20 سبتمبر,2020

أسباب موت القلب

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال رسول الله(ص): أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب، وكثرة مناقشة النساء، يعني محادثتهن، ومماراة الأحمق تقول ولا يرجع إلى خير(أبداً)، ومجالسة الموتى. فقيل: يا رسول الله: وما الموتى؟ قال(ص): كل غني مترف[1].

مدخل:

أولى الشارع المقدس في خطاباته القرآنية والنصوص المعصومية أهمية خاصة لعنصر القلب، فتحدث عنه في مجالات متعددة، فمرة يتحدث عن حياته، وأخرى يتحدث عن موته، وثالثة عن كونه مركزاً يمكن من خلاله أن يرى العبد ربه، وما شابه ذلك.

والحديث الذي أفتـتحنا به المقام واحد من تلك النصوص التي تعرضت للحديث عن القلب، لكنها أشارت لموضوع واحد من تلك الموضوعات المختصة بالقلب، وهو موت القلب، فتضمن بيان الأسباب التي تؤدي إلى موت القلب، فتعرض فيه النبي الأكرم محمد(ص) إلى أربعة أسباب تؤدي إلى ذلك، سوف نتعرض للحديث عن كل واحد منها بشيء من الإيجاز.

الذنب على الذنب:

أول الأسباب التي ذكرها الحديث النبوي الشريف المؤدية إلى موت القلب عبارة عن الذنب على الذنب، ولا يخفى أن المستفاد من النصوص أن العبد متى ما أرتكب فإنه لا يكتب عليه، بل ينـتظر عليه، فإن تاب لم يكتب عليه ذنب، أما لو لم يتب، كتب عليه الذنب حينئذٍ، بل ورد في بعض النصوص أنه ينـتظر به أياماً، فإن لم يتب كتب عليه الذنب.

ومما ذكرنا يتضح المعنى المشار إليه في الحديث، فكأنه(ص) يقرر أن الأثر الوضعي للذنب لا يترتب بمجرد ارتكاب الإنسان للذنب، بل إنه ينـتظر به، فإن الإنسان بمجرد أن يذنب تخرج نكتة سوداء في قلبه، لكنها لا تكون مؤثرة أثرها من حرمانه من التوفيق، والحرمان من الرزق، ومن صلاة الليل وما شابه، لأنه كما ذكرنا قبل قليل لا تسجل عليه، بل ينـتظر به فإن تاب لم تكتب عليه، وبالتالي لن تترتب الآثار التكوينية حينئذٍ، لكنه لو لم يتب بدأت الآثار التكوينية في الترتب، ومن ضمن الآثار التكوينية المترتبة على ذلك هو موت القلب.

ومن الواضح أن الآثار التكوينية إنما تترتب إذا ترك العبد التوبة، فإنه يكون من مصاديق الذنب على الذنب، أي يرتكب الإنسان الذنب، وقبل أن يتوب من ذنبه الأول، يقدم على ارتكابه للذنب الآخر، وهكذا، فإن هذا يوجب موت القلب، كأثر تكويني لارتكاب الإنسان الذنوب.

أما لو أرتكب الإنسان الذنب لكنه تاب بعدما فعله، وصدر منه الذنب مرة أخرى لنسيان أو غفلة كما يكون ذلك في كثيرين من الناس، لم يكن هذا من مصاديق الذنب على الذنب، لأن التوبة مثلت فاصلاً بين الذنبين، ولعل هذا السر في ورود جملة من النصوص تحث على التوبة، وأنه سبحانه وتعالى يحب العبد التواب، وقد فسر بالذي يذنب فيعود ويتوب.

كثرة محادثة النساء:

والسبب الثاني الموجب لموت القلب هو كثرة محادثة النساء، ويعتقد الكثيرون أن هذا النص وأمثاله مما ورد في الحديث عن محادثة النساء، مطلق يشمل حتى النساء المحارم، ولذا يجمدون على ظاهره فيعمدون إلى ترك الحديث عن متعلقيهم تمسكاً بأن النصوص تنهى عن الحديث للنساء، أو أن الحديث للنساء مما يوجب موت القلب أو قسوة القلب وما شابه ذلك.

لكن الظاهر أن هذا من الاستظهار الخاطئ، لأنه ربما كان من الواجب على الإنسان أحياناً أن يجلس إلى النساء، لو كن النسوة زوجة أو بنـتاً أو أماً، وكان في ذلك أداء للتكليف الشرعي، فضلاً عن بيان حكم شرعي لازم امتثالاً لقوله تعالى:- (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً)، إذاً هذا يفيد أن النصوص تتحدث عن مورد آخر غير ما يتصوره الكثيرون، وهو الجلوس والحديث مع المرأة الأجنبية التي لا تربطك بها أية علاقة نسبية أو سببية، فإن الحديث إليها سبب جارف إلى المزالق، وربما الوقوع في المحرمات، فكيف لا يكون له أثر تكويني وضعي على القلب البشري، فيؤدي إلى موته.

المجادلة والبحث مع الأحمق:

والسبب الثالث هو الحديث مع الذين لا يعملون عقولهم، وليست المنهجية التفكيرية عندهم على وفق الأسس والأساليب العلمية والمنطقية، بل يعملون الأهواء والأراء الشخصية، وربما تتحكم فيهم العواطف، فيدخلون في دائرة الحمقى، فإن الحديث مع هؤلاء لا يجدي، لأنه لن يصل الإنسان معهم إلى نتيجة ترتجى، ضرورة أنهم يعتمدون على مقررات خاصة يرونها أسساً أساسياً في المنهجية التفكيرية، فيبنون عليها، ولا يقبلون تغيـيرها، فلاً عن المناقشة فيها.

إن الحديث مع هؤلاء عبث وتضيـيع للوقت، وسبب من أسباب موت القلب.

مجالسة الموتى:

وقد فسر(ص) المراد بالموتى في هذا الحديث الأبوي التربوي بالأغنياء المترفين، لأنهم سوف يجرون الإنسان إلى الركون إلى الدنيا والاشتغال بترفها ونعيمها الزائل، ويجعلونه ينظر إليها على أنها غاية، وليست وسيلة، وبالتالي يميتون قلبه.

——————————————————————————–

[1] الخصال باب الأربعة ح 65.