من النبوة في النصوص، فإن النبوة فيها بمعنى الرسالة والبعثة، وأما النبوة فيه، فيقصد بها نزول الوحي على النبي(ص) النـزول الدفعي، قبل أن يبعث للناس.

ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جداً، فإنه ما لم يكن في البين قرينة موجبة لحمل اللفظ على خلاف ظاهره، فإنه لا يصار إليه، وليس في المقام ما يوجب الحمل المذكور، فلاحظ.

ثم أشار(ره) إلى أنه لو بني على استقرار المعارضة، لعدم القبول بشيء من الجموع العرفية المتقدمة، فسوف يعمد إلى ترجيح النصوص المتقدمة، والتي تضمنت أن المبعث الشريف في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، وحمل خبر الفضل بن شاذان على التقية.

وهذا غريب منه(قده)، لأنه نص على اختلاف العامة في تحديد زمان بعثته، وحكى عنهم أقوالاً خمسة:

أحدها: أن بعثته كانت بعد مضي سبعة عشر ليلة من شهر رمضان المبارك.

الثاني: أنها كانت بعد مضي ثمانية عشر ليلة منه.

الثالث: أنها كانت في ليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان.

الرابع: أنها كانت في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول.

الخامس: أنها كانت في السابع والعشرين من شهر رجب.

فكيف بعد هذا يعمد للترجيح بالحمل على التقية. مضافاً إلى أنه قد ذكر في محله أن حمل النص على التقية يحتاج وجود نكتة عقلائية تدعو لصدوره تقية من الإمام(ع)، والظاهر عدم توفر مثل هذا في النصوص الصادرة عن الإمام الرضا(ع)، لأنه لو حملنا الإتقاء على أي موجب سواء الاتقاء من فقهاء السلطان، أم غير ذلك، فلن يكون موجباً لأن يتقي من أحدهم، وهو(ع) ولي العهد، والرجل الثاني في الدولة بعد الخليفة، فلاحظ.

هذا ولما كانت النسبة بين النصوص نسبة التباين، فلا مناص من البناء على سقوطها جميعاً، ورفع اليد عنها، وعدم إمكانية الاستناد إلى شيء منها، فلاحظ.

ويستدل للقول الثاني، بما رواه مرسلاً في الخرائج والجرائح، عن أمير المؤمنين(ع) قال: لما كان بعد ثلاث سنين من مبعثه(ص) أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به منه إلى السماء ليلة المعراج[26].

ومع أن الخبر لم يتضمن تحديداً لكون يوم الإسراء والعراج وقع في شهر رجب، فضلاً عن أنه يوم السابع والعشرين منه، إلا أنه يقرب الاستدلال به، على أساس ما تضمنه قوله(ع): من مبعثه(ص)، فإن مبعثه(ص) كما هو معروف كان في شهر رجب الأصب، في السابع والعشرين منه، فيكون إسرائه أيضاً في نفس الشهر، وفي نفس اليوم.

وبكلمة أخرى، إن كلمة (من)الواردة في الخبر بيانية، تفيد تحديد وقت وقوع حادثة الإسراء والمعراج، بأنها نفس وقت حصول حادثة البعثة الشريفة.

والإنصاف، عدم وضوح التقريب المذكور، فإن أقصى ما يستفاد من الخبر، هو جعل بعثته الشريفة مبتدأ لتحديد المدة الزمنية التي وقع الإسراء فيها، وهذا نظير جعل هجرته المباركة للمدينة المنورة، مبتدأ للتأريخ، فإنه عندما يقال، من تاريخ هجرته، فإن ذلك لا يعني أنه في نفس يوم حصول هجرته، بل يكون من وقت الهجرة، ولم يتعرض أمير المؤمنين(ع)، لبيان مقدار الفاصل ما بين البعثة والإسراء من أيام، بل أكتفى بتحديد السنة التي كانت فيها الحادثة، فلاحظ.

هذا مع رفع اليد عن الخدشة السندية، إذ قد عرفت أن الخبر مرسل، ولا مجال للاستناد لقاعدة التسامح في أدلة السنن، لما عرفت قبل قليل، من عدم إمكانية الاعتماد عليها في إثبات الموضوعات الخارجية، فتدبر.

نعم ذكر بعض الباحثين(حفظه الله) كلاما يوحي البناء على دلالة الخبر على وقوع حادثة الإسراء في نفس تاريخ البعثة الشريفة، لكنها ليست الحادثة محل البحث التي كان فيها العروج بالروح والجسد، وإنما هي عملية المعراج الثانية[27]. ومن المعلوم أن هذا أجنبي عن محل كلامنا، فتدبر.

وقد تحصل، أنه لم يثبت شيء من القولين وفقاً للجانب الديني، فلاحظ.

الجانب التاريخي:

ثم إنه بعد الفراغ عن الجانب الديني، يقع البحث في الجانب التاريخي، ولا يخفى أنه قد قرر في محله أن القضايا التاريخية يكون ثبوتها وفقاً لشهرتها، بمعنى أنه متى ما أحرزت شهرة قضية من القضايا التاريخية، كان ذلك موجباً للبناء على ثبوتها، وأما ما لم تثبت الشهرة، فإنه لا يمكن الجزم بها.

وهذا يعني أنه في كل قضية من القضايا التاريخية، لابد من إحراز الشهرة فيها كي ما يلتـزم بثبوتها، وإلا فلا. وعليه، يلزم البحث في شهرة أي من القضيتين.

ولا يذهب عليك، أن المتصور أمران:

أحدهما: أن يحرز وجود شهرة لإحدى القضيتين دون الأخرى، وهذا موجب للبناء على ثبوت القضية المشهورة.

ثانيهما: تحديد الوظيفة حال إحراز الشهرة لكلتيهما.

أما الأمر الأول، فالبحث في إحراز شهرة إحدى القضيتين محل البحث، فهل أن الشهرة التاريخية منعقدة على وقوع حادثة البعثة الشريفة في يوم السابع والعشرين من شهر رجب، أو أن الشهرة قائمة على وقوع حادثة الإسراء والمعراج فيه؟

قد عرفت من خلال عرض الأقوال والكلمات، أنه لم نظفر بين القائلين بوقوع حادثة الإسراء في السابع والعشرين من رجب، من ينفي كون هذا اليوم، هو يوم البعثة الشريفة، بينما المحكي هو عكس ذلك.

وهذا يكشف عن وجود اتفاق، ولا أقل من وجود شهرة قوية جداً على وقوع حادثة البعثة الشريفة في مثل هذا اليوم، وأن الأقوال الأخرى المذكورة في البين، تعدّ أقوالاً شاذة لا يسمع إليها.

نعم ما لا ينكر هو وجود قائلين بوقوع حادثة الإسراء في ليلة السابع والعشرين من رجب، إلا أن الإنصاف، عدم إمكانية عدّ ذلك قولاً مشهوراً، بل هو في عداد الأقوال المذكورة، نعم قد أشير في تفسير بعض المعاصرين(حفظه الله)، إلى أن وقوع الحادثة في شهر رجب، يعدّ قولاً مشهوراً، لكنه لم يحدد ذلك في السابع والعشرين منه، فلاحظ[28].

وأما الأمر الثاني، وهو على فرض البناء على ثبوت الشهرة التاريخية لكلتا الحادثتين، لفضيلة البعثة الشريفة، ولمعجزة الإسراء والمعراج، فما هي الوظيفة المتبعة حينئذٍ؟

لا ريب أن مقتضى ثبوت الشهرة التاريخية لكليهما، يستدعي البناء على ثبوت الكرامتين في هذه الليلة، خصوصاً وأنه لا يلزم من ثبوتهما معاً في ليلة واحدة أي مانع عقلي، بل ولا مانع شرعي، أو عرفي، خصوصاً وأن المؤرخين متفقون على مغايرة السنة التي وقعت فيه كلتا الحادثتين، فتدبر.

خاتمة:

تضمنت بعض كتب الأدعية استحباب جملة من الأعمال يوم السابع والعشرين من شهر رجب، كاستحباب الغسل، واستحباب الصيام، واستحباب زيارة أمير المؤمنين(ع)[29]، وقد يظهر من بعض النصوص أن ذلك لكونه يوم السابع والعشرين، وليس لكونه يوم البعثة أو يوم الإسراء والمعراج، وإن كان ربما استظهر أن ذلك لكونه يوم المبعث الشريف، وأن من خصوصيات هذا اليوم المبارك، ثبوت بعض الأعمال العبادية الخاصة فيه، من غسل، وصيام، وزيارة.

وكيف ما كان، لا مانع من النظر في ثبوت الأحكام الثلاثة المذكورة، والحكم باستحبابها، فهنا فروع ثلاثة:

الأول: استحباب صيام يوم السابع والعشرين من رجب، سواء كان يوم البعثة الشريفة، أم لأنه يوم السابع والعشرين، وقد عرفت دلالة جملة من النصوص على ذلك، إلا أنها ضعيفة الأسناد، فإن بني على تمامية قاعدة التسامح في أدلة السنن، أمكن القول بالاستحباب، وإلا كان الإتيان به بعنوان رجاء المطلوبية لنيل الثواب، وفقاً لما تفيده نصوص من بلغ، لو سلم تمامية شيء من نصوصها سنداً.

الثاني: قد عرفت أن صاحب العروة(ره) نص على أن من الأغسال المسنونة غسل يوم المبعث، وقد ذكر السيد السبزواري(ره)، أنه لا يوجد نص فيه بالخصوص، وإنما ينحصر دليله في الإجماع. ثم ذكر أنه يمكن استفادة استحبابه مما ورد في الأغسال المستحبة، كغسل الجمعة، والعيدين، ويوم النيروز، ويوم الغدير، ويوم المولود، من خلال إلغاء الخصوصية فيها، ليكون المقصود استحباب الغسل لكل عيد، ولا ريب في أن المبعث أولى من بعض الأعياد[30].

ومقتضى ما تقدم، عدم البناء على استحبابه، وإنما يكون الإتيان به برجاء المطلوبية، إلا أن يبنى على شمول قاعدة التسامح لفتوى الفقيه، وعدم اختصاصها بالخبر الضعيف، وتكون القاعدة تامة، فيلتـزم عندها بثبوت الإستحاب، فلاحظ.

الثالث: زيارة أمير المؤمنين(ع)، ذكرها غير واحد من الأعلام(ره)، كالمفيد، والسيد والشهيد، على ما حكاه عنهم في البحار[31]. وقد ذكر نص الزيارة التي تقرأ في ذلك اليوم.

وقد عقب شيخنا المجلسي(ره) غواص بحار الأنوار على الزيارة المخصوصة بيوم المبعث الشريف، بقوله: لم أطلع على سند هذه الزيارة، ولا على استحباب زيارته(ع) في خصوص هذا اليوم، لكنه من المشهورات بين الشيعة، والإتيان بالأعمال الحسنة في الأزمان الشريفة موجب لمزيد المثوبة، فزيارته(ع) في سائر الأيام الشريفة أفضل لا سيما الأيام التي لها اختصاص به، وظهر له فيها كرامة وفضيلة ومنقبة، كيوم ولادته….ويوم وفاته، وليلة مبيته على فراش النبي(ص)، ويوم فتح بدر على يديه، ويوم مواساته في غزوة أحد، ويوم فتح خيبر، ويوم صعوده على كتف النبي(ص) لحط الأصنام، ويوم فتح البصرة، ويوم ردت الشمس عليه، ويوم نصبه لتبليغ آيات براءة، ويوم سدّ الأبواب وفتح بابه….ألخ[32].

وقد عقب الشيخ خضر بن شلال العفكاوي(ره) على زيارته(ع) في هذا اليوم، في كتابه أبواب الجنان وبشائر الرضوان بقوله: لم نجد من أسند ذلك إلى معصوم في هذا اليوم، الذي لم نجد في يومه ولا ليلته نصاً يدل على استحباب الزيارة فيه بالخصوص دون ما سمعته من أمثال هؤلاء الجماعة، ولم يسندوه إلى المعصوم، الذي قد جزم بعض الأفاضل بأنهم قد اطلعوا على نص منه بالخصوص على ما ذكروه.

ولعله كذلك، سيما بعد الجزم بكون الجزم من مثل الفاضل المزبور رواية مرسلة، والتسامح في أمثال المقام، وملاحظة الاعتبار، واشتهار الزيارة المزبورة بين الإمامية كاشتهار زيارته في عيد النيروز، الذي قد روي أنه بويع له(ع) بالخلافة فيه، وربما يكون الوافدون على أمير المؤمنين(ع) في كل سنة يزيدون على موقف الحج مرة أو مرتين، وحينئذٍ فالأحسن أن يزار فيه بزيارة يوم الغدير، أو بالجامعة المروية عن مولانا الهادي(ع)[33].

[1] بحار الأنوار ج 18 باب إثبات المعراج ومعناه وكيفيته ح 22 ص 311.

[2] المصدر السابق ح 23.

[3] المقنعة ص 226.

[4] العروة الوثقى ج 2 ص 151.

[5] أعيان الشيعة ج 1 ص 235.

[6] تفسير البصائر ج 42 ص 192.

[7] الأزهار الأرجية ج 1 ص 327 أحداث سنة 1366 ه، في سفره للبحرين.

[8] بحار الأنوار ج 18 ص 302 باب إثبات المعراج ومعناه وكيفيته ح 4.

[9] المصدر السابق ص 319 ح 33.

[10] المناقب ج 1 ص 173.

[11] منتخب كنز العمال ج 3 ص 362.

[12] السيرة الحلبية ج 1 ص 384.

[13] الكافي كتاب باب صيام الترغيب ج 7 من الفروع ح 1 ص 598.

[14] المصدر السابق ح 2.

[15] بحار الأنوار ج 18 ص 189. وسائل الشيعة ب 15 من أبواب الصوم المندوب ح 3.

[16] الكافي ج 6 من الفروع باب صلاة فاطمة(ع) وغيرها من صلاة الترغيب ح 7 ص 602.

[17] وسائل الشيعة ب 15 من أبواب الصوم المندوب ح 2.

[18] المصدر السابق.

[19] المصدر السابق.

[20] وسائل الشيعة ب 15 من أبواب الصوم المندوب ح 6.

[21] وسائل الشيعة ب 9 من أبواب بقية الصلوات المندوبة ح 3.

[22] القواعد الفقهية ج 3 ص 339.

[23] وسائل الشيعة ب 15 من أبواب الصوم المندوب ح 7.

[24] بحار الأنوار ج 18 ص 190 ح 25 باب المبعث وإظهار الدعوة.

[25] بحار الأنوار ج 18 ص 190.

[26] الخراج والجرائح ج 1 ص 141.

[27] موسوعة التأريخ الإسلامي ج 1 ص 537.

[28] تفسير البصائر ج 42 ص 192.

[29] الإقبال ج 3 ص 270-272. أبواب الجنان وبشائر الرضوان ص 190،

[30] مهذب الأحكام ج 4 ص 291.

[31] بحار الأنوار ج 97 باب زيارات أمير المؤمنين(ع) المخصوصة بالأيام والليالي، زيارته ليلة المبعث ويومها ص 377.

[32] بحار الأنوار ج 97 ص 383-384.

[33] أبواب الجنان وبشائر الرضوان ص 196.