14 نوفمبر,2019

خلق المرأة(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

خلق المرأة(2)

 

خلق المرأة روائياً:

لقد تضمنت النصوص الشريفة المنقولة عن المعصومين(ع)، بيان كيفية خلق حواء(ع)، ويمكن تصنيفها إلى طوائف أربع، وقبل عرضها، يحسن الإشارة إلى أنه يعتبر في حجية أي خبر من الأخبار، نقده سنداً ومتناً، فما لم يسلم حال النقد، كان ذلك مانعاً من الاستناد إليه، ونقد سنده يكون بملاحظة حال الرواة الواقعين فيه من حيث الوثاقة وعدمها، وأما نقد متنه، فبعرضه على قاعدتين، قاعدة عقلائية وقاعدة شرعية، ونعني بالقاعدة الشرعية، أن لا يكون الخبر مخالفاً للكتاب العزيز، ولا يعتبر فيه الموافقة، أما القاعدة العقلائية، فلذلك مصاديق متعددة:

منها: أن لا يكون الخبر مخالفاً لما ثبت من المعارف والحقائق العلمية الثابتة في أي مجال من المجالات، كمجال الطب، والتشريح، وما شابه ذلك. نظير الرواية التي يظهر منها أن الأرض مسطحة، أو أن الأرض صخرة والصخرة على قرن ثور.

ومنها: عدم مخالفته لما هو ثابت بالحس والتجربة، وما هو مقتضى طبيعة الأشياء، كرواية أن أكل السمك يذهب الحسد، فإن الناس لا زالوا يأكلونه ومشاعر الحسد موجودة عندهم، ورواية أن الباذنجان دواء لكل داء، وهكذا.

طوائف النصوص:

وكيف ما كان، فإن النصوص على طوائف أربع:

الأولى: ما تضمنت أنها قد خلقت من آدم(ع)، دون تحديد أن ذلك كان من شيء من أعضائه أم لا:

منها: ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله(ع)، قال: سميت حواء حواء لأنها خلقت من حي، قال الله عز وجل:- (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها)[1]. فإن المستفاد منه أنها(ع) قد خلقت من شيء حي، ولم يحدد ذلك الشيء، نعم بملاحظة النصوص الأخرى يستفاد أنها مخلوقة من آدم(ع).

ومنها: ما رواه أيضاً عن أبي عبد الله(ع) قال: سميت المرأة مرأة لأنها خلقت من المرء، يعني خلقت حواء من آدم[2]. وهو لا يختلف دلالة على المطلوب كسابقه، نعم من المحتمل قوياً جداً اتحاده مع الخبر السابق وعدم عدهما خبرين، ومنشأ الاختلاف يعود للنقل بالمعنى.

وأما التفسير الوارد في ذيله، فيحتمل قوياً جداً أن يكون صادراً من الصدوق(ره)، وليس من الإمام(ع)، لما عرف عنه(قده) من البيان في النصوص، وغالباً ما كانت بيانته مدرجة في متون الأخبار.

ومنها: ما جاء في كتاب قصص الأنبياء، إن الله تعالى خلق آدم من الطين، وخلق حواء من آدم، فهمة الرجال الأرض، وهمة النساء الرجال، وقيل: أديم الأرض: أدنى الأرض، الرابعة إلى اعتدال لأنه خلق وسط بين الملائكة والبهائم[3]. وهو صريح في كون حواء(ع) قد خلقت من آدم(ع) دون تحديد لما خلقت منه(ع) منه(ع).

ومنها: خبر الواسطي، قال: قال أبو عبد الله(ع): إن الله قد خلق آدم من الماء والطين، فهمة آدم في الماء والطين، وإن الله خلق حواء من آدم، فهمة النساء في الرجال، فحصنوهن في البيوت[4].

وقد رواها الكليني(ره) أيضاً بسند ضعيف.

وجميع النصوص المتقدمة ساقطة عن الاعتبار والحجية لضعف أسنادها، لأنها إما مراسيل كخبر العياشي، والواسطي، وقصص الأنبياء، أو ضعيفة لوجود من لم تثبت وثاقته فيها.

الثانية: ما تضمنت أنها قد خلقت من ضلع آدم(ع)، وفي بعضها ضلعه الأيسر:

منها: معتبرة بريد العجلي، عن أبي عبد الله(ع) قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى:- (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً)، قال: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من الماء العذب، وخلق زوجته من سنخه، فبرأها من أسفل أضلاعه، فجرى بذلك الضلع بينهما سبب نسب، ثم زوجها إياه فجرى بسبب ذلك بينهما صهر، فذلك قولك: نسباً وصهراً، فالنسب يا أخا بني عجل ما كان من نسب الرجال، والصهر ما كان من سبب النساء[5]. وقد تضمنت النص على أنه سبحانه وتعالى قد خلق حواء(ع) من أسفل أضلاع آدم(ع).

ومنها: خبر العياشي، عن محمد بن عيسى العلوي، بسنده عن أمير المؤمنين(ع) قال: خلقت حواء من قصيرا جنب آدم-والقصيرا هو الضلع الأيسر-وأبدل الله مكانه لحماً[6]. وهو كسابقه من حيث الدلالة على أنها(ع) قد خلقت من ضلع آدم(ع) الأيسر، نعم قد اشتمل على زيادة، وهي أن الله سبحانه وتعالى قد حشى موضع الضلع الأيسر لحماً.

وصريح الخبر المتقدم، أن خلقها(ع) قد تم من ذات الضلع بعدما اتصف بكونه ضلعاً ووضع في الجانب الأيسر من آدم(ع)، ولذا استدعى الأمر أن يحشى موضعه لحماً.

ومنها: خبر العياشي الآخر، عن محمد بن عيسى العلوي بسنده عن آبائه(ع)، قال: خلقت حواء من جنب آدم وهو راقد[7]. ولم تختلف دلالة هذا الخبر عن سابقيه في خلقها من جزء من أجزاء آدم(ع)، ولم يحدد الجزء الذي خلقت منه، للتعبير بالجنب، وهذا لا يضر، لأنه يمكن تفسيره من خلال النصوص الأخرى، ولا مجال لتوهم المعارضة بينها لأن الجميع مثبت. نعم قد تضمن الخبر تحديد الحالة التي كان عليها آدم(ع) حين خلقها من أحد أجزائه، وأنه كان نائماً.

ومنها: خبر ميسرة بن شريح قال: تقدمت إلى شريح امرأة، فقالت: إني جئتك مخاصمة، فقال: وأين خصمك؟ فقالت: أنت خصمي، فخلى لها المجلس، فقال لها: تكلمي، فقالت: إني امرأة لي إحليل، ولي فرج، فقال: قد كان لأمير المؤمنين(ع) في هذه قضية ورث من حيث جاء البول، قالت: إنه يجيء منهما جميعاً، فقال لها: من أين يسبق البول؟ قالت: ليس منهما شيء يسبق يجيئان في وقت واحد، وينقطعان في وقت واحد، فقال لها: إنك لتخبرين بعجب، فقالت: أخبرك بما هو أعجب من هذا، تزوجني ابن عم لي، وأخدمني خادماً، فوطئتها فأولدتها، وإنما جئتك لما ولد لي لتفرق بيني وبين زوجي، فقام من مجلس القضاء، فدخل على علي(ع)، فأخبره بما قالت المرأة، فأمر بها فأدخلت وسألها عما قال القاضي، فقالت: هو الذي أخبرك، قال: فأحضر زوجها ابن عمها، فقال له علي أمير المؤمنين(ع): هذه امرأتك وابنة عمك؟ قال: نعم، قال: قد علمت ما كان؟ قال: نعم، قد أخدمتها خادماً، فوطئتها، فأولدتها، قال: ثم وطأتها بعد ذلك؟ قال: نعم، قال له علي(ع): لأنت أجرأ من خاصي  الأسد، علي بدينار الخصي، وكان معدلاً وبمرأتين، فقال: خذوا هذه المرأة إن كانت امرأة، فأدخلوها بيتاً، وألبسوها نقاباً وجردوها من ثيابها، وعدوا أضلاع جنبيها، ففعلوا، ثم خرجوا إليه، فقالوا له: عدد الجنب الأيمن اثني عشر ضلعاً، والجنب الأيسر أحد عشر ضلعاً، فقال علي(ع): الله أكبر إيتوني بالحجام، فأخذ من شعرها، وأعطاها رداء وحذاء، وألحقها بالرجال، فقال الزوج: يا أمير المؤمنين(ع)، امرأتي وابنة عمي ألحقتها بالرجال؟ ممن أخذت هذه القضية؟ فقال: إني ورثتها من أبي آدم، وحواء(ع)، خلقت من ضلع آدم(ع)، وأضلاع الرجال أقل من أضلاع النساء بضلع، وعدد أضلاعها أضلاع رجل، وأمر بهم فأخرجوا[8]. ودلالته على المطلوب واضحة، فإن الظاهر أن قوله(ع): وحواء(ع)، استئناف، ليكون معناه أن حواء قد خلقت من ضلع آدم(ع).

ومنها: خبر السكوني، عن جعفر عن أبيه(ع): أن علي بن أبي طالب(ع) كان يورث الخنثى فيعد أضلاعه، فإن كانت أضلاعه ناقصة من أضلاع النساء بضلع ورث ميراث الرجال، لأن الرجل تنقص أضلاعه عن أضلاع النساء بضلع، لأن حواء خلقت من ضلع آدم القصوى اليسرى، فنقص من أضلاعه ضلع واحد[9].

ومنها: صحيح محمد بن قيس، عن أبي جعفر(ع) قال: إن شريحاً القاضي بينما هو في مجلس القضاء إذ أتته امرأة فقالت: أيها القاضي اقض بيني وبين خصمي، فقال لها: ومن خصمك؟ قالت: أنت، قال: افرجوا لها، فأفرجوا لها، فدخلت، فقال لها: وما ظلامتك؟ فقالت: إن لي ما للرجال وما للنساء، قال شريح: فإن أمير المؤمنين(ع) يقضي على المبال، قالت: فإني أبول منهما جميعاً، ويسكنان معاً، قال شريح: والله ما سمعت بأعجب من هذا، قالت: وأعجب من هذا، قال: وما هو؟ قالت: جامعني زوجي فولدت منهـ وجامعت جاريتي فولدت مني، فضرب شريح إحدى يديه على الأخرى متعجباً، ثم جاء إلى أمير المؤمنين(ع) فقص عليه قصة المرأة، فسألها عن ذلك، فقالت: هو كما ذكر، فقال لها: من زوجك، قالت: فلان، فبعث إليه فدعاه، فقال: أتعرف هذه المرأة؟ قال: نعم، هي زوجتي، فسأله عما قالت، فقال: هو كذلك، فقال له(ع): لأنت أجرأ من راكب الأسد، حيث تقدم عليها بهذه الحال، ثم قال: يا قنبر أدخلها بيتاً مع امرأة تعدّ أضلاعها، فقال زوجها: يا أمير المؤمنين، لا آمن عليها رجلاً، ولا ائتمن عليها امرأة، فقال علي(ع): عليّ بدينار الخصي، وكان من صالحي أهل الكوفة، وكان يثق به، فقال له: يا دينار، أدخلها بيتاً، وعرها من ثيابها، ومرها أن تشد مئزراً، وعدّ أضلاعها، ففعل دينار ذلك، فكان أضلاعها سبعة عشر: تسعة في اليمين، وثمانية في اليسار، فألبسها علي(ع) ثياب الرجال، والقلنسوة، والنعلين وألقى عليه الرداء، وألحقه بالرجال، فقال زوجها: يا أمير المؤمنين(ع) ابنة عمي، وقد ولدت مني، تلحقها بالرجال؟ فقال: إني حكمت عليها بحكم الله، إن الله تبارك وتعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، وأضلاع الرجال تنقص، وأضلاع النساء تمام[10].

وقد اختلف صحيح محمد بن قيس عن خبر ميسرة، فقد تضمن أن أضلاع الرجل سبعة عشر ضلعاً تسعة في اليمين وثمانية في اليسار، أما خبر ميسرة فقد تضمن أن عدد أضلاع الرجل ثلاثة وعشرون ضلعاً، اثنا عشر في اليمين وأحد عشر في اليسار، وهذا الاختلاف موجب للمعارضة فما لم يكن مرجح يتساقطان، نعم لما كان خبر ميسرة ضعيف السند فلا يصلح للمعارضة لأنها فرع الحجية، مضافاً إلى امكان رفع اليد عن هذا المقدار في النصين فيكونا من نصوص الطائفة الأولى فتأمل.

ومنها: خبر أبي بصير، عن جعفر بن محمد الصادق(ع) في حديث طويل: قال: فلما نام آدم(ع) خلق الله من ضلع جنبه الأيسر مما يلي الشراسيف وهو ضلع أعوج، فخلق منه حواء، وإنما سميت بذلك لأنها خلقت من حي، وذلك قوله تعالى:- (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها)[11].

وليس بين النصوص المتقدمة ما يصلح للاعتماد، سوى معتبرة بريد العجلي، وصحيح محمد بن قيس، وأما البقية فضعاف السند.

الثالثة: ما تضمنت أنها قد خلقت من فاضل طينة آدم(ع):

منها: خبر ابن سلام، أنه سأل النبي(ص) عن آدم لم سمي آدم؟ قال: لأنه خلق من طين الأرض وأديمها، قال: فآدم خلق من الطين كله أو من طين واحد؟ قال: بل من الطين كله، ولو خلق من طين واحد لما عرف الناس بعضهم بعضاً، وكانوا على صورة واحدة، قال: فلهم في الدنيا مثل؟ قال: التراب فيه أبيض وفيه أخضر وفيه أشقر وفيه أغبر وفيه أحمر-إلى أن قال-قال: فأخبرني عن آدم خلق من حواء أو خلقت حواء من آدم؟ قال: بل حواء خلقت من آدم، ولو كان آدم خلق من حواء لكان الطلاق بيد النساء، ولم يكن بيد الرجال.

فمن كله خلقت أم من بعضه؟ قال: بل من بعضه، ولو خلقت من كله لجاز القصاص في النساء كما يجوز في الرجال.

قال: فمن ظاهره أو باطنه؟ قال: بل من باطنه، ولو خلقت من ظاهره لانكشفن النساء كما ينكشف الرجال، فلذلك صار النساء مستترات.

قال: فمن يمينه أو من شماله؟ قال: بل من شماله، ولو خلقت من يمينه لكان للأنثى كحظ الذكر من الميراث، فلذلك صار للأنثى سهم وللذكر سهمان، وشهادة امرأتين مثل شهادة رجل واحد.

قال: فمن أين خلقت؟ قال: من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر[12].

ومنها: خبر عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، قال: سألت أبا جعفر(ع): من أي شيء خلق الله حواء؟ فقال: أي شيء يقول هذا الخلق؟ قلت: يقولون: إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم، فقال: كذبوا، كان يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟ فقلت: جعلت فداك يا ابن رسول الله من أي شيء خلقها؟ فقال: أخبرني أبي عن آبائه(ع)، قال: قال رسول الله(ص): إن الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه-وكلتا يديه يمين- فخلق منها آدم، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء[13].

ودلالة الخبرين جلية على أن حواء(ع) لم تخلق من ضلع آدم(ع)، وإنما خلقت من فاضل طينته، بل قد تضمن الخبر الثاني منهما تكذيب القول بأنها مخلوقة من ضلعه الأيسر، ونسبة ذلك للناس. نعم الخبران ضعيفا السند.

الرابعة: ما تضمنت أن الله تعالى خلقها كما خلق آدم(ع):

وهي تتمثل في صحيحة زرارة، أنه قال: سئل أبو عبد الله(ع) عن خلق حواء وقيل له: إن أناساً عندنا يقولون: إن الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، فقال سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، أيقول من يقول هذا إن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه؟! ويجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً إلى الكلام أن يقول: إن آدم كان ينكح بعضه بعضاً إذا كانت من ضلعه ما لهؤلاء حكم الله بيننا وبينهم!! ثم قال(ع): إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم(ع) من طين وأمر الملائكة فسجدوا له ألقى عليه السبات ثم ابتدع له حواء فجعلها في موضع النقرة التي بين وركيه وذلك لكي تكون المرأة تبعاً للرجل، فأقبلت تتحرك، فانتبه لتحركها، فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن يشبه صورته غير أنها أنثى، فكلمها فكلمته بلغته[14]. والمستفاد منها أنه سبحانه وتعالى خلقها كما خلق آدم(ع)، فلم يكن خلقها من شيء من أجزائه، ولا من فاضل طينته، بل تضمن الصحيح أيضاً تكذيباً للخبر الدال على أن خلقها كان من ضلعه الأيسر.

وطريق الصدوق(ره) إلى زرارة، على ما في المشيخة كالتالي: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن عيسى بن عبيد، والحسن بن ظريف، وعلي بن إسماعيل بن عيسى، كلهم عن حريز بن عبد الله، عنه[15].

وقد رواها الصدوق(ره) أيضاً في كتابه العلل، عن ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى العطار جميعاً، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن أحمد بن إبراهيم بن عمار، عن ابن نوبة، عن زرارة[16]، وهذا السند يعاني مشكلتين: جهالة ابن نوبة، واشتراك أحمد بن إبراهيم. وقد روى هذا النص في البحار نقلاً عن العلل[17].

وقفة مع النصوص:

وليس بين الطائفتين الأولى والثانية معارضة، لأن كلتيهما مثبتة، بل يمكن عدّ الطائفة الثانية مفسرة للطائفة الأولى وشارحة لها، ومبينة لكيفية خلق حواء(ع) من آدم(ع)، بتحديد الجزء الذي قد خلقت منه.

ولا ريب في حصول المعارضة بين الطائفتين الثانية والثالثة والرابعة، لدلالة الطائفة الثانية على خلقها(ع) من أجزاء آدم(ع)، ودلالة الطائفة الثالثة على أنها قد خلقت من فاضل طينته، ودلالة الطائفة الرابعة على عدم خلقها منهما، بل هي(ع) مخلوقة شأنها شأن آدم(ع) عندما خلق.

وعليه، لابد من العمد إلى معالجة المعارضة المتصورة الحاصلة بينها، فذكر طريقان، تارة بناء على أن المعارضة الحاصلة بينهما ليست مستقرة، فيعمد للجمع العرفي بينها، وأخرى بناء على استقرار المعارضة، وعدم إمكان التوفيق بين الطوائف الثلاث.

الجمع العرفي بين النصوص:

وذلك أن يلتـزم بعدم ثبوت المعارضة بين الطائفة الثانية والثالثة من النصوص، بحمل الطائفة الثانية على الثالثة، ليكون المقصود منها أن حواء(ع) قد خلقت من فاضل طينة آدم(ع)، التي لو جعلت فيه كانت ضلعه الأيسر، وهذا المعنى أشار له الشيخ الصدوق(ره)، وغيره كالعلامة المجلسي(قده) في البحار، قال شيخنا الصدوق(قده): والخبر الذي روي أن حواء قد خلقت من ضلع آدم الأيسر صحيح ومعناه من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر فلذلك صارت أضلاع الرجل أنقص من أضلاع النساء بضلع[18].

وقال غواص بحار الأنوار(قده): فالأخبار السابقة محمولة على أنها خلقت من طينة ضلع أضلاعه[19].

ومثل ذلك قال بعض الأعيان(قده)، فقد عقب على خبر العياشي الذي تضمن خلقها من قصير جنب آدم، فقال: المراد من هذه الرواية طينة آدم(ع) قبل أن يجعل له ضلعاً، لا بعد تحقق الضلعية ونفخ الروح، والانفصال عن آدم(ع) بقرينة الرواية السابقة.

وعنى بالرواية السابقة، ما جاء في نهج البيان، عن أبي جعفر الباقر(ع): أنها خلقت من فضل طينة آدم عند دخول الجنة.

وعقب على رواية العياشي الأخرى التي تضمنت خلقها(ع) من جنبه وهو راقد، فقال: معنى الرواية خلقت من طينة آدم، بحيث لو كانت موضوعة في آدم(ع) لكانت في جنبه وهو راقد، أي كان خلق حواء في حال رقود آدم(ع)[20].

ويمنع من القبول بالعلاج المذكور، مضافاً لكونه خلاف الظاهر جداً، صراحة نصوص الطائفة الثانية في أنها قد خلقت من ضلعه الأيسر حتى أن بعضها قد تضمن أن الباري سبحانه وتعالى حشى عوضاً عن الضلع الذي قد خلقت منه لحماً.

الترجيح بين النصوص:

أما لو بني على أن المعارضة بين الطوائف الثلاث مستقرة، فقد عمد العلامة المجلسي(قده) إلى ترجيح نصوص الطائفة الثالثة على نصوص الطائفة الثانية، لحمل نصوص الطائفة الثانية على التقية لموافقتها للجمهور، فقد تضمنت مصادرهم الحديثية أمثالها. وعليه، سوف يلتـزم بأنها(ع) قد خلقت من فاضل طينة آدم(ع)[21]، وعليه تبقى نصوص الطائفة الثالثة بدون معارض.

وهذا وإن كان حسناً في نفسه، لكنه لم يعالج المعارضة بين الطائفتين الثالثة والرابعة. على أنه قد يمنع من جعل المورد صغرى لكبرى الحمل على التقية إما باختصاص ذلك بالأحكام الشرعية الفرعية، أو لعدم وجود نكتة عقلائية موجبة للحمل عليها، لاختصاص الحمل بذلك، فتأمل.

والصحيح هو منع حصول المعارضة أساساً بين النصوص، والنكتة في ذلك، أن وقوع المعارضة بينها فرع البناء على حجيتها، وهذا يتوقف على نقد أسنادها ومتونها، وقد عرفت حال الأسناد في ما مضى، وبقي نقد المتون، فيقال:

إن ملاحظة الحقائق العلمية الثابتة اليوم تمنع من القبول بالطائفتين الأولى والثانية، فقد نص علم الطب والتشريح على مساواة عدد أضلاع الرجل والمرأة، وعدم اختلافهما، وأن عدد الأضلاع في كل منهما يبلغ أربعة وعشرون ضلعاً، ما يجعل النصوص المذكورة مخالفة لهذه الحقيقة العلمية من جانب، ومن جانب تفاوت الأضلاع بين الرجل والمرأة، ومن جانب كميتها في كل منهما.

كما أن مقتضى اتفاق حواء(ع) مع آدم(ع) في العناصر التكوينية البيولوجية والفسيولوجية يستدعي خلقتها من نفس العناصر الدخيلة في خلقة آدم(ع) من الماء والحديد والكلس، والصوديوم، وبقية عناصر الطبيعة، ولا يقتصر على عنصر الكلس الموجود في العظام.

وفي البين مانع ثالث، وهو أن نقص أحد الأعضاء لا يعتبر من الأمور الوراثية التي تنتقل من الأباء للأبناء، فنقص ضلع من آدم(ع)، لا يوجب ثبوت ذلك في بقية أبنائه، مع أن المفروض دلالة النصوص على وراثة هذه الصفة.

وكما أن متن الطائفة الثانية لم يخلو عن موانع تمنع من القبول بها، كذلك متن نصوص الطائفة الثالثة، فهل عجز الباري سبحانه وتعالى أن يخلق حواء(ع) مستقلة ويـبدع وجودها كما أوجد آدم(ع) حتى يخلقها من فاضل طينته؟

فيرد عليها ما تقدم ذكره في نصوص الطائفة الثانية من الإيحاء بنسبة العجز لله سبحانه وتعالى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

كما أن المفروض بمقتضى التعبير الوارد في النص أن يكون الباقي قليلاً لا يفي بخلق حواء(ع)، لأنه عبر عنه بالفضلة، وهو بحسب المتفاهم العرفي القليل المتبقي.

على أن البناء على الزيادة في قبضة التراب التي خلق منها آدم(ع)، ألا يتنافى والحكمة الإلهية، بل ينسب الجهل لله عز وجل بمقدار ما يحتاجه لخلق آدم(ع)، إذ كيف يتصور حصول زيادة في المقبوض من الحكيم المطلق؟

وهل هذه خصوصية في الجنس البشري، أنه قد خلقت الأنثى من فاضل طينته، أم أنها قضية كلية تسري في جميع الموجودات فكل حيوان ذكر قد خلقت أنثاه من فاضل طينته؟

مع أن المفروض أن الله سبحانه وتعالى عندما قرر خلق آدم(ع) ليعرف ويعبد، لابد وأن يكون ملتفتاً إلى حاجته(ع) إلى جنس مماثل يغايره في بعض الخصائص ليتكاثر ويوجد البشر الذين سيعبدون الله سبحانه، فلا حاجة للبناء على بقاء فضلة من طينة آدم(ع)، ليخلق حواء(ع) منها، بل هو سبحانه مقرر إيجادها منذ أن قرر إيجاد آدم(ع).

وقد يتصور أنه وفقاً لما تقدم سوف يتعين البناء على مضمون الطائفة الرابعة التي تضمنت أنه سبحانه وتعالى قد أبدعها(ع) كما أبدع آدم(ع)، وهو صحيح خصوصاً وأن هذا المعنى هو المنسجم تماماً مع النص القرآني والموافق لرؤيته حول الإنسان وتكريمه.

إلا أن في البين مانعاً يمنع من القبول بها، وهو تحديد مكان وضع حواء(ع) بعدما خلقها الله سبحانه وتعالى وقبل أن ينفخ فيها من روحه، فقد جاء في النص: ثم ابتدع له حواء فجعلها في موضع النقرة التي بين وركيه وذلك لكي تكون المرأة تبعاً للرجل، فأقبلت تتحرك، فانتبه لتحركها، فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن يشبه صورته غير أنها أنثى، فكلمها فكلمته بلغته[22]. فقد فسرت النقرة المذكورة، بالحفرة، وهي التي تكون فوق الدبر.

ولم يتضح الوجه في جعلها في مثل هكذا موضع، وهو الموضع الذي لا يليق بتكريم الإنسان وتقديره، وإبراز عنصر إنسانيته، على أن التبرير الذي تضمنه الخبر من أن الموجب لجعلها في الموضع المذكور تبعيتها للرجل يوحي بشيء من التوهين والتحقير، وعدم التكريم للمرأة الذي أكدته العديد من الآيات الشريفة.

ولا يعالج المانع المذكور اختلاف النسخ على ما في البحار، وأن موضع جعلها بين ركبتيه[23]، لنفس النكتة.

نعم لو بني على التفكيك في الحجية، ورفعت اليد عن هذا المقطع من النص، فلن يكون هناك مانع من العمل على وفقه، وبالتالي البناء على أنها(ع) قد خلقت إبداعاً وإيجاداً كما خلق آدم(ع). وإلا فلا مناص من البناء على عدم وضوح كيفية خلقها، والتسليم بما هو ظاهر النص القرآني، من أنها(ع) قد خلقت دون تحديد لكيفية حصول ذلك وتحققه.

اسرائيلية نصوص الضلع:

بقي أن يشار إلى أنه يحتمل جداً أن تكون هذه النصوص التي تضمنت أنها(ع) قد خلقت من ضلع آدم(ع) الأيسر قد تسربت إلى مصادر المسلمين من الثقافة الاسرائيلية، فإن هناك العديد من الدراسات الحديثية تشير إلى وجود جذور عميقة لمسألة خلق حواء(ع) من ضلع آدم(ع) في ميثولوجيا الفكر الإنساني تمتد إلى آلاف السنين قبل ظهور الإسلام، ثم انتقلت الفكرة بعد ذلك للعهد القديم في الكتاب المقدس، إذ يعتقد كثير من الباحثين-ومن أبرزهم عالم الآثار الكبير صمويل نوح كريمر في كتابيه من ألواح سومر والأساطير السومرية- أن أصل فكرة خلق حواء من ضلع من آدم أو من أحد أجزائه يعود إلى ميثولوجيا بعض الحضارات الشرقية القديمة، ففي إحدى أساطير السومريـين، وهي من أقدم الأساطير المدونة التي وصلتنا، يذكر بأن المرأة قد خلقت من ضلع الرجل، حيث تحكي الأسطورة أن الإبن الإلهي(آنكي) أبو البشر أصيب بمرض شديد في أحد أضلاعه، كاد يقضي عليه، فأسرعت الإلهة الأم(نن هورساج) وخلقت له إلهة أنثى من ذلك الضلع بإسم(نن تي) مهمتها علاجه وتمريضه، واسم الإلهة(نن تي) مكون من مقطعين (نن) بمعنى سيدة، أو ربة، و(تي) بمعنى الضلع فيكون اسمها سيدة الضلع، وهي التي أحيت آنكي بعدما أشرف على الموت.

وثمة اعتقاد في الديانات الهندية القديمة-الفيدية والبراهمية والبوذية-أقرب لتلك الفكرة وهو أن المبدع الإلهي حين خلق المرأة خلقها من قصاصات وجذاذات المواد الصلبة التي زادت لديه بعد عملية خلق الرجل.

وأوجبت تلك الديانات-استناداً لذلك التصور-على الزوجة أن تخدم سيدها(زوجها)كما لو كان إلهاً.

ويبدو-كما يرى كثير من الباحثين-أن اليهود الذين عاشوا فترة من الزمن في بابل هي سنوات الأسر البابلي قد اقتبسوا تلك الفكرة من السومريـين، وهم أصحاب الحضارة السابقة على البابليـين، وأدخلوا عليها بعض التعديلات التي تلائم معتقداتهم، ثم سطروها في كتابهم المقدس، فقد ورد في الإصحاح الثاني من سفر التكوين ما يلي: فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم، فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمي هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت[24].

يوضح النص السابق بوضوح شديد وبتفصيل بيّن لا لبس فيه فكرة خلق المرأة من أحد أضلاع آدم، واللافت في النص أنه يؤكد أن الرب قد وضع مكان ضلع آدم لحماً وهو ما يعني من الناحية التشريحية أن عدد أضلاع الرجل أقل من عدد أضلاع المرأة بضلع واحد، بيد أن علم التشريح الحديث ينفي تلك الفكرة نفياً مطلقاً، حيث أن عدد أضلاع الرجل يساوي تماماً عدد أضلاع المرأة وهي إثنا عشر ضلعاً في كل جانب.

وشبيه بهذا الخطأ الوارد في العهد القديم الخطأ-أو بالأحرى الأخطاء-التي وقع فيها أرسطو عندما قال إن عدد أضلاع الرجل أقل من عدد أضلاع المرأة، حيث ظن أن للرجل ثمانية أضلاع فقط في كل جهة، وأن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل، وأن مخ الرجل أكثر تعقيداً من مخ المرأة، وظلت تلك الأخطاء سائدة لفترة طويلة، نظراً لدرجة القداسة التي بلغتها أفكار أرسطو واعتماد الكنيسة الكاثوليكية لهذه الأفكار، واعتبار أن من يأتي بكلام يخالف ما ذهب إليه أرسطو يعد مهرطقاً وخارجاً على العقيدة الكاثوليكية.

والحقيقة أن فكرة خلق المرأة من ضلع آدم قد تسربت للفكر الإسلامي من ذلك المصدر التوراتي، حيث دخل العديد من الأفكار التوراتية-سواء أكانت بشكل مقصد أم غير مقصود-لهذا الفكر منذ القرون الأولى لظهور الإسلام، ويطلق المفكرون المسلمون على هذه الظاهرة مصطلح(الإسرائيليات)، ونتيجة لمرور فترات طويلة دون نقد وتمحيص للتراث الإسلامي، خاصة في مراحل تدهور الحضارة الإسلامية، ترسخت تلك الفكرة في التراث، واعتبرها الكثيرون جزءاً من الفكر الإسلامي، ومن ثم قبل كثير من العلماء القدامى-من المؤرخين والمفسرين-تلك الفكرة، وبنوا عليها العديد من النتائج التي أسهمت في تدني النظرة للمرأة واقصائها عن العديد من الفضاءات الاجتماعية والفكرية، بل وأعطت فرصة ذهبية للمتربصين بالإسلام-وهم كثيرون-للهجوم عليه واتهامه بالتحيز ضد المرأة وقهرها والنيل من استقلال شخصيتها[25].

 

 

[1] بحار الأنوار ج 11 باب فضل آدم وحواء وبعض أحوالهما(ع) ح 5 ص 100.

[2] المصدر السابق ح 19 ص 109.

[3] المصدر السابق ح 35 ص 113.

[4] المصدر السابق ح 45 ص 116.

[5] المصدر السابق ح 31 ص 112.

[6] المصدر السابق ح 43 ص 115-116.

[7] المصدر السابق ح 45 ص 116.

[8] وسائل الشيعة ج 26 ب 2 حكم الخنثى المشكل الذي لم يتبين أمره ح 3 ص 286.

[9] المصدر السابق ح 4 ص 287-288.

[10] المصدر السابق ح 5 ص 288-289.

[11] مستدرك الوسائل ج 14 ب 17 من أبواب عقد النكاح ح 1 ص 324.

[12] بحار الأنوار ج 11 باب فضل آدم وحواء وبعض أحوالهما(ع) ح 6 ص 101.

[13] بحار الأنوار ج 11 باب فضل آدم وحواء وبعض أحوالهما(ع) ح 46 ص 116.

[14] من لا يحضره الفقيه ج 3 باب بدء النكاح وأصله ح 1 ص 247.

[15] مشيخة الفقيه

[16] علل الشرائع ج 1 ب 17.

[17] بحار الأنوار ج 11 باب تزويج آدم وحواء وكيفية بدء النسل ح 1 ص 220-221.

[18] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 248.

[19] بحار الأنوار ج 11 ص 116.

[20] مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج 7 ص 244-245.

[21] بحار الأنوار ج 11 ص 116.

[22] من لا يحضره الفقيه ج 3 باب بدء النكاح وأصله ح 1 ص 247.

[23] بحار الأنوار ج 11 باب تزويج آدم وحواء وكيفية بدء النسل ح 1 ص 220-221.

[24] سفر التكوين الاصحاح الثاني ص 21-23.

[25] من مقال بعنوان أخطاء يجب أن تصحح في الفكر الإسلامي المرأة لم تخلق من ضلع أعوج، للكاتب حسني إبراهيم عبد العظيم.