15 مايو,2021

القرآن مصادره وثقافة عصره(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

القرآن مصادره وثقافة عصره(1)

 

قال تعالى: – (إن هو إلا وحي يوحى* علمه شديد القوى)

أثيرت حول القرآن الكريم العديد من الشبه من قبل المستشرقين والحداثويين، ومن ذلك شبهة مصادر القرآن الكريم، وتأثره بثقافة عصره.

 

وحتى نجيب عن ذلك نوقع الحديث ضمن محاور:

الأول: مصادر القرآن الكريم:

نعتقد نحن المسلمين أن القرآن الكريم كتاب منزل من الله تعالى على عبده النبي محمد (ص) بواسطة الأمين جبرئيل(ع)، وليس لمحمد (ص) فيه دخل من قريب أو بعيد، إذ هو قد نقله للناس كما نزل عليه دون تصرف في شيء من آياته. ومقابل ذلك يعتقد المستشرقون أن القرآن عبارة عن مجموعة من الاقتباسات التي استفادها النبي محمد (ص) من الكتب السماوية السابقة والشرائع المتقدمة عليه، ويمكن تصنيف هؤلاء إلى صنفين:

1-من يعتقد اقتباس النبي (ص) القرآن من الديانة المسيحية، فيكون مصدره هو الإنجيل، وذلك مثل المستشرق البريطاني بل.

2-من يجعل المصدر الذي اعتمده القرآن هو الشريعة اليهودية والشريعة المسيحية وأن اقتباسه كان من كتبهم. ولا بأس بالإشارة لبعض كلمات هؤلاء:

 

من ذلك ما ذكره المستشرق البريطاني ريتشاد بل من أن كثيراً من الآيات متأثرة من المصادر المسيحية كآية البعثة، وهي قوله تعالى:- (هو الذي بعث في الأميـين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته).

وقد حاول المستشرق المجري برناد هلر في بحثه الذي بعنوان العناصر اليهودية في المصطلحات القرآنية، إثبات تأثر القرآن من اليهود.

ومثله صنع المستشرق جون ونسبرو حيث أكد على تأثر القرآن بالسنة اليهودية. ومثل ذلك أيضاً المستشرق جويدي فقد عدّ قصص القرآن متطابقة مع التوراة تقريباً. بل يدعي أن بعض الحقائق المتعلقة بالأنبياء قد شوهت في القرآن، واحتمل أن ذلك بسبب تصور النبي(ص) أنه أفضل الأنبياء وآخرهم.

 

ويقول ويل ديورانت في قصة الحضارة: إن الشريعة الإسلامية لها شبه بشريعة اليهود. وعند حديثه عن القرآن يقول: والقرآن يمدح دين اليهود تارة وأخرى يذمه، ولكنه متأثر بتعاليم موسى في مضامين مثل التوحيد والنبوة والإنابة والتوبة ويوم الحساب والجنة والنار.

وأشار إلى أن هناك منسكاً دينياً عند اليهود وهو تأكيد على التوحيد قد ظهر في الإسلام على صورة: لا إله إلا الله. والبسملة مأخوذة من التلمود، وكلمة(الرحمن) المختصة بالله معربة من(رحمانا) العبرية.

 

ومن الأشخاص أيضاً الأسقف يوسف درة الحداد، فقد أصر على تأثر القرآن بمصادر مختلفة ومن جملتها الكتاب المقدس، وخصوصاً التوراة وتمسك لدعواه بمصادر مختلفة، ومن جملتها الكتاب المقدس وخصوصاً التوراة وتمسك لدعواه بآيات مثل:

1-قوله تعالى:- (إن هذا لفي الصحف الأولى* صحف إبراهيم وموسى).

2-قوله تعالى:- (أم لم ينبأ بما في صحف موسى* وإبراهيم الذي وفى* ألا تزر وازرة وزر أخرى)

3-قوله سبحانه:- (وإنه لفي زبر الأولين* أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل).

 

على أساس تطابق القرآن وفقاً للآية الأولى مع الكتب السابقة عليه، وفي الآية الثانية تم الاستشهاد بعلماء بني إسرائيل وشهادتهم له بصحة هذه المطابقة.

وذكر أن النبي(ص) أنذر قومه بما جاء في زبر الأولين بلغة أعجمية يجهلونها، بلغتهم العربية التي يعرفونها.

وتمسك بعضهم لإثبات الاقتباس بالتماثل بين المعارف القرآنية مع معارف سائر الكتب، لأن القصص القرآنية والحكم هي ذاتها التي وردت في كتب اليهود والأناجيل، وحتى في تعاليم زرادشت وبراهما، وذكر لذلك أمثلة: قضية المعراج، والنعم الأخروية، وجهنم، والصراط والبسملة عند البدء، والصلوات الخمسة، وسائر الأحكام العبادية.

 

وكذلك شهادة كل نبي على من يتلوه، فإنها كلها متخذة من النصوص القديمة المعروفة لدى العرب.

والمتحصل من هذه الكلمات أن منشأ شبهة الاقتباس بالنسبة القرآن تعود إلى أمرين:

1-المطابقة بين ما جاء في القرآن وما تضمنته الكتب السابقة.

2-استشهاد القرآن الكريم بالكتب السماوية السابقة.

 

وأما بالنسبة للشريعة، فيعود ذلك لمطابقتها لما تضمنته الديانات السابقة عليها.

وكيف ما كان، فقد تمسك هؤلاء لدعواهم بأدلة ثلاثة:

الأول: معلم رسول الله:

حيث يدعي هؤلاء أن هناك شخصاً وهو ورقة ابن نوفل ابن عم السيدة خديجة (ع) قام بتعليم رسول الله (ص) لأنه رجل قرأ كتب الأديان السابقة، ولم يكن الكتاب المقدس باللغة العربية ولا يعرفه إلا من كان مطلعاً على ذلك.

 

الثاني: التطابق بين ما تضمنه القرآن الكريم وما جاء في الكتب السماوية السابقة:

فمثلاً قصص الأنبياء التي وردت في القرآن تتوافق مع ما جاء في كتاب سفر التكوين، ومن الطبيعي أن يكون المتأخر زماناً قد اقتبس مما تقدمه، ولما كان القرآن متأخراً زماناً فهو المقتبس.

 

الثالث: اشتمال القرآن الكريم على مجموعة من القصص والقضايا:

التي لم يرد شيءٌ منها في الكتب السماوية، وإنما وردت في بعض الكتب البشرية التي لبعض حاخامات اليهود، مثل قصة نبي الله آدم (ع) وسجود الملائكة له، فإنها لم تذكر في كتب العهد القديم، ومثل ذلك قضية نبي الله سليمان(ع) مع بلقيس ملكة سبأ فإنها لم توجد في شيء من العهد القديم، وإنما وجدت في سفر إستير في ترجمته الثانية وهي ترجمة بشرية أضافوا لها زيادات من ضمنها هذه القصة.

 

وقد حصل الاشتباه عند الناقل فلم يميز بين الكتب السماوية والكتب البشرية فقام بالاقتباس منها جميعاً.

والحاصل، ان مجموع ما تضمنه القرآن الكريم هو عبارة عن زيادات بشرية.

ولو دققنا سنجد أن غرض هذه الشبهة ينصب بصورة واضحة في نفي صفة الألوهية عن القرآن الكريم وإثبات أنه صناعة بشرية قام بوضعه وتأليفه النبي الأكرم محمد (ص) فليس هو كتاب إلهي سماوي، بل نظم بشري.

 

المحور الثاني: مدخلية ثقافة عصر النبي (ص) في تكوين القرآن:

أثار المستشرقون والحداثويون شبهة تأثر الوحي الالهي والقرآن بثقافة عصر نزوله وهو عصر الجاهلية وما كان يحويه من معتقدات وسلوكيات عقدية وثقافية مثل عبادة الأصنام، وعبادة الملائكة والجن والشياطين والأجرام السماوية، وما كان ينطوي عليه ذلك العصر من النزاعات المادية والجبرية والإيمان بالخرافات والأساطير.

ومن سلوكيات ذلك العصر ازدراء شخصية المرأة، وممارسة العنف، والقسوة تجاه الأطفال، والتفاخر، وأكل الربا، وشرب الخمر، ولعب الميسر، واغتصاب حقوق الورثة وممارسة السفاح.

 

وقد جعل هؤلاء شواهد من القرآن الكريم على مدعاهم، وذلك من خلال إثارة مجموعة من التساؤلات حول القرآن الكريم وآياته الشريفة:

١ـ إذا كان الله عز وجل ليس مختصاً بلغة معينة، فلماذا انزل القرآن بالعربية؟

٢ـ ومنها ما يتعلق ببعض الحوادث التي وقعت في عصر النبي (ص).

٣ـ وكذلك الأسئلة التي وجهت للنبي (ص) وأشارت لها الآيات:

(يسألونك عن الاهلة) وَ (يسألونك عن ذي القرنين) وَ (ويسألونك عن الروح).

٤- عدد كبير من الأحكام الشرعية مثل: أحكام العبيد والإماء التي توجد آثارها في القرآن.

 

وعلى أي حال هناك شواهد متعددة تمسك بها أصحاب هذه الشبهة على تأثر القرآن بثقافة عصره:

الأول: تأثر آياته باللغة العربية:

وهذا يعني أن فعل الله قد قيد وخصص بلون البيئة التي من حوله، قال تعالى: – (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم). فإن اتحاد القرآن مع لغة القوم الأوائل الذين خاطبهم واستعماله للثقافة العربية في الحاجات والمصاعب، وأساليب التعامل معها، يكشف عن تأثر القرآن بثقافة الجاهلية، ولذلك وجدت في القرآن مفاهيم أساسية كانت معهودة عند العرب وقت نزوله، مثل: القيامة والجنة والنار والملَك والجن والنبي والشفاعة والكرامة والتقوى والأضحية والوحي والغيب والشهادة والنشر والبعث وصحيفة الأعمال. حتى الأعمال التي كانوا يزاولونها وهي التجارة كانت ضمن آياته.

 

الثاني: انتهاجه نهج التشبيه وأسلوب التمثيل الذي كان سائداً عندهم:

ويظهر هذا المعنى في العديد من الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى:ـ (إنما مَثَلُ الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) وَ قوله سبحانه:- (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلُغ فاه)، مضافاً إلى حضور الظواهر الطبيعية التي كانت معهودة ضمن آياته مثل: السراب والنهر، والسقي والسحاب. نعم استعار القرآن بعض العبارات الأعجمية التي كانت متداولة في صدر الإسلام، مثل: الزنجبيل وهي مفردة هندية والقلم والبلد وهما من لغة الإغريق.

 

الثالث: تأثر القرآن بالثقافة المعاصرة له:

فقد كان شائعاً في الجزيرة العربية نظرية وجود سبع سماوات وسبع أرضين، وأن السماء والأرض قد خلقا في ستة أيام وأن الشمس متحركة والأرض ثابتة وأن الشمس تغرب في عين من الماء، وأنه يمكن ان تقع السماء على الأرض، وأن السماوات مكونة من طبقات، وأن ماء الرجل يخرج من ظهر الإنسان، وجميع هذه الأمور قد أشار إليها القرآن الكريم وتضمنتها آياته.

 

الرابع: تأثر القرآن في أحكامه بثقافة عصره:

فإن آيات الأحكام التي تضمنها القرآن الكريم تنسجم مع ثقافة ذلك العصر، فإننا نجد فيها توجه الخطاب للرجل دون النساء وهذا ما كانت عليه عادة العرب من الخطاب بالتذكير من باب التغليب، ويمكن ذكر شواهد على ذلك:

منها: في باب الميراث،  فقد قال تعالى:- (للذكر مثل حظ الأنثيين), فإنها تحكي دعم المجتمع الرجالي، وأن الإسلام قد حسب نصيب الأنثى نصف نصيب الرجل، وهذا ناشئ من التأثر بالمجتمع الرجالي.

ومنها: في باب الدية، فإن هناك تفاوتاً بين دية الرجل ودية المرأة فإن بينهما تفاوتاً.

 

ومنها: مسألة القوامة: حيث جعلت القوامة للرجال على النساء، قال تعالى: – (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض).

ومنها: تعدد الزوجات.

ومنها: جعل الطلاق بيد الرجل.

وقد كانت هناك أحكام وعبادات كانت موجودة في الجاهلية أقرّها الإسلام وأبقاها بعدما أجرى عليها بعض التعديلات، مثل الحج وهو من شعائر ديانة إبراهيم الخليل (ع). وأمضى أيضاً العمل بأحكام الظاهر، وبأحكام الموالي.

ويتضح من خلال هذا العرض للشبهة انسجامه تماماً مع الشبهة السابقة والدالة على سلب صفة الألوهية عن القرآن الكريم وإثبات صفة البشرية له.

 

المحور الثالث: النظم القرآني:

وقبل البدء في الجواب عن الشبهتين السابقتين لابد من تحديد هل أن القرآن وحي سماوي ام لا، فأنه متى ثبت كونه وحياً سماوياً كفى ذلك لنفي كلتا الشبهتين:

وأول ما ينبغي طرحه: ماهي المحتملات في الألفاظ القرآنية؟ هناك احتمالات:

١- أن تكون صادرة عن الله سبحانه وتعالى.

٢- أن تكون صادرة عن جبرئيل(ع).

٣- أن تكون صادرة عن النبي محمد(ص).

 

ولم أقف على من قال بالاحتمال الثاني، نعم قد افترضه الزركشي في كتابه، حيث ذكر أن النازل من السماء هو خصوص المعاني والمعارف القرآنية السماوية وتصدى لصياغتها الأمين جبرئيل(ع)، قبل إنزالها على قلب النبي (ص) ثم أنزلها عليه.

واختار الاحتمال الأول صريحاً السيد الطباطبائي(ره) في الميزان، حيث قرر أن القرآن بمجموعه من الألفاظ والكلمات والجمل والمعاني والمعارف السامية هو من عند الله سبحانه وقد تلقاها الرسول(ص) بأجمعها من الله عز وجل، ونقلها إلى الناس بتمامها دون أن يكون له أدنى تدخل في تلك المعاني والألفاظ.

 

وأما الاحتمال الثالث، وهو أن يكون القرآن صادراً عن النبي (ص) فله صياغتان:

الأولى: ما يستفاد من كلام العلامة الطباطبائي(قده)، وحاصلها: أن ما نزل على النبي محمد (ص) لم يكن إلا خصوص المعاني والمعارف القرآنية السماوية، ثم قام النبي (ص) بصياغة تلك المعاني والمعارف وصبها في قوالبها اللفظية ورتبها في سياق الكلمات والجمل، ثم قام بنقلها إلى الناس.

 

الثانية: ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين: من أن الذي نزل على النبي (ص) هو الألفاظ والكلمات والجمل، وقد توصل النبي (ص) من خلالها إلى معانيها ومعارفها السامية.

 

وقد استسخف العلامة الطباطبائي(ره) الاحتمال الثالث. وسوف أقصر الحديث على الاستدلال للاحتمال الأول لأنه المربوط بمحل البحث، حيث يمكن الاستدلال لذلك الأمور:

الأول: الآيات التي تضمنت صراحة أن الألفاظ القرآنية ألفاظ سماوية، وأنها نازلة بأكملها من السماء كما هي على النبي محمد (ص) قال تعالى:- (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) وَ (وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين)، فإن المستفاد من هاتين الآيتين وغيرهما نسبة تركيبة القرآن وألفاظه العربية إلى الله سبحانه صراحة، ومن الواضح أن اللسان والعربية لا رابط لهما بالمضمون لأنهما من أوصاف الألفاظ والبنية الظاهرية للنص.

 

الثاني: الآيات التي دلت بشكل صريح على عدم تدخل النبي (ص) في صياغة القرآن، وإنما كان يتبع ما يلقى إليه من الوحي الإلهي ويوصله إلى الناس، قال تعالى:- (قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) وَقال سبحانه:- (وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى) وقال عز من قائل:- (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً).

 

الثالث: الآيات التي صرحت بقراءة القرآن وتلاوته وإلقائه على النبي محمد (ص) مثل قوله تعالى: -(وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً) وَ (إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) وَ (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً).

 

ومن الواضح عود الترتيل والقراءة وإلقاء القول الثقيل إلى ألفاظ القرآن وتركيبه الظاهري ومعارفه وأسلوبه من عند الله سبحانه وتعالى، بل جاء في بعض الآيات التصريح أنه كلام الله، فلاحظ قوله تعالى:- (وإن أحد المشركين استجارك فأجره يسمع كلام الله). وبعد هذا العرض، فلا مجال لدعوى الاقتباس والتأثر بالثقافة المعاصرة، ونحيل الإجابة عن الشبهتين بصورة مفصلة إلى الليلة القادمة إن شاء الله تعالى.