15 مايو,2021

الكبائر, حقيقتها ومعناها

اطبع المقالة اطبع المقالة

الكبائر, حقيقتها ومعناها

 

لم يتضمن القرآن الكريم ولا النصوص الشريفة تحديداً لماهية الكبيرة وبياناً لحقيقتها، وقد أوجب ذلك وقوع الخلاف بين علماء المسلمين في تعريفها، وبيان حقيقتها فوجدت تعريفات عديدة لها تختلف عن بعضها البعض، ويتناقض بعضها مع البعض الآخر، وقد يصل مجموع تلك التعريفات إلى خمسة عشر تعريفاً وزيادة، مع أن أكثر هذه التعريفات قابل للمناقشة، لعدم صدق الحد التام ولا الرسم التام عليه، لأنه ليس جامعاً لجميع الأفراد.

وقبل عرض بعض التعريفات التي وردت في كلماتهم، لا بأس بالالتفات إلى أن الحاجة إلى بيان حقيقة الكبيرة وتحديد المقصود منها إنما تكون وفقاً للقول بانقسام الذنوب إلى قسمين: كبائر وصغائر، انقساماً حقيقياً، دون ما إذا بني على أن الانقسام إضافي، فإنه لا حاجة لبيان حقيقتها ومن ثمّ تميـيزها عن الصغيرة، لما عرفت من عدّ جميع الذنوب كبائر.

 

تعريف الكبيرة:

وقع الكلام بين الأعلام في عرض الضابطة التي يمكن من خلالها تميـيز الكبيرة من الصغيرة، فيتسنى للإنسان أن يشير إلى ذنب فيصفه بأنه كبيرة، وفقاً لما ذكر في بيان حقيقتها، ويشير إلى ذنب آخر فيصفه بأنه صغيرة للإحاطة بحقيقتها أيضاً، وهكذا. وقد أوجب هذا الخلاف المذكور تعدد التعريفات المذكورة لها:

 

منها: إن الكبائر هي كل ما اشتملت عليه سورة النساء من أولها إلى تمام ثلاثين آية وهي قوله تعالى:- (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً)[1].

وكأن هذه الآية المباركة في نظر أصحاب هذا التعريف تشير إلى الكبائر التي بينتها الآيات السابقة لا غير.

وقد يجاب عن ذلك، بأن التعريف المذكور خلاف إطلاق الآية الشريفة، ذلك أنها قد تضمنت تعريفاً لحقيقة الكبيرة، وأنها ما قد نهى الله سبحانه وتعالى عنه، وهذا المعنى ليس محصوراً في خصوص ما تضمنته سورة النساء، بل قد جاء في غيرها من النصوص الدينية، سواء السور القرآنية، أم الروايات الواردة عن المعصومين(ع).

 

ومقتضى ذلك البناء على كون التعريف المذكور ليس جامعاً لجميع الأفراد، لخروج جملة مما يعد من كبائر الذنوب عنه، لعدم ذكره في سورة النساء، كالغيبة مثلاً، أو الحسد أو الحقد.

ومنها: أن الكبيرة هي كل ما أوعد الله سبحانه عليه عقاباً في يوم القيامة، ووضع له حداً في الدنيا.

ولا يختلف حال هذا التعريف عن سابقه في عدم كونه تعريفاً جامعاً، لخروج جملة من الذنوب من تحته، فإن هناك ذنوباً قد ثبت أنها من الكبائر، ومع ذلك لم يعين لها حد في الشريعة الإسلامية، مثل أكل الربا، والإصرار على الصغيرة، والكذب، والغيبة، وغير ذلك.

 

اللهم إلا أن يكون مقصود القائلين بالتعريف من الحد ليس معناه الاصطلاحي، وإنما مطلق العقوبة التي يمكن إيقاعها على فاعل الذنب ولو كان ذلك تعزيراً، فلن يرد عليه ما ذكرناه، لأن المستفاد من بعض النصوص أن للحاكم الشرعي أن يعزر من يقوم بمثل هذه الأعمال.

 

ومع حسن هذا التوجيه في نفسه، إلا أنه يمنع من القبول به وجود مغايرة واختلاف بين المصطلحين ،فإن الحد يشير إلى شيء والتعزير يشير إلى شيء آخر.

ومنها: ما أختاره جماعة، كأبي حامد الغزالي، والفيض الكاشاني، والفاضل النراقي، والشيخ البهائي، من أن الشارع المقدس قد أبهم الكبائر ولم يعينها ليكون العباد على وجل منها، فيجتنبون جميع الذنوب خوفاً من الوقوع في الكبائر، كما أبهم ليلة القدر ليجدوا ويجتهدوا في العبادة في سائر ليالي شهر رمضان المبارك.

 

ويكفي لرد التعريف المذكور كونه مخالفاً لظاهر جملة من النصوص التي تضمنت ذكراً لذنوب وصفتها بأنها من الكبائر، بل هو خلاف ظاهر قوله تعالى:- (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، على أساس أن المقصود من قوله تعالى:- (ما تنهون عنه)، هو خصوص الكبائر.

وأما التنظير بليلة القدر، فغريب، ذلك أن إحياءها ليس واجباً، فلا يضر إخفاؤها، وأما الكبائر فاجتنابها لازم فلابد من بيانها وتعريفها.

وعلى أي حال، إن البيان المذكور لم يتضمن ذكراً لحقيقة الكبيرة وتميـيزاً لها عن الصغيرة، وإنما تضمن تبرير عدم ووضح معناها وحقيقتها، وهذا غير ما نحن بصدده.

 

ومنها: إن الكبيرة كل ذنب يشعر بالاستهانة بالدين، وعدم الاكتراث به.

ومقتضى التعريف المذكور أخذ مدخلية القصد في تحقق عنوان الكبيرة وثبوتها، فلو أتى الإنسان بذنب من الذنوب دون قصد منه للاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به، فلن ينطبق عليه عنوان الكبيرة وإن كان الذنب كبيرة في نفسه.

وهذا المعنى خلاف صريح جملة من النصوص التي تضمنت وصف جملة من الذنوب بكونها كبيرة دون أخذ قيدية القصد في الوصف، ما يعني أنه يصدق عليها أنها كبيرة ولو لم يكن فاعلها قاصداً عنوان الاستهانة وعدم الاكتراث بالدين، مثل: أكل مال اليتيم، وزنا المحارم، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، وغير ذلك.

 

نعم لا ينكر أن عدّ الاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به، والطغيان والاعتداء كبييرة من الكبيرة، وهذا يجعل التعريف المذكور منطبقاً على واحدة منها، وليس جامعاً لها بأكملها.

 

ومنها: ما ذكره بعضهم من أن المعيار في تحديد المقصود من الكبيرة وبالتالي تميـيزها عن الصغيرة ملاحظة أهمية النهي الوارد عنها إذا قيس إلى النهي المتعلق بغيرها.

ومقتضى هذا التعريف عدم عدّ النميمة من الكبائر، لأن النهي الوارد عنها لا يساوي النهي الوارد عن الغيبة، أو النهي الوارد عن الكذب، وهذا ما لا يقول به أحد.

ومنها: ما ذكره بعض الباحثين، من رجوع الاختلاف الحاصل بين علماء المسلمين في تعريف الكبيرة إلى الاختلاف الحاصل في الروايات في تعداد الكبائر وبيان مفهومها، وحدودها، مع أنه ليس بينها في الحقيقة اختلاف لأنها جاءت لغرض واحد، وهو إعطاء قاعدة عامة لبيان مفهوم الكبيرة.

 

وقد استخدم الاختلاف في بيان عدد الكبائر في النصوص من أجل تقرير هذه القاعدة لأجل التعريف بالمثال، وعليه قرر أن الشريعة قد بينت الكبائر وحددتها بأسلوبين رئيسين:

الأول: أنها نصت بصراحة على كثير منها في القرآن الكريم، وسنة المعصومين(ع).

 

الثاني: قد وضعت قواعد عامة لمعرفة الكبائر التي لم ينص عليها صراحة في القرآن والسنة، ومن جملة هذه القواعد: اجتناب ما نهى عنه الله سبحانه نهياً شديداً، فبعض المحرمات لم ينص الشارع على كونها كبيرة، ولكنه نهى عنها نهياً شديداً، وهذا كافٍ في اعتبارها من الكبائر وفقاً لهذه القاعدة المذكورة[2].

وللمناقشة في ما أفيد مجال، ذلك أن الأسلوب الثاني يعتمد على أن يكون ما نهى الله عنه في آية:- (إن تجتنبوا ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، للبيان، وهو غير واضح.

 

تعريف الإمام الخميني:

ومن التعريفات التي ذكرت لبيان حقيقة الكبيرة ما جاء في كلام الإمام الخميني(قده)، فقد ذكر في تعريفها بأنها: كل معصية ورد التوعد عليها بالنار، أو العقاب، أو شدد عليها تشديداً عظيماً، أو دل دليل على كونها أكبر من بعض الكبائر أو مثله، أو حكم العقل بأنها كبيرة، أو كان في ارتكاز المتشرعة كذلك، أو ورد النص بكونها كبيرة وهي كثيرة[3].

 

وعدّ التعريف المذكور تعريفاً فنياً لا يخلو عن مسامحة، ذلك أنه(قده)، حتى يجعله جامعاً لكل الأفراد عمد إلى أخذ كل القيود التي ذكرت في التعريفات المذكورة لحقيقة الكبيرة، وهو بهذا يكون قد تغلب على إشكال أخصية التعريف، وكونه غير جامع، إلا أن تعدد القيود المعتبرة في التعريف تجعله غير فني، نعم يمكن القبول به تسامحاً، لأنه من التعريفات اللفظية والتي لا تعدّ حداً ولا رسماً حقيقين، بل غايته تقريب المعنى وتقريب حقيقته إلى الأذهان.

 

تعريف السيد السبزواري:

وقريب مما أنتهجه الإمام الخميني(ره)، في بيان حقيقتها قام به السيد السبزواري(ره)، حيث ذكر أن العلماء ذكروا لتميـيزها عن الصغيرة أموراً:

الأول: التوعد بالنار، وقد دلت عليه نصوص كثيرة متواترة بين الفريقين، كما يمكن الاستدلال له بالدليل العقلي، فإنه ليس بأعظم من النار  شيئاً، فإذا كانت المعصية هي الموجبة لورودها، فلابد أن تكون كبيرة وعظيمة لعظم الغاية، وتختص معرفة ذلك بما ورد في الكتاب والسنة.

الثاني: الإصرار على الصغيرة، إجماعاً ونصوصاً.

الثالث: ثبوت الحد الشرعي في الدنيا على المعصية، فإن ثبوت الحدّ يدل على كبر المنهي عنه في الشرع كالزنا والسرقة ونحوهما.

الرابع: استصغار الذنب، واستصغار الذنب إما لأجل التمكن من ذلك نعمة منه عز وجل، أو لأجل السرور بفعل المعصية الصغيرة، وإما بالاغترار بستر الله تعالى، وعدم المبالاة بفعل المعصية وغير ذلك، ويجمعها غرور النفس والغفلة.

الخامس: أن يكون الفاعل ذا منـزلة كبيرة اجتماعية ، بحيث يقتدي الناس بفعله، فإن المعصية الصغيرة حينئذٍ تكون كبيرة إذا فعله بحضرة من الناس، أو بحيث إذا اطلعوا عليه منه فعلوها اقتداءً به.

السادس: أن يكون الأثر المترتب عليه كبيراً جداً.

السابع: شدة النهي عنها، فإنها تدل على كون المنهي عنه كبيرة[4].

 

ومع أن جملة من الأمور التي ذكرها لا تصلح أن تكون في نفسها مائزاً للكبيرة، كالأمر الرابع مثلاً، وإنما يصح وصف الفعل الصادر بها حال كونه قاصداً الاستنقاص من الدين والاستهتار به، وإلا فلن يكون الفعل موصوفاً بها، فإنه يجري على ما ذكره(ره) ما ذكرناه في التعريف الصادر من الإمام الخميني(قده)، فإنه قد عمد إلى محاولة استقصاء التعريفات المذكورة في كلمات الأعلام، وجعلها جميعاً ضابط التميـيز وأنت أدرى بما في ذلك.

 

ولا ينحصر تعريف الكبيرة في خصوص ما ذكرنا سيما وأنك قد سمعت أن هناك تعاريف متعددة تصل إلى خمسة عشر تعريفاً وزيادة، وإنما اقتصرنا على ذكر بعضها، ويمكن لمن أراد الاستزادة مراجعة المطولات والكتب المفصلة في هذا المجال، ككتاب الميزان في تفسير القرآن[5].

 

 

———————————-

[1] سورة النساء الآية رقم 31.

[2] التوبة والتائبون ص 43-47(بتصرف).

[3] تحرير الوسيلة ج 2 ص 274.

[4] مواهب الرحمن ج 8 ص 157-158.

[5] تفسير الميزان ج 4 ص 325-328.