20 سبتمبر,2020

القصة في القران الكريم(3)- قصة نبي الله موسى

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين .1

من الأفضل بعد دراسة الظواهر السابقة للقصة تناول قصص الأنبياء بنحو التفسير الموضوعي على أن تكون موضوعا لذلك.

ولما كان ذلك يستلزم طولا في المقام نقتصر على مثال واحد من القصص القرآنية وهي قصة نبي الله موسى لكونها من أكثر القصص القرآنية ورودا وتفصيلا.

إذ يجد المتابع تحدث القرآن الكريم عن علاقة موسى مع فرعون وعن علاقته مع قومه وتعرض أيضا لحالة اجتماعية قارنت عصره .

ثم إن دراستنا هذه القصة سوف تكون من زوايا ثلاث:

الأولى: قصة موسى بحسب تسلسلها التاريخي .

الثانية: دراسة عامة للقصة من خلال المراحل التي مر بها موسى والموضوعات العامة التي تناولها.

الثالثة: دراسة القصة بحسب مواضعها في القرآن الكريم ، مع ملاحظة النقاط التالية:

1-التنبيه على أسرار تكرار القصة الواحدة في القرآن الكريم.

2-التنبيه إلى الغرض الذي سيقت من أجله في كل مقام.

3-التنبيه إلى أسرار تغاير الأسلوب في القصة بحسب المواضع.

الزاوية الأولى:قصة موسى بحسب التسلسل التاريخي:

وسوف يكون ذكرنا لها بحسب ما جاء في القرآن الكريم ، فنقول:

وجد الإسرائيليون في المجتمع المصري بعد هجرة يوسف وأبيه يعقوب وأولاده إلى مصر ، وقد اضطهدهم الفراعنة في الفترة الزمنية السابقة لولادة موسى وقد كان الاضطهاد فظيعا وبلغ درجة مريعة عندما اتخذ الفراعنة قرارا بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم من أجل الخدمة والعمل.

وقد تفضل الله سبحانه على هؤلاء المستضعفين فأنقذهم من تلك الحالة بأن هيأ لهم نبيا وهو موسى فعمل على إنقاذهم من الفراعنة وهدايتهم إلى التوحيد بعدما كانوا وثنيين.

ولادة موسى وإرضاعه:

ولما وضعت أم موسى طفلها أوحى الله إليها أن ترضعه ولما خافت عليه من الذبح أوحى لها أن تضعه في شيء يشبه الصندوق وتلقيه في اليم.

وشاءت الإرادة الإلهية أن يلتقطه آل فرعون ويعرف عندهم أنه إسرائيلي إلا أن تدخل زوجة فرعون وطلبها تركه لها على أن تتخذه خادما أو ولدا تأنس به مع فرعون أنقذه من الذبح.

ولم تستطع أم موسى صبرا لفراق وليدها فطلبت من أخته أن تقص أثره فتتبع سير الصندوق لتعرف مصيره ففعلت.

وأبى الطفل أن يقبل مرضعة من المراضع فانتهزت أخته الفرصة فعرضت على آل فرعون إرشادهم إلى امرأة مرضعة تتكفل حضانته ورعايته و إرضاعه.

وهكذا عاد الطفل إلى أمه كي يطمئن قلبها وتعلم أن ما وعدها الله سبحانه من حفظه وإرجاعه إليها حق لا شك فيه.

وقد شب موسى في بلاط فرعون حتى إذا بلغ أشده وهبه الله سبحانه وتعالى العلم والحكمة.

خروج موسى من مصر:

ودخل موسى المدينة يوما متنكرا على حين غفلة من أهلها فوجد رجلا إسرائيليا يقاتل رجلا فرعونيا فاستغاثه الأول على الثاني فوكز موسى الفرعوني فمات ولم يكن موسى قاصدا قتله ولذلك ندم على هذا العمل المتسرع واستغفر ربه.

وصار موسى خائفا يترقب انكشاف أمره فيؤخذ بدم الفرعوني فينـزل إلى المدينة مرة أخرى وإذا به يواجه قضية تشابه القضية السابقة إذ وجد الإسرائيلي نفسه يطلب نجدته فعاتبه موسى على عمله واصفا إياه أنه غوي مبين يريد إحراجه وتوريطه.

ولما عزم موسى مساعدته ظن الإسرائيلي أن موسى يقصد البطش به لا بعدوهما الفرعوني فقال لموسى : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ، إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض.

وبهذا يكون الإسرائيلي قد كشف عن هوية قاتل الفرعوني الأول وعرف أنه موسى ، فعمل الملأ وهم علية القوم على قتله بدم الفرعوني.

وجاء من أقصى المدينة رجل يخبر موسى بالأمر ويقول إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج منها.

فخرج موسى خائفا يترقب أن يوافيه الطلب أو تصل إليه الأيدي الفرعونية فدعا ربه أن ينجيه من القوم الظالمين.

موسى في أرض مدين :

ووصل موسى أرض مدين فأحس بالأمن وانتعش في نفسه الأمل وورد ماء مدين فوجد الرعاة يسقون ومن بينهم امرأتين في حيرة من أمرهما تذودان الأغنام وتجمعانها ولا تسقيان.

فعطف عليهما وسألهما عن عدم سقايتهما فأجابتا أننا لا نسقي حتى ينتهي الرعاة من السقي لأننا امرأتان وأبونا شيخ كبير لا يمكنه القيام بهذا العمل الشاق.

فتولى لهما موسى السقاية وانصرف إلى ناحية الظل شاكيا ألم الجوع والوحدة والغربة.

ولما رجعت الفتاتان إلى أبيهما قصتا عليه قصة الغريب الذي سقى لهما فبعث إحداهما إلى موسى لتدعوه فجاءته تمشي على استحياء وقالت له: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ، فأجاب الدعوة موسى .

وحين انتهى إلى الشيخ ، طلب منه أن يخبره بحاله فقص عليه موسى قصته وحينئذ آمنه الشيخ وقال له لا تخف نجوت من القوم الظالمين .

وطلبت إحدى الفتاتين من أبيها استئجاره للعمل عنده فيقوم عنهما ببعض المهام الملقاة على عاتقهما نتيجة عجز أبيهما وضعفه ونظرا لقوة موسى وقدرته على العمل مع أمانته وشرف نفسه .

وعرض عليه الشيخ أن يزوجه إحدى ابنتيه بشرط أن يستأجره ثمان سنوات وإذا أتمها عشرا فذلك من عنده ، فوافق موسى على الزواج وتم العقد بينهما .

بعثة موسى ورجوعه إلى مصر:

وبعد انتهاء المدة المقررة بين موسى ونبي الله شعيب سار بأهله وإذا به يشاهد نارا من جانب الطور الأيمن وهو جبل صغير وقد كان بحاجة إليها ولما أتى تلك النار وجد شجرة وجاء نداء الله سبحانه وتعالى من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من جانب الشجرة وأنه سبحانه وتعالى قد اختاره لرسالته فاستمع لما يوحى إليك يا موسى ، وسأله سبحانه عما في يمينه فأجابه أنها عصا أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ، فقال له سبحانه وتعالى: ألقها يا موسى فإذا بها تتحول إلى حية تسعى ، فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب فناداه الله يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ، إني لا يخاف لدي المرسلون ، سنعيدها سيرتها الأولى .

ثم قال ادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ومرض فأدخل يده وإذا بها تخرج بيضاء ثم ردها فعادت كما كانت.

وبعد هذا أمره الله أن يذهب بهاتين الآيتين المعجزتين إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى التوحيد فخاف موسى من تحمل هذه المهمة فذكر قضيته السابقة من قتله نفسا وخوفه منهم أن يقتلوه بها وأشار إلى أن أخاه هارون أفصح منه لسانا فطلب إرساله معه وذلك من أجل أن يصدقه لخوفه منهم أن يكذبوه .

وجاء جوابه سبحانه وتعالى: سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ، فأتيا فرعون فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك.

وحينما عاد موسى إلى مصر توجه مع أخيه هارون إلى فرعون فقالا له: إنا رسولان من ربك رب العالمين ، ولا يمكن أن تقول على الله غير الحق الذي أرسلنا به ، وقد جئناك ببينة من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل وارفع عنهم العذاب الذي تنـزله فيهم وقد قالا له ذلك بشكل لين وبأسلوب استعطافي هادئ .

واستغرب فرعون هذه الرسالة من موسى وأخيه هارون لمعرفته السابقة بموسى وأحواله فقال له: ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ، ثم فعلت فعلتك التي فعلت بقتلك رجلا من الفراعنة ؟

وأجاب موسى بالإيجاب ولكن لما خفتكم على نفسي فررت منكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين .

فرعون يجادل موسى في ربوبية الله سبحانه وتعالى:

ولما رأى فرعون إصرار موسى وهارون على الرسالة قال فمن ربكما ، قال له موسى : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وهو رب السماوات والأرضين وما بينهما وما تحت الثرى. قال فرعون: فما بال القرون الأولى؟ وما هو مصيرها؟

فأجابه موسى : علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ، وهو الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى مختلف ألوانه وأشكاله .

واستنكر فرعون هذه الدعوة الجديدة وهو يعتقد بنفسه الألوهية فتوجه لمن حوله مستنكرا ، وقال: ألا تسمعون؟:

ومع إصرار موسى و هارون على الدعوة اتهم فرعون موسى بالجنون وهدده بالسجن ، إذا اتخذ إلها غيره .

ولم يستسلم موسى وهارون أمام هذه التهمة والتهديد ، بل حاولا سلوك طريق آخر إلى فرعون لإقناعه أو إحراجه .

وكان طريقهما الآخر هو الاستفادة من السلاح الذي أعطاه الله لموسى وهو معجزة العصا واليد ، فقال موسى لفرعون: أني قد جئتك بأية من ربي تبين لك الحق الذي أنا عليه ، قال فرعون: إذا كنت صادقا فائت بهذه الآية والحجة ، فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين ، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين .

ولم يتمالك فرعون وملؤه أنفسهم أمام هذا الموقف إلا أن وجهوا له تهمة السحر والشعوذة ، وأنه إنما جاء بما جاء به لإخراجهم من أرضهم ويجلوهم عنها.

مواجهة موسى مع السحرة:

وأشار قوم فرعون وخاصته عليه أن يواجه موسى بالسحرة من بلاده فيجمعهم في يوم يشهده الناس جميعا ليتباروا ، وسوف تكون الغلبة لهم خصوصا وهم كثيرون وبهذا يفتضح أمر موسى ويترك دعوته .

واستحسن فرعون هذه النصيحة فطلب من الأخوين مهلة ليواجههما مع سحرة بلاده في وقت معين.

وجمع فرعون كيده فحشد جميع السحرة من بلادهم وعرفهم الموقف وطلب منهم التغلب على موسى u وإحراجه ، واجتمع الناس لهذه المباراة ظنا من فرعون أن النصر سيكون له وشجعه على ذلك تأكيد السحرة أن الغلبة سوف تكون لهم ولذا طلبوا منه أجرا إن كانوا هم الغالبين .

ولما حصل الاجتماع خير السحرة موسى u بين أن يكون سابقا في الإلقاء فيبتدأ هو أو يكون الابتداء لهم ، فاختار موسى u أن يبدؤا هم ، فألقى السحرة حبالهم وعصيهم وإذا بها تبدو لأعين الناس من سحرهم كأنها تسعى كالحيات ، عندها أوجس موسى u خيفة في نفسه ، إذ لم يكن ينتظر أن يواجه بالأسلوب الذي اتبعه في معجزته مع فرعون ، فأوحى إليه سبحانه وتعالى أن لا تخف فإنك أنت الذي سينتصر عليهم ، وليس عليك إلا إلقاء عصاك وحينئذ تتحول إلى حية تلقف جميع ما صنعوا لأن ما صنعوا ليس إلا كيد ساحر ولا يفلح الساحر .

وانكشفت الحقيقة للسحرة بمجرد رؤيتهم صنيع موسى u بإظهاره المعجزة التي بعث بها وأن هذا العمل ليس عمل ساحر وإنما هي معجزة إلهية ، فآمنوا برب هارون وموسى u.

عندها وجد فرعون نفسه في وضع مخز وحرج مما اضطره إلى استخدام أسلوب الجبارين فعمد إلى التهديد والوعيد والإنذار مستخدما أسلوب القمع والإرهاب فقال للسحرة: آمنتم له قبل أن آذن لكم ، إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ، فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى، ولم يكن موقف السحرة بعد أن انكشفت لهم الحقيقة وهداهم الله إليها إلا ليزداد صلابة وثباتا واستسلاما لله رجاء مغفرته ورحمته.

إصرار فرعون على طغيانه:

لكن فرعون أصر على كفره وصمم على مواصلة عملية الاضطهاد لبني إسرائيل وتعذيبهم ، فقال الملأ من قومه: أتذر موسى u وقومه ليفسدوا في الأرض ويذروك وآلهتك ؟ قال: سنقتل أبنائهم ونستحي نسائهم وإنا فوقهم قاهرون .

وقد واجه موسى u والإسرائيليون ذلك بالصبر والثبات انتظارا للوقت الذي يحقق الله سبحانه فيه وعده لهم بوراثة الأرض.
وأمر الله سبحانه موسى u أن يقوم بالإعلان لفرعون وقومه بأن العذاب سوف ينـزل بهم عقابا على تكذيبهم له وتعذيبهم لبني إسرائيل وامتناعهم عن إطلاقهم وإرسالهم فجاءت الآيات السماوية يتلو بعضها بعضا فأصابهم الله بالجذب ونقص الثمرات و الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وكانوا كلما وقع عليهم العذاب والرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ، فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون.

مؤامرة لقتل موسى u:

ولم يجد فرعون وقومه أسلوبا يعالج به الموقف غير الإئتمار بموسى u لقتله وادعاء القدرة على مواجهة آلهته ، فنجد أن فرعون يطلب من هامان أن يبني له صرحا يطلع من خلاله على أسباب السماوات ويتعرف على حقيقة إله موسى u ، وفشل فرعون في كلا الجانبين فلم يتمكن أن يحقق غايته من وراء بناء الصرح كما لم تصل يده إلى موسى u لأن أحد المؤمنين من آل فرعون يقف فيعظهم ويؤنبهم على موقفهم من موسى u ويبادر إلى إخباره بنبأ المؤامرة .

خروج موسى u من مصر:

وحين واجه موسى u محاولة اغتياله ورأى إصرار فرعون وقومه على اضطهاد بني إسرائيل وتعذيبهم ووصل إلى أن الآيات الإلهية والمواعظ لا تنفع معهم صمم على الخروج ببني إسرائيل من مصر والعبور بهم إلى جهة الأرض المقدسة ، فتوجه بهم إلى سيناء.
وجمع فرعون جنده وقرر ملاحقة موسى u وبني إسرائيل وإرجاعهم إلى عبوديته بالقوة.

ووجد موسى u وقومه أنفسهم أمام البحر وفرعون وجنوده من خلفهم ، وارتاع الإسرائيليون حتى كادوا أن يكذبوا موسى u فيما وعدهم من الخلاص والسبب هذا الموقف .

إلا أن موسى u بإيمانه الوطيد أخبرهم أن الله سبحانه وتعالى سوف يهديه طريق النجاة وتحقق ذلك حيث أوحى الله إلى موسى u أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، ويظهر بينهما طريق يبس يعبر من خلاله بنو إسرائيل ، ويحاول فرعون وجنوده أن يتبعوهم من هذا الطريق أيضا وإذا بجانبي البحر يلتقيان فيغرق فرعون وجنوده .

موسى u مع قومه:

ثم تتوالى الأحداث على موسى u فإذا به يواجه المشاكل الداخلية منفردا مع قومه بني إسرائيل ، فيسمع طلبهم وهم يمرون على قوم يعبدون الأصنام بأن يتخذ لهم أصناما يعبدونها ، كما أن لهؤلاء أصناما .

ثم بعد ذلك يتفضل الله سبحانه على الإسرائيليين عندما استسقوا موسى فيأمره بضرب الحجر فتنفجر منه العيون ، كما ينـزل عليهم المن والسلوى ، ويبدلهم عنه ببعض المآكل الأخرى.

ويواجه موسى u ردة من بني إسرائيل عندما ذهب لميقات ربه لتلقي الشريعة في ألواح التوراة فيخبره تعالى بعبادتهم العجل الذي صنعه السامري فيرجع موسى u إلى قومه غضبان أسفا ، ويعتب بقسوة على أخيه هارون حيث كان استخلفه عليهم مدة ذهابه ،ويطرد السامري ويفرض عليه عقوبة المقاطعة ويعمد إلى العجل فيحرقه وينسفه ، ثم يتوب الله على بني إسرائيل بعدما فرض عليهم عقابا صارما .

وتعرض القرآن الكريم على هذا المنوال إلى أحداث مختلفة عن حياة موسى u مع قومه كقضية البقرة ونتق الجبل والدعوة إلى دخول الأرض المقدسة ، وذهابهم للمواعدة عندما طلبوا رؤية الله جهرة ، وقصة قارون وتآمره مع المنافقين على موسى u.

ثم إن هذه الأحداث التي أشرنا لها تعرضها القرآن الكريم دونما إشارة منه إلى بيان المتقدم منها على الأحداث الأخرى بشكل أوضح.

ولعل فيما ذكرناه كفاية لوضوح هذه الزاوية وهي سرد القصة بحسب تسلسلها الزمني و التاريخي.

الزاوية الثانية: دراسة عامة لقصة موسى u:

بعد السرد السابق للقصة بحسب تسلسلها الزمني ، نحتاج إلى دراستها من جانبين:

الأول: ملاحظة ميزات وخصائص المراحل العامة التي مر بها موسىu في حياته.

الثاني: ملاحظة الموضوعات التي تحدثت عنها القصة بشكل عام.

الجانب الأول: مراحل حياة موسى u:

يمكننا تقسيم المراحل التي مر بها موسى u إلى ثلاث مراحل رئيسة طوال فترة حياته ، فتبدأ المرحلة الأولى بولادته وتنتهي ببعثته إلى فرعون وقومه .

وتبدأ الثانية من البعثة وتنتهي بعبور البحر ، وتبدأ الثالثة بالخروج وتنتهي بنهاية حياته.

ثم إن هذا التحديد في هذه المراحل مبني على المقدار الذي تحدث فيه القرآن عن حياة موسى u.

هذا وتتمثل المرحلة الأولى من حياة موسى u في دورين :

الأول: ينتهي بخروج موسى u خائفا يترقب من أرض مصر.

الثاني: وهو الذي ينتهي برؤيته النار عند بعثته.

وبملاحظة الظواهر العامة في هذين الدورين نجد موسى u في شخصيته ذلك الإنسان الذي يريد الله سبحانه إعداده لأعباء مهمة تخليص بني إسرائيل من الظلم الاجتماعي الذي حاق بهم وتخليص شعب مصر من عبودية الأوثان وهدايتهم لوحدانية الله سبحانه .

وتتلخص هذه الظواهر بميزات ثلاث لها دور كبير في شخصية القيادة وهي:

الأولى: المركز الاجتماعي الذي كان يتمتع به موسى u دون بقية الإسرائيليين وذلك لكونه ولدا للعائلة المالكة في مصر بالتبني فقامت على تربيته ورعايته .

نعم بعد هروب موسى u من مصر نتيجة الواقعة المعلومة فقد هذا المركز تأثيره لكننا يمكن أن نتصور عاملا مهما في إظهار موسى u في المجتمع بشكل عام وفي المجتمع الإسرائيلي بشكل خاص ، شخصية تتبنى الدفاع عن بني إسرائيل وتعمل من أجلها .

ولعل ضياع هذا المركز المهم من موسى u هو الذي يفسر لنا نظرة موسى u إلى أن عمله كان ذنبا يستوجب الاستغفار والتوبة لأنه ضيع بهذا العمل الارتجالي الذي صدر منه بدوافع صحيحة ونبيلة فرصة ثمينة كان يمكن استثمارها لاستنقاذ الشعب الإسرائيلي .

الثانية: الشعور الإنساني والحس النبيل الذي كان يحس به موسى u بوصفه إنسانا يتحلى بالأخلاق الكاملة ، ويتمثل لنا هذا الخلق في مواقف ثلاثة :

1-قتله الفرعوني.

2-محاولته ضرب الفرعوني الآخر.

3-تبرعه بمعاونة ابنتي الشيخ الذي صاهره بعد ذلك.

حيث تعبر هذه المواقف عن المحتوى الداخلي والشعور الإنساني الذي كان يعيشه موسى u ، فهو يبادر لمساعدة المظلوم على الرغم من كونه ربيب البيت الملكي وهذه التربية كفيلة بأن تخلق الشعور بالتميز الطبقي الذي يختلف عن هذه الأعمال الإنسانية التي قام بها .

الثالثة: القوة البدنية والشجاعة التي كان يتمتع بها موسى u ونتعرف هذا من موقفه من الفرعوني حيث قضى عليه بوكزة واحدة ، مضافا إلى الالتزام الذي أخذه على نفسه بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين حتى بعد قتله الفرعوني الأول وشعوره بحراجة موقفه ، ووصف ابنة الشيخ له أنه قوي خصوصا مع الأخذ بالتفسير القائل أنه u طرد الرعاة عندما أراد السقي لهما لكي يعجل بالسقاية .

وهذه الميزات الثلاث تحقق شروطا ضرورية لحمل أعباء الرسالة التي أراد الله سبحانه لنبيه موسى u القيام بها .

ولعل في المراد الإلهي في قصة ولادته ونجاته من الذبح عاملا جديدا في خلق الأجواء النفسية والاجتماعية والروحية والظروف المناسبة لتأهيل هذا الإنسان لقيادة شعبه المضطهد.

المرحلة الثانية: تمثل مسئوليتين:

الأولى: هداية قوم فرعون إلى التوحيد والإيمان بربوبية الله سبحانه.

الثانية: دعوة بني إسرائيل إلى الخلاص من الاضطهاد والظلم الذي كانوا يعانونه في مصر.

وقد استخدم موسى u لتحقق هذين الهدفين أساليب مختلفة ومتعددة تبدأ من النقاش الهادئ بكلام لين وحجة تعتمد على المنطق والعقل وتنتهي بالعذاب والرجز الذي أنزله سبحانه عليهم في آيات عديدة.

كما أنه كان يدعو بني إسرائيل من جانب آخر إلى الاستعانة بالله والصبر على المكاره ومواصلة الطريق من أجل الخلاص.

هذا ولم يتعرض القرآن إلى المدة التي قضاها موسى u من أجل تحقيق هذا الهدف ، وإن كان بالإمكان تيين هذه المدة مع كونها طويلة نسبيا خصوصا إذا لاحظنا الآيات القرآنية المشيرة إلى المعجزات التي جاءت على يد موسى u وأنها كانت في سنين متعددة ، ويؤيد ذلك أمر الله سبحانه موسى u أن يتخذ مع قومه بيوتا ويجعلها قبلة تنطلق الدعوة منها.

والظاهر أن موسى u لم يصل في الهدف الأول إلى نتيجة واضحة في مجال تحقيقه أي مع فرعون وقومه فلذا قرر الهجرة ببني إسرائيل والعبور بهم إلى الجانب الآخر من البحر.

وقد يستفاد من مطاردة فرعون بجنوده لموسى u ، وقومه أن هذا العمل لم يكن برضا فرعون ، وإن كان القرآن الكريم لم يشر إلى ذلك بشكل قاطع.

ثم إنه يمكن أن نلاحظ أمورا ثلاثة في هذه المرحلة:

1-كان بنوا إسرائيل يلتفون حول موسى u دون خلاف بينهم وعلى فرض وجوده فإنه غير بارز على السطح الخارجي.

وهذا الذي ذكرناه لم يصرح به القرآن إلا أنه يستنتج كحالة طبيعية خصوصا وأن الإسرائيليين كانوا في الأصل أهل كتاب ونبوات كما أنهم كانوا يتعرضون لأشد العذاب بألوان مختلفة ، فكانوا ينشدون الخلاص مضافا إلى سكوت القرآن عن إبراز أي خلاف بينهم في هذه المرحلة ، بل استجابوا لدعوة موسى u في الهجرة من مصر.

نعم أشار القرآن إلى نقطتين قد يفهم منهما الخلاف:

الأولى: قلة الأشخاص الذين آمنوا بموسى u من قومه.

الثانية: اعتراضهم عليه بنـزول الأذى فيهم قبل مجيئه وبعده.

2-استخدام موسى u وسائل متعددة بهدف إنجاح الدعوة فعمد إلى أسلوب الحوار الهادئ واستعان بالمعاجز والآيات ذات الطابع الانتقامي الشديد ثانية وثالثة بالصبر والصمود والانتظار.

وقد توصل من خلال ذلك إلى تحقيق بعض أهدافه إذ نجد الدعوة تحقق نجاحا في صفوف بعض الفرعونيين أيضا كإيمان السحرة له وإيمان مؤمن آل فرعون وزوجة فرعون.

3-الطريق الذي استفاد منه موسى u في حماية نفسه من غضب وانتقام فرعون فاعتمد على جهات متعددة كالتفاف الإسرائيليين وهم أمة كبيرة من الناس حوله والمركز الاجتماعي السابق في بيت فرعون وبشكل متميز واستجابة بعض الفراعنة لدعوته خصوصا زوجة فرعون.

ومما يوضح العنصر الأخير اطلاع مؤمن آل فرعون موسى u على إئتمار الملأ به لقتله ويوضح العنصر الثاني قبول فرعون مناقشته والدخول معه في مباراة مع السحرة.

المرحلة الثالثة: وهي تمثل جانب استقلال الجماعة والحكم وما يستتبعه من مضاعفات.

ذلك أن الدعوة تعتمد في مرحلتها الأولى إلى تحقيق أهداف عامة فترفع شعارات معينة وقد تلتقي آمال الشعب كله وتتجمع تدريجيا في هذه الأهداف والشعارات ، وأما حين يأتي دور تحديد هذه الأهداف في صيغ معينة وتطبيق هذه الشعارات في نهج وإسلوب خاص وتجسيدها عمليا فقد نرى بعض الأعضاء لا يلتقي مع هذا التحديد والتطبيق في مصالحه الخاصة أو أفكاره الاجتماعية وعقليته ، بل قد تتعارض المصالح الخاصة مع هذه الأهداف والشعارات ، حيث أن هذه الأهداف الإلهية الرسالية تنطلق من المبادئ ومبتنيات الفطرة الإنسانية المودعة من الله في الإنسان وهي في البداية لا تبدو متناقضة مع رغبات الإنسان وميوله بل محبوبة وحسنة في نظره وبالأخص المظلومين من الناس.

ولهذا تظهر في هذه المرحلة بوادر الخلاف فنجد ذلك في المجتمع الإسرائيلي في هذه المرحلة فتطفو على السطح اتجاهات شتى: فكرية ومصلحية ونفسية وغير ذلك حتى أنها تتحول أحيانا إلى المروق عن الدين أو إلى التمرد على الجماعة والنظام.

ففي جانب العقيدة والفكر مثلا نجد تأثيرات المجتمع الوثني على الإسرائيليين تظهر بشكل أوضح ، إذ بمجرد مرورهم على قوم يعبدون الأصنام طلبوا من موسى u أن يتخذ لهم أصناما وآلهة كما لهؤلاء القوم آلهة مع أن الإسرائيليين بالأصل هم ذرية إبراهيم وإسحاق ويعقوب الذين حملوا رسالة التوحيد ورفضوا الوثنية والأصنام.

وتبرز هذه الرواسب مرة أخرى عندما اتخذوا العجل إلها لمجرد أنهم رأوا فيه ظاهرة غير طبيعية ، وفي موقفهم في الميقات عند الاستغفار أيضا حينما طلبوا أن يروا الله جهرة.

وفي جانب المصالح يبرز موقف قارون وجماعته و إيذاءهم موسى u وتمردهم على أوامره وغير ذلك من الإشارات القرآنية التي تشير إلى عوامل النفاق والمعارضة.

وتشير قصة الدخول إلى الأرض المقدسة وغيرها من الإشارات القرآنية إلى رواسب الضعف والخوف ، وهذا إشارة إلى جانب الواقع الروحي والنفسي.

وبالجملة: الميزة الأساسية لهذه المرحلة هي ظهور هذه الخلافات المتعددة ومعاناة النبي موسى u منها على اختلاف اتجاهاتها ودوافعها.

وهذه الظواهر هي من مستلزمات المجتمع الذي تتحكم فيه عقيدة جديدة ونظام جديد.

ويبرز موسى u في هذه الخلافات قائدا حكيما ونبيا وعطوفا فيأخذ قومه بالشدة في مروقهم عن الدين كما في قضية العجل وباللين في جوانب أخرى فيدعو الله سبحانه لهم بالرحمة والمغفرة كما في قضية الميقات.

الجانب الثاني: موضوعات القصة:

لقد تحدثت قصة موسى u عن ستة موضوعات أساسية وهي كالتالي:

1-بعثة نبي الله موسى u ومعاجزه.

2-أساليب الدعوة وأدلتها.

3-مواجهة الكافرين له من فرعون وأتباعه.

4-التحريف في العبادة.

5-حياة موسى u الشخصية.

6-أوضاع الشعب الإسرائيلي العامة.

وقد ذكر القرآن الكريم هذه المواضيع في مواضع مختلفة ومتفرقة ، ولا بأس بالإشارة إلى الأهداف العامة التي توخاها القرآن الكريم من وراء الإشارة أو تأكيد هذه الموضوعات مع بيان المهم منها.

1-بعثة نبي الله موسى u ومعاجزه:

من الأهداف الرئيسية التي توخاها القرآن هو ربط الإنسان بعالم الغيب وتأكيد وتوجيه إيمانه وفطرته الأصيلة التي فطره الله سبحانه على الإيمان به وجهة صحيحة لأن الإنسان بدأ من الغيب وينتهي بعالم الآخرة الذي هو غيب ويبقى مرتبطا ومتفاعلا من الناحية الواقعية مع الغيب في كل أدوار حياته وشؤونها ، ولهذا نجد القرآن يتحدث في مواضع كثيرة من أجل هذا الهدف الرئيس عن عالم الغيب وجوانبه المتعددة وبعض القوانين العامة التي تتحكم فيه والعلاقات التي تسوده إضافة إلى طرحه مفاهيم معينة عن هذا العالم قد لا يكون لها أثر كبير في حياته الدنيوية غير هذا الربط الذي يهدف إليه القرآن ، ويظهر هذا من طرح مفاهيم اللوح والقلم والكرسي والعرش.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نرى هذا الهدف مما استهدفه القرآن من قصة نبي الله موسى u.

ولعل هذا يبرز اهتمام القرآن في تكرار هذا الموضوع و إعطاء تفصيلات كثيرة عنه في هذه القصة فنجد أن الآيات التي تحدثت عن هذا الموضوع في قصة موسى u أكثر من بقية الآيات المتعرضة لبقية المواضيع خصوصا من جهة ذكر التفصيلات.

فنلاحظ الإشارة لهذا الموضوع في عدة مواضع:

منها: كيفية البعثة وفي معجزة العصا واليد وفي توالي الآيات على الفراعنة من الدم والجراد والقمل والطوفان ونقص السنين وفي انفلاق البحر لبني إسرائيل وفي موت الأشخاص الذين اختارهم موسى u لميقات ربه ثم بعثهم وفي قضية قارون ، وخسف الأرض به.

والحاصل: تكاد قصة موسى u تستوعب هذه الأمور أكثر من غيرها.

ثم إن ما ذكرناه لا ينفي وجود أهداف ثانوية فرضها السياق القرآني ومن أهمها:

إيضاح فكرة صدود الكفار عن الدعوة وعدم دخولهم فيها ليس لسبب موضوعي يرتبط بالدعوة نفسها أو شخصية النبي ، بل إن ذلك يعود إلى الظروف المعيشية لهم من نفسية واجتماعية لما هو معلوم أن المواقف السلبية اليومية من خلال تحول الصراع أو العادات والتقاليد الموروثة أو الانحرافات الجزئية إلى حالة نفسية تغلف القلب والعقل وتختم عليه فيصبح الجمود هو الموقف العام دون أن يستخدم الإنسان عقله أو فطرته .

فإيضاح القانون الاجتماعي يكون له تأثيرا كبيرا على فهم المواجهة بين المسلمين والكافرين أيام النبي وما بعدها.

كما أن الإشارة إلى تفاصيل الآيات بشكل خاص في عصر موسى u وغيره يبين بوضوح المبرر لعدم مجيء الآيات في عهد رسول الله كما أشار القرآن لذلك لأنه يصبح من الواضح أن الآيات إنما جاءت للعذاب والانتقام إذ رغم مجيء الأنبياء بها إلا أنهم لم يتمكنوا من كسر الحاجز النفسي والقلبي.

2-أساليب الدعوة وأدلتها:

تمثل العقيدة في الدعوة الإلهية جانبين:

أ-الجانب الإلهي فيها ، وهو الإيمان بوجود الله تعالى ووحدانيته وصفاته ، ويمكن الاعتماد في معرفة هذا الجانب على العقل والدليل والبرهان.

ب-ارتباط الرسول بالله سبحانه وأن دعوته صادرة من الله وعن أمره تعالى ، وقد لا يمكن إثبات هذا الجانب مبدئيا إلا عن طريق المعجزة لأنها تعبير عن الاستجابة إلى الحاجة في هذا الجانب ، نعم يمكن قبول إخبار النبي لأنه إنسان عاقل وموثوق وعلى مستوى عال من الكمال ، فيكفي ذلك في تصديقه والإيمان به ، إلا أن هذا الأمر ليس عاما لأنه قد يكون في موضع الاتهام ولذا احتاج الأنبياء للمعجزة.

هذا ولم يكتف الأنبياء u بالإتيان بالمعجزات على أساس كونها الدليل الوحيد في إثبات النبوة بل عمدوا إلى استخدام الأدلة المنطقية والوجدانية أيضا في مخاطبتهم للناس بالدعوة إلى الله وتوحيده.

ونجد هذا المعنى واضحا في قصة نبي الله موسى u وفي مواضع عديدة حيث تناولت بعض الأدلة والبراهين التي اعتمدها موسى في مخاطبة فرعون إضافة إلى المعجزات ، كما نجد أنه u بدأ أولا بمخاطبة العقل والوجدان قبل أن يستند إلى دليل آخر من الآيات والمعجزات لأن التسلسل المنطقي للتفكير والانفعال كان يفرض ذلك ، فإن النبي يخاطب العقل والوجدان في البداية ثم يعمل بعد ذلك على كسر الحواجز النفسية والروحية التي تمنع العقل والوجدان من الفهم والإدراك.

ونلاحظ هنا أن موسى اتبع أساليب مختلفة كانت تتصف باللين والرفق تنفيذا لأمر ربه فتارة نراه يتوسل إلى فرعون ، ويذكره بآيات الله مرة أخرى وفي ثالثة يشير إلى عذاب الآخرة ، وعاقبة الإصرار على الكفر وما ذلك منه إلا رغبة في تحقيق هدفه وهو هداية الناس إلى الله سبحانه .

ويهدف القرآن في تناول هذا الموضوع في القصة وغيرها إلى هدف رئيسي من أهدافه وهو الإشارة إلى أن مسألة الإيمان بالله ليست غريبة في حياة الإنسان غرابة المعاجز والآيات بل هي شيء فطري نابع من ذات الإنسان ويهديه إليها عقله وحسه ووجدانه ، ولذلك اعتمد الأنبياء u مخاطبة الناس عن هذا الطريق ، قبل أن يخاطبوهم بطريق الآية والمعجزة.

ويهدف أيضا إلى عدم الاكتفاء بالإيمان الساذج نتيجة وجود المعجزة ، وإنما يحاول أن يكون إيمانهم برهانيا ، عن طريق الدليل والبرهان العقلي والمخاطبة الوجدانية.

وإضافة إلى الأدلة والبراهين نجد في القصة إشارات إلى عدة قضايا مهمة ، مرتبطة بالدعوة ونجاحها.

منها: قضية الصبر والصمود والأمل بالمستقبل والثقة بالله والتوكل عليه.

ومنها: قضية الطاعة للقيادة والنظم في العمل.

ومنها: الإطلاع على موقف الأعداء وحركتهم كما يظهر ذلك في قضية مؤمن آل فرعون ومجيء الرجل من أقصى المدينة.

3-مواجهة الكافرين والمنافقين:

وقد قدم القرآن في هذا المجال صورا وألوانا مختلفة ومتفاوتة ، في المواجهة التي تحصل بين النبي وجماعته من جانب والكافرين بدعوته أو المتظاهرين بقبولها وهم المنافقون من جانب آخر.

ثم إن اختلاف عرض صور المواجهة يعود إلى مدى نجاح النبي في دعوته وسعة أهدافه ومقدار معارضته للمفاهيم الاجتماعية السائدة حتى تكاد تكون هذه المواجهة أمرا طبيعيا نتيجة الصراع الذي يدور بين الفكرة الجديدة وأنصارها والفكرة السائدة في المجتمع وحمايتها.
ولما عرض القرآن هذا الموضوع في قصة موسى u أراد التأكيد على أن هذا المفهوم الاجتماعي والسنة التاريخية في الصراع وأن المعارضة التي حصلت للنبي ليست بدعا في التاريخ وإنما هي نتيجة طبيعية للصراع الفكري والسياسي.

ونجد في هذا العرض بيان الأعباء التي يتحملها النبي في سبيل الدعوة وأنها أعباء غير عادية يتحملها أي إنسان وإنما هي بحاجة إلى إرادة قوية وعزم شديد وتصميم عميق الجذور على السير على خط الدعوة حتى في أشد الظروف الموضوعية قسوة وأبعدها ملائمة ويتعرض فيها الرسول إلى ألوان من العذاب النفسي والجسدي والأخطار التي ترتبط بحياته وسمعته وشخصيته بل قد ينتهي الأمر باغتيال النبي وقتله.

وقد تكون هذه الآلام بسبب الأعداء الظاهرين كما قد تكون بسبب مرضى القلوب أو ضعفاء الإيمان والبسطاء وجهال الناس.

وحين يشير القرآن إلى ألوان المواجهة وأساليبها في قصة موسى u نجد أنفسنا أمام الواقع الاجتماعي الذي كان يواجه به النبي في دعوته وأمام الأساليب نفسها فكأن هذه القصة تعبير عن مسيرة دعوة النبي وآلامه ، ولعل هذا يوضح لنا سر مجيء قصة موسى u بهذا القدر من التفصيل.

4-الجانب التحريفي في العبادة :

حيث يظهر من القصة أن الإسرائيليين آمنوا بموسى u في الشعارات العامة التي كان يرفعها مع عدم معرفتهم بمحتواها الأصيل بحيث يكون ذلك حاجبا لهم عن الانسياق وراء أفكار وثنية أخرى. بل نجدهم لما خلصوا من عذاب فرعون وقومه تظهر عندهم رواسب وثنية ، ذات المدلول الانحرافي لتأثرهم بالمجتمع الفرعوني الذي كانوا يعيشون فيه.

ولا يعني هذا تنازلهم عن شعاراتهم التي آمنوا بها ، بل يعني أنهم كانوا يفهمون مدلول الشعارات بالشكل الذي ينسجم مع هذا العمل المنحرف فالعجل في نظرهم تجسيد للإله الذي دعا إليه موسى u والأصنام هي الوسائط المادية للتعبير عن عبادة الإله الذي دعا موسى u إليه وهكذا.

ولعل هدف القرآن في هذا الإشارة إلى ناحيتين:

الأولى: مناقشة أفكار الجاهليين المعاصرين لنـزول القرآن لأنهم كانوا يعللون عبادتهم لتلك الأصنام أنها تقربهم لله زلفى.

الثانية: بيان أن الإنسان وإن آمن بالرسول وحظي بصحبته والاستماع إليه إلا أن ذلك لا يعني تجرده دفعة واحدة من جميع محتوياته الداخلية وقضى على كل الرواسب التي لا تلتقي في واقعها مع أصالة الرسالة والدعوة التي يدعوا إليها الرسول ، وإنما غاية ما يدل عليه هو الإيمان بالمدلول الحرفي للشعار ، وهذا ما أشار له القرآن عندما ميز بين إدعاء الإسلام والإيمان ، قال تعالى: )قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم(.2

5-حياة موسى u الشخصية:

فقد تناولته مقاطع من القصة وخصوصا حياته ما قبل البعثة ، ويحتمل أن غرض القرآن من ذلك تحصيل هدفين:

الأول: الإشارة إلى إعجاز القرآن لأن ذكره لأحوال موسى الرسول ليس شيئا جديدا لأنه كان معروفا في كتب أصحاب الديانات السابقة لكن الإطلاع على أحواله قبل البعثة لم يكن معلوما مما يشير إلى الإعجاز القرآني ، لأن هذه التفاصيل مما ينفرد به القرآن دون بقية الكتب السماوية الأخرى.

الثاني: بيان صورة موسى u الإنسان الذي أعده الله سبحانه وتعالى من أجل تحمل أعباء الرسالة والقيام بها وأن لديه القابلية لذلك لتمتعه بخلق وعاطفة وجرأة ومكانة تعينه على القيام بهذه الأعباء وتحملها.

وقد يضاف أيضا أن معرفة حياته الشخصية u تعين على معرفة بعض الأوضاع الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت ومستوى الظلم الذي كان يعانيه الإسرائيليون واستسلامهم لهذا الواقع المرير.

6-أوضاع الشعب الإسرائيلي العامة: وقد أشرنا إلى شيء منها عند التعرض للمرحلة الثالثة من دعوة موسى u ، ويمكن تلخيص ما ذكره القرآن الكريم عن هذا الشعب: بأنهم كانوا يتصفون بازدواجية مريعة نتيجة لمختلف الظروف التاريخية والاجتماعية التي مروا بها وقد تراكمت آثارها في سلوكهم الاجتماعي ومحتواه النفسي والروحي.

وكانت تمثل هذه الازدواجية في شعورهم بالعظمة والامتياز والقرب من الله نتيجة للتاريخ المجيد الذي عاشه آبائهم وأجدادهم كتاريخ النبوات والمقام المتميز ليوسف وكيفية إنقاذه المجتمع من الكوارث الطبيعية وتخطيطه الاقتصادي الرائع.

ويمكن أن نستفيد من هذه الازدواجية في تفسير تململ بني إسرائيل وعدم تحملهم لأعباء الرسالة وعملية الإخلاص والإنقياد وكذا تماديهم في الطلبات وكثرة تمنياتهم على موسى u وعدم استجابتهم للخط الذي رسمه لهم لإنقاذهم حتى مع المكانة العظيمة التي كان يتمتع بها موسى u بينهم.

ومن خلال هذا البيان أعطى القرآن صورة عن واقع اليهود الذين يعيشون مع المسلمين ، حيث كشف القرآن هذه الحقيقة مع أنه كان ينظر لهم قبل الإسلام على أنهم أهل كتاب ومعرفة بالأديان وبكل ما يتصل بعالم الغيب.

وباتضاح هذه الحقيقة ، لن يعتمد عليهم المسلمون ويتضح أيضا موقفهم من الرسالة والرسول .

الزاوية الثالثة: دراسة القصة بحسب مواضعها في القرآن:

ذكرت قصة موسى u في مواضع عديدة من القرآن الكريم ولكن من أجل اتضاح ما ذكرناه سابقا 3نشير إلى بعض هذه المواضع:

الموضع الأول ما جاء في سورة البقرة:

قال تعالى: )وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. وإذ فرقنا البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون. وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون( إلى أن قال تعالى: )ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون(4.

وقد تضمن هذا المقطع أمور:

أولا: أنه جاء في سياق قوله تعالى: )يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون(.5

ثانيا: قد تناول أحداثا معينة أنعم الله بها على بني إسرائيل مرة بعد الأخرى مع الإشارة إلى ما كان يعقب هذه النعم من انحراف في الإيمان بالله أو في الموقف العبادي الذي تفرضه طبيعة هذا الإيمان.

ثالثا: بعد أن يختم القرآن هذا المقطع يأتي ليعالج المواقف العدائية لبني إسرائيل من الدعوة ويربط هذه المواقف بالمواقف السابقة لهم بقوله تعالى: )أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون…وأني فضلتكم على العالمين(.6

وبناءا على هذه الملاحظة يمكننا أن نقول:

لقد جاء هذا المقطع وهو يستهدف غرضا مزدوجا وهو تذكير بني إسرائيل بنعم الله سبحانه المتعددة عليهم وفي ذلك موعظة وعبرة لهم تجاه موقفهم الفعلي من ناحية وكشف الخصائص الاجتماعية والنفسية العامة التي يتصف بها الشعب الإسرائيلي للمسلمين من ناحية أخرى فيحذرهم المسلمون ولا يقعوا في حالة الشك والريب في هذه المواقف مما يحذو ببعضهم تصور أن ما يفعله اليهود ناجم عن رؤية موضوعية للرسالة ولذا لم يؤمنوا بها خصوصا ونظرة المسلمين أن اليهود أهل كتاب فأراد القرآن بيان هذا الموقف وتوضيح أن عدم إيمان اليهود مرجعه إلى أمر نفسي وذاتي متأثر بالخصائص الروحية و الاجتماعية.

وهذا استدعى أن يقتصر القرآن على هذه الخصائص دون تعرض منه لمزيد من الأحداث وتفصيلات أخرى.

الموضع الثاني: ما جاء في سورة النساء:

قال تعالى: )يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا( إلى أن قال تعالى: )وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما(.7

وقد تضمن هذا المقطع:

1-أنه ورد ضمن سياق عام لمواقف ثلاث فئات من أعداء الدعوة الإسلامية وهم اليهود والنصارى والمنافقون فيبدأ عرض الموقف الثالث بقوله تعالى: )بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما(8 ، وعرض الموقف الأول يبدأ بقوله تعالى: )إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا(.9

وعرض الموقف الثاني بقوله سبحانه: )يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة(.10

2-تناول المقطع بعض الأحداث ذات الدلالة على نبوة موسى u والمواثيق الغليظة التي أخذت على اليهود بصدد الطاعة والامتثال وبيان موقف اليهود من ذلك والمخالفات التي ارتكبوها سواء فيما يتعلق بالجانب العقيدي من الفكرة أم الجانب العملي التطبيقي منها.

ونستنتج على أساس هذين الأمرين:

أن هذا المقطع جاء ليوضح أن موقف اليهود من الدعوة بطلبهم المزيد من البينات ليس نابعا من الشك بالرسالة وإنما هو موقف شكلي ذرائعي يستبطن الجحود والطغيان ، ولذا نجد المقطع يكتفي بعرض هذا الطلب العجيب الذي تقدم به اليهود إلى موسى u ويضيف إلى ذلك المواثيق التي أخذت منهم في الطاعة ونكوثهم عنها بمخالفتهم العديدة ، الأمر الذي كشف عن إصرارهم على الجحود والطغيان وأنهم يتذرعون بمثل هذه المطالب.

وقد فرض السياق العام للسورة تكرار القصة على أساس إيضاح ومعالجة موقف المنافقين والنصارى من أهل الكتاب لأن هذه المواقف هي المواقف الرئيسية التي كانت تواجهها الدعوة الإسلامية حينذاك.

الموضع الثالث: ما جاء في سورة يونس:

قال تعالى: ) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين( إلى أن قال تعالى: )ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم أن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون(.11

ونلاحظ أن هذا المقطع تضمن الأمور التالية:

1-إن المقطع جاء بعد مقارنة عرضها القرآن بين مصير متبعي الحق المؤمنين بالله وبالرسل المصدقين بهم ومصير متبعي الباطل المفترين على الله المكذبين بالرسل قال تعالى: )الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم…قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون(.12

2-لقد سبق هذا المقطع إشارة قصيرة إلى نبأ نوح وقومه تتبعها لمحة عامة عن الرسل من بعده وبيان موقف قومهم منهم.

3-اقتصر هذا المقطع على التفاصيل المرتبطة بموقف فرعون وملئه من موسى والمصير الذي لاقاه هؤلاء نتيجة إعراضهم عن الدعوة وتكذيبهم بها كما أشار أيضا إلى نهاية بني إسرائيل الطيبة بعد معاناتهم الطويلة في المجتمع الفرعوني.

ويمكننا أن نستنتج التالي:

لقد جاءت القصة من أجل تصديق حقيقة ذكرها القرآن في مقارنته بين الذين آمنوا والذين يفترون على الله الكذب.

وقد فرض السياق مجيء القصة بشيء من التفاصيل لكون قصة موسى u تمثل بتفاصيلها الانقسام بين جماعتين: إحداهما مؤمنة به ، والأخرى كافرة بدعوته ويقع بينهما صراع تكون الغلبة فيه للمؤمنين.

وهذا بخلاف قصص الأنبياء الآخرين فإن تعرض القرآن لبيان أن النبي لم يؤمن به إلا النـزر اليسير من قومه ولذلك ينـزل العذاب بقومه بشكل عام وعلى هذا تكون هذه القصص ممثلة جانبا واحدا من المقارنة وهو جانب المصير الذي يواجهه المكذبون المنحرفون.

لكن قصة موسى u كما ذكرنا تمثل جانبين ، ومن هنا يمكن تفسير مجيء قصة نوح مختصرة في هذا الموضع مع الإشارة العامة لموقف بقية الأنبياء ، مضافا إلى أن نوحا يمثل بداية الأنبياء الذي لاقى قومهم العذاب في قصص القرآن ويمثل موسى u ختامهم ونهايتهم.

ثم إنه يمكننا أن نلاحظ في تكرار القصة بهذا المقطع السبب الرابع من أسباب تكرار القصة وهو:

حيث أن طريقة عرض القصة في هذا المقطع حققت غرضا معينا ما كان يحصل لو عرضت القصة بجميع تفاصيلها ، كما أشرنا لأنها اقتصرت هنا على بيان التزام الإسرائيليين طريق الحق دون تعرض منها إلى الجوانب الأخرى لموقفهم من انحراف وعصيان لأوامر موسى u وهذا يشير إلى أن القصة جيء بها من أجل إبراز صدق هذه المقارنة في التاريخ الإسلامي.

والحمد لله رب العالمين

——————————————————————————–

1 سورة يوسف الآية رقم 3

2 سورة الحجرات الآية رقم 14.

3 تقدمت الإشارة له في بحث القصة في القرآن (1)

4 سورة البقرة الآيات من 49-74

5 سورة البقرة الآية رقم 40

6 سورة البقرة الآيات 75-122

7 سورة النساء الآيات رقم 153-161

8 سورة النساء الآية رقم 138

9سورة النساء الآية رقم 150

10 سورة النساء الآية رقم 171

11 سورة يونس الآيات 75-93

12 سورة يونس الآيات رقم 63-70