4 يوليو,2020

المنتظر الحقيقي(3)

اطبع المقالة اطبع المقالة
المنتظر الحقيقي(3)

 

5-الشوق إلى الدولة المهدوية والرغبة الملحة في المجتمع المهدوي:

وهي إحدى الصفات التي يلزم امتلاك المنتظر الحقيقي إياها، لأنه إذا اقترنت العقيدة بشيء ما وتوفرت الرغبة فيه والميل إليه، أوجب ذلك بعث الحياة عند الإنسان، ولهذا اعتبروا المحبة لشيء ما أحد الأسباب المساعدة لإثبات الاعتقاد به، كلما ازداد الحب له، زاد الاعتقاد به حتى يبلغ مرتبة العشق الكامل، ولهذا نجد الشوق الشديد في دعاء الندبة قد بلغ الذروة حيث نلمس صراخ المنتظر الحقيقي النابع من شوق وهو يتمنى نجاة العالم.

وحتى يتحقق الشوق إلى الفرج، وإلى الدولة المهدوية، لابد من توفر شرطين رئيسين:

 

الأول: محبة الحق.

الثاني: محبة الخلق.

 

محبة الحق:

إن كل من يحب الحق فهو يحب الله سبحانه وتعالى، ويحب أن يعرف اللهَ تعالى العالم كله، ومن يحب الإمام الحجة(عج)، فإنه يحب أن يعرفه العالم بأكمله أيضاً، فهو يعشق أن يكون معروفاً عند العالم جميعاً، وهذا العشق يتبلور بصور مختلفة، واحدة منها الانتقام من الظالمـين، واجتثاث معسكر الباطل، ولهذا نقرأ في دعاء الندبة: أين الطالب بدم المقتول بكربلاء.

 

محبة الخلق:

إن المنتظر الحقيقي هو الذي لا يفكر في الوصول إلى العلم والخيرات اللامتناهية في المجتمع المهدوي وحيداً، ولا يستطيع أن يدع الناس في ورطة الباطل، بل يرغب في هدايتهم.

وكلما اشتدت محبة الإنسان لله سبحانه، ومن ثمّ للإمام بقية الله(عج)، فإنه يشتد عطفه وحنانه على الناس شيئاً فشيئاً، ولذلك نجده يهتم بمصيرهم كثيراً، لأنهم عباد الله وأحباؤه، ويشير إلى هذا المعنى ما نقرأه في دعاء العهد: اللهم بلغ مولانا الإمام الهادي المهدي القائم بأمرك صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين عن جميع المؤمنين والمؤمنات. الكاشف عن مقدار ما يملكه في قلبه من حب للخلق، وحب الهداية والخير والصلاح لهم.

 

تنمية الشوق للمجتمع المهدوي:

وقد يتساءل البعض عن الطريق الذي يمكن للإنسان من خلاله تحصيل الشوق للحكومة المهدوية وبلوغ المجتمع المهدوي؟

ويجاب، بأن طريق ذلك من خلال اكتساب التقوى، وأداء العبادات، والعمل بالأوامر الإلهية. نعم هناك بعض الأعمال يمكن من خلالها الوصول إلى ذلك أيضاً، عمدتها الذكر، وقد سمعت في ما تقدم الحديث عنه مفصلاً، لذا يلزم الاهتمام بدعاء الندبة ودعاء العهد، وزيارة آل ياسين، والدعاء له(روحي له الفداء) بالسلامة والحفظ، فقد جاء عن الإمام العسكري(ع) أنه قال: والله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلا من يثبته الله على القول بإمامته، ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه.

 

6-الاستعداد الدائم للظهور المقدس:

وهذه هي الصفة السادسة التي يلزم توفرها في المنتظر الحقيقي، وامتلاكه إياها يحتاج عملاً دؤوباً لتحقيق الأرضية وتمهيدها للفرج وحصول الظهور المبارك، وهو يقوي دعائم الانتظار عند المنتظر، ويكشف عن صدق ادعاء الانتظار وتحقيقه.

وسوف تظهر آثار المحبة الحقيقية لولي الله الأعظم(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، في سلوك المجتمع ورؤيته، كما أنها ستحدث جملة من التغيـيرات فيه.

مضافاً إلى أن العمل بمقتضى المحبة وانتظار الفرج يؤديان إلى إرساء قواعد الانتظار ويحدان من طول فترة الغيبة.

 

نعم هناك جماعة قد اتخذت طرق ترك العمل في التمهيد للظهور الشريف، وهي تبرر ذلك بأن الفرج أمر خارج عن نظام البشرية، مع أن الأمر والواقع خلاف ذلك تماماً، لأن الفرج يرتبط بأعمال البشر كما يرتبط بمدى معرفتهم وعشقهم للصاحب(روحي له الفداء)، قال تعالى:- (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

بل إن المستفاد من بعض الآيات الشريفة أن النصر الإلهي يكون من خلال نصر العباد، قال تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).

 

عناصر الاستعداد الدائم:

وحتى يتحقق الاستعداد الدائم من المنتظر الحقيقي يلزمه امتلاك أمور:

 

أولها: الإعداد الروحي:

وهو يعني الصعود بالمستوى الروحي عنده، بل عند المجتمع إلى أعلى المستويات، لأن لقائه(عج) يحتاج مستوى عالياً وكبيراً من الروحية والعمق الإيماني والعلاقة بالله سبحانه وتعالى والإخلاص للمبدأ والعقيدة.

فمن لا يملك الإعداد الروحي لا يعيش الاستعداد والترقب والانتظار حتى وإن بحت حنجرته من الدعاء والابتهال.

 

ثانيها: الإعداد الفكري:

بأن يتوفر على مستوى من الوعي والفهم والثقافة والمعرفة بمفاهيم الإسلام وأحكامه، تؤهل الإنسان ليكون من الكوادر الصالحة للالتحاق بركب القائد المنتظر(عج) لأن المستفاد من النصوص أن أنصاره يملكون درجات عالية من البصيرة والفقاهة في الدين.

 

ثالثها: الإعداد السلوكي:

بأن يعيش الإنسان التقوى والورع والالتـزام بأحكام الله عز وجل، ويصوغ الإنسان نفسه صياغة تنسجم مع التعاليم الإلهية، ومع المنهج الإلهي.

 

رابعها: الارتباط الفعلي بقيادة الإمام المنتظر(عج):

وهي تتمثل اليوم في المرجعية الدينية، وفقهاء الطائفة، رحم الله الماضين منهم، وأطال في أعمار الباقين.

وتبقى مجموعة من الأسئلة، تحتاج إجابة من عامة الناس:

1-هل نحن ممن يعمل للتمهيد للظهور المقدس؟

2-هل قمنا بخطوات عملية في ذلك؟

3-هل أعددنا الأرضية الملائمة لتحقق الفرج الإلهي؟

4-هل خلقنا وعياً وثقافة عند الناس لتقبل هذا الفرج الإلهي؟

 

ومن خلال الإجابة على التساؤلات السابقة يبرز مدى شوق المنتظر لدولة الحق المهدوية، وعشقه للمجتمع المهدوي، ورغبته الأكيدة في الوصول إليه وتحقيقه.

 

علاقة المنتظر بصاحب الزمان:

لا ريب في ثبوت محبة الإمام صاحب الزمان(عج) في قلوب المنتظرين والموالين له بأبي وأمي، لكن ما هو نوع الحب الذي جعلناه له في قلوبنا؟

لا يخفى أن هناك نوعين من المودة والمحبة:

الأول: المحبة والمودة السطحية.

الثاني: مودة العشق والوله.

 

ومن الطبيعي أن يكون طموح كثير من الناس أن تكون محبتهم للصاحب(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، وعلاقتهم بهم في أعلى الدرجات، وهذا قد يشكل عائقاً عند كثيرين، إذ ليس من السهولة أن يبلغ الإنسان هذا النوع من الحب والعشق والوله، وهذا يجعله بعيداً عن الصاحب والارتباط به، لعدم تحقق غرضه، بل إن بعضهم لا يعمد حتى للمحاولة خوفاً من الفشل.

ويغفل الكثير عن مدى أهمية المودة السطحية ودورها في الوصول إلى الغرض المطلوب.

 

المودة السطحية:

ويقصد منها محبته(بأبي هو وأمي)، التي لا تستند إلى مبدأ، وتكون عرضة للزوال في كل لحظة. وهذه المودة التي يكون منشأها معرفة غير صحيحة، أو معرفة ناقصة، وقد لا يزول هذا النوع من المحبة من صاحبه، لكن ذلك لا يعني أنه المطلوب، لأن عدم زواله قد يكون لأسباب اقتضت ذلك.

نعم ليست المحبة السطحية سلبية دائماً لا منفعة فيها، بل يمكن الاستفادة منها والاعتماد عليها متى كانت مقتبسة من محبة فطرية طبيعية، فإن كثيراً من الناس تبدأ محبتهم لأولياء الله من هذا النوع من المحبة، لذا يحسن الاشادة بهذا النوع من المحبة والقيام بتعزيزها وتنميتها، بل إيجادها بين الناس أيضاً.

 

ويحتاج هذا الارتباط العاطفي الجزئي البسيط بولي النعمة(عج) والحاصل من خلال المعرفة البدائية والكلية إلى تنمية وتكامل حتى يدوم هذا الارتباط ويخرج من حده الأدنى.

ولهذا لا يحسن الامتعاض من البكاء لفقد الإمام الصاحب(عج)، لأنه لا يحقق الغرض، بل المطلوب هو المعرفة التامة، بل إن البكاء يعدّ أول السبل الموجبة لمعرفة المحبوب والوصول إلى المعشوق.

ولهذا حتى العلماء والذين يملكون معرفة عالية جداً بالإمام الحجة بن الحسن(عج)، لا ينفكون عن البكاء والنحيب، ولا يتركون قراءة دعاء الندبة.

 

محبة ومودة العشق:

نعم هذا المقدار من المحبة والمودة للإمام الحجة(عج) ليست بالمستوى المطلوب، فإن المطلوب مستوى أعلى من ذلك، والموجود أقل بكثير من الحد المطلوب والمتوقع، ولهذا نحتاج فعلاً إلى تنمية تلك المحبة السطحية الموجودة إلى عامة الناس ورفعها لتصح بالمستوى المأمول، ويبدأ هذا من خلال ممارسة مجموعة من الأعمال مثل المداومة على قراءة دعاء العهد في كل صباح، وزيارة آل ياسين، وقراءة دعاء الندبة في صباح كل يوم جمعة.

 

وقد أكد دعاء الندبة على الحاجة إلى المحبة الشديدة للإمام المنتظر(عج)، فلاحظ قوله(ع): إلى متى أحار فيك يا مولاي وإلى متى، وأي خطاب أصف فيك وأي نجوى، عزيز عليّ أن أجاب دونك وأناغى، عزيز عليّ أن أبكيك ويخذلك الورى، عزيز عليّ أن يجري عليك دونهم ما جارى، هل من معين فأطيل معه العويل والبكاء……هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى……متى ننتقع من عذب مائك فقد طال الصدى.

 

ولا ريب أن رفع مستوى المحبة والعشق يجعل العاشق يسعى إلى تحقيق أهداف الإمام بقية الله الأعظم(عج) ويعنى بمطالبه.

ومن الجميل نقل كلام للمقدس العارف الشيخ بهجت(ره)، يقول: هل يمكن أن يكون زعيمنا ومولانا ولي العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف حزيناً ونحن مسرورون، ويكون باكياً لما ابتلي به أولياؤه ونحن ضاحكون مبتهجون، وفي الوقت ذاته نعتبر أنفسنا من أتباعه.

 

وقال(ره) أيضاً: فالمنتظر للفرج هو الذي ينتظر الإمام لله، وفي سبيل الله، لا لقضاء حوائجه الشخصية.

وكثير من أصحاب العلاقة السطحية مع الإمام الحجية(ع) يطمحون للقاء بالإمام ويتشوقون لرؤيته، وهذا لا ينسجم مع الآثار والبركات للظهور، لأن هذا الفرد يرغب لقاء الإمام في ناحية معينة، وفي زاوية خاصة، والمفروض أن يكون طموحه أن يراه يقود العالم بأسره، ولهذا نقرأ في دعاء الندبة: متى ترانا ونراك، وقد نشرت لواء النصر؟ ترى، أترانا نحف بك وأنت تؤم الملأ، وقد ملأت الأرض عدلاً.

ومثل ذلك في دعاء العهد: اللهم إن حال بيني وبينه الموت فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي مجرداً قناتي[1].

 

 

 

[1] مجموعة محاضرات ألقيت في شعبان المعظم سنة 1440 من الهجرة النبوية، قبل ولادة الإمام المنتظر(عج) بأيام، وقد تم الاعتماد عليها، على مجموعة مقالات، وردت في مجلة الانتظار، وغيرها بشيء من التصرف.