15 مايو,2021

معرفة النفس، بين الإمكان والامتناع

اطبع المقالة اطبع المقالة
معرفة النفس، بين الإمكان والامتناع

 

وقع الكلام بين أهل المعرفة والأخلاق في إمكانية معرفة الإنسان بالنفس والإحاطة بكنهها وجوهرها ولو في الجملة، فانقسموا على قولين:

أحدهما: الالتـزام باستحالة معرفة الإنسان نفسه، وعدم إمكان إحاطته بكنهها ولو في الجملة، وقد أختار هذا الرأي جملة من العلماء.

ثانيهما: ما بنى عليه جماعة آخرون من الأعلام، من القول بعدم استحالة معرفة النفس، وإمكانية معرفتها والإحاطة بها وبشؤونها المرتبطة بها، بل إن معرفتها أمر واقع ومتحقق وليس ممكناً فقط.

 

دليل القول الثاني:

ولا يخفى أن أصحاب القول الثاني لا يحتاجون إلى إقامة دليل وبرهان على مختارهم، ذلك لأن قولهم متفق تماماً مع مقتضى الأصل وهو الإمكان، والقاضي بأن الأصل في الأشياء هو ذلك إلا إذا قام دليل وبرهان على خلافه، وهذا يعني أنه على أصحاب القول الأول، وهم المانعون من معرفتها، والقائلون بالاستحالة إقامة الدليل والبرهان على ذلك.

 

دليل القول الأول:

ولأجل رفع اليد عن مقتضى الأصل المذكور، فقد استدل القائلون باستحالة معرفة النفس بدليلين في المقام، أحدهما قرآني، والآخر معصومي.

 

الدليل القرآني:

أما الدليل الأول، وهو القرآني ،فقد تمسكوا بقوله تعالى:- (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)[1]، ويتضح الاستدلال بها بعد الإحاطة بسبب نزولها، فقد جاء في كتب التفسير، أن اليهود، أو قريش سألوا رسول الله(ص) عن الروح التي في بدن الإنسان ما هي؟ ولم يجبهم النبي(ص)، وإنما اكتفى بالقول: إن الروح من أمر الله تعالى. وقد علل(ص) تركه الجواب بأن ذلك يعود إلى قلة ما لديهم من العلم الموجب لعدم قدرتهم على استيعاب وفهم حقيقتها لو عمد إلى بيانها وتوضيحها، ولهذا فقد استأثر الله سبحانه وتعالى بالعلم بحقيقتها دون غيره.

 

ولما كان المقصود من الروح في الآية الشريفة هي النفس الإنسانية، لكونها المسؤول عنها من قبل السائلين، فيدل ذلك على أن معرفة النفس مما قد اختص به الله سبحانه وتعالى لنفسه دون خلقه، فتكون معرفتها مستحيلة على الإنسان.

 

مناقشة الاستدلال المذكور:

ويمكن الخدشة في الاستدلال المذكور، ومناقشته بأمور:

منها: إن الجزم بكون المقصود من الروح في الآية الشريفة هو خصوص النفس الإنسانية في غير محله، بل هو مفهوم مجمل، يعود إلى تعدد الاستعمالات التي ورد فيها هذا المفهوم في القرآن الكريم، فإن المتابع لآياته الشريفة يقف على أنه قد استعمل فيه في معاني متعددة:

 

أحدها: أنه بمعنى النفس الإنسانية.

ثانيها: أنه بمعنى الروح الذي ذكره الله تعالى بقوله:- (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً)[2]، وقوله:- (تعرج الملائكة والروح إليه)[3].

ثالثها: أن المقصود منه هو القرآن الكريم، لقوله تعالى:- (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا)[4].

رابعها: أنه جبرئيل(ع)، كما يشير إليه قوله تعالى:- (نزل به الروح الأمين على قلبك)[5].

خامسها: إن المراد بالروح في الآية المباركة هو مطلق الروح الوارد استعماله في القرآن الكريم.

 

ولا ينحصر الاختلاف في تحديد المقصود منه في خصوص أقوال المفسرين، بل إن المراجع للنصوص يقف على تعدد المحتملات فيها أيضاً.

ومع تعدد الأقوال واختلاف الأخبار في تشخيص المسؤول عنه في الآية، لن يكون منشأ ترك الإجابة راجعاً إلى تعذر القدرة على استيعاب فهم الجواب، لتكون النتيجة استحالة معرفة الروح التي هي بمعنى النفس الإنسانية.

هذا كله بعد التسليم بأنه سبحانه وتعالى قد ترك الجواب عما قد سئل عنه النبي محمد(ص)، وأما مع البناء على أنه قد تمت الإجابة عن المسؤول عنه كما سوف يتضح فلن يكون للتقريب المذكور مجال أصلاً.

 

ومنها: بعد التسليم بكون المسؤول عنه في الآية الشريفة هو النفس الإنسانية على أساس أن المقصود من الروح فيها هو ذلك، فلابد أن يثبت أن السائلين كانوا يسألون عن بيان حقيقتها ومعرفتها حتى يكون ترك الجواب عن ذلك راجعاً لعدم قدرتهم على استيعاب هذا الأمر، وأما مع كون سؤالهم عن شيء آخر غير ذلك، فإن الآية المباركة سوف تكون أجنبية عن مقصود المستدل.

 

والصحيح أن السائلين لم يكن سؤالهم عن بيان حقيقتها ومعرفتها، بل كان سؤالهم وفقاً للمنقول عن حالة من حالاتها وشأن من شؤونها، وقد أجابهم الباري سبحانه وتعالى عما قد سألوا عنه، فقد جاء في مجمع البيان: إن الذين سألوا محمد(ص) سألوه عن الروح أهي مخلوقة محدثة، أم ليست كذلك؟ فأجابهم تعالى:- (قل الروح من أمر ربي)، أي من فعله وخلقه، فكان هذا جواباً لهم عما سألوه عنه بعينه.

 

ولا يتوهم أحد أن ما جاء في ذيل الآية الشريفة وهو قوله تعالى:- (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) يساعد على ترك الجواب لأنه على خلاف ذلك أظهر، فهو يلائم السؤال، لأن السائلين لم يعرفوا حتى هذه الحالة عن الروح فضلاً عن الحالات الأخرى، وفضلاً عن معرفة جوهرها وحقيقتها، فلا يكون هذا التعقيب قرينة على ترك الإجابة كما يتوهم.

 

ومنها: بعد التسليم بكون المسؤول عنه هي الروح الإنسانية، والتسليم بأنه سبحانه وتعالى قد أعرض عن الإجابة التفصيلية لسؤالهم بسبب قلة ما لديهم من علم، إلا أن ذلك لا ينفع المستدل، فإن أقصى ما يستفاد عندها أن السائلين عن الروح لم يتسع أفقهم المعرفي للإجابة المفصلة لجوهر السؤال. وهذا لا يلزم منه انسحاب الوصف إلى غيرهم من البشر على مرّ الزمان، وفيهم الأنبياء، والأوصياء، والعلماء والعارفون الذي يملكون أفقاً واسعاً ومعرفة كبيرة، فيمكنهم الإحاطة بجوهر النفس وحقيقتها والتعرف عليها دون أدنى صعوبة.

 

الدليل المعصومي:

وأما الدليل الثاني، فهو الاستناد إلى الحديث المشهور بين المسلمين، فيرويه علماء الجمهور عن رسول الله(ص)، ويرويه الشيعة عن أمير المؤمنين(ع)، وهو: من عرف نفسه فقد عرف ربه. وتقريب الاستدلال به على الامتناع والاستحالة بلحاظ تعليق معرفة النفس فيه على معرفة الرب، فلن يتحصل الإنسان على معرفة نفسه إلا بعد تمكنه من معرفة ربه، وأنه ما لم يتمكن من معرفة ربه فلن يتسنى له معرفة نفسه، وبما أن معرفة الله سبحانه وتعالى مستحيلة، فتكون معرفة النفس معلقة على أمر مستحيل، فتكون مستحيلة أيضاً.

 

ومنشأ استحالة معرفة الإنسان لربه، تعود إلى أن المعرفة التامة للشيء تعني الإحاطة العلمية به، ولا ريب في عدم إمكان الإنسان المحدود علماً وقدرة أن يحيط بالله تعالى، لأنه لا حدود له سبحانه وتعالى، ومحال على المحدود أن يستوعب اللامحدود، وإلا لزم أن يصبح اللامحدود محدوداً، والمحدود لا محدوداً.

ومن المعلوم أن استحالة أحد المتلازمين توجب استحالة الآخر لما بينهما من التلازم، وقد عرفت أن بين معرفة النفس ومعرفة الرب تلازم، فتستحيل معرفة النفس لاستحالة معرفة الرب.

 

مناقشة الاستدلال:

وللمناقشة في الاستدلال المذكور مجال، إذ يرد عليه:

أولاً: إن تمامية الاستدلال المذكور تعتمد على البناء على استحالة معرفة الرب سبحانه وتعالى، حتى تكون معرفة النفس معلقة على أمر محال، وهذا في غير محله، وذلك لأن المعرفة من المفاهيم المشككة، وقد ذكروا في المنطق أن الطبيعي يتحقق بأي فرد من أفراده، وهذا يعني كفاية حصول أي نحو من أنحاء المعرفة لله سبحانه، ولا يلزم حصول نحو معين من أنحاءها، وهذا النحو من المعرفة حاصل جزماً، بل تشير إليه بعض النصوص مثل ما ورد عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه، فإنه يشير إلى تفاوت الناس في المعرفة، وأنها مفهوم يقبل الشدة والضعف والكمال والنقص.

 

وكذا ما جاء عنه(ع) أنه قال: أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه. لأن الخوف كما هو واضح مفهوم متفاوت فليس الناس فيه جميعاً في مستوى واحد، فتكون المعرفة التي ينتج عنها كذلك. نعم لا ريب في مطلوبية أفضل أنواع المعرفة وأعلاها.

والحاصل، إن المستفاد من النصوص أن هناك عارفاً وأعرف بالله تعالى، وهذا يعني حصول المعرفة عند الإنسان وإن تعذرت عليه الإحاطة التامة بالله سبحانه، وهذا نظير العلوم المادية، فإن الناس يتفاوتون في الإحاطة بالعلوم والمعارف بها، ولا يملكون مستوى واحداً فيها.

 

ويساعد على ما ذكرناه أيضاً بعض الآيات الشريفة، مثل قوله تعالى:- (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)[6]، فإن المنفي فيها ليس مطلق المعرفة، وإنما هو خصوص الإحاطة التامة المطلقة، وقد أثبتت وجود إحاطة جزئية.

 

ثانياً: من المعروف عند أهل الدليل والبرهان، أنه متى وجد الاحتمال كفى ذلك لبطلان الاستدلال، وهذا يعني أنه حتى يتم الاستدلال المذكور في استحالة معرفة النفس يلزم أن لا يكون هناك احتمال آخر في فهم الحديث محل البحث، وإلا فمع وجوده، وكونه احتمالاً عقلائياً معتداً به، لن يكون الاستدلال المذكور تاماً.

 

والظاهر وجود الاحتمال في ذلك، لأنه يحتمل جداً أن يكون المقصود من الحديث: أن معرفة النفس مترتبة على معرفة الرب، وليست معلقة عليه، بحيث أن الإنسان الذي عرف نفسه يكون قد عرف ربه، فتكون معرفة الرب سابقة رتبة على معرفة النفس، لا أنها معلقة عليها، وعليه، لا تحصل معرفة النفس إلا بمعرفة الرب. ويستفاد هذا المعنى من نصوص عددية:

منها: ما جاء في دعاء أبي حمزة الثمالي(رض) عن الإمام زين العابدين(ع) قال: بك عرفتك، وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت. فإن المستفاد منه أن معرفة الله سبحانه كانت بالله تعالى، ولم تكن بشيء آخر لا النفس ولا غيرها من الآيات الأفاقية.

 

ومنها: ما جاء في دعاء الإمام الحسين(ع) يوم عرفة، قال: كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المُظهرَ لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك.

 

فإن المستفاد من هذين النصين وغيرهما أن معرفة النفس مترتبة على معرفة الرب تعالى، لأنها أثر من آثاره، ومعلول من معلولاته، فتكون معرفتها من باب معرفة الأثر والمعلول بمعرفة مؤثره وعلته، ومعنى ذلك أن معرفة النفس قائمة بمعرفة الرب، فإذا لم تحصل معرفة الرب سبحانه وتعالى، لا تحصل معرفة النفس، وليس العكس، كما فهمه المستدل، ورتب على ذلك دعوى الاستحالة.

ومع وجود هذا الفهم للحديث المذكور، سوف يكون الفهم الذي قدمه المستدل للبناء على استحالة معرفة النفس وامتناعها، ممنوعاً لوجود محتمل آخر في معناه وحقيقته.

 

ثالثاً: بعد التسليم بفهم المستدل من وجود ملازمة بين المعرفتين، وتعلق كل منهما على الأخرى، إلا أن تعلق معرفة النفس على معرفة الرب سبحانه من باب الدليل اللمي، بمعنى توقف وجود الشيء على وجود آخر، فلا تحصل معرفة النفس إلا إذا حصلت معرفة الرب، وأما تعلق معرفة الرب على معرفة النفس فإنه بنحو الدليل الإني، بمعنى توقف العلم بالشيء على العلم بشيء آخر، فلا يحصل العلم بأن المرء عرف ربه إلا من خلال العلم بأنه قد عرف نفسه، فالمعرفتان متلازمتان بنحوين من التلازم. ويؤيد هذا التلازم بنحويه الدعاء المروي عن السفير الأول للناحية المقدسة(عج): اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، اللهم لا تمتني ميتة جاهلية، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني. فإن المستفاد منه أن معرفة ما عدا الله متوقفة على معرفته، فلا يمكن أن تحصل أية معرفة دون معرفته وتعريفه.

 

ويحصل العلم بحصول معرفة الله من العلم بمعرفة النفس، فما لم يعلم أن المرء عارف بنفسه، لا نعلم أنه عارف بربه. ويدعم هذا التلازم على هذين النحوين، قوله تعالى:- (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم)، فقد كان الجهل والغفلة عن الله تعالى علة خارجية للجهل والغفلة عن النفس، ومفاده بعكس النقيض الموافق: إن ذكر الله تعالى والعلم به كاشف عن التفات المرء إلى نفسه ومعرفته بها وبأحوالها[7].

 

 

 

 


 ———————-

[1] سورة الإسراء الآية رقم 85.

[2] سورة النبأ الآية رقم 38.

[3] سورة المعارج الآية رقم 4.

[4] سورة الشورى الآية رقم 52.

[5] سورة الشعراء الآية رقم 192.

[6] سورة البقرة الآية رقم 256.

[7] من هدي النبي والعترة في تهذيب النفس ص 22-32(بتصرف).