21 أكتوبر,2019

لسان الحال فقهياً

اطبع المقالة اطبع المقالة

لسان الحال فقهياً

 

لم يعتبر جملة من فقهاء الطائفة العظام، كالإمام الخوئي(قده)، والإمام السيستاني(دامت أيام بركاته)، ما يذكره الخطباء حال قراءتهم لمصيبة المولى أبي عبد الله الإمام الحسين(ع) مثلاً بعنوان لسان الحال، وهو الذي يمثل الروايات القصصية والصور التصويرية التي يذكرها الشعراء ويرسموها من الكذب، بشروط.

 

فاشترط السيد الخوئي(قده)، شرطاً واحداً لعدم اندراج التعبير المذكور في الكذب، وهو أن لا يكون الخطيب حال تعبيره بلسان الحال قاصداً نسبة ذلك واقعاً وحقيقة لأهل البيت(ع)، فعندما يقول مثلاً على لسان الإمام الحسين(ع) عند مصرع أخيه أبي الفضل العباس(ع):

لمن اللواء أعطي ومن هو جامع           شملي وفي ضنك الزحام يقيني

فهو لا يقصد صدور هذا القول من الإمام الحسين(ع)، وإنما يشير إلى أن لسان حاله الذي كان عليه يكشف عن هذا المعنى، لا أنه قد صدر ذلك منه فعلاً.

ومثل ذلك ما جاء في قصيدة دعبل الخزاعي من قوله:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً           وقد مات عطشاناً بشط فرات

إذاً للطمت الخـــد فاطم عنده             وأجريت دمع العين في الوجنات

فإنه لا يقصد صدور هذا الفعل من السيدة الزهراء(ع)، وتحققه منها في الخارج، بل غايته أنه لو كانت السيدة الزهراء(ع) موجودة فإنها سوف تفعل ذلك، لا أنها قد فعلته فعلاً.

 

والحاصل، حتى ينطبق عنوان لسان الحال المشروع الذي لا يندرج تحت عنوان الكذب، فإنه(قده) يعتبر أن لا يكون الخطيب حال قراءته معتقداً وقاصداً أنه قد صدر من أهل البيت(ع).

 

وما ذكرناه من أخذ الإمام الخوئي(ره) شرطاً واحداً لعدم انطباق عنوان الكذب على لسان الحال، ورد في جواب سؤال وجه إلى سماحته(رض):

س: بعض القصائد التي تذكر في مصيبة سيد الشهداء تنسب للإمام الحسين(ع) أو لزينب(ع) أو للإمام السجاد(ع) دون الإشارة إلى أن هذه الأبيات عن لسان حالهم، نعم بعض الناس يعرف كون ذلك عن لسان الحال، وبعضهم الآخر لا يعرف ذلك، فما هو الحكم؟

ج: لا بأس ما لم يقصد واقع النسبة إليهم[1].

 

فتوى الإمام السيستاني:

أما الإمام السيد السيستاني(دامت أيام بركاته)، فقد اعتبر شروطاً في لسان الحال حتى يندرج تحت عنوان الكذب المحرم، لابد من توفرها، وأنه متى تم الإخلال بواحد منها استدعى ذلك انطباق عنوان الكذب المحرم عليه، وتلك الشروط هي:

الأول: أن يكون التصوير الذي تضمنه لسان الحال تصويراً صادقاً وحقيقياً لأحوال المعصومين(ع)، وليس مجرد خيال، وأن يكون بعيداً عن الكذب والمبالغة. فلو لم يكن التصوير حقيقياً، أو كان مشتملاً على المبالغة فضلاً عن الكذب كان محرماً.

الثاني: الالتــزام بالمعايـير المعروفة عند أهل الاختصاص في الشعر والنثر، وعدم الخروج عن تلك المعايـير، ويعتبر في هذا التصوير الجاري وفق المعايـير المعروفة عند أهل الاختصاص أن لا يتضمن إساءة إلى مقاماتهم الشريفة(ع).

الثالث: أن يكون المستعمل للسان الحال محيطاً بالحوادث التاريخية للحدث وبالشخص الذي يستعمل لسان الحال على لسانه.

 

وعليه، لو فقد أحد هذه الشروط السابقة لم يجز الاتيان بلسان الحال، وكان كذباً محرماً كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

 

وقد وردت الشروط المذكورة في استفتاء وجه إلى سماحته(دامت أيام بركاته)، فقد سئل سماحته:

س: هل يجوز التكلم بلسان المعصومين(ع) بالقصائد الحسينية بحيث الكاتب يطلق عنان خياله في تصوير الأحداث واختلاف الكلام والمواقف، وهل يجوز تداولها بين المؤمنين.

 

ج: بسمه تعالى: إنما يجوز التكلم بلسان حال المعصومين فيما يعتبر تمثيلاً صادقاً لأحوالهم وفق المعايـير الأدبية المتعارفة في أمثال ذلك من دون إساءة، ومن ثم يجب على المتكلم بلسان الحال من الاطلاع على الحوادث التاريخية واستنطاق أحوالهم من خلالها لتجسيدها بصورة أدبية مناسبة، بعيداً عما يعتبر من قبيل المبالغة والاختلاق الكذب بالمقياس الأولي، كما أن جواز تداولها يخضع للمقايـيس التي أشرنا إليها.

 

 

 

 

[1] صراط النجاة ج 2 ص 463 السؤال رقم 1584.