10 أغسطس,2020

معالم مكة المكرمة: عرفة.المشعر الحرام.منى

اطبع المقالة اطبع المقالة

عرفة:

ذكر ابن منظور:عرفة وعرفات،بمكة معروفة كأنهم جعلوا كل موضع منها عرفة،ويوم عرفة، غير منون،ولا يقال العرفة،ولا تدخله الألف واللام[1].

وقال سيـبويه:عرفات مصروفة في كتاب الله تعالى،وهي معرفة والدليل على ذلك قول العرب:هذه عرفات مباركاً فيها،وهذه عرفات حسنة.

قال:ويدلك على معرفتها أنك لا تدخل فيها ألفاً ولا لاماً،وإنما عرفات بمنـزلة أبانين وبمنـزلة جمع،ولو كانت نكرة لكانت إذن عرفات في غير موضع.

وقيل:أن عرفات سميت بذلك لأن الناس يتعارفون به،وقيل سمي عرفة لأن جبريل(ع)طاف بإبراهيم(ع)فكان يريه المشاهد،فيقول له:أعرفت أعرفت،فيقول إبراهيم:عرفت عرفت،وقيل:لأن آدم(ص)لما هبط من الجنة وكان فراقه حواء ما كان فلقيها في ذك الموضوع،عرفها وعرفته.

والتعريف الوقوف بعرفات،وعرّف القوم وقفوا بعرفات،قال الجوهري:

وعرفات موضع بمنى،وهو اسم في لفظ الجمع،فلا يجمع،قال الفراء:ولا واحد له بصحة،وقول الناس:نزلنا عرفة،شبيه بمولد وليس بعربي محض،وهي معرفة،وإن كان جمعاً،لأن الأماكن لا تزول فصار كالشيء الواحد،قال تعالى:- (فإذا أفضتم من عرفات)[2].

وقال عنها في الموسوعة العربية الميسرة:جبل جرانيتي بالحجاز يقع غرب مكة بنحو 10 كم،وفي الجهة الشمالية من هذا الجبل صخرة مرتفعة تسمى جبل الرحمة،وفي سفحها الجنوبي خطب الرسول(ص)خطبة الوداع المشهورة.

أقول:المذكور أن عرفات تبعد عن مكة حوالي 25 كم،وليس كما قال.

وقد ورد في سبب تسميتها عن معاوية بن عمار قال:سألت أبا عبد الله(ع)عن عرفات لم سميت عرفات؟فقال:إن جبرئيل(ع)خرج بإبراهيم(ص)يوم عرفة،فلما زالت الشمس،قال له جبرئيل:يا إبراهيم اعترف بذنبك واعرف مناسك،فسميت عرفات،لقول جبرئيل:اعترف فاعترف[3].

ويقع في عرفة مسجد نمرة،وهو مسجد كبير له خمسة أبواب،وأمام أحد أبوابه بئر وسبيل يستسقى منهما الحجاج،وطوله تسعون متراً وعرضه ثمانون متراً ويسمى مسجد عرفة أو جامع إبراهيم،ويرجع إنشاؤه إلى العقد الخامس بعد المائة،يعني بضع ومائة وخمسين هجرية،وأبوابه على ضلع واحد للمسجد،وتقع في الزاوية على يمين الداخل منارة.

وكان فيما سبق مكشوفاً كله،ولكنه اليوم مسقوف كله وبناؤه مرتفع وجيد،بمقتضى التجديد الذي حصل له.

وحدود عرفة:عرفة وثوية وذو المجاز والأراك ونمرة وبطن عرفة،ومن هنا نعرف أن مسجد نمرة ليس في عرفة بالضبط،بل في حدودها،ويكون المكث فيه خلال المكث الواجب مشكلاً شرعاً.

المشعر الحرام:

ويسمى المزدلفة،وجمع أيضاً وإياه قصدت الآية الشريفة،في قوله تعالى:- (فاذكروا الله عند المشعر الحرام)[4].

وقد ذكر ابن منظور:المشعر المعلم والتعبد من متعبداته والمشاعر المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها،ومنه يسمى المشعر الحرام لأنه معلم للعبادة وموضع،ولا يكادون يقولون بغير الألف واللام.

وقال عن المزدلفة:موضع بمكة،قيل سميت بذلك لاقتراب الناس،إلى منى بعد الإفاضة من عرفات،قال ابن سيده:لا أدري كف هذا.

وأزلفه الشيء صار جميعه حكاه الزجاج عن أبي عبيدة،قال أبو عبيدة:ومزدلفة من ذلك،وقوله تعالى:- (وأزلفنا ثم الآخرين)[5]،معنى أزلفنا جمعنا،وقيل:قربنا الآخرين من الغرق وهم أصحاب فرعون وكلاهما حسن جميل،لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض،ومن ذلك سميت المزدلفة جمعاً.

أقول:ويؤيد هذه المعاني ما ورد عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(ع)قال:في حديث إبراهيم(ع)وإن جبرئيل(ع)انتهى به إلى الموقف فأقام به حتى غربت الشمس ثم أفاض به،فقال:يا إبراهيم ازدلف إلى المشعر الحرام،فسميت مزدلفة[6].

وعن معاوية بن عمار أيضاً عن أبي عبد الله(ع)قال:إنما سميت مزدلفة لأنهم ازدلفوا إليها من عرفات[7].

أقول:وهذا على معنى ذهبوا،فيكون ازدلف يعني:ذهب،كما يكون بمعنى اجتمع وبمعنى قرب.

وقد يكون مأخوذاً أيضاً من الزلفة،أو الزلفى،لأنها مكان يحصل فيه العبد على الزلفى عند الله عز وجل،لو قُبل حجه وأجزأت عبادته،كما يمكن له وجه،وهو أن يكون الإزدلاف بأي معانيه إنما هو من ثواب الآخرة،وليس على صعيد الأرض.

وتقع بين منى وعرفات وفيها مسجد،وحدودها من مأزمي عرفة إلى وادي محسر إلى الحياض.

وذكروا عن وادي محسر أنه طريق ضيق بين سلسلتين من الجبال طوله نصف كيلو متر،ويقال:إنه بهذا الوادي نزل بأس اله بأصحاب الفيل حينما جاءوا لهدم الكعبة،فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول.

منى:

قال ابن منظور:منى الله الشيء قدره،وبه سميت منى،ومنى بمكة يصرف ولا يصرف،سكيت بذلك لما يمنى فيها من الدماء أي يراق،قال ثعلب:هو من قولهم:منى الله عليه الموت أي قدره لن الهدي ينحر هنالك.

وامتنى القوم وأمنوا:أتوا منى،قال ابن شميل لأن الكبش مني به أي ذبح،وقال ابن عيـينة أخذ من المنايا.

أقول:والظاهر أنها بكسر الميم،وإن كان الضم ليس غلطاً أيضاً،غير أنه يغير المادة المأخوذة منه،والتمني أو المنية بالضم،لأن الله تعالى يعطي لعبده في هذا المكان مناه.

ويؤيده ما روي عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(ع)قال:إن جبرئيل أتى إبراهيم،فقال:تمنَّ يا إبراهيم،فكانت تسمى منى،فسماها الناس منى[8].

وعن محمد بن سنان أن أبا الحسن الرضا(ع)كتب إليه:العلة التي من أجلها سميت منى منى،:إن جبرئيل قال هنالك:يا إبراهيم تمنَّ على ربك ما شئت،فتمنى إبراهيم في نفسه أن يجعل الله مكان ابنه إسماعيل كبشاً يأمره بذبحه فدء له،فأعطي مناه[9].

وجاء في الموسوعة الميسرة:منى،بلدة قريـبة من مكة تبعد عنها بنحو ستة كم،وفيها مرمى الجمار ومذبح الهدي….وبها مسجد الخيف،وعلى مقربة منها غار،كان يتعبد فيه النبي(ص)أحياناً ونزلت عليه سورة المرسلات،وسمي غار المرسلات،ويقال إن إبراهيم همّ في منى بذبح ابنه إسماعيل،ولذا كانت موضع الذبح بالحج.

أقول:وهي أقرب المواقع الثلاثة الرئيسية إلى مكة،ثم المشعر الحرام،ثم عرفة.

وبها مسجد الخيف،وهو مسجد كبير ذو فضاء واسع مربع،يحيط به سور،وفي وسطه قبة كبيرة أقيمت على مكان يصلي فيه الناس،وهو المكان الذي صلى فيه النبي(ص).

عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(ع)قال:قلت له:لم سمي الخيف خيفاً.قال:إنما سمي الخيف لأنه مرتفع عن الوادي وكل ما ارتفع عن الوادي سمي خيفاً[10].

وفي منى الجمرات الثلاث،وهي جمرة العقبة،والجمرة الوسطى،وتقعان على يسار الذاهب إلى عرفات،والجمرة الصغرى،وتقع عن يمين الذاهب.

فإذا دخلت منى من مكة كانت أول جمرة هي العقبة،تقع على اليسار،وإنما سميت بالعقبة لصعوبة رميها،باعتبار اجتماع الحجاج عليها ضحى عيد الأضحى لأنها الجمرة الوحيدة التي يجب رميها ذلك اليوم.

ثم تأتي الجمرة الوسطى،وهي في وسط منطقة منى،وبعدها الجمرة الصغرى،أو الأولى.

والجمرة عبارة عن حائط أو أسطوانة،محاطة بحوض أو جدار دائري يقف الحجاج أمامه ويرمون الأسطوانة بالأحجار السبع،والجمار الثلاث كلها بهذا الوصف،مع اختلافها في استقبال القبلة وعدمه،ويسمى الحجر الذي يرمى بالجمرة أيضاً،ومنه يقال:يرمي سبع جمرات.

ويستهلك الحاج سبعين جمرة على الأقل،لأنه يرمي في يوم عيد الأضحى جمرة العقبة بسبع،وفي اليوم الذي يليه يجب رمي الجمار الثلاث،وكذلك في اليومين التاليـين إن بقي للنفر الأخير،فهذه عشر دفعات للرمي في كل دفعة سبع حصيات،فيكون المجموع سبعين،مضافاً إلى ما قد يضيع ولا يصل إلى الجمرة،وهو الجدار فيجب ضرب بدله.

وورد في سبب تشريع رمي الجمار عدة روايات:

منها:ما عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(ع)قال:أول من رمى الجمار آدم(ع)وقال:أتى جبرئيل(ع)إبراهيم،فقال:ارم يا إبراهيم،فرمى حجرة العقبة،وذلك أن الشيطان تمثل له عندها[11].

وعن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(ع)قال:سألته عن رمي الجمار لم جعل.قال:لأن إبليس كان يتراءى لإبراهيم(ع)في موضع الجمار في حجة إبراهيم فجرت السنة بذلك[12].

هذا وقد قيل أن السبب في رمي الجمار يعود إلى استمرار إسلامي لرجم قبر أبي رغال،الذي دل أبرهة الأشرم على مكة عندما قصد هدم الكعبة المشرفة.

وقد رجمت العرب قبر أبي رغال،وأقرّ الإسلام ذلك الرجم فأصبح بشكله الجديد رمياً للجمرات.

وهذا الرأي يمكن المناقشة فيه من عدة جهات:

الأولى:إن التواريخ ذكرت أن العرب رجمت قبر أبي رغال وقد بعثـته ثقيف ليدل أبرهة الأشرم على الطريق حتى أنزله بالمغمس،فلما نزل مات أبو رغال،فرجمت العرب قبره،فهو القبر الذي يرجم.

وهذا ليس له أي ارتباط برمي الجمرات،ولم يذكر المؤرخون ذلك،مضافاً إلى أن أبا رغال مات في المغمس بين الطائف ومكة،لا في منى حتى يقال:إن الرمي فيها استمرار لذلك الرمي.

الثانية:مع التسليم بكون أبي رغال قد دفن في منى،وأنه رجم فيها،فليس له إلا قبر واحد،ومنطقة واحدة،على حين أن الجمرات ثلاث،فما هو السبب في وجود الاثنين الآخرين.

الثالثة:مع صحت القصة المذكورة بكل التفاصيل التي تذكر لها،فهي مما يؤيد ما ذكرناه،من أن النصب الذي يرميه الحجاج هو رمز للخيانة،والخيانة في واقعها أحد مسببات الشيطان وأحد الأفعال المنحرفة للنفس المارة بالسوء.

ومعه يكون الأنسب للذهن أن يخرجها من هذه الدائرة الضيقة ويجعلها رمزاً للشيطان بكل منـتوجاته وللنفس الأمارة بالسوء بكل أفعالها وأشكالها،ليكون رميها استنكاراً لكل ذلك لا للخيانة وحدها.

وعلى أي حال فتطبيق رمي الجمرات على قصة أبي رغال مما لا يصح.

نعم الوجه الصحيح والمشهور بين المسلمين هو ما ذكرناه من رمزيتها عن الشيطان،ويكون هو الجواب التام عن الوجه في تعدد الجمرات وتعدد الرمي.

حدود منى:

وحد منى ما بين وادي محسر وحجرة العقبة،فيكون وادي محسر أبعد عن مكة من منى وإنما يقع بينها وبين المزدلفة.

وفي منى الذبح والمذبح،ويجزئ الذبح في كافة أرجاء منى،وأما في غيرها فيرجع في ذلك لرأي الفقهاء كما هو مذكور في الفقه.

——————————————————————————–

[1] لسان العرب مادة عرف.

[2] سورة البقرة الآية رقم 198.

[3] علل الشرائع ص 436.

[4] سورة البقرة الآية رقم 198.

[5] سورة الشعراء الآية رقم 64.

[6] علل الشرائع ص 436.

[7] المصدر السابق.

[8] علل الشرائع ص 435.

[9] المصدر السابق.

[10] المصدر السابق.

[11] علل الشرائع ص 437.

[12] المصدر السابق.