16 يونيو,2021

نظرات في الصحيفة السجادية

اطبع المقالة اطبع المقالة

مدخل:

عاش الإمام السجاد(ع)بعد واقعة كربلاء المؤلمة،فرأى الأمة في وضع يرثى له،حيث كانت تفتقد إلى الكثير من الأمور،وكانت الأمة في حالة من الركود والتبلد مما جعل الروح الجهادية عندها في حالة غياب،إن لم نقل بانعدامها نهائياً.

وهذه الظاهرة كانت تستدعي أن يلتفت لها الإمام زين العابدين(ع)وأن يأخذها بعين الاعتبار،ويبني خططه في القيام بدوره الإصلاحي في الأمة على ضوئها.

وهذا هو الذي حصل،إذ نجد الإمام السجاد(ع)سعى إلى عملية إنماء التيار الرسالي في الأمة،وتوسيع الوعي والإدراك لديها،فبدء(ع)ثورة روحية،وثقافية،في دنيا المسلمين.

استفادته من عنصر الدعاء:

كان المجتمع الإسلامي في عصر الإمام زين العابدين(ع)قد غلب عليه حب الرفاه والميل إلى الدنيا،وطغت عليه مظاهر الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي،فهو مجتمع قد أصيب بالانحراف،كما أنه استولت عليه حالة من الكبت وسرت في أوصاله سريان السرطان،فلم يبق للمجتمع متنفس.

في مثل هذه الظروف عمد الإمام السجاد(ع)إلى عنصر الدعاء لطرح بعض المعتقدات والمباني الثقافية،مما أوجد عند الناس اندفاعاً وحركة نحو العباد والتوجه إلى الله.

وبعبارة أخرى،لقد شخص(ع)أن الطريق الأمثل الذي يمكن من خلاله قيادة حركة الإصلاح في الأمة عبارة عن إيجاد ثورة فكرية متكاملة في جميع نواحيها،فعمد إلى ذلك،وكان أفضل أسلوب لمثل هذا العمل في تلك الظروف،هو أسلوب الدعاء.

ومع أن الهدف الرئيس من تلك الأدعية بالنظر الأولي قد يحصر في خصوص الناحية العبادية،إلا أن التمعن في العبارات التي وردت بين طياتها،يرشدنا إلى عدة مفاهيم كان يقصدها(ع).

الدعاء في عهد زين العابدين(ع):

لا ريب في أن أدعية أهل البيت(ع)قد بلغت القمة في قوة البيان،وسمو المعنى،وجزالة الألفاظ،كأدعية أمير المؤمنين علي(ع) مثلاً.

ولقد حفظت لنا سيرة الإمام زين العابدين(ع)مجموعة من الأدعية تبلغ الذروة في الكمال والنضج والشموخ،بشكل يمكننا أن نقول أن الدعاء قد بلغ عصره الذهبي في عهده(ع).

هذا وتتميز أدعية الإمام أبي محمد السجاد(ع)،مضافاً لما هو موجود في أدعية آبائه(ع)بأنها قد بلغت من الشمول والاستيعاب الغايات،فهي ذات وجهين غاية في الارتباط والتكامل،حتى كأنهما يؤلفان وجهين لعملة واحدة.

وجهاً عبادياً وآخر اجتماعياً يتفق مع الحركة الإصلاحية التي يقودها(ع).

صحيح أن الدعاء يتضمن مضامين تعبدية،وهو وسيلة يتوسل بها العبد إلى بلوغ مرضاة الله تعالى،إلا أن الإمام(ع)كإنسان رسالي،استطاع بقدرته الفائقة أن يمنح أدعيته إلى جانب روحها التعبدية المعطاءة محتوى اجتماعياً متعدد الجوانب،بما تحمل من مفاهيم خصبة،وأفكار حية نابضة.

من هنا كانت أدعية زين العابدين(ع)ذات أهداف تغيـيرية واضحة كل الوضوح،حيث نجده يعلم المسلمين كيف يمجدون الله سبحانه ويقدسونه،وكيف يلجون باب التوبة من ذنوبهم،وكيف يناجونه،وينقطعون إليه،وكيف يتعاملون مع رسول الله(ص)وأولياء الله(ع)بالصلاة والثناء عليهم.

ونراه أيضاً كيف يسلك بالمؤمنين درب التعامل السليم مع مجتمعهم،فيعلمهم أسلوب البـر بالوالدين،ويشرح لهم حقوق الوالد على ولده،وحقوق الولد على والده أو حقوق الجيران والمسلمين بشكل عام.

ومما تعرض له(ع)بيان فاضل الأعمال وما يجب أن يلتـزم به المسلم من سلوك،ثم كيفية التعامل في الشؤون الاقتصادية كالديون وسواها.

وقد عرض(ع)كل هذه الأمور بأسلوب تعليمي رائع وبليغ،وقد جمع ذلك التـراث السجادي الخالد،فحمل عنوان الصحيفة السجادية.

وهناك بعض الأدعية الأخرى له(ع)تحت عنوان المناجاة الخمسة عشر،كما أن هناك دعاء أبي حمزة الثمالي،وهو من الأدعية ذات العمق والمضامين العالية.

الصحيفة السجادية:

فتحت الصحيفة السجادية آفاقاً جديدة للوعي الديني،لم يكن المسلمون يعرفونه من ذي قبل،خصوصاً في ذلك العصر الذي عرفت حاله،وعرفت المضامين التي عالجتها الصحيفة السجادية وتعرضت لها.

وعلى أي حال،فعادة يعرض للبحث في مثل هذه الأمور الصادرة عن المعصومين إلى الحديث عن السند،وسند الصحيفة قد ورد بنحوين ينتهيان إلى:

1-الإمام أبي جعفر الباقر(ع).

2-الشهيد زيد بن الإمام زين العابدين(ع).

على أنها قد حظيت بالتواتر،حتى زاد على ستة وخمسين ألفاً.

هذا ويمكن تصحيح الصدور لو قيل بعدم تمامية السند من خلال قوة المتن وعظمة المحتوى والمضمون،إذ أنها تشمل من أنواع التـذلل لله تعالى،والثناء عليه،فضلاً عن الأساليب العجيـبة في طلب العفو منه تعالى وكرمه والتوسل إليه أقوى شاهد على صحة نسبتها إليه(ع).

مميزاتها:

لقد احتوت الصحيفة السجادية على كمال الخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى،بحيث امتازت بذلك على بقية أدعية الأئمة المعصومين(ع).

فإن الله عز وجل قد خص كل معصوم من المعصومين(ع)بمزية وخصوصية لا توجد عند غيره،كالشجاعة في أمير المؤمنين(ع)وابنه الحسين(ع).

والميزة التي أعطيها زين العابدين(ع)هي الرقة والتفجع في أدعيته،فلاحظ قوله(ع):ربي أفحمتني ذنوبي،وانقطعت مقالتي،فلا حجة لي فأنا الأسير ببليتي،والمرتهن بعملي،المتردد في خطيئتي،المتحير عن قصدي،المنقطع بي،قد أوقفت نفسي موقف الأذلاء المذنبين،موقف الأشقياء المتجرئين عليك،المستخفين بوعدك،سبحانك أي جرأة اجتـرأت عليك،وأي تغرير غررت نفسيي،مولاي أرحم كبوتي لحر وجهي،وزلة قدمي،وعد بحلمك على جهلي،وبإحسانك على إساءتي،فأنا المقر بذنبي،المعتـرف بخطيئتي،وهذه يدي وناصيتي استكين بالقود من نفسيي،ارحم شيبتي ونفاد أيامي،واقتـراب أجلي،وضعفي ومسكنتي،وقلة حيلتي،مولاي،وارحمني إذا انقطع من الدنيا أثري،ومحي من المخلوقين ذكري،وكنت من المنسيين،كمن قد نسي،مولاي وارحمني عند تغير صورتي،وحالي إذا بلي جسمي،وتفرقت أعضائي،وتقطعت أوصالي،يا غفلتي عما يراد بي[1].

فنلاحظ كيف أن هذا الدعاء يفيض بالفزع والخوف من الباري عز وجل،والانقطاع إليه،فقد ذاب(ع)أمام الله سبحانه وتعالى،وتحبب إليه،وعمل كل ما يقربه إليه زلفى،سائلاً منه المغفرة والرضوان.

ولهذا حق أن يقال،بأن الصحيفة تمثل التجرد التام من عالم المادة،وكمال الانقطاع إلى الباري عز وجل،والاعتصام به.

المضامين التي اشتملت عليها الصحيفة:

ذكرنا في مطلع الحديث أن المنهج الإصلاحي الذي اتخذه الإمام(ع)في قيادة الأمة كانت إحدى مفرداته الدعاء،وإحدى جزئيات الدعاء كانت الصحيفة السجادية.

وقد ذكرنا أيضاً أنه(ع)أراد إيجاد ثورة فكرية عامة،تتضمن جميع النواحي والموارد العلمية التي تحتاجها الأمة،سواء في النواحي الأخلاقية،أم النواحي العقائدية،أم النواحي الروحية،وغير ذلك.

وعلى هذا فلابد أن تكون الصحيفة السجادية متضمنة لكل هذه الأمور ومشتملة عليها.

وهذا ما نود التعرض له في هذا المورد،حيث سنشير إلى ما تضمنه زبور آل محمد،من مضامين متعددة النواحي،ولن نتعرض لجميع ما جاء فيها حيث أن ذلك يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين،وإنما سنشير إلى بعض تلك النماذج،ونحيل الباقي على القارئ العزيز،فإن بإمكانه الوصول إلى ذلك إذا قام بقراءة إنجيل أهل البيت(ع)قراءة فكرية معمقة،تشتمل على التدبر في المعاني،ومحاولة استنطاقها.

وعلى أي حال هذه بعض تلك المضامين:

1-تقوية الجانب العقدي عند الأمة،من خلال ذكر صفات الله سبحانه وتعالى الثبوتية،أو السلبية،وبيان سعة قدرته سبحانه وتعالى.

وهذا المعنى نراه يتكرر منه(ع)في كل دعاء تقريباً،وبأساليب مختلفة،فنقرأ مثلاً قوله(ع):

الحمد لله الأول بلا أول كان قبله،والآخر بلا آخر يكون بعده،الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين،وعجزت عن نعته أوهام الواصفين،ابتدع بقدرته الخلق ابتداعاً وأختـرعهم على مشيئته اختراعاً[2].

فنلاحظ دقته(ع)في التعبير عن الله سبحانه بالأول والآخر،وهما صفتان من صفات الله سبحانه،فيتحدث عنهما بطريقة تظهرهما بوجه يغاير وجودهما عند المخلوق،وواضح أن هذا نوع تركيز للجانب العقدي عند الداعي.

ومما أشار له(ع)في هذا الجانب تـنـزه الذات المقدسة عن أن تحاط ببصر أو وهم،ثم يختم دعائه بالتعرض لدقيق معنى الخلق والتكوين.

ومن الواضح أن هذا من الأدعية التي تركز أصل التوحيد في النفوس،وتؤكد قضية القدرة الإلهية.

ونقرأ منه(ع)أسلوباً آخر في بيان قدرته سبحانه وتعالى وتدبيره في دعاء آخر:

الحمد لله الذي خلق الليل والنهار بقوته،وميز بينهما بقدرته،وجعل لكل منهما حداً محدوداً،يولج كل واحد منهما في صاحبه،ويولج صاحبه فيه،بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم به،وينشئهم عليه،فخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب،ونهضات النصب،وجعله لباساً ليلبسوا من راحته ومقامه،فيكون ذلك لهم جماماً وقوة لينالوا به لذة وشهوة[3].

إلى آخر ما تعرض له في هذا الدعاء من فوائد خلق الليل والنهار،وما ينبغي للإنسان في شكره لهذه النعم.

ونجده(ع)تعرض أسلوباً ثالثاً في بيان أن جميع الأمور بيده عز وجل فلاحظ قوله(ع):

يا من تحل به عقد المكاره،ويا من يفتأ به حد الشدائد،ويا من يلتمس منه المخرج إلى روح الفرج،ذلت لقدرتك الصعاب،وتسببت بلطفك الأسباب،وجرى بقدرتك القضاء،ومضت على إرادتك الأشياء فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة،بإرادتك دون نهيك منـزجرة[4].

فهذا الدعاء يمثل نموذجاً من نماذج الابتهالات الروحية في مثل هذه الحالات التي تعرض للإنسان،ليتنفس من خلالها روح الأمل،ويعيش الإحساس بالطمأنينة الروحية،من خلال جولة فكرية روحية في آفاق قدرة الباري جل وعلا،وسيطرته على الكون والإنسان.

فهو(ع) يشير هنا إلى أن الإيمان يمثل القوة الروحية التي تمنح الإنسان المؤمن المناعة من السقوط حتى لو عاش حالة الاهتزاز،لأن إحساسه بوجود الله سبحانه،وأنه يرحم عباده ولا يهملهم ولا يخذلهم،بل يرعاهم برعايته ويحفظهم حتى لو ابتلاهم ببعض المشاكل،يجعله يملك قوة تفتح له أبواب الفرج.

2-بيان فضل الله سبحانه وتعالى على العبد،والإشارة إلى أن العبد عاجز عن أداء حق الله سبحانه مهما بالغ في الطاعة والعبادة والانقطاع إلى الله تعالى.

قال(ع):اللهم إن أحداً لا يبلغ من شكرك غاية إلا حصل عليه من إحسانك ما يلزمه شكراً،ولا يبلغ مبلغاً من طاعتك وإن اجتهد إلا كان مقصراً دون استحقاقك بفضلك،فأشكر عبادك عاجز عن شكرهم وأعبدهم مقصر عن طاعتك[5].

فهذا الدعاء يعبر عن عجز الإنسان عن شكر الله سبحانه،لأن الإنسان المؤمن إذا شكر الله في شيء فإن إحسان الله يتتابع في حياته،ليجد نفسه في حاجة إلى شكر جديد لحصول نعمة جديدة تستدعي منه شكرها،وهكذا يعجز عن بلوغ الغاية القصوى من استحقاق الله لذلك مهما كان مجتهداً في العبادة.

وبالجملة لا طاقة للعبد المؤمن على شكر نعم الله تعالى عليه،لكونها لا تتناهى،فلهذا يعجز عن شكره،فكيف إذا كان العبد عاصياً متجرئاً على الله،فمهما صنع بعدئذٍ لا يستطيع أن يكفرّ عن معصية واحدة،وقد أشار(ع)لهذا المعنى فقال:

يا إلهي لو بكيت إليك حتى تسقط أشفار عيني،وانتحبت حتى ينقطع صوتي،وقمت لك حتى تنتشر قدماي،وركعت لك حتى ينخلع صلبي،وسجدت لك حتى تتفقأ حدقتاى،وأكلت تراب الأرض طول عمري،وشربت ماء الرماد آخر دهري،وذكرتك في خلال ذلك حتى يكل لساني،ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك،ما استوجبت بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي[6].

3-التعريف بالثواب والعقاب،وبيان أن كل ثواب يحصل عليه الإنسان،إنما هو تفضل من الله سبحانه عليه،وليس استحقاقاً له،فكل عمل يعمله المكلف،إنما هو امتثال لأمر المولى والمنعم عليه.

وتعرضت أيضاً إلى أن العبد يستحق العقاب من الله تعالى بأدنى معصية تصدر منه،وأن لله سبحانه الحجة البالغة عليه فيها،كما أشارت إلى الجنة والنار.

وجميع أدعية الصحيفة تلهج بهذه النغمة المؤثرة،لأنها توحي إلى النفس بالخوف من عقاب الله سبحانه ورجاء ثوابه.

وكلها شواهد على هذا المعنى،بأساليب بليغة مختلفة تبعث الرعب والفزع في قلب المتدبر،وتمنعه عن الإقدام على المعصية،قال(ع):

حجتك قائمة،وسلطانك ثابت لا يزول،فالويل الدائم لمن جنح عنك،والخيبة الخاذلة لمن خاب منك،والشقاء الأشقى لمن أغتر بك،ما أكثر تصرفه في عذابك،وما أطول تردده في عقابك،وما أبعد غايته من الفرج،وما أقنطه من سهولة المخرج،عدلاً من قضائك لا تجور فيه،وإنصافاً من حكمك لا تحيف عليه،فقد ظاهرت الحجج وأبليت الأعذار[7].

ونقرأ هذا المعنى أيضاً،لكن بإسلوب آخر:اللهم فرحم وحدتي بين يديك،ووجيب قلبي من خشيتك،واضطراب أركاني من هيبتك،فقد أقامتنيي يارب ذنوبيي مقام الخزي بفنائك،فإن سكت لم ينطق عني أحد ،وإن شفعت فلست بأهل الشفاعة[8].

وفي دعاء آخر:فإنك إن تكافني بالحق تهلكني،وإلا تغمدني برحمتك توبقني………وأستحملك من ذنوبي ما قد بهظني حمله،وأستعين بك على ما قد فدحني ثقله،فصل على محمد وآله،وهب لنفسي على ظلمها نفسي،ووكل رحمتك باحتمال أصري[9].

4-السعي إلى تربية الداعي على القيم الأخلاقية،من خلال دعوته إلى التـرفع عن مساوئ الأفعال،وخسائس الصفات،لتنقية ضميره وتطهير قلبه،قال(ع):

اللهم وفر بلطفك نيتي،وصحح بما عندك يقينيي،واستصلح بقدرتك ما فسد مني.

اللهم صل على محمد وآل محمد،ومتعني بهدي صالح لا أستبدل به،وطريقة حق لا أزيغ عنها،ونية رشد لا أشك فيها.

اللهم لا تدع خصلة تعاب مني إلا أصلحتها،ولا عائبة أؤنب بها إلا أحسنتها،ولا أكرومة في ناقصة إلا أتمتها[10].

والحاصل يضع هذا الدعاء برامج للأخلاق الروحية والاجتماعية،التي يسمو بها الإنسان.

5-تربية العبد على أن لا يسأل حاجته،إلا من الله سبحانه،فيتـرفع عن سؤال الناس والتذلل والخضوع لهم،والسؤال منهم.

كما يعلمه أن الطمع بما في أيدي الناس من أخس الصفات التي يتصف بها الإنسان،قال(ع):ولا تفتني بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت،ولا بالخشوع لسؤال غيرك إذا افتقرت،ولا بالتضرع إلى من دونك إذا رهبت،فاستحق بذلك خذلانك ومنعك وإعراضك[11].

وجاء عنه(ع)في دعاء آخر:اللهم إني أخلصت بانقطاعي إليك،وصرفت وجهي عمن يحتاج إلى رفدك،وقلبت مسألتي عمن لم يستغن عن فضلك،ورأيت أن طلب المحتاج سفه من رأيه وضلة من عقله.

وقال(ع) في دعاء ثالث:فمن حاول سد خلته من عندك،وأمّ صرف الفقر عن نفسه بك،فقد طلب حاجته في مظانها وأتى طلبته من وجهها،ومن توجه بحاجته إلى أحد من خلقك أو جعله سبب نجاحها دونك،فقد تعرض للحرمان واستحق منك فوت الإحسان[12].

6-تعليم الناس مراعاة حقوق الآخرين،ومعاونتهم والشفقة والرأفة من بعضهم لبعض،والإيثار فيما بينهم،تحقيقاً لمعنى الأخوة الإسلامية.

وبعبارة موجزة،تركز بعض الأدعية الواردة فيها مفاهيم التهذيب الاجتماعي،من الناحية السلوكية،كما تركز مفاهيم المجتمع الفاضل،قال(ع):

اللهم إني أعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره،ومن معروف أسدي إليّ فلم أشكره،ومن مسيء أعتذر إليّ فلم أعذره،ومن ذي فاقة سألني فلم أوثره،ومن حق ذي حق لزمني لمؤمن فلم أوفره،ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم استره[13].

ومن الواضح اشتمال هذا المقطع على الأخلاق الإلهية العالية التي تسعى بالنفس الإنسانية لرقي مدارج الكمال،والكون في عالم الملكوت.

وقد تعرض(ع)في دعاء آخر إلى تربية النفس على العفو والصفح عمن أساء إلى الإنسان،كما يحذره من الانتقام،ويسمو بنفسه إلى مقام القديسين،قال(ع):

اللهم وأيما عبد نال مني ما حظرت عليه،وانتهك مني ما حجرت عليه،فمضى بظلامتي ميتاً،أو حصلت لي قبله حياً،فاغفر له ما ألم به مني واعف له عما أدبر به عني،ولا تقفه على ما ارتكب فيّ،ولا تكشفه عما اكتسب لي،واجعل ما سمحت به من العفو عنهم،وتبرعت من الصدقة عليهم أزكى صدقات المتصدقين،وأعلى صلات المتقربين،وعوضني من عفوي عنهم عفوك،ومن دعائي لهم رحمتك،حتى يسعد كل واحد منا بفضلك[14].

وهذه الفقرة تشير إلى نكتة هامة،وهي سلامة النية مع جميع الناس،وطلب السعادة لكل أحد،حتى الذين ظلموه واعتدوا عليه.

7-لقد اشتملت بعض الأدعية على الكثير من الحقائق العلمية التي لم تكن معروفة في عصره(ع).

منها:قوله(ع):الحمد لله الذي ركب فينا آلات البسط،وجعل لنا أدوات القبض[15].

فهو يشير إلى اليدين والرجلين،فهما ينقبضان،كما ينبسطان حسب الذبذبات التي يوجهها دماغ الإنسان.

ومنها:قوله(ع)في الدعاء لأهل الثغور:اللهم وامزج مياههم بالوباء،وأطعمتهم بالأدواء[16].

حيث أشار(ع)إلى بعض الجراثيم التي تحصل من خلال الماء نتيجة تلوثه بجراثيمها،فيصاب المتناول له بالمرض بمجرد شربه.

8-تركيزه مسألة الصلاة الكاملة التي وردت عن النبي(ص)من خلال تكراره الصلاة على النبي وآله.

وقد استخدم(ع)هذا الأسلوب،في وقت كانت تسمية الشخص باسم علي أمراً مستهجناً من قبل حكام بني أمية،بل جريمة يعاقب عليها،وتعرض الناس تحت هذه الذريعة للتهديد والملاحقة،وكأن الأمر ما كان ليستقيم لسلاطين بني أمية إلا بسبب علي أمير المؤمنين(ع)،وهنا تتضح قيمة هذه العبارة،والهدف من تكرارها في أدعيته(ع).

وبالجملة إن تأكيد الإمام(ع)على قضية محمد وآله،أمر فرضه الله في الصلاة عليهم،وهو يحظى بأهمية بالغة في تبيان عقائد الشيعة.

9-تركيزه مسألة عقائدية،بل وسياسية مهمة من خلال الأدعية التي وردت فيها،ألا وهي مسألة الإمامة التي طرحت على شكل مفهوم إسلامي يشتمل بالإضافة إلى أحقية وأولوية أهل البيت(ع)في تولي قيادة المجتمع،على جوانب إلهية من قبيل العصمة،والاستفادة من علوم الأنبياء(ع)،وخاصة النبي الأكرم محمد(ص)،قال(ع):

رب صل على اطائب أهل بيته الذين اخترتهم لأمرك،وجعلتهم خزنة علمك،وحفظة دينك،وخلفاءك في أرضك،وحججك على عبادك،وطهرتهم من الرجس والدنس تطهيراً بإرادتك،وجعلتهم الوسيلة إليك،والمسلك إلى جنتك[17].

وقال(ع)في دعاء آخر:اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك،ومواضع امنائك في الدرجة الرفيعة،التي اختصصتهم بها،وقد ابتزوها،حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين،مقهورين مبتزين،اللهم العن أعدائهم من الأولين والآخرين،ومن رضي بفعالهم وأشياعهم واتباعهم[18].

وجاء عنه(ع)أيضاً:اللهم إنك أيدت دينك في كل أوان بإمام أقمته علماً لعبادك،ومناراً في بلادك،بعد أن أوصلت حبله بحبلك،وجعلته الذريعة إلى رضوانك،وافترضت طاعته،وحذرت معصيته،وأمرت بامتثال أوامره،والانتهاء عند نهيه،ولا يتقدمه متقدم،ولا يتأخر عنه متأخر،فهو عصمة اللائذين،وكهف المؤمنين،وعروة المتمسكين،وبهاء العالمين،وأقم به كتابك،وحدودك،وشرايعك،وسنن رسولك صلوات الله عليه وآله،واحي به ما أماته الظالمون من معالم دينك،واجل به صداء الجور عن طريقتك،وابن به الضراء من سبيلك وأزل به الناكبين عن صراطك،وامحق به بغاة قصدك عوجاً،واجعلنا له سامعين مطيعين،وفي رضاه ساعين[19].

والحاصل يتضح جلياً من كل هذا،أنه(ع)كان يبذل جهوداً حثيثة لنشر مبدأ الاعتقاد بالإمامة،بمفهومه الشيعي،على اعتباره أهم مسألة في المسائل الاعتقادية الإسلامية.

—————————————————–

[1] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 52.

[2] الصحيفة السجادية،الدعاء الأول.

[3] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 6.

[4] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 7.

[5] المصدر السابق،الدعاء رقم 37.

[6] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 16.

[7] المصدر السابق،دعاء رقم 46.

[8] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 31.

[9] المصدر السابق،الدعاء رقم 39.

[10] المصدر السابق،الدعاء رقم 20.

[11] المصدر السابق،الدعاء رقم 20.

[12] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 13.

[13] المصدر السابق،الدعاء رقم 38.

[14] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 39.

[15] المصدر السابق،الدعاء الأول.

[16] المصدر السابق،الدعاء لأهل الثغور.

[17] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 47.

[18] المصدر السابق الدعاء رقم 48.

[19] الصحيفة السجادية،الدعاء رقم 47.