20 سبتمبر,2020

الأنبياء في المنظور القرآني

اطبع المقالة اطبع المقالة

مدخل:

توجد علاقة بين بعثة الإنبياء وإنزال الكتب السماوية،والنظرة الكونية للقرآن الكريم،فعندما يقول القرآن الكريم:- (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون)[1]،أو يقول:- (يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)[2]،تظهر بوضوح حاجة الإنسان الماسة إلى القادة الإلهيـين،لسلوك هذا الطريق الطويل،للوصول إلى الكمال المطلق.

ولعل هذا هو السبب في إعطاء الأنبياء،والأوصياء من بعدهم صفة القادة،وإضفاء صفة القوانين،والدستور على الكتب السماوية،ذلك لكون كليهما يأخذ بيد الإنسان للوصول إلى الغاية القصوى فيخرجه من الظلمات إلى النور،ومن الضلال إلى الهدى.

والحاصل،لا يمكن تصور الحياة الإجتماعية للإنسان مجردة عن هداية عالم الغيب والذات المقدسة،لا في مرحلتي التقنين والتنفيذ،ولا في مجال ضمان العدالة الإجتماعية،فالأنبياء في الواقع يمثلون همزة الوصل بين عالمي الإنسانية والغيب.

أهداف البعثة:

ثم إننا حينما نرجع لنقرأ الآيات القرآنية،ونحاول استنطاقها،لنـتعرف على الأهداف الأساسية لبعثة الأنبياء وإرسال الرسل،نجد القرآن الكريم يشير إلى عديد من تلك الأهداف،ونحن نحاول في هذه الإطلالة القصيرة ذكر بعضها،فنقول:

التربية والتعليم:

وقد أشارت لذلك بعض الآيات القرآنية،قال تعالى:- (هو الذي بعث في الأميـين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته)ونظراً لكون التلاوة لآيات الله سبحانه تمثل المقدمة بالنسبة للتـزكية وتعليم الكتاب والحكمة ومحو آثار الضلالة والشرك،يضيف تعالى:- (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبـين).

صحيح أن الغاية الأساسية من تلاوة القرآن وتعليم الكتاب والحكمة تطهير الروح والبدن والفرد والمجتمع،وأن تعلم الكتاب والحكمة له دور الطريقية،وبمثابة مقدمة بالنسبة إلى التـزكية،لكنها تقدمت عليهما لأهميتها.

ونجد في آية آخرى،عرضاً مغايراً حيث تقدم ذكر تعليم الكتاب والحكمة على التـزكية،قال عز من قائل:- (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم).

فخليل الرحمن(ع)يدعو الله سبحانه،وقد أبان الهدف من بعثة النبي(ص)،وسائر الأنبياء،بكل وضوح.

ثم إن التأمل في هاتين الآيتين،يكشف لنا مجموعة من الفوائد،والنكات:

منها:لقد تعرضت كلتا الآيتين،إلى الحديث عن مواضيع أربعة(تلاوة آيات الله تعالى،وتعليم الكتاب،وتعليم الحكمة،والتزكية والتطهير والتربية).

هذا والحالة الطبيعية في الترتيب لهذه المواضيع،تكون بالطريقة التي عرضناها،فلابد أن يستأنس سمع الإنسان بداية بكلمات الحق تعالى،ويتعرف عليه ليدرك بعد ذلك مضمون الكتاب،ثم يتعرف بعد ذلك على الحكمة،التي هي الأسرار،واخيراً يطهر الروح والبدن.

وقد لاحظنا هذا الترتيب في الآية الواردة في دعاء براهيم(ع).

بينما نجد في الآية الثانية،عرض الأمر بصورة أخرى،حيث قدمت التـزكية على تعليم الكتاب والحكمة.

والظاهر أن التقديم في آية سورة الجمعة مرده إلى بيان أن الهدف الرئيس من كل هذه المقدمات هو الطهارة والتقوى وتربية الإنسان ونمو المثل والقيم الإنسانية والأخلاقية.

ومنها:قد يطرح في المقام سؤال مفاده:وجدنا القرآن الكريم يتعرض للتعليم والتـزكية،وقد تقدمت التـزكية على التعليم في آيتين،بينما تأخرت عنه في آية أخرى،فأي منهما الأصل وهو الحقيقة،والثاني يكون الفرع؟…

ونجيب فنقول:إن الهدف الرئيس هو تربية الإنسان وتزكية النفس وتكامل الروح،وليس العلم إلا مقدمة لحصول ذلك.

فالعلم وتلاوة القرآن وتعليم الحكمة كلها مقدمات للتزكية،ولعل تقدم ذكرها عليها في الآيتين،لبيان دورها الخطير.

ثم إنه مضافاً لما ذكرناها فإن كل واحد من هذين يترك أثره على صاحبه،فإن الإنسان لا يسعى وراء العلم ما لم تـتحقق له مرحلة من تزكية النفس،وما لم يتحقق له العلم فإنه لن يحصل على شيء من المراحل العالية من التـزكية.

وبناءاً على هذا فالتعليم والتـزكية لهما أثران متقابلان،نعم من المحتمل أن يكون الغرض في التـنويع في عرض الآيات هو إلفات النظر إلى هذا الأمر.

ومنها:يعتقد البعض حول الإختلاف المحتمل بين الكتاب والحكمة،أن الكتاب إشارة إلى القرآن الكريم،والحكمة هي الأحاديث الصادرة عن النبي وأهل بيته(ع)وهي المعبر عنها بالسنة.

أو أن الكتاب إشارة إلى مجموعة الأحكام والأوامر الإلهية،بينما الحكمة فهي أسرار الأحكام وفلسفتها،لأن الإحاطة بتلك الأسرار تزيد من عزم الإنسان على تنفيذها.

هذا ومن المحتمل أيضاً أن المراد منهما متى ذكرا معاً الإشارة إلى مصدري المعرفة الرئيسيـين أي الوحي والعقل.

ومنها:إن المراد من الأميـين هم الذين لا يجيدون القراءة والكتابة،ويجهلون العلم والمعرفة على الإطلاق،وظهور النبي(ص)بين قوم كهؤلاء دليل عظمته وصدق دعوته.

التربية والتعليم للمسلمين:

وحينما نعود لمسألة التربية والتعليم في القرآن التي نحن بصدد الحديث عنها،نجد القرآن يتعرض مرة أخرى للحديث عن التربية والتعليم التي حصلت للمسلمين بواسطة النبي(ص)مع هذا الفارق،وهو التأكيد بصورة خاصة على العلوم والمعارف التي يستحيل كسبها بدون بعثة النبي(ص)قال تعالى:- (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون).

وهي تشير بمقتضى ما جاء في ذيلها إلى أنه(ص)قد علم الناس علوماً يستحيل عليهم الإطلاع عليها من دون الوحي.

إقامة القسط والعدل:

فإقرار العدالة الإجتماعية، أحد الأغراض الرئيسية التي بعث من أجلها الأنبياء،قال تعالى:- (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).

هذا ونلاحظ أن الآية المباركة قد تضمنت الإشارة إلى ثلاثة أمور بإعتبارها مقدمة لإقامة العدل:

1-البينات،وهي تعني الأدلة،المشتملة على المعاجز،والأدلة العقلية الدالة على صدق دعوة الأنبياء،وأخبار السابقين منهم.

2-الكتاب،وهو يشير إلى الكتب السماوية التي تحتوي على بيان المعارف والعقائد والأحكام والأخلاق والرذائل.

3-الميزان،الذي يعني القوانين المميزة للخير من الشر والفضائل من الرذائل والحق من الباطل.

ومع تمتع الأنبياء بهذه الأمور فإن ذلك يمكنهم من دفع البشرية نحو إقرار العدالة.

هذا والشيء الملفت للنظر في هذه الآية أنها لم تنسب إقامة العدالة إلى الأنبياء،بل تصرح بأن المجتمعات البشرية تنشأ على نوع من التربية يدفعها ذلك بالنـتيجة إلى إقامة العدالة بنفسها.

والحاصل إن المستفاد من الآية هو أن هذا الأمر يكون في المجتمع من خلال إرادة إختيارية،لا أنه من الأمور القهرية.

ثم إن التعبير عن القوانين الإلهية بالميزان،يعود لدورها المهم في المسائل الحقوقية المشابهة لدور الميزان في بيان وزن كل شيء كما هو عليه.

وهذه القوانين الإلهية قوانين كاملة،نابعة من علم الله سبحانه اللانهائي الذي لا يخالطه الخطأ والإشتباه،في مقابل القوانين الوضعية، النابعة من علم الإنسان الناقص،مما يمنع من الإعتماد عليها،فضلاً عن أن تكون مورداً لإقرار العدالة.

حرية الإنسان:

من مخالب الأسر والإستبداد،وهو أحد أبعاد فلسفة بعثة الأنبياء،قال عز وجل:- (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدزنه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والغلال التي كانت عليهم).

ونحن لا يهمنا الحديث عن هذه الآية الشريفة وما تضمنـته من مضامين عميقة جداً،حيث أفردنا للحديث عنها بحثاً مفصلاً في بحوث سابقة،لكن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى ما يرتبط بمقامنا،حيث أن الآية تضمنت بيان رفع نبي الإسلام الإصر والأغلال عن الناس،وهذا يعني أن نبي الرحمة(ص)وسائر الأنبياء قد أعاد الحرية الواقعية إلى الإنسان،وذلك برفعهم هذه الأثقال وفكهم من القيود والأغلال،من خلال دعوتهم لحرية التفكر والتأمل والتحرر من أطماع وأهواء النفس،والتحرر من قبضة حكم الظالمين،وحبال الشياطين والطواغيت،وسيطرة الأوهام والخرافات وعبادة غير الله تعالى.

والحرية التي دعى لها الأنبياء،ليست كالحرية التي يدعو لها الغرب اليوم،إذ أن حرية الغرب،في الواقع ما هي إلا عبودية تامة للإنسان،لأنها دعوة إلى الإنغماس في الشهوات والملذات،بخلاف الحرية التي يدعو لها الإسلام،كما هو واضح لا يخفى.

رفع الإختلاف:

من الواضح أن المجتمعات البشرية،كانت ولا تزال تعاني الإختلاف،وتحترق بناره،وتضيّع المزيد من القدرات والإمكانات الهائلة بسببه.

ومع علم الناس بخطر هذا الأمر إلا أنهم عاجزون عن رفعه من بينهم، ذلك لأن علمهم بالحقائق من كافة الجهات محدود،بالإضافة إلى التكبر الذي يحول دون التنازل للغير.

أما الأنبياء(ع)الذين ينبع علمهم من علم الله تعالى اللامتناهي،وهم يفوقون مستوى البشر،فإنهم يتمكنون من أداء دور فعال في حل تلك الإختلافات وإزالتها.

قال تعالى:- (كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيـين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه).

الدعوة إلى الحياة الإنسانية:

فالأنبياء يدعون البشرية إلى حياة واقعية كاملة جامعة،قال تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم).

فبعثة الأنبياء من أهدافها هو الحياة في كافة أبعادها:المادية والمعنوية والثقافية والأقتصادية والسياسية والأخلاقية والإجتماعية.

هذا وقد فسرت الحياة في هذه الآية بولاية أمير المؤمنين(ع)كما في بعض النصوص،وهي في الحقيقة أحد المصاديق الهامة للآية،وذلك لأن ولايته(ع)هي السبب للدعوة إلى الإسلام في كافة المجالات،فولايته دعوة إلى العلم والزهد والتقوى والإيثار والإخلاص.

إتمام الحجة:

لأنه من الطبيعي أن يوجد فريق من المتكبرين والمعاندين الذين يرون دعوة الأنبياء(ع)مخالفة لأغراضهم الشخصية،فيمتنعون عن قبولها ويقفون منها موقفاً سلبياً،فلو لم يـبعث الله سبحانه نبياً،لأحتمل ادعاؤهم يوم القيامة قبول الرسالة على فرض وجود نبي مرسل من قبل الله سبحانه.

ولهذا يعد اتمام الحجة على هؤلاء وأضرابهم أحد أهداف البعثة،فضلاً عن كون إتمام الحجة يعكس العدل الإلهي،كما يقطع إدعاءات الكذابين الجوفاء.

قال تعالى:- (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل).

——————————————————————————–

[1] سورة الذاريات الآية رقم 56.

[2] سورة الإنشقاق الآية رقم 6.