15 مايو,2021

مـــوقف الإمام الحسين(ع) من صلح الإمام الحسن(ع)

اطبع المقالة اطبع المقالة

مـــوقف

الإمام الحسين(ع) من صلح الإمام الحسن(ع)

من النقاط التي تثار في صلح الإمام الحسن(ع)، موقف الإمام الحسين(ع) من الصلح، خصوصاً وأن هناك بعض المصادر التاريخية التي تضمنت أنه(ع) كان كارهاً له، بل لم يكن راضياً بالإقدام عليه.

 

وحتى يتضح المطلب، يلزم الحديث ضمن محورين:

الأول: أفعال المعصومين في إدارة الأمة:

هل إن الصادر من المعصوم(ع) من أفعال في إدارة شؤون الأمة من القضايا الإلهية التي تلقى إليه من قبل الله سبحانه وتعالى، أم أنه تكون منه(ع) وفق ملاحظة جملة من الحيثيات الموضوعية المعاصرة له(ع)؟

ربما قيل، إن جميع التصرفات الصادرة من المعصومين(ع)، تكون وفق تخطيط إلهي محكم سبق نقله إلى النبي الأكرم(ص)، ومن بعده الأئمة الأطهار(ع) بحيث يتلقى كل إمام من الأئمة المعصومين(ع) وظيفته التي يلزمه القيام بها من قبل الله سبحانه وتعالى بمجرد أن يستلم منصب الإمامة فعلاً، ويمكن الاستدلال لذلك بطائفتين من النصوص:

 

الأولى: ما ذكره الكليني(ره) في الكافي:

منها: : خبر معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله(ع) قال: إن الوصية نزلت من السماء على محمد كتاباً، لم ينـزل على محمد(ص) كتاب مختوم إلا الوصية، فقال جبرئيل(ع): يا محمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك، فقال رسول الله(ص): أي أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال: نجيب الله منهم وذريته، ليرثك علم النبوة كما ورّثه إبراهيم(ع) وميراثه لعلي(ع) وذريتك من صلبه، قال: وكان عليها خواتيم، قال: ففتح علي(ع) الخاتم الأول ومضى لما فيها، ثم فتح الحسن(ع) الخاتم الثاني ومضى لما امر به فيها[1].

 

والمستفاد منها أن ما يقوم به الإمام المعصوم(ع) في إدارته لشأن الأمة أمر ملقى إليه من قبل الله سبحانه وتعالى، فالصلح الصادر من الإمام الحسن(ع) كان تخطيطاً إلهياً، كما أن النهضة المباركة للإمام الحسين(ع)، كانت بتخطيط سماوي من قبل الله سبحانه وتعالى.

ويمنع من القبول بالخبر المذكور ضعف سنده، فقد اشتمل على أبي جميلة، وهو موصوف بالكذب.

 

ومنها: معتبر ضريس الكناسي، عن أبي جعفر(ع) قال: قال له حمران: جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين(ع) وخروجهم وقيامهم بدين الله عز وجل وما اصيبوا من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا؟ فقال أبو جعفر(ع) يا حمران إن الله تبارك وتعالى قد كان قدّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه، ثم أجراه فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول الله قام علي والحسن والحسين وبعلم صمت من صمت منا[2].

 

والظاهر كفاية الالتزام بهذا الخبر للبناء على تمامية أن ما يصدر من المعصومين(ع) من الأمور الوحيانية، وليس من الأمور البشرية، لعدم كون هذا الأمر من أصول الاعتقاد الذي يعتبر فيه إفادة الخبر للعلم، بل يكفي فيه خبر الواحد، بل هناك من بنى على أوسع من ذلك كما فصل في محله من بحث حجية خبر الآحاد في الأمور العقدية، فليراجع.

 

نعم لو عدّ هذا الأمر من العقائد التي يعتبر في ثبوتها حصول العلم، فلا يكفي فيها خبر الواحد، فالظاهر أنه يصعب البناء على كفاية هذه النصوص للدلالة.

ولا مجال لتوهم التواتر في هذه النصوص الدالة على ما ذكرنا لتعدد مصادرها، ذلك أنها قد وردت مضافاً للكافي، في كتاب كمال الدين وتمام النعمة، وعلل الشرائع للصدوق، وفي كامل الزيارات لابن قولويه، وكتاب الغيبة للنعماني، ولشيخ الطائفة. لعدم انطباق ما يعتبر توفره في التواتر فيها على مسلك المشهور، نعم لا ينكر أن النصوص المذكورة مستفيضة، إلا أن استفاضتها لا يخرجها عن خبر الآحاد كما هو مقرر في علم الدراية.

 

نعم يمكن البناء على كونها متواترة وفقاً لمختار بعض الأكابر(ره) القائل بعدم اعتبار العدد في تحققه، وإنما تعتبر أمور أخرى كما ذكر ذلك في محله.

 

الثانية: نصوص التفويض، والتي تضمنت أنه سبحانه وتعالى قد فوض إليهم أمر الخلق، فيمكنه الجعل والتشريع، ويمكنه القيام بإدارة شؤون الخلق، ومن الواضح أن إدارتهم لشؤون الخلق وإن كانت وفق مرئيات يراها الإمام المعصوم(ع) من خلال ملاحظته لمجموعة من الحيثيات والظروف الموضوعية المحيطة، إلا أنه لا يخطأ الواقع أبداً، بل هو مصيب له دائماً، فمن تلك النصوص:

معتبرة الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال:- (إنك لعلى خلق عظيم)، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل:- (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وإن رسول الله(ص) كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله، ثم إن الله عز وجل فرض الصلاة ركعتين، ركعتين عشر ركعات فأضاف رسول الله(ص) إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عز وجل له ذلك فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله(ص) النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عز وجل له ذلك والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعد بركعة مكان الوتر وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسن رسول الله(ص) صوم شعبان وثلاث أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عز وجل له ذلك وحرم الله عز وجل الخمر بعينها وحرم رسول الله(ص) المسكر من كل شراب فأجاز الله له ذلك كله وعاف رسول الله(ص) أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخص فيها فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ولم يرخص لهم رسول الله(ص) فيما نهاهم عنه نهي حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لاحد ولم يرخص رسول الله(ص) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عز وجل، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً، لم يرخص لاحد في شيء من ذلك إلا للمسافر وليس لاحد أن يرخص شيئاً ما لم يرخصه رسول الله(ص)، فوافق أمر رسول الله(ص) أمر الله عز وجل ونهيه نهي الله عز وجل ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى[3].

 

وقد تحصل مما تقدم، أن التصرفات الصادرة من المعصوم(ع) في الواقع الخارجي ناجمة عن تخطيط سماوي من قبل الله تعالى، وأن المعصوم(ع) مطالب بالقيام بتنفيذها، وتطبيقها في الخارج.

ومقتضى ما تقدم، أن يكون المعصومون(ع) عالمين ومحيطين بهذا التخطيط الإلهي، فلا يقع بينهم المخالفة والتباين في الرأي والقرار، لأن المفروض أن الجميع يصدر عن تنفيذ لأمر الله سبحانه وتعالى، وتطبيق لأوامره، ومقتضى كونه معصوماً يمنع أن يكون معترضاً أو مخالفاً، بل إن مقتضى علم المعصوم(ع) بالغيب علماً لدنياً يستوجب البناء على التسليم المطلق وعدم المخالفة والاعتراض.

 

وقد يشار في البين إلى حدود مسألة العصمة، وأنها مختصة بتبليع الأحكام الإلهية، دون الموضوعات الخارجية، وهذا يوجب عدم المانع من حصول المخالفة بين المعصومين، بل وقوع الاختلاف بين الإمامين في عصر واحد، لأن كل واحد منهما يعمد إلى تشخيص واجتهاد خاص، قد يصيب وقد يخطئ.

ويدفعه ما ذكرناه قبل قليل، بأن مقتضى البناء على التفويض لهم(ع) يستدعي أن ما يصدر عنهم(ع) يكون مصيباً للواقع دائماً، ولا يتصور فيه الخطأ والاشتباه، ما يعني عدم إمكانية حصول الاختلاف بينهم عندها.

 

المحور الثاني: مستند الدعوى:

وقد تمسك القائلون بحصول المخالفة بين الإمامين الهمامين الحسنين(ع)، بمجموعة من النصوص التاريخية المذكورة في بعض المصادر، ومع أن مقتضى ما تقدم ذكره من نصوص في بيان المصدر الذي يسار عليه في قيادة الأمة، مانع من القبول بالنصوص المذكورة في المقام للقول بوجود اختلاف بين الإمامين الحسنين(ع) في مسألة الصلح، لأن النصوص المذكورة تكون مخالفة لما عليه المعتقد، فتكون مخالفة للقاعدة العقلية المعتبرة في نقد أي نص من النصوص متناً قبل القبول به، إلا أنه زيادة في بيان عدم صلاحيتها للدلالة على ذلك، يحسن استعراضها وملاحظة مدى دلالتها:

منها: ما ذكره البلاذري في كتابه أنساب الأشراف، حدثنا خلف بن سالم، حدثنا وهب بن جرير، قال: قال: أبي-وأحسبه رواه عن الحسن البصري-، قال: لما بلغ أهل الكوفة بيعة الحسن أطاعوه وأحبّوه أشد من حبهم لأبيه، واجتمع له خمسون ألفاً، فخرج بهم حتى أتى المدائن، وشرح بين يديه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في عشرين ألفاً، فنـزل بمسكن، وأقبل معاوية من الشام في جيش.

 

ثم إن الحسن خلا بأخيه الحسين(ع)، فقال له: يا هذا إني نظرت في أمري فوجدتني لا أصل إلى الأمر حتى يقتل من أهل العراق والشام من لا أحب أن احتمل دمه، وقد رأيت أن أسلّم الأمر إلى معاوية فأشاركه في إحسانه ويكون عليه إساءته.

فقال الحسين(ع): أنشدك الله، أن تكون أول من عاب أباك وطعن عليه، ورغب عن أمره. فقال: إني لأرى(لا أرى)ما تقول، والله لم تتابعني لأشدنك في الحديد، فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري.

قال: فشأنك، فقام الحسن(ع) خطيباً فذكر رأيه في الصلح والسلم لما كره من سفك الدماء، وإقامة الحرب، فوثب عليه أهل الكوفة وانتهبوا ماله، وحرّقوا سرادقه وعجزوه، ثم انصرفوا ولحقوا بالكوفة[4].

 

والمستفاد من هذ النص أمران:

الأول: دوافع الإقدام على الصلح، فإن المستفاد من النص تبرير الإمام الحسن(ع) إقدامه على الصلح برغبته في عدم سفك دماء أهل البلدين العراق والشام، لأن ذلك ذنب، وهو ليس مستعداً لتحمله.

الثاني: بناءه(ع) على أن انتصاره على معاوية لن يكون إلا من خلال فعل الحرام الناتج من الحرب وسفك الدم، وهو لا يريد تحمل وزر ذلك لذا عبّر بكراهة سفك الدماء، ومن الواضح عدم حرمة سفكها في الحق، وإنما يحرم سفكها في الحرام.

وقد خلا النص المذكور عن الإشارة إلى وجود وهن وضعف وتخاذل في عسكر الإمام الحسن(ع) فضلاً عن خيانة قد حصلت من عسكره له(ع)، بل ظاهره أن القوم كانوا منقادين له طائعين حتى أنهم يحبونه أكثر من حبهم لأبيه(ع)، وقد اجتمع له خمسون ألفاً، نعم انقلبوا عليه لما سار على خلاف ما كانوا يهوون ويرغبون من قتال معاوية، لأنهم كانوا على أتم الاستعداد والجهوزية لقتاله.

 

ويمنع من القبول بها أمور:

الأول: مضافاً إلى أن الخبر محل البحث، لم يرد في شيء من مصادرنا وهذا يكفي لمنع حجيته، للبناء على عدم وثاقة أحد من رجاله الواقعين في سنده عند أعلام الإمامية، فإنه ضعيف السند أيضاً عند علماء الجمهور، لمجهولية ناقل الخبر لوالد وهب بن جرير، وتردده بين الحسن البصري وغيره، فتكون الرواية مرسلة.

 

ومع البناء على كون الواقع في سنده هو البصري، فإنه ينقل عمن قد رواه، فيكون الخبر مرسلاً أيضاً، بل يمكن البناء على وضعه لأن المفروض أن اللقاء بين الإمامين الحسنين(ع) كان في خلوة عن الناس، ولم ينقل أنهما قد أخبرا بذلك، ما يوجب التساؤل عن وصول ذلك للمخبر، الموجب للريبة في إخباره ونقله.

 

الثاني: إن النص المذكور مخالف لما تسالم عليه المؤرخون تقريباً بحيث عدّ ذلك حقيقة تاريخية ثابتة، من أن أحد أبرز الأسباب التي أدت إلى حصول الصلح من الإمام الحسن(ع)، كانت حالة الوهن والتخاذل التي في جيشه وعسكره. مضافاً إلى عدم استعداد أكثرهم للحرب والقتال، بل مجاهرتهم بطلب العافية دون تحفظ، فضلاً عن الخيانات التي وقعت من الأعيان والقبائل وقيادات الجيش، وما وصل للإمام(ع) من مراسلتهم لمعاوية واستعدادهم أن يسلموه الإمام الحسن(ع) مكتوفاً متى ألتحم الجيشان.

 

الثالث: إن هناك مجموعة من النصوص الدالة على إصرار الإمام الحسن(ع) على مقارعة معاوية ومنازلته وقتاله، وقد كتب الإمام(ع) بذلك إليه، بل جاء في بعضها أنه(ع) يذكر أنه لو وجد أنصاراً يصول بهم لحاربه ليله ونهاره، حتى يحكم الله بينه وبينه، ما يعني أن قبول الإمام(ع) بالصلح كان ناجماً عن ظروف موضوعية قاهرة ألجأت الإمام(ع) للإقدام على ذلك، ولم يكن ذلك برضا منه وقبول واختيار كما لا يخفى.

وهذا المعنى يتنافى تماماً وما تضمنه النص محل البحث،  ذلك أنه يشير إلى إقدام الإمام(ع) على الصلح ابتداءاً واختياراً دون أن تجبره الظروف على ذلك.

 

الرابع: إن في النص قرينتين داخليتين تمنعان من القبول به، وتوجبان البناء على كونه من الموضوعات، وهما:

الأولى: اشتماله على الانتقاص من أمير المؤمنين(ع)، وهو ينسجم تماماً مع المنهج الأموي في التعامل معه، ويظهر ذلك بملاحظة تبرير الإمام الحسن(ع) إقدامه على الصلح، بأنه لحفظ دماء أهل العراق والشام أن تسفك بغير وجه حق، وهذا وزر لا يتحمله، ما يعني أن ما جرى يوم صفين من حرب أمير المؤمنين(ع) كان سفكاً لدماء المسلمين من غير وجه حق، فيكون مرتكباً لوزر وحرام-والمستجار بالله- وهذا هو الذي فهمه الإمام الحسين(ع)، لذا اعترض وفقاً لما تضمنه النص على الإمام الحسن(ع)، بقوله: أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباك وطعن عليه، ورغب عن أمره.

 

وهذا ما لا يمكن تصور صدوره من الإمام الحسن(ع) أن ينسب لأبيه(ع) أنه أقدم على فعل حرام وأراق دماء المسلمين بغير وجه حق، كيف وهو كان أحد أركان عسكره وجيشه الذين قاتلوا معه وبين يديه.

وكأن واضع الرواية قد ألتفت إلى هذا التنافي المانع من القبول بها، لذا وجد في بعض نسخ الكتاب زيادة كلمة: (لا) أمام قوله(ع): إني لا أرى.

 

ومع عدم ترجح إحدى النسختين على الأخرى، فإن أقصى ما يؤدي ذلك إلى عدم ورود المانع الرابع من موانع القبول بالخبر، فتبقى الموانع الثلاثة على حالها، تحول دون القبول به.

الثانية: مدح الإمام الحسن(ع) لمعاوية، ورغبته أن يشاركه في إحسانه، وبراءته من إساءته ليكون وزرها على معاوية فقط دون الإمام الحسن(ع). وفي هذا الكلام تلميع لصورة معاوية لأنه أهل إحسان، ويصدر منه ذلك حتى أن سيد شباب أهل الجنة يرغب مشاركته في هذا الفضل، بل إن مقتضى رغبة الإمام الحسن(ع) تسليم معاوية الحكم يشير إلى زيادة الإحسان الموجود عنده حال قيامه بإدارة شؤون الدولة الإسلامية، وأين هذا من سيرة معاوية التي لم تكن خافية على الإمام الحسن(ع) وكان محيطاً ومطلعاً عليها.

 

ومنها: ما أورده ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق قال: أنبأنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، أنبأنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار قال: إنّ معاوية كان يعلمُ أنّ الحسن(ع)  كان أكره الناس للفتنة، فلمَّا تُوفّيَ عليٌّ بعث إلى الحسن(ع) فأصلح الذي بينه وبينه سرًّا، وأعطاه معاوية عهدًا إنْ حدَث به حدث والحسن حيٌّ ليسمّينَّه وليجعلنّ هذا الأمر إليه. فلمّا توثّق منه الحسن، قال ابنُ جعفر: والله إنّي لجالس عند الحسن إذ أخذتُ لأقوم فجذبَ ثوبي، وقال: يا هنّاه اجلس، فجلستُ فقال: إنّي رأيتُ رأيًا وإنّي أحبُّ أنْ تتابعني عليه. قال: قلتُ: وما هو؟

 

قال: قد رأيتُ أنْ أعمد إلى المدينة فأنزلها وأُخلّي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسُفكت فيها الدماء، وقُطعت فيها الأرحام، وقُطعت السبل، وعُطِّلت الفروج يعني الثغور.

فقال -عبد الله -ابن جعفر: جزاك اللهُ عن أُمّة محمّدٍ (ص) خيرًا، فأنا معك على هذا الحديث.

فقال الحسن (ع): ادعُ لي الحسين، فبعث إلى حسين (ع) فأتاه، فقال: أي أخي إنّي قد رأيتُ رأيًا وإنّي أُحبُّ أنْ تتابعني عليه. قال: ما هُوَ؟ قال: فقصَّ عليه الذي قال لابن جعفر.

قال الحسين (ع): أُعيذُكَ بِاللهِ أَنْ تُكَذِّبَ عَلِيًّا في قَبْرِهِ، وَتُصَدِّقَ مُعاوِيَةَ.

 

فقال الحسن (ع): والله ما أردتُ أمرًا قطّ إلاّ خالفتني إلى غيره، والله لقد هممتُ أنْ أقذفك في بيتٍ فأطينُّه عليك حتّى أقضي أمري. قال: فلمَّا رأى الحسين (ع) غضبَه قال: أنْتَ أَكْبَرُ وُلْدِ عَلِيًّ، وَأَنْتَ خَليفَتُهُ، وَأَمْرُنا لأِمْرِكَ تَبَعٌ فَافْعَلْ ما بَدا لَكَ.

فقام الحسن فقال: يا أيُّها الناس إنِّي كنتُ أكره الناس لأول هذا الحديث وأنا أصلحتُ آخره لذي حقٍّ أديتُ إليه حقَّه أحق به مني أو حق جدتُ به لصلاح أمة محمدٍ(ص)، وإنَّ الله قد ولاك يا معاوية هذا الحديث لخيرٍ يعلمُه عندك أو لشرٍّ يعلمه فيك وإنْ أدرى لعلَّه فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين ثم نزل[5].

 

ولا يختلف حال هذا الخبر عن سوابقه، بوجود موانع تمنع من القبول به:

أحدها: ضعفه السندي، فإن راوي الخبر وهو عمرو بن دينار، كانت ولادته بعد الصلح بخمس سنين، ما يعني أنه يخبر عن غيره ممن أدرك الصلح، ولما لم يذكره فيكون الخبر مرسلاً ساقطاً عن الاعتبار.

 

ثانيها: اشتمال الخبر على ما لا يمكن الالتـزام به، وهي مجموعة من الأمور:

1-الطعن الصريح لشخص أمير المؤمنين(ع).

2-الاستهانة والاستخفاف من الإمام الحسن(ع) بأخيه الإمام الحسين(ع)، بحيث أنه يرغب أن يجعله في بيت ويطينه عليه، ويحجبه عن الناس، وهو لا ينسجم وسيرة أهل البيت(ع)، لأنه منهج الطغاة والظلمة من جعل الناس رهن الاعتقال.

3-وسم الإمام الحسن(ع) أخاه الإمام الحسين(ع) بمناكفته ومعارضته دائماً، وأنه لم يتخذ قراراً إلا وتعمد مخالفته في ما قرر.

4-ما تضمنه الخبر من أن ما قام به الإمام الحسن(ع) من دعوة الناس للحرب كان مجرد خداع وحيلة منه لهم، لأنه كانت هناك مراسلات سرية تجري بينه وبين معاوية بغرض الوصول للصلح.

 

ثالثها: اشتماله على المخالفة التاريخية الواضحة من أن دافع الصلح ليس خذلان عسكر الإمام الحسن(ع)، وتخاذلهم، وعدم امتثالهم لأوامر الإمام(ع)، وأن ذلك لم يكن ناشئاً من الخيانات التي حصلت من القيادات، وجعل الدافع الأساس لإقدام الإمام(ع) على الصلح هو كراهته لسفك الدماء، والرغبة في درأ الفتنة ومنع حصولها.

 

رابعها: اشتماله على وجود الاختلاف بين المنهجين الحسني والعلوي، لصراحة هذا الخبر على أن الإمام الحسن(ع) كان كارهاً لما قام به أمير المؤمنين(ع) من حروب مع أهل الشام، ما يعني أنه(ع) كان يرى أباه مخطئاً.

بل إن هذا يخالف الثابت تاريخياً من أنه(ع) كان أحد القادة المعتمدين في معركة صفين وكانت له يد طولى في مقارعة عسكر أهل الشام، ولازم ذلك أن يكون(ع) خلال تلك المدة عاصياً، وهو يتنافى مع ما ثبت من عصمته(ع).

 

والانصاف، إن الناظر في النص من أوله إلى آخر يجزم بكونه من الموضوعات الأموية التي كان غرضه الإساءة للبيت العلوي، والطعن في ذويه، والحط من شأنهم ومقاماتهم الشامخة.

 

ومنها: ما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد قال: قال المدائني: فلمَّا كان عامُ الصلح، أقام الحسن(ع) بالكوفة أيامًا، ثم تجهَّز للشخوص إلى المدينة، فدخل عليه المسيَّب بن نجبة الفزاري وظبيان بن عمارة التيمي ليودِّعاه، فقال الحسن: الحمد لله الغالب على أمره، لو أجمع الخلقُ جميعًا على ألا يكون ما هو كائن ما استطاعوا. فقال أخوه الحسين(ع): لقد كنتُ كارها لِمَا كان، طيبَ النفسِ على سبيلِ أبي، حتى عزم عليَّ أخي، فأطعتُه، وكأنَّما يُجَذُّ أنفي بالمواسي[6].

وقد جاء في أنساب الأشراف للبلاذري نص قريب من رواية المدائني التي نقلها ابن أبي الحديد، قال: وكان الحسينُ بن علي منكرًا لصلح الحسن معاوية فلمَّا وقع ذلك الصلح دخل جندب بن عبد الله الأزدي والمسيب بن نجبة الفزاري وسليمان بن صرد الخزاعي وسعيد بن عبد الله الحنفي على الحسين وهو قائم في قصر الكوفة يأمر غلمته بحمل المتاع ويستحثُّهم، فسلَّموا عليه، فلمّا رأى ما بهم من الكآبة وسوء الهيئة، تكلَّم فقال: إنَّ أمر الله كان قدرًا مقدورًا، إنَّ أمر الله كان مفعولا. وذكر كراهيّته لذلك الصلح، وقال: لكنتُ طيّب النفس بالموت دونه ولكنَّ أخي عزم عليَّ وناشدني فأطعتُه وكأنَّما يحزّ أنفي بالمواسي ويشرّح قلبي بالمُدى، وقد قال الله عز وجل:- (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، وقال:- (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). فقال له جندب: والله ما بنا إلَّا أن تُضاموا وتنتقصوا فأمّا نحن فإنا نعلم أن القوم سيطلبون موّدتنا بكل ما قدروا عليه، ولكن حاش لله أن نؤازر الظالمين، ونظاهر المجرمين ونحن لكم شيعة ولهم عدوّ، وقال سليمان بن صرد الخزاعي: إنَّ هذا الكلام الذي كلَّمك به جندب هو الذي أردنا أن نكلَّمك به كلَّنا. فقال: رحمكم الله صدقتم وبررتم. وعرض له سليمان بن صرد، وسعيد بن عبد الله الحنفي بالرجوع عن الصلح فقال: هذا ما لا يكون ولا يصلح[7].

 

ولا يختلف حال هذا النص عن سوابقه لوجود موانع تحول دون القبول به، نكتفي بذكر بعضها:

منها: ضعفه السندي، فإن راويه وهو أبو الحسن علي بن محمد المدائني، توفي في القرن الثالث الهجري، فيكون بينه وبين الصلح فترة زمنية طويلة تصل إلى مائتي سنة، وعدم ذكره للواسطة التي نقل عن طريقها الرواية يجعل خبره مرسلاً ساقطاً عن الاعتبار والحجية.

 

ومنها: اشتمال الخبر على ما لا يمكن الإلتـزام به، والموجب للبناء على عدم صدوره، وهي أمور:

1-الطعن الصريح من الإمام الحسين(ع) لأخيه الإمام الحسن(ع).

2-وصفه بأنه قد انحرف عن منهج أبيه(ع).

3-قيام الإمام الحسين(ع) بالتفاخر على الإمام الحسن(ع) بأنه طيب النفس بسبيل أبيه، ليعرض بأخيه الإمام الحسن(ع).

4-توجيه الإمام الحسين(ع) نقداً لاذعاً لأخيه الإمام الحسن(ع) بحضور جمع من شيعتهما.

 

بقي أن نشير إلى أمر قد يثيره البعض، بأنه لا موجب للتدقيق السندي في هذه النصوص، لأنها مجرد نصوص تاريخية وهي لا يعتبر فيها أكثر من أن تكون مروية في مصدر معروف النسبة لمؤلفه، وليس لمؤلفه دواعيو دوافع للكذب.

 

ويجاب عنه، بأن الغرض المراد الوصول إليه من النصوص المذكورة ليس مجرد إثبات قضية تاريخية بحتة، بل يسعى من ذكرها إلى نفي العصمة عن الإمامين الهمامين الحسنين(ع)، بل عن أمير المؤمنين(ع)ن ومن ثمّ بقية الأئمة الاطهار(ع)، ومن الواضح أنه مطلب عقدي، مضافاً إلى جعل الصادر من المعصومين(ع) في منهج قيادة الأمة أمر اجتهادي بشري بحت، يقبل الخطأ والاشتباه، ومع كون الغرض ما عرفت فمن الطبيعي أنه لابد من عرضها للتدقيق السندي، لأن ذلك بحث عقدي، وليس مجرد قضية تاريخية.

 

ثم إنه لو لم تقبل الملاحظات التي عرضت موانع من القبول بالنصوص المذكورة، فإن ما تقدم ذكره من النصوص الدالة على المنهج المتبع من المعصومين(ع) في قيادة الأمة، يصلح أن يكون مانعاً عن القبول بها ورفضها.

 

 

 

 

[1] الكافي ج 1 باب أن الأئمة(ع) لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلا بعهد من الله ح 1 ص 279.

[2] المصدر السابق ح 3 ص 281.

[3] الكافي ج 1 كتاب الحجة باب التفويض إلى رسول الله(ص) وإلى الأئمة(ع) في أمر الدين ح 4 ص 266.

[4]أنساب الأشراف ج ص

[5]  تأريخ دمشق لابن عساكر ج 13 ص 267.

[6] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج

[7] أنساب الأشراف ج 3 ص 149.