25 فبراير,2020

الاختلاف وعي وحضارة

اطبع المقالة اطبع المقالة

المقدمة :

قال تعالى ]ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدةً ولا يزالون مختلفين[ [1]صدق الله العلي العظيم .

لا يخفى على ذوي البصائر أن حالة الاختلاف من الأمور التي تسير بمسيرة الزمن البشري فلا يمكن أن نجد مجتمعاً من المجتمعات عاش الاتفاق والتطابق في كل شيء من وجهة نظر أو أسلوب في العمل أو منهجية في التفكير .

وكلما تقدم العنصر الزمني بالخليقة وأزداد عدد أفرادها أستدعى ذلك بروز هذه الحالة بشكل أوضح وتحولت ولا زالت مشكلة من المشاكل التي تعاني منها البشرية لما يحدث بينهم من مواجهات وتداعيات نتيجة هذه الأمور .

ولما لم يكن الاختلاف هو الأساس في هذه الأزمة بل أساسها هو الإنسان لما للاختلاف من جوانب إيجابية وتربوية ناجحة قد تجعل مستقبل البشرية مستقبلاً مزهراً أحببت في استراحة محارب أن أدون هذه الخواطر خصوصاً وقد تزامن ذلك مع التعطيل الرسمي للحوزة العلمية لحلول شهر محرم الحرام . وقد وفقني الله تعالى أن أتشرف بالدخول في خدمة أبي عبد الله u علني أوفق يوماً من الأيام في إعادة النظر فيها راجياً المولى عز وجل أن يجعلها ذخراً لي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

وقد رتبتها على نقاط :-

الأولى :-أسباب الاختلاف .

النقطة الثانية :-مظاهر الاختلاف ومصاديقه .

النقطة الثالثة :-كيف نعالج الاختلاف وإن شئت فعبر عنه بأدب الخلاف.

النقطة الأولى :-أسباب الاختلاف والخلاف:-

إن الشيء الملاحظ هو أن أسباب الاختلاف بأكملها موجودة في واقع الحياة اليومية بل هي موجودة في جميع مجالات الحياة وشؤونها .

فنرى على سبيل المثال الاختلاف الفكري كما نرى الاختلاف المنهجي في طريقة العمل ومثله نلاحظ الاختلاف في الرؤى والتشخيصات وكيفية طرق المعالجات ومنهجياتها .

ولا ريب في أن هذه الأشياء ذات فاعلية وتأثير على بساط الخارج فتبدأ ربما بحوار مروراً بموقف حتى تتحول إلى تعصب إلى رأي ما .

من هنا كان لزاماً علينا أن نتعرف الأسباب والعوامل التي تدعو إلى حصول الاختلاف ومحاولة الاجتناب عنها ومن المعلوم أننا لا نحيط بذلك خبراً ولكن من باب لا يسقط الميسور بالمعسور وما لا يدرك كله لا يترك كله . فنحاول الإشارة إلى أهم العوامل الباعثة إلى ذلك مع كونها تتصل بالإنسان لأنه الفرد المؤثر في هذا المجال الواسع فنقول :-

يمكن تلخيص أهم الأسباب والعوامل المؤدية إلى الاختلاف في أمور :-

الأول :-العوامل النفسية:-

وهي تحتوي على تلك الانفعالات وردود الفعل التي تخرج بالإنسان غالباً عن التعامل بموضوعية لتأثره بنـزعاته الداخلية ومزاجه الشخصي مما يترك ذلك أثراً سلبياً عليه ويخلق له جواً مشحوناً بالأزمات في داخل المحيط والوسط الذي يعيش فيه . وعندها تبدأ أزمة الاختلاف مع أننا ربما لو راجعنا المسائل الخلافية لوجدناها لا تعدو كونها مسائل جزئية يمكن حلها بأدنى روية وهدوء وتحلي بشيء من الموضوعية .

إلا أن هذه الانفعالات المسيطرة عليه تأسره لتدخله في ضمن مملكتها وتجعله عبداً من عباد هذه القوى التي قد تتحول في حين من الزمان إلى قوى شيطانية تجر صاحبها إلى نار جهنم .

والحاصل فنتيجة عدم السيطرة على هذه الانفعالات يبقى الإنسان يعيش حالة من الاختلاف المتكرر والمتجدد في معظم المواقف لمجرد أدنى احتكاك مع الآخرين .

ولما لم يمكن للإنسان أن يحيى وحيداً لأنه اجتماعي بالطبع يقع بين محذورين كثرة اختلافاته مع الناس التي قد تسبب لهم نفرة منه متى ما أحتك معهم أو أن يبقى جليس داره وحيداً بعيداً عن مجتمعه ولا يمكن لكل أحد تطبيق الثاني لما ذكرناه قبل قليل فلا يمكنه أن يتخلص من الأول .

وهنا نجد اللفتة الكريمة في الدين الإسلامي حينما أهتم بمسألة تهذيب النفس وأولاها أهمية كبرى لما لها من قوام في صلاح الحياة البشرية وأكد كذلك على معالجة النـزعات النفسية كالغضب أو الحب الأعمى أو الانفعال . قال : حبك للشيء يعمي ويصم[2].

وجاء عن أمير المؤمنين u : من لم يهذب نفسه لم ينتفع بالعقل[3].

الثاني :-حب الذات:-
وهذا بحسب الظاهر من أهم العوامل المسببة إلى ذلك . لأن أغلب الناس يعيش من أجل ذاته فلا يرضى إلا من خلال إرضاء أهوائها وتلبية رغباتها وطلباتها . وكم ستخلق هذه الأهواء والطلبات الذاتية مشاكل مع الآخرين حينما يمتنعون عن تحقيق ما يريده وتنفيذ ما يمليه عليهم فعندها يبدي استعداده لمخاصمتهم والقطيعة معهم لأنه يعتقد أنهم يقفون في طريق تحقيق طموحاته وتوجهاته الخاصة.فهو لا يفكر إذن بشيء من الوعي والموضوعية كما لا يتعامل مع القضايا الخارجية بإسلوب علمي بل الدائرة التي يعيش في إطارها ليست إلا هذه الذات وكيفية إشباع رغباتها .

وهنا لا نحتاج إلى سرد نماذج حيث قد كفانا التأريخ المؤونة في ذلك قال تعالى ]أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علمٍ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون [[4].

فالآية المباركة تشير إلى نهاية هذا المصير لذاك الذي جرفه حب الذات إلى الاختلاف مع الآخرين ومن ثم جره ذلك إلى تلك النهاية المؤلمة .

وقال تعالى ]فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين[[5].

وهنا نرى الباري عز وجل يسلي نبيه بأن عدم استجابة هؤلاء ترجع إلى أنهم قد شغلهم حب الذات الموجود عندهم عن كل شيء فخلق لهم اختلافات مع الآخرين .

الثالث :-الجهل:-

ودوره في بروز حالات الاختلاف كبير أيضاً فبطبيعة الإنسان يجهل الكثير من الحقائق على اختلاف أنواعها ومن الطبيعي لأن يكون ذلك باباً للإختلاف مع الآخرين لعدم قناعته بطريقة فهمهم للأمور مما يستدعي منه أن يسلك درباً مخالفاً للآخرين .

وهذا ليس منحصراً على واقع الساحة الفكرية بل ربما كان مؤثراً تأثيراً كبيراً حتى على الساحة العملية لأنه قد يكون أحد أعضاء الكادر العامل شخصاً جاهلاً مما يسبب تعطيلاً للعمل . ولنعم ما قاله إمام الموحدين علي u : الجهل أصل كل شر [6].

الرابع :-النظرة المسبقة:-

وهذه غالباً ما يبتلى بها في واقع الحياة المشتركة التي تتكون من عدة أفراد فإن وجود نظرة مسبقة عند شخص معين على أفراد هذه المجموعة أو على بعض أفرادها يترك أثراً سلبياً على الاطروحات الفكرية التطويرية للمجموعة بل غالباً ما تتعثر حركة السير لكثرة الاختلافات التي تنشب بين هذا الشخص مثلاً وبين ذاك الذي قد حصر نظرته فيهم بناءاً على معرفة سابقة . ولا يعني ما ذكرناه اقتصار ذلك على خصوص العمل الجماعي لا بل يجري هذا الأمر حتى عند الأفراد بعضهم البعض فربما يحمل شخص معين فكرة معينة عن شخص معين وتبقى تلك الفكرة على حالها لا تتغير ولا تتبدل . فنراه لا يقبل أن يدخل معه في عمل أو محاورة أو مناقشة .

قال تعالى ]وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون[[7].

الخامس :-التأثر بالتقليد :-

وهذا غالباً ما يكون إذا كان محور البحث والحديث طرفين يمثل كل منهما جيلاً وليس بالضرورة أن يكون كبير السن بل يكفي أن يحمل فكر الجيل السابق ويمثل الآخر الجيل الحاضر .

وقد كانت هذه مشكلة مستأصلة منذ زمن بعيد وقد وقفت هذه الموروثات الفكرية من الأباء في طريق دعوة الأنبياء ومنعت من كثير من التطورات .

هذا ولا يفوتني التنبيه على أمر مهم وهو أن التيار القديم ليس خاطئاً دائماً وأبداً ففي بعض من الموارد يكون التيار القديم على صواب .

السادس :-فقدان التجربة:-

ويمكن ملاحظة هذا الأمر بالتحديد في المواضع التي تجمع بين جيلين متغايرين بحيث نرى أن جيل الشباب يدعي امتلاكه طاقات إبداعية يمكنه أن ينجز بها الكثير.ويقابله الجيل الآخر لينظر له بأنه مندفع بأكثر من اللازم مما يجعل اندفاعهم هذا يخرج دفة الأمور من تحت أيديهم .

ومن هنا عالج الدين الإسلامي هذه النقطة بالدعوة إلى الاستفادة من عامل التجربة .

قال تعالى ]وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [[8].

وعن النبي : ومن عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم[9]. وعن الإمام علي u : لولا التجارب عميت المذاهب[10]. وقوله u : العاقل من وعظته التجارب[11].

بقي أن نشير في الختام إلى أن الاختلاف على ما يبدو حقيقة فطرية لا تنفك عن النفس البشرية وقد أراد الله عز وجل ذلك للبـشرية حتى تتوزع فيما بينها ويكون ذلك مدعاة خير وصلاح لها من خلال الاستفادة من أفكار

كل فرد والإستنارَ من أراء الآخر .

قال تعالى ]وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [[12]وقال عز من قائل ]ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً[[13].

إذ الملاحظ منها دعوة إلى الاختلاف لكن الاختلاف الممنهج الذي يكون مشتملاً على الخير والرقي والصلاح للأمة بحيث يمكنها من خلاله أن تتقدم للأمام . فيتحول الاختلاف حينئذ من مفهوم سلبي إلى مفهوم إيجابي .

النقطة الثانية :-مظاهر الاختلاف ومصاديقه:-

تتجلى مظاهر الاختلاف في مصاديق متعددة يلحظها الناظر في حياته اليومية وفي مفرداتها فلا تكاد تنفك واقعة خارجية أو مفردة يومية من حياة الفرد لا تتضمن شاهداً ومظهراً من مظاهر الاختلاف . ولذا لا نحتاج أن نطيل الحديث في تعداد تلك المصاديق والمظاهر فنقتصر على ذكر بعـض منها فنقول :-

1-الاختلاف الديني :-

وقد برز هذا النوع من الاختلاف بمجرد بعثة النبي الأكرم مع الأديان السماوية الأخرى من نصرانية أو يهودية .

وقد تجلت هذه الاختلافات الدينية في المدينة المنورة ما بين المسلمين وبين اليهود وقد كان السعي الحثيث من النبي إلى عدم إثارة هذه الاختلافات معهم من خلال محاولته التعامل معهم على وفق الموازين والمقررات الإنسانية فعقد معهم معاهدة سلام شملت المجتمع المدني بكافة توجهاته من مهاجرين وأنصار ويهود .

وفي الطرف المقابل كان اليهود يسعون دائماً إلى إثارة تلك الفتن والقلاقل فبرزت حالة الاختلاف الفكري والعقائدي على الساحة بشكل واضح . وكانت الغاية التي يهدفون من وراءها إلى ذلك هو محاولة استنـزاف الرسالة النبوية ووأدها وهي لا زالت في المهد .

وقد تعامل القرآن الكريم مع هذه المحاولات الصادرة منهم لتخفيف الأزمة وإطفاء الفتنة ونارها قال تعالى ]ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون[[14].

وقال عز من قائل ]قولوا آمنا بالله ومآ أنـزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ومآ أوتي موسى وعيسى ومآ أوتي النّبيّون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون[[15].

فالملاحظ أن القرآن يطرح منهجاً عملياً للتعامل به مع أهل الكتاب من خلال الاستفادة من منهج الحوار الهادئ لكي يتحقق من خلاله الوصول إلى الحقيقة .

وقد ركز القرآن الكريم على النقطة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب في الحوار وهي النقطة التي تعد أمراً مشتركاً بين الطرفين أعني نقطة الالتقاء العقائدي والتأكيد على تعميقه وهذا تحديد لمسار الحوار بينهما ويكون ذلك عوضاً في العلاقة بينهما كبديل موضوعي لما يثار من اختلافات متى ما عجز الحوار عن إقناعهم بالدخول في الإسلام .

ومن هنا يتضح جلياً أن الدين الإسلامي يقدم أطروحة واقعية في علاج حالة الاختلاف ولكن ذلك ليس على حساب المبدأ ومن خلال تقديم التنازلات والابتعاد عن نقطة المواجهة حذراً من ظهور جوانب الاختلاف بل يلجأ إلى ذكر منهج الحوار كحل عقلائي يلجأ له في أموره الحياتية وإذا لم يتسنى ذلك فإنه يلجأ لطرق أخرى كحل حاسم لا مناص عنه . قال تعالى ]قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون[[16].

2-الاختلاف المذهبي :-

إن الاختلاف الحاصل فيه واضح لا يحتاج إلى مزيد كلام وقد أتخذ هيئته الخارجية على الساحة يوم وفاة الرسول الأكرم ومع مرور الأيام ازداد الاختلاف عمقاً ولا أراني بحاجة للحديث عن ذلك حيث أنه واضح لا يعتريه شك .

3-الاختلاف الإصلاحي بين العاملين :-

وهذا من أبرز المصاديق الموجودة على الساحة العملية اليوم وذلك للتضارب في الآراء بين فئات العاملين مما يؤدي إلى الانهيار الإصلاحي لخط الرسالة المحمدية وكم كانت بعض التصرفات الرعناء لبعض العاملين نتيجة بعض الاختلافات الخاصة سبباً مباشراً في انطفاء شعلة أمل ونبراس هداية وقد حدثنا التأريخ عن أمثال هؤلاء الذي لا ينظرون إلا إلى أشخاصهم ولا يرون إلا ذواتهم فهم لا يفكرون في الحياة الرسالية الهادفة التي يمكن للإنسان أن يسعى من خلالها لقيادة مجتمعه إلى الصلاح والهدى بل يسعون إلى إبراز أسمائهم ومن خلال ذلك يختلقون الاختلافات في منهجية العمل ووضع العراقيل واختلاق العقبات التي تمنع من مواصلة المسيرة الريادية .

4-الاختلاف الفكري :-

وهو الاختلاف في الفكر وفي كيفية التعامل وفي منهجية الحياة سواءً كانت حياة سلوكية أم حياة عملية أم حياة اجتماعية .

وعادة ما تتبلور هنا مدى الواقعية التي يعيشها الإنسان وسعة الأفق الذي يمتلكه فتبرز تلك الدوافع على كيفية تعامله مع الآخرين فلا يصادر حقوقهم بمجرد الاختلاف الفكري معه بل نراه يتقبل هذا الاختلاف لأنه ليس إلا أمراً إنمائياً وتطويراً للحياة الفكرية وإثراء لها في محاولة الوصول إلى أرقى مستوى فكري .

النقطة الثالثة :-كيف نعالج الاختلاف:-

وهذه النقطة هي النقطة التي يمكننا أن نعبر عنها بأنها الاختلاف في جانبه الإيجابي وفي دوره الحضاري وذلك من خلال إيجاد الاختلاف الحل السليم لجميع محاور الاختلاف السلبية وكيفية علاجها والتغلب عليها من خلال الإسلوب التربوي الهادف الذي سعى الدين الإسلامي إلى تطبيقه .

إيجابية الاختلاف :-

لا يخفى أن الاختلاف إذا حدث في ضمن دائرة النظريات والأفكار فإنه يساعد على الوصول إلى نتائج إيجابية كبيرة جداً كما أنه يحفز الطاقات على الإبداع والتطور ويرشد إلى خطأ بعض النظريات غير الصحيحة .

وقد لجأ بعض أعلام الفكر الإسلامي إلى إثارة الاختلاف في محاولة منه إلى إثراء النظرية الإسلامية وكسر حاجز الجمود وخير شاهد على ذلك الفقيه البارع المحقق ابن إدريس فإنه أول من تجرأ على مناقشة أراء ونظريات الشيخ الطوسي وتأسيس نظريات مقابلة لنظرياته . ولذا له الحق الأكبر على أصحاب المذهب الجعفري لما له من الإحياء والإبداع في هذا المجال إذ لولاه لكان الناس من المقلدين للشيخ لما رأوه من عظمة فيه وتأثر بتحقيقه وآرائه .

كما أن الصراع الفكري بين المدرستين الأصولية والإخبارية في كربلاء المعلى كان له أكبر الأثر في بروز الوحيد البهبهاني .

ثم بعد هذه المقدمة في الجانب الإيجابي للاختلاف لا بأس أن نشير إلى الأسلوب التربوي الذي انتهجه الإسلام في معالجة هذا الأمر فنقول :

لقد رسم الدين الإسلامي عملية العلاج لمشكلة الاختلاف من خلال إرشاده إلى مسألة الحوار لما تحويه هذه المسألة من مادة غنية كما أن الحوار يمثل أسلوباً حضارياً في حياة الإنسان الرسالي ينطلق من خلاله.بدون أن يتحدد في ضمن دائرة فكرية أو اجتماعية بل يستوعب المحيط البشري بأكمله .

وقد لخص الإسلام خطوط الحوار العامة في التالي :-

1-جهة الحوار :-

إن الغاية الذي جاء من أجلها الدين الإسلامي هي إرشاد الناس إلى الحق والهدى وهذا يفرض على العاملين في الساحة الإسلامية دعوة غير المسلمين إلى الإسلام .كما أنها تفرض عليهم دعوة أبناء الأمة الإسلامية إلى العودة إلى النهج الإسلامي القويم والتمسك بتعاليمه وأحكامه . وعادة ما ينجم من هذا اصطدام بين العاملين وبين غيرهم ينشأ من حالة الاختلاف فيما بينهم .

فحينئذ تتحدد جهة الحوار بين الطرفين على ضوء طبيعة الدعوة التبليغية المـمارسة من قبل الدعاة . كما أن عملية الحوار تمتد لتشمل جميع نقاط الحياة اليومية لأنه ضرورة ملحة في الحياة البشرية .

2-هدف الحوار :-

حدد الإسلام هذا الأمر من خلال تأكيده على أهمية التمسك بالعقيدة الإسلامية ورفـض بكل صرامة أي مساومة علـيها مهما كانت صورتـها وصيغتها .

قال تعالى ]قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين[[17].

3-حدود الحوار :-

وهذه نقطة مهمة جداً لأن الغاية التي من أجلها أُنشئ الحوار هو الوصول من خلاله إلى الحقيقة فلابد من وجود مبتدأ ومنتهى للعملية الحوارية وإلا لم تعدو كونها ضرباً من ضروب الجدل والنقاش الخارج عن الموضوعية .

وعلى هذا فمن الضروري اكتشاف مستقبل الحوار من خلال التعرف على موقف الطرف الآخر كل ذلك من أجل وضع حد لعملية الحوار حذراً من استنـزاف طاقات العاملين .

وليس هذا رفضاً للحوارات الطويلة بل ينبغي التفريق بينهما فربما يطول الحوار لكن في الجانب الإيجابي كما أنه ربما قصر الحوار إلا أنه سلبي من بدايته .

فالمرفوض هو الحوار الذي لا يصل إلى نتيجة إيجابية . قال تعالى ]وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برىء مما تعملون[[18].

وقال تعالى أيضاً ] قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون[[19].

فالحوار وسيلة ناجحة لعلاج مشكلة الاختلاف . إلا أنه في بعض الموارد لا يكون الحوار حلاً إيجابياً لعلاج ذلك وقد تنبه الدين الحنيف إلى ذلك فدعى إلى تكوين مجتمع متكامل متحاب ومتعاون تذوب فيه جميع الاختلافات وتنصهر فيه المشاحنات للوصول إلى أرقى السبل الروحية والنفحات الملكوتية. قال : إنما المؤمنون أخوة . وعنه : أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون[20].

وعنه : أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلا كانا خارجين عن الإسلام ولم تكن بينهما ولاية وأيهما سبق إلى كلام صاحبه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب [21].

————————————————

[1] سورة هود الآية 118

[2] بحار الأنوار ج 77 ص 165.

[3] غرر الحكم ص 293.

[4] الجاثية :23.

[5] القصص :50.

[6] غرر الحكم ص 20.

[7] الأعراف :198.

[8] هود :62.

[9] البحار ج 1 ص 128.

[10] الإرشاد ص 143.

[11] تحف العقول ص 62.

[12] سورة الحجرات آية 13.

[13] سورة المائدة آية 93.

[14] سورة العنكبوت آية 7.

[15] سورة البقرة آية 136.

[16] سورة آل عمران آية 64.

[17] سورة الكافرون.

[18] سورة يونس آية 41.

[19] سورة سبأ آية 25.

[20] أصول الكافي ج 2 ص 131.

[21] المحجة البيضاء ج 3 ص 363.