10 أغسطس,2020

ذكورية الشريعة(3)

اطبع المقالة اطبع المقالة
ذكورية الشريعة(3)

 

الآيات القرآنية:

ويتمثل ذلك في مجموعة من الآيات القرآنية، سوف نركز على آيتين منها، لأنهما أكثر ما يركز عليهما عادة في عرض هذه الأطروحة، ويجعلان من أهم الأدلة المستند إليها في مقام الإثبات، ونشير بعد ذلك لبعض الآيات التي تذكر عادة في هذا المضمار، بصورة موجزة:

الأولى: آية القوامة.

الثانية: آية تعدد الزوجات.

 

آية القوامة:

من الموارد التي تمسك بها أصحاب أطروحة ذكورية الشريعة، وقالوا من خلالها أن الشريعة قد ميزت الرجل على المرأة، مسألة القوامة، والتي تستفاد من قوله تعالى:- (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم). ولا يذهب عليك أنه حتى تكون الآية الشريفة صالحة للدلالة على دعوى القائلين بذكورية الشريعة، يلزم أن يكون موضوع الآية الشريفة عاماً يفيد أفضلية الرجل على المرأة تكويناً وعدم اختصاص موضوعها بباب الأسرة.

 

وبعبارة أخرى، إنه حتى يصح الاستدلال بالآية الشريفة على المدعى لابد من دلالتها على أمرين:

الأول: تفضيل الرجال على النساء تكويناً.

الثاني: ثبوت القوامة للرجل على المرأة مطلقاً وفي كل المجالات، فلا تكون الولاية والقيادة للمرأة في مورد من الموارد، ويكون الرجل تابعاً لها، فلا تتصدى المرأة للمرجعية مثلاً، ولا لرئاسة الدولة، ولا غير ذلك.

وحتى يمكن البناء على تمامية دلالة الآية الشريفة على الدعوى المذكورة، أو عدمها، لابد من تحديد نقطتين ترتبطان بدلالة الآية الشريفة ومعرفة الحكم الوارد فيها، وتحديد موضوعه، وأنه الرجل أو المرأة، والنقطتان هما:

الأولى: تحديد موضوع القوامة الوارد في الآية، وأنه الذكورة، أو أنه التدبير والإنفاق، وتظهر الثمرة فيما لو لم يكن الرجل قادراً على التدبير والإنفاق، فهل تبقى القوامة ثابتة له أيضاً، أم أنها تنتفي.

 

وبعبارة أخرى، لو تصدت المرأة لعملية تدبير شؤون الأسرة، وقامت بالإنفاق عليها، ولم يتصد الرجل لشيء من ذلك أصلاً، فهل تبقى القوامة ثابتة له أيضاً أم لا.

الثانية: تحديد التفضيل الوارد ذكره في الآية الشريفة، وأنه علة للحكم الذي هو ثبوت القوامة، أم أنه حكمة له ليس إلا، وتظهر الثمرة أنه لو كان علة للحكم، فإنه يمكن أن يتغير الحكم متى ما انتفت علته، فتثبت القوامة للمرأة مثلاً متى أنتفى الأمران اللذان علق الحكم عليهما، بخلاف ما لو كان ذلك حكمة للحكم، فإنه لن يتغير الأمر وإن أنتفى الأمران المذكوران عن الرجل.

 

منشأ القوامة وحقيقتها:

ولا بأس قبل البحث عن النقطتين المذكورتين، من الإشارة إلى منشأ القوامة وحقيقتها:

اتفق العقلاء على ضرورة حاجة كل مجتمع متى وجد ومهما كان مقدار ذلك المجتمع، إلى مدير يتولى إدارة شؤونه، وقائم يسعى لتنظيم حاجياته.

ولا يختلف اثنان، في صدق عنوان المجتمع على النظام والكيان الأسري وإن كان مجتمعاً صغيراً، وهذا يعني حاجته أيضاً شأنه شأن بقية المجتمعات الأخرى إلى مدير ومدبر وقائم بشؤونه يتولى إدارة شؤونه وتدبير أموره، ويقوم بما يحتاج أفراد هذا المجتمع إليه من حاجات.

 

وقد عللت حاجة المجتمعات إلى مدبر الأمر، بأن المجتمعين بطبيعتهم يختلفون في الآراء والرغبات، وقد استدعى ذلك وجود رئيس لهم يرجع إليه في الاختلاف.

وهذ المعنى ينطبق على مفهوم القوامة، ذلك أن المستفاد من ملاحظة كلمات أهل اللغة في بيان المقصود منها، أنها تعني القيام بأمر وشؤون شخص وإدارة أمره، وكفالة معاشه والحفاظ على مصالحه. وخالف ف حقيقتها الفخر الرازي، على ما جاء في تفسيره.

 

صاحب القوامة في الآية:

وقد قرر علماء المسلمين، سواء في التفسير، أم في الفقه والحديث، أن قوامة الأسرة وتدبير شؤونها قد أعطي للرجال في مقابل النساء، لقوله تعالى:- (الرجال قوامون على النساء)، وقد استندوا في ذلك لسببين:

الأول: تكويني، فإن الرجل أعقل من المرأة، وأقدر منها على القيام بشؤون الإدارة والتدبير، لأن المرأة أنقص منه عقلاً، وأقل منه كفاءة وقدرة على القيام بإدارة شؤون الأسرة وتدبير أمورها.

الثاني: اجتماعي، وهو الإنفاق، كما أشار إلى ذلك الفقيه السيد السبزواري(ره)، والمستفاد من كلامه(قده)، عدم اختصاص قوامة الرجل على المرأة في خصوص الجانب الأسري، بل إن له القوامة العامة عليها، وفي كل المجالات، كل ذلك بسبب ثبوت التفضيل التكويني له عليها.

ولا ينفرد بهذا الرأي العلم المذكور(ره)، بل هذا ما عليه السيد العلامة الطباطبائي(قده) في الميزان أيضاً.

بل إن هذا المعنى هو المعروف والمشهور بين مفسري المسلمين، فإنك لو رجعت لأي واحد من كتب التفسير، فسوف تقف على ما ذكرنا.

 

وعند التأمل في الآية الشريفة نجدها تشتمل على مقاطع ثلاثة:

الأول: القوامة، وهو الذي أشير إليه في قوله تعالى:- (الرجال قوامون على النساء).

الثاني: تفضيل البعض على البعض الآخر، قال تعالى:- (بما فضل الله بعضهم على بعض).

الثالث: الإنفاق، قال سبحانه:- (بما أنفقوا).

 

ومقتضى ما ذكره علماء التفسير حول المقطع الأول من الآية، أن يكون المقصود من الرجال الوارد فيها هو صنف الذكور، ومن ثمّ قرروا أن التفضيل الوارد في المقطع الثاني، بأنه تفضيل تكويني.

وهذا المعنى لا ينسجم مع الآية الشريفة، لقوله تعالى:- (بما فضل الله بعضهم على بعض)، فإنه لو كان المقصود منه هو تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، للزم أن يكون التعبير الوارد بهذا النحو مثلاً: بما فضلهم عليهن.

إلا أن وجود التبعيض الوارد في الآية الشريفة موجب لكون المقصود منها شيئاً آخر، وهذا يعني وجود احتمالين في الضمير الوارد ذكره في قوله تعالى:- (بعضهم):

 

الأول: ما هو مقتضى للتفسير المذكور في كلمات علماء المسلمين، من أن يكون الضمير راجعاً للرجال، فيلزم من ذلك التبعيض، فيكون معنى الآية: بما فضل الله بعض الرجال على بعض النساء، ومن الواضح جداً أن هذا لا ينسجم مع دعوى دلالة الآية الشريفة على قاعدة كلية تفيد تفضيل الرجل تكويناً على المرأة، كما يقررون.

الثاني: أن يكون الضمير راجعاً على محذوف معلوم، وهو المخلوقون، فيكون معنى الآية وفقاً لذلك: بما فضل الله بعض المخلوقين على بعض المخلوقين، ومن المعلوم أن المخلوقين شامل للرجال والنساء، وعليه سوف يكون مدلول الآية الشريفة عندها أنه سبحانه وتعالى قد فضل بعض الرجال على بعض النساء، لا أنه قد فضل كل الرجال على النساء، وهذا يفيد وجود تفضيل لبعض النساء على بعض الرجال.

 

ووفقاً لهذا المحتمل، سوف يكون مدلول الآية الشريفة، هكذا: بما فضل الله القوام على غير القوام، وليس بما فضل الله الرجل على المرأة، ومقتضى ذلك عدم كون التفضيل الوارد في الآية الشريفة كلياً، والأهم من ذلك أنه لن يكون التفضيل حينها ذاتياً. وقد أشير لهذا الاحتمال في كلمات بعض المفسرين(ره)[1].

 

وبناءً على الاحتمال الثاني، فإنه سوف يكون موجب التفضيل أمراً اكتسابياً، وليس قضية تكوينية ذاتية، وإلا لا معنى أن يزود الله سبحانه وتعالى شخصاً بشيء ولا يزود به الآخر، ثم يفضل صاحب الصفة بالصفة على فاقدها.

ومن هنا يتضح، أنه لن يكون هناك تفضيل ذاتي للذكر على الأنثى، بل يحصل التفضيل جراء اكتساب مجموعة من الأمور توجب تفضيل من توفرت عنده، فيكون الرجل والمرأة متساويين في القدرة والقابلية في الحصول عليها، وبالتالي من الممكن جداً أن تنال المرأة موجب التفضيل على الرجل، كما أنه يمكن وفق ما يكتسب أن يكون أفضل منها.

 

وبناءاً على ما تقدم، سوف يكون التفضيل والإنفاق الوارد في الآية الشريفة علة للحكم يدور وجوده مدار وجودهما، وينتفي حال انتفاءهما، وليس ذكرهما حكمة له، فيمكن أن يكون القوام بشؤون الأسرة هي المرأة حال توفر فيها العنصران اللذان تضمنتهما الآية الشريفة، كما يمكن أن يكون القائم بذلك هو الرجل لتوفر الأمرين فيه.

نعم حال توفر العنصرين في كل من الرجل والمرأة، فقد يعمد إلى ملاحظة النسبة بينهما، بحيث لو كان أحدهما أكثر نسبة من الآخر كان مقدماً على الآخر، ولو فرض تساويهما معاً، قد يلتـزم بأن القوامة بينهما على نحو الاشتراك، أو بنحو التحصيص، وقد يلجأ في هكذا مورد للقرعة، لأنها لكل أمر مشكل.

 

سعة دائرة الآية:

ثم إنه لو بني على ثبوت القوامة للرجل على المرأة، فما هي حدود دائرتها سعة وضيقاً، بمعنى هل تختص القوامة بالأسرة فقط، فلا تجري في غير ذلك من الموارد، أو أنها أوسع من ذلك؟ هناك رأيان في المقام:

أحدهما: ما أختاره مشهور المفسرين، من البناء على سعة الدائرة والشمولية، فلا تختص القوامة الثابتة للرجل بدائرة الأسرة فقط بتدبير شؤونها وإدارة أمورها، بل تشمل كافة الأمور المرتبطة بالمرأة.

ثانيهما: ما أختاره آية الله جوادي آملي(حفظه الله)، من اختصاص القوامة الثابتة للرجل على المرأة بخصوص الأسرة ودائرة العلاقة الزوجية فقط.

 

وتظهر الثمرة بين القولين في مجموعة من الأمور المترتبة عليهما، فإنه وفقاً للبناء على القول الثاني، لن يكون للزوج مثلاً منع الزوجة من الحج إلا إذا خاف وقوعها في الحرام، وأثبت ذلك، كما لا يكون له الحق في منعها من الشهادة لو أرادت أداءها في الموضوعات التي يحق لها أداء الشهادة فيها. كما لا يمكنه أن يمنعها من الخروج من بيتها لأمر شرعي، أو ضرورة عقلية، وليس له أن يمنعها من التعليم والتعلم، ما دام ذلك لا يزاحم حقه، وليس له أن يمنعها من إدارة أموالها ما دام لا يخالف حقاً من حقوقه.

 

بينما لو بني على القول الأول، فإنه سوف يكون للزوج منعها من جميع الأمور المذكورة، ولو أرادة القيام بشيء منها، كانت محتاجة إلى وجود إذن ورخصة منه ورضا وقبول.

ولا يخفى أنه سواء بني على الاحتمال الأول، أم بني على الاحتمال الثاني، فإنه لن تتغير دلالة الآية الشريفة في عدم ثبوت أفضلية مطلقة للرجل على المرأة، نعم مع البناء على الاحتمال الثاني، فإنه سوف تضيق الدائرة حينئذٍ كما هو واضح.

 

نتيجة محصلة:

ومن خلال ما تقدم، يتضح عدم تمامية دلالة الآية الشريفة على الشبهة المذكورة الموجهة للشريعة السمحاء، لما عرفت من عدم دلالتها على إعطاء تفضيل وامتياز عام للذكر مقابل الأنثى.

 

 

 

 

 

 

[1] الفرقان في تفسير القرآن ج 6 ص 348.