الإسراء والمعراج

لا تعليق
كلمات و بحوث الجمعة
109
0

قال تعالى:- (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)[1].

مدخل:

من المناسبات التي تقع في شهر رمضان على قول، مناسبة الإسراء والمعراج، حيث ذكر جملة من المؤرخين أنها كانت ليلة السابع عشر من شهر رمضان المبارك.

وقد ذكر المؤرخون أن حادثة الإسراء والمعراج تكررت ما يقارب من ثلاثين مرة خلال مدة نبوة النبي محمد(ص)، وقد كان حدوثها الأول واحداً من معجزاته(ص)، إذ تم من خلالها الاحتجاج على القرشيـين لإثبات صحة نبوته.

وعند الحديث عن هذه المناسبة، تثار جملة من التساؤلات التي تحتاج تسليط الضوء عليها، كبيان المقصود من المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في الآية المباركة، وهل أنه بيت المقدس أم لا، وأن الإسراء هل كان بالروح والجسد، أم أنه كان بالروح فقط دون الجسد، وهل يوجد فرق بين حادثة الإسراء وحادثة المعراج، فهما موضوعان مختلفان أم أنهما موضوع واحد، وكذا من أين أسري برسول الله(ص)، وغير ذلك من الأمور.

في رحاب الآية:

وأول ما ينبغي الحديث عنه هو الكلام حول المفردات التي تضمنـتها الآية الشريفة، وبيان المراد منها، وبعض الأمور المرتبطة بذلك.

هذا ولن نعرض لكل مفردة وردت فيها، لأن ذلك يستدعي طولاً في البحث، وإنما سوف نسلط الضوء على التالي:

الإسراء:

المعروف بين المفسرين هو تفسير كلمة الإسراء بما جاء في كلمات اللغويـين من أنها تشير إلى السير ليلاً، من دون فرق بين كون المسير أفقياً، وبين كونه عمودياً.

ولا يخفى أنه وفقاً لهذا التفسير الصادر من أكثر المفسرين بني على أن للرسول(ص) رحلتين، وهما رحلة الإسراء، ورحلة المعراج، كانت الأولى منها من مكة إلى بيت المقدس، والثانية من بيت المقدس للسماء.

و ما ذكره المفسرون في بيان حقيقة الإسراء هو أحد المحتملين المتصورين في معنى الكلمة، لا أنه معناها الوحيد، وليتضح ما ذكرناه، نقول:

إن في كلمة الإسراء احتمالين من حيث الاشتقاق والمبدأ:

الأول: أن تكون كلمة الإسراء مشتقة من السرى.

الثاني: أن تكون هذه الكلمة مشتقة من السراة[2].

ووفقاً للاحتمال الأول، وهو اشتقاق هذه الكلمة من السرى، سوف يكون معناها السير ليلاً كما ذكره المفسرون تبعاً لما جاء في كلمات اللغويـين، وهذا بخلافه لو جعلناها مشتقة من كلمة السراة، فإن المعنى سوف يخـتلف كلياً، لأن المقصود من سراة كل شيء أعلاه، حيث أن السراة سنام الشيء وأعلاه.

ولا ريب أنه وفقاً للاحتمال الثاني سوف يتغير المعنى المتصور في تفسير الآية الشريفة كلياً، إذ مقتضاه أنه لن تكون الرحلة حينئذٍ بالصورة الذي ذكرها مشهور المفسرين كما سيتضح، لأن كون المقصود من الإسراء هو بلوغ سنام الشيء وأعلاه، يمنع من حمله على الرحلة الحاصلة من البيت الحرام إلى بيت المقدس، ضرورة أن بلوغ بيت المقدس لا يمثل بلوغ سنام الشيء وأعلاه، كما هو بيّن لا يخفى.

وهذا يعني عدم وجود رحلتين لرسول الله(ص)، بل سيكون الموجود هي رحلة واحدة، خصوصاً وأن المعراج لا يوجد له ذكر في القرآن الكريم. نعم لا يعني ذلك عدم ذهابه(ص) إلى فلسطين وصلاته في بيت المقدس، لأن هذا ثابت بمقتضى النصوص المعتبرة، لكن لن يكون الذهاب لفلسطين رحلة مستقلة عن الرحلة الأخرى، بل سوف يكون ذهابه إليها في طريقه لبلوغ سنام الشيء وأعلاه، فلاحظ.

ثم إنه مع وجود هذين المحتملين، يدور الأمر بين وجود ما يوجب تعيـين أحد الاحتمالين دون الآخر، وهو ما يعبر عنه بالقرينة الموجبة لحمل اللفظ على أحد المعنيـين، وإلا يكون اللفظ مجملاً لا يصار لمعنى فيه.

والحق أن في البين قرينة موجبة لحمل لفظ الإسراء الوارد في الآية الشريفة على خصوص المعنى الثاني دون المعنى الأول، والقرينة هي ذكر كلمة الليل في الآية المباركة، إذ أنه لو بني على أن المقصود من الإسراء عبارة عن السير ليلاً، فلا معنى حينئذٍ للإتيان بلفظ الليل في الآية الشريفة، ذلك لأن نفس لفظة الإسراء متضمنة لبيان زمان السير وهو الليل، وهذا يستدعي أن يكون ذكرها لغواً، بخلاف ما لو حملنا لفظة الإسراء على السراة، فإنه لن يكون ذكر كلمة الليل لغوياً، ضرورة أنه سيكون المعنى أن بلوغ سنام الشيء وأعلاه كان في الليل، فتدبر.

ولا مجال لحمل ذكر الليل في الآية على التوكيد كما جاء في كلمات بعض المفسرين[3]، إذ هو ليس من جنس اللفظ، كما أنه لو أراد سبحانه التوكيد لقال: أسرى بعبده إسراءً، لا ليلاً، خصوصاً أنه لو سلمنا أن المراد من الإسراء هو السير ليلاً، فإنه لا يجوز تصور التفاوت في معناه حتى يجوز توكيده بجزء لو تجزأ عنه فقد الدلالة عليه، فأسرى هو سير الليل، من دون إمكان لفصل السير عن الليل فيه، إذ أن الفصل بينهما يفقدهما الدلالة عليه.

ولو قيل: إن القرآن الكريم قد اشتمل في بعض آياته المباركة على ذكر السرى، مقيداً بكونه ليلاً فكيف تعالجون ذلك، فلاحظ قوله تعالى:- (فأسر بأهلك بقطع من الليل)[4]، وقوله تعالى:- (فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون)[5].

قلنا: إن دلالة الليل في هاتين الآيتين متعلقة بأمر الاستتار به من ملاحقة الأعداء، فيكون تدليلاً على سرية السرى، لا على السرى ليلاً، لأن السرى أصلاً هو السير ليلاً كما عرفت.

وبالجملة، إن ذكر الليل في الآيتين غايته الإشارة إلى أن السير لابد أن يكون سرياً، فذكر الليل كناية عن السرية، لا أن ذكره إشارة إلى وقت المسير، فلاحظ.

والحاصل، فسوف يكون معنى الآية الشريفة محل البحث: أن الله سبحانه وتعالى قد رفع رسوله(ص) في مصاف القرب الإلهي بحيث بلغ مرتبة لم يـبلغها مخلوق قبله، ولن يـبلغها مخلوق بعده، وكان ذلك ليلاً.

هذا ويمكن ذكر مؤكد لما ذكرناه، بل قد يجعل قرينة ثانية على المدعى، وهي قوله تعالى:- (لنريه من آياتنا)، مع جمعها بما جاء في سورة النجم، وهي قوله تعالى:- (ولقد رأى من آيات ربه الكبرى)

ومن المعلوم أنه وفقاً لما بنينا عليه في معنى اللفظ، سوف يكون اللفظ متضمناً للمعراج، ذلك لأن المعراج هو المكان الذي يتم العروج منه. توضيح ذلك:

إن المتصور وفقاً لما جاء في كلمات المفسرين المدعين التفريق بين رحلتي الإسراء والمعراج، أن رؤية الآيات في الآية محل البحث كانت في فلسطين، والرؤية التي كانت في سورة النجم في عالم السماء، مع أنه لم يتضح لنا وجه لرؤية الآيات في أرض فلسطين، بل مقتضى التأمل أن الآيتين الواردتين في سورة الإسراء والنجم تتحدثان عن موضوع واحد، وهو رؤية الآيات وقد كان ذلك في عالم السماء، فلاحظ.

فتحصل إلى هنا أن لفظ الإسراء لا يعني المسير ليلاً، وإنما هو يشير إلى بلوغ سنام الشيء وأعلاه، فتدبر.

على أننا يمكن أن نذكر شاهداً آخر على أنه ليس لرسول الله(ص) إلا رحلة واحدة، وليست رحلتين كما يتصور وذلك بمتابعة النصوص الشريفة، سواء الصادر عن رسول الله(ص)أم عن بقية المعصومين(ع) حيث يجد المتابع لها التعبير عن الرحلتين بتعبير واحد، فمرة يقول(ص) ليلة أسري بي للسماء، ومرة أخرى يعبر ليلة عرج بي، قال(ص): لما أسري بي ليلاً إلى السماء ما سمعت شيئاً قط..[6]. وعن أبي جعفر الباقر(ع) أنه قال: لما اسري برسول الله(ص) إلى السماء فبلغ البيت المعمور وحضرت الصلاة…الخ..[7].وعن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: لما عرج برسول الله(ص) انتهى به جبرائيل(ع) إلى مكان..[8].

ومقتضى التفريق الوارد في كلمات المفسرين يستدعي حمل التعبير الصادر عنه(ص) على المجاز، وهذا في غير محله، فيثبت صحة ما ذكرناه من عدم تعدد الرحلة، فلاحظ.

المسجد الحرام:

أما المسجد فيقصد منه مكان السجود، والمقصود من المسجد الحرام في الآية الشريفة هو البيت العتيق، وقد قيل أن مكة كلها حرم.

هذا وقد وقع الخلاف بين المؤرخين وحتى المفسرين في تحديد مبتدأ الرحلة النبوية، فمن أي مكان كانت بداية حركة الإسراء، وهناك عدة أقوال:

منها: أن ابتداء الرحلة المحمدية كان من بيت أم هاني بنت أبي طالب.

ومنها: أن الرحلة المحمدية ابتدأت من شعب أبي طالب.

ومنها: أن الرحلة المحمدية كانت بدايتها من البيت الحرام من عند الكعبة المشرفة.

وهذا ويمكن الجمع بين الأقوال، بأحد علاجين:

الأول: أنه قد ثبت تاريخياً تعدد حالة الإسراء للنبي(ص)، فلم تكن مرة واحدة، بل قيل أنها بلغت مائة وثلاثين مرة، فلا مانع من تعدد أماكن الإسراء له(ص)، فكل مرة كان إسرائه من مكان يغاير المكان الآخر الذي كانت منه رحلة الإسراء السابقة.

الثاني: أن ترجع المحتملات كلها لكون ابتداء الرحلة السماوية من عند الكعبة المشرفة، بمعنى إنه كان في بيت أم هاني، أم كان في الشعب، فإنه انتقل من ذلك المكان إلى جوار الكعبة ومن هناك بدأت الرحلة الملكوتية السماوية.

المسجد الأقصى:

وقد اتفقت كلمة المفسرين تقريـباً على أن المقصود منه بيت المقدس، ولم نجد مخالفاً في ذلك منهم إلا الفيض الكاشاني(ره) في تفسيره الصافي، حيث قال(ره) في بيان المقصود من المسحد الأقصى: أي إلى ملكوت المسجد الأقصى الذي هو في السماء، كما يظهر من الأخبار الآتية[9].

وذكره الجنابذي في تفسيره بيان السعادة رأياً محتملاً، قال(ره) في بيان المقصود منه: الذي في بيت المقدس، أو إلى المسجد الأقصى الذي هو في السماء الرابعة المسمى بالبيت المعمور الذي المسجد الأقصى مظهره، وهو ملكوته، كما أن المسجد الحرام مظهره، وهو ملكوته[10].

والتـزم بأنه في السماء غواص بحار الأنوار(قده) في بحاره في تعقيـبه على الرواية الواردة عن الإمام الباقر(ع)، وسوف يأتي ذكرها ويأتي ذكر تعقـيـبه عليها، فأنتظر.

وعلى أي حال، إن من خالف مشهور المفسرين والمؤرخين في تحديد بيت المقدس، افتقرت كلماتهم إلى البرهان على دعواهم، اللهم إلا أن يكون دليلهم على ذلك-كما لا يـبعد-الاستناد لما ورد عنهم(ع) تفسيراً له، كما أشار لذلك الفيض الكاشاني، وجاء في تعقيب غواص بحار الأنوار العلامة المجلسي(ره)، فتدبر.

وبالجملة، يمكن القول بأنهما جعلا دليلهما على مدعاهما الرواية الواردة عن المعصوم(ع)، وهذا ينسجم كثيراً مع مبناهما في التعامل من النصوص، بل وفي تفسير القرآن الكريم، فلاحظ.

ثم لا يذهب عليك أنه لو كنا ومقتضى الظاهر من الآية الشريفة لم يمكن البناء على أن المقصود من المسجد الأقصى هو بيت المقدس، وذلك لأن المقصود من المسجد كما عرفت هو مكان السجود، والمقصود من الأقصى هو المكان المتناهي في البعد، وهذا كما ينطبق على بيت المقدس ينطبق على كل ما كان يصلح للسجود، أو وقع فيه السجود وكان بعيداً سواء كان في الأرض أم كان في السماء، وبالتالي التخصيص له بكونه بيت المقدس يستلزم وجود ما يوجب حمله على ذلك.

وليس في البين ما يستدعي الحمل على ذلك حتى الروايات التي تضمنت رحلة النبي(ص) إلى بيت المقدس لم تكن بصدد تفسير وبيان المقصود من المسجد الأقصى، بل أقصى ما دلت عليه أنه(ص) مضى إلى بيت المقدس، وصلى بالأنبياء وهكذا، وأين هذا من تفسير المسجد الأقصى ببيت المقدس.

ولذا نحن نقرر أننا لا ننكر رحلة النبي(ص) إلى بيت المقدس كما تقدمت الإشارة لذلك، وأنه رأى هناك ما رآه وصلى بالأنبياء وما شابه، ونلتـزم بالنصوص التي تضمنت ذلك، لكننا ندعي خلو النصوص المذكورة عن بيان المقصود من المسجد الأقصى.

والذي اعتقده أن المفسرين عندما وجدوا هذه النصوص عمدوا إلى جعل بيت المقدس هو المقصود من المسجد الأقصى ظناً منهم أن النصوص المذكورة ناظرة لرحلة الإسراء، وبالتالي مفسرة للمسجد الأقصى بذلك، مع أن دون ذلك خرط القتاد.

نعم الظاهر أن الموجب لهم لحمل بيت المقدس على المسجد الأقصى هو إدعائهم أن هناك رحلتين لرسول الله(ص) إحداهما رحلة الإسراء والثانية رحلة المعراج، ولما كان بين الرحلتين فرقاً واختلافا، كانت الرحلة الأولى منـتهية لبيت المقدس، والثانية انتهت ببلوغ سدرة المنـتهى.

مع أن هذا التوجيه لا يوجد ما يساعد عليه، ضرورة أنه قد عرفت عدم وجود رحلتين لرسول الله(ص) عند بياننا لمعنى كلمة الإسراء، بل هي رحلة واحدة، وأنه كان في رحلته للسماء مرّ على بيت المقدس، لا أنها نهاية رحلته. ولذا لا يوجد رحلتان بل رحلة واحدة هي التي كانت للسماء.

معنى المسجد الأقصى:

هذا والظاهر-والله سبحانه أعلم-أن المقصود من المسجد الأقصى في الآية المباركة هو مكان في السماء، لعله البيت المعمور، ويدلنا على ذلك التالي:

الأول: معنى كلمة الإسراء التي سبق وذكرناها، وقد عرفت أن المقصود منها بلوغ سنام الشيء وأعلاه.

الثاني: لقد تضمنت الآية الشريفة كلمة(إلى)، وهي تفيد انتهاء الغاية، ولا ريب ولا إشكال أن الذهاب للمسجد الأقصى لم يكن الغاية التي انتهت إليها رحلة رسول الله(ص)، بل كانت هناك عملية تكميلية للرحلة المحمدية، وهذا يعني أن الغاية المقصودة في الآية الشريفة بعدُ لم تتحقق، وإنما تحققت ببلوغه السماء، فيفيد ذلك أن المسجد الأقصى في السماء، وليس بيت المقدس.

الثالث: ما ورد عن الإمام الباقر(ع) والإمام الصادق(ع) في تفسير المسجد الأقصى وبيان المقصود منه، فقد جاء عن الباقر(ع) أنه كان جالساً في المسجد الحرام فنظر إلى السماء مرة وإلى الكعبة مرة، ثم قال:- (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، وكرر ذلك ثلاث مرات، ثم التفت إلى إسماعيل الجعفي، فقال: أي شيء يقول أهل العراق في هذه الآية يا عراقي؟ قال: يقولون: أسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، فقال: ليس كما يقولون، ولكنه أسري به من هذه إلى هذه، وأشار بيده إلى السماء، وقال: ما بينهما حرم[11].

ودلالة هذا النص على المدعى واضحة، ضرورة أنه(ع) خطأ العراقيـين في قولهم أن المقصود من المسجد الأقصى هو بيت المقدس، وأشار إلى أنه في السماء، وهو ينسجم كثيراً مع الظاهر من الآية الشريفة، حيث عرفت أن المقصود منه مكان السجود البعيد، فتدبر.

وهذا الذي فهمناه من النص هو ما فهمه غواص بحار الأنوار العلامة المجلسي(ره) حيث قال معقباً على النص المذكور: قوله(ع): من هذه إلى هذه، أي المراد بالمسجد الأقصى البيت المعمور، لأنه أقصى المساجد، ولا ينافي أولاً إلى بيت المقدس[12].

وعن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه سئل عن المساجد التي لها الفضل؟ فقال: المسجد الحرام، ومسجد الرسول(ص) قيل: والمسجد الأقصى؟ فقال: ذاك في السماء إليه أسري رسول الله(ص)، فقيل: إن الناس يقولون: إنه بيت المقدس، فقال: مسجد الكوفة أفضل منه[13].

ودلالة النص على المدعى كسابقه من حيث الصراحة والوضوح، حيث أنه(ع) نص على أن المسجد الأقصى في السماء، لا كما يذهب الناس، وأكد ذلك من خلال إشارته إلى أن مسجد الكوفة أفضل من بيت المقدس، فلاحظ.

هذا ولم يقبل السيد العلامة الطباطبائي(ره) في تفسيره القيم دلالة رواية إسماعيل بن جابر على ما ذكرناه، فعقبها بما يمنع من حملها على مدعانا، قال(قده): قوله(ع): ولكن أسري به من هذه إلى هذه، أي من الكعبة إلى البيت المعمور، وليس المراد به نفي الإسراء إلى بيت المقدس، ولا تفسير المسجد الأقصى في الآية بالبيت المعمور، بل المراد نفي أن ينـتهي الإسراء إلى بيت المقدس، ولا يتجاوزه، فقد استفاضت الروايات بتفسير المسجد الأقصى ببيت المقدس[14].

ولا يخفى ما في كلامه من التأمل، إذ قد عرفت منا في مضى أننا لا ننكر ذهابه(ص) لبيت المقدس، لكن الكلام هل أنه المقصود بالمسجد الأقصى، أم أن المقصود به شيء آخر.

على أن دعواه كون الرواية ليست بصدد تفسير المسجد الأقصى عهدتها على مدعيها، إذ قد عرفت في بيان مدلولها في ما تقدم أنه(ع) يخطأ ما صدر من العراقيـين في بيان المقصود منه، ويـبين الصحيح فكيف لا تكون الرواية بصدد بيان المقصود من المسجد الأقصى.

وأخيراً لم أجد نصاً واحداً في مقدار ما بحثت بين النصوص يفسر المسجد الأقصى ببيت المقدس، فكيف عبر بأن النصوص مستفيضة، اللهم إلا أن يكون نظره لما ستأتي الإشارة إليه، فلاحظ.

منشأ مقالة المشهور:

هذا ويـبدو لي أن منشأ قول المشهور من المفسرين بأن المقصود من المسجد الأقصى هو بيت المقدس أمران:

الأول: ما بنوا عليه من التفريق بين مفهومي الإسراء والمعراج، فجعلوا المقصود من الإسراء هو السير ليلاً، بينما المقصود من المعراج هو العروج لعالم السماء، وهذا يعني وجود رحلتين كما عرفت فتكون الأولى أرضية انتهت في عالم الأرض، ونهايتها كان بيت المقدس، والثانية سماوية نهايتها سدرة المنتهى.

وقد عرفت فيما تقدم عند بيان المقصود من حقيقة الإسراء عدم القبول بالتفريق، بل إن المقصود من الإسراء والمعراج معنى واحد، وهو العروج الملكوتي لعالم السماء، وأن ذلك لا يمنع من مروره في رحلته الملكوتية ببيت المقدس، لكنها لم تكن نهاية الرحلة، بل لم تكن غاية في الرحلة أصلاً، وإنما هي محطة أراد الله سبحانه وتعالى إبراز فضل لمحمد(ص) فيها.

الثاني: النصوص التي تضمنت أنه(ص) مضى لبيت المقدس، وصلى فيه، ولعل هذا هو ما يقصده العلامة الطباطبائي(ره) في الميزان من النصوص المستفيضة في تفسير المسجد الأقصى ببيت المقدس.

وعلى أي حال، وفقاً لما جاء في الأمر الأول من التفريق بين المفهومين، ووجود رحلتين تنـتهي الأولى للمسجد الأقصى، والثانية تنتهي للسماء، فلابد أن يكون المسجد الأقصى في الأرض لأنه نهاية الرحلة الأولى فيثبت أنه بيت المقدس.

وجواب هذا الوجه اتضح مما قدمناه جواباً عن الأمر الأول، فلا حاجة للتكرار والإعادة.

والمتحصل من جميع ما تقدم، أنه لم ينهض لنا وجه يصح الاستناد عليه لإثبات أن المقصود من المسجد الأقصى في الآية الشريفة هو بيت المقدس، بل الدلائل والأدلة كلها على أن المقصود منه البيت المعمور في السماء، أو أنه مسجد في السماء، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقائق الأمور.

المعراج روحاني أو جسماني:

هذا وبعد الفراغ من الحديث حول الآية الشريفة وبيان ما يستدعي بيانه فيها، ينبغي التعرض لأمر مهم وقع مورداً للبحث والجدل بين المفسرين والكلاميـين، إذ وقع الخلاف بينهم على أن المعراج أو الإسراء هل كانا روحانيـين أم كانا جسمانيـين، فقال بعض الكلاميـين والمفسرين بالثاني، وقال آخرون بالأول.

ونحن قبل البدء نشير للمقصود من الروحانية والجسمانية، ثم نبين ما هو الحق في المقام، فنقول:

المقصود من الإسراء والمعراج الروحاني، أن الرحلة الملكوتية للمصطفى(ص) كانت بروحه فقط من دون جسده الشريف، وأما المقصود من كونه جسمانياً، فذلك يعني أن الرحلة الملكوتية كانت بالروح والجسد معاً.

وقد برر القائلون أن الرحلة الملكوتية له(ص) كانت بالروح فقط دون الجسد بأمرين:

أحدهما: ما نقل عن معاوية من أن الإسراء إنما كان رؤيا صالحة رآها رسول الله(ص) في المنام.

ثانيهما: ما ورد عن عائشة من أنها لم تفتقد رسول الله(ص) طيلة فترة وجودها معها. والمقصود من عدم افتقادها رسول الله(ص) يعني عدم افتقادها جسده الشريف.

والمناقشة في كلا الأمرين بينة واضحة لا تحتاج إطالة بحث في ذلك. على أنه يمكن القبول بما جاء في كلام عائشة من خلال ما سبقت منا الإشارة إليه من تعدد رحلة الإسراء وتكررها غير مرة.

وما يهمنا في البين هو استعراض ما يدل على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معاً، ولم يكن بالروح فقط، وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره عدة وجوه لإثبات أن رحلته(ص) إلى السماء كانت بالروح والجسد معاً، وقد نقلها غواص بحار الأنوار العلامة المجلسي(ره) في موسوعته الحديثية البحار.

هذا وقد رتب الفخر الرازي استدلاله على المعراج الجسماني من خلال دليلين:

الأول: الجواز العقلي.

الثاني: الوقوع الخارجي.

أما الدليل الأول، وهو الجواز العقلي، فيتركب من مقدمتين صغرى وكبرى، أما الصغرى، فحاصلها: أن الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها.

وأما الكبرى، فحاصلها أن الباري سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات.

ولا ريب أن الدليل بهذه الكيفية سوف يكون أقرب للدعوى، من هنا عند الفخر الرازي لبرهنة كل واحدة من المقدمتين، فذكر وجوهاً للبرهان على تمامية الصغرى، نشير لبعضها:

منها: إن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس، ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جوازها في حق أكابر الأنبياء كان ذلك أولى.

ومنها: أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان(ع) إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة، بل نقول: الحس يدل على أن الرياح تنـتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة، وذلك أيضاً يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة.

ومنها: أن ما دل عليه القرآن من إحضار عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر، يدل على جواز ذلك.

ومنها: أن من الناس من يقول: إن الحيوان إنما يـبصر المبصرات بخروج الشعاع من البصر واتصالها بالمبصر، فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى زحل في تلك اللحظة اللطيفة، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السرعة من الممكنات، لا من الممتنعات.

وأما الكبرى، فقد ذكر في البرهنة عليها، أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها، وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد(ص) ممتنعاً، لأنّا قد بينا أن الأجسام متماثلة في تمام ماهيتها، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام.

فيلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنه يـبقى التعجب، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فانقلاب العصا ثعباناً يـبتلع سبعين ألف حبل من الحبال والعصي، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب، وكذا سائر المعجزات.

وأما الدليل الثاني، فقد ذكر فيه أن أهل التحقيق استدلوا على الوقوع الخارجي، أي أنه قد اسري برسول الله(ص) بروحه وجسده من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى، بشيئين، هما القرآن الكريم، والسنة المباركة.

أما القرآن، فالآية محل البحث، وهي قوله تعالى:- (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)[15]، وبيانه: أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح، فيجب أن يكون الإسراء حاصلاً بجميع الجسد والروح، ويؤيده قوله تعالى:- (أرأيت الذي ينهى* عبداً إذا صلى)[16]ولا شك أن المراد ههنا مجموع الروح والجسد، وقال أيضاً في سورة الجن:- (وإنه لما قام عبد الله)[17]، والمراد مجموع الروح والجسد، فكذا ههنا.

وأما السنة، فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور، وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى السماوات[18].

ثم إنه يمكن إضافة ما يثبت أن الرحلة الملكوتية التي قام بها المصطفى(ص) بروحه وجسده، ما كان من القرشيـين عندما جاء يحدثهم عن رحلته المباركة، إذ لو كانت الرحلة رحلة منام ورؤيا، لم يكن هناك ما يوجب الاستغراب، فضلاً عن الداعي للتكذيب، وهذا يعني أن القرشيـين فهموا من كلام رسول الله(ص) أنه يتحدث عن رحلة قام بها بروحه وجسده، لا أنها بالروح فقط في عالم الرؤيا.

كما أن ما ورد من أنا أبا طالب(ع) افتقده تلك الليلة فقام يبحث عنه يدل على أنها بالروح والجسد، لأنها لو كانت بالروح فقط كيف يفتقده عمه(ع) ليبحث عنه.

وختاماً أنه لو كانت هذه الرحلة المباركة مجرد رؤية صالحة رآها رسول الله(ص) في منامه، فلا يتصور فيها أدنى إعجاز، كيف وهي تعتبر واحدة من معجزاته(ص).

——————————————————————————–

[1] سورة الإسراء الآية رقم 1.

[2] أشار لهذين المحتملين في الكلمة الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن ص 408.

[3] كما في تفسير السعادة ج 2 ص 431.

[4] سورة الحجر الآية رقم 65.

[5] سورة الدخان الآية رقم 23.

[6] بحار الأنوار ج 18 ص 369.

[7] المصدر السابق ص 306.

[8] المصدر السابق ص 306.

[9] تفسير الصافي ج 4 ص 373.

[10] بيان السعادة ج 2 ص 431.

[11] تفسير القمي ج 2 ص 243.

[12] بحار الأنوار ج 18 ص 374.

[13] تفسير العياشي ج 2 ص 279 ح 13.

[14] الميزان في تفسير القرآن ج 13 ص 20-21.

[15] سورة الإسراء الآية رقم 1.

[16] سورة العلق الآيتان رقم 9-10.

[17] سورة الجن الآية رقم 19.

[18] التفسير الكبير ج 20 ص 149-152 بتصرف، بحار الأنوار ج 18 ص 284-286.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة