وظيفة العلماء في عصر الغيبة

لا تعليق
من القلب إلى القلب
6
0

وظيفة العلماء في عصر الغيبة

 

إن تحقق الظهور المبارك لسيدي ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، يتوقف على توفر شرائط الظهور الأربعة، والتي منها توفر الأرضية المهيأة للظهور، مع وجود المنتظرين الحقيقين العارفين بوظيفتهم خلال فترة الغيبة المظلمة، وقد تضمنت النصوص عرضاً لوظيفة المنتظرين خلال هذه الفترة، وأتخذ ذلك أساليب متعددة، ومن تلك النصوص التي تعرضت لذلك الدعاء الوارد في كتاب البلد الأمين، والمروي عن الناحية المقدسة، والذي يمكن تسميته بدعاء المهمات والوظائف في زمان الغيبة، قال(عج): اللهم ارزقنا توفيق الطاعة، وبعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحرمة، وأكرمنا بالهدى والاستقامة، وسدد ألسنتنا بالصواب والحكمة، وأملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهر بطوننا من الحرام والشبهة، واكفف أيدينا عن الظلم والسرقة، واغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة، وأسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة، وتفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة، وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة، وعلى موتاهم بالرأفة والرحمة، وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة، وعلى الشباب بالإنابة والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفة، وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة، وعلى الفقراء بالصبر والقناعة، وعلى الغزاة بالنصر والغلبة، وعلى الأسراء بالخلاص والراحة، وعلى الأمراء بالعدل والشفقة، وعلى الرعية بالإنصاف وحسن السيرة، وبارك للحجاج والزوار في الزاد والنفقة، وأقض ما أوجبت عليهم من الحج والعمرة، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

وقد تضمن الدعاء أمرين أساسيـين:

الأول: بيان وظائف المنتظرين العامة، وهي التي يشترك فيها المنتظرون جميعاً على حد سواء، أياً ما كانت وظيفة الواحد منهم، فلا يفرق فيها بين الذكر والأنثى، وبين الشاب، والشيخ، وبين العالم والجاهل.

الثاني: بيان وظيفة المنتظر انطلاقاً من الصفة التي يتلبس بها، فالوظيفة المناطة بالمرأة تختلف عن الوظيفة المناطة بالرجل، فإن لكل واحد منهما وظيفة مختلفة، كما أن وظيفة المتعلم تختلف عن وظيفة العالم، ووظيفة الفقير تختلف عن وظيفة الغني، وهكذا.

ومع أن كل واحد من الأمرين المذكورين بحاجة إلى تسليط الضوء عليه، وهذا يستدعي طولاً لا يناسبه هذا المختصر، نسأل الله تعالى التوفيق لذلك في عرضه في قادم الأيام بصورة مفصلة، ولكن من باب ما لا يدرك كله، لا يترك جله، نحاول تسليط الضوء إجمالاً على الوظائف الخاصة لبعض الأفراد، والتي تكون مرتبطة بنا، وهي وظيفة العلماء، حيث ذكر(عج)، أن وظيفتهم أمران: الزهد والنصيحة، فقال(بأبي هو وأمي): وتفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة.

وظيفة العلماء في عصر الغيبة المظلمة:

ومن الطبيعي أن من يلقى على عاتقة المسؤولية في إعداد الكوادر الصالحة لقيام الدولة المهدوية، والممهدة للظهور المهدوي، هم العلماء، وهذا يعني وجود مسؤولية مضاعفة عليهم، فمضافاً لما هم مكلفون ومطالبون به  في خصوص أنفسهم، هم مطالبون أيضاً بتكليف يرتبط بالوسط الاجتماعي.

وقد أوجز سيدي ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواده الفداء) الوظيفة المناطة بالعلماء في عصر الغيبة المظلمة في وظيفتين رئيسيتين، تمثل الأولى منهما البعد الذاتي، وهو الذي يرتبط ببناء العالم لنفسه، بينما تمثل الأخرى البعدي الإصلاحي المجتمعي، وهي التي يقوم بها العالم في وسط الناس.

وفي تقديم سيدي صاحب الناحية المقدسة(روحي له الفداء)، وظيفة العلماء على بقية وظائف أفراد المجتمع، دلالة على مدى أهمية دور العلماء الإصلاحي في الوسط الاجتماعي، سواء في البعد التربوي، أم البعد الأخلاقي، أم البعد المعرفي، خصوصاً وأن العلماء في الرؤية الإسلامية يمثلون أحد عنصري التأثير في المجتمعات، مقابل العنصر الثاني وهو القيادات السياسية.

الإعراض عن الدنيا:

أما الأولى منهما، فقد عبر عنها(عج)، بالزهد، وهي أبعد من حروف الكلمة، وأخطر من مدلولها، لأن الزهد مفهوم واسع من حيث التطبيق، وله أكبر الأثر في البناء المعنوي للنفس البشرية، وهو(بأبي وأمي)، يشير إلى أن أخطر آفة تواجه عالم الدين، هي طلب الدنيا والإقبال عليها، والميل إلى التعلق بها، وهو بهذا يشير إلى ضرورة قيام العالم بتقوية ملكة الزهد الموجودة عنده، من خلال الإعراض عن زينة الحياة الدنيوية الحقيقية، والاعتبارية، إلى درجة تجعل باطنهم لا يميل إلى الدنيا، أو التعلق بها أبداً، فتكون الدنيا بالنسبة إليهم مجرد طريق لتشيـيد بناء الآخرة، فيندفعون إلى اصلاح أنفسهم، وتصحيح سلوك الأمة المنتظرة[1].

تحديد الزهد المطلوب:

والظاهر أن الزهد الذي ينبغي أن يكون صفة بارزة في شخصية عالم الدين، بل ملكة يتحلى بها، لا يقصد به مجرد الزهد عن المحرمات، ولا الزهد عما في أيدي الناس، لأن الأول منهما واجب على كل أحد، ولا خصوصية لعلماء الدين دون غيرهم به، كما أن الثاني ممدوح لكل أحد، لأن من رغب في ما يكون بيد أحد صار أسيره، بل المقصود منه الزهد في المباحات، فلا يملكه شيء منها، ويكون معرضاً عنها، ويشير لهذا المعنى أمير المؤمنين(ع)، حيث يقول: الزهد في الدنيا ثلاثة أحرف: زاء، وهاء، ودال، فأما الزاء فترك الزينة، وأما الهاء فترك الهوى، وأما الدال فترك الدنيا[2].

وتتضح أهمية تحلي العلماء بصفة الزهد ودور ذلك في البناء والإعداد للمجتمع المهدوي، بملاحظة ما قاله الإمام الصادق(ع) عن الزهد، فقد جاء عنه: الزهد مفتاح باب الآخرة، والبراءة من النار، وهو تركك كل شيء يشغلك عن الله تعالى من غير تأسف على فوتها، ولا إعجاب في تركها، ولا انتظار فرج منها، ولا تطلب محمدة عليهاـ ولا غرض لها، بل يرى فوتها راحة، وكونها آفة، ويكون أبداً هارباً من الآفة معتصماً بالراحة[3].

وقد تضمنت النصوص وصفاً للزاهدين، وعرضت أهم ما يميزهم عن غيرهم، فقد جاء عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: الزاهد الذي يختار الآخرة، والذل على العز والدنيا، والجهد على الراحة، والجوع على الشبع، وعافية الآجل على المحنة العاجل، والذكر على الغفلة، وتكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة[4].

ثمرات الزهد:

ويكفي أن يقف الإنسان على أن للزهد مجموعة من الثمرات، وأهمها أنه يورث الحكمة والعلم ولايقين، فقد جاء عن أمير المؤمنين(ع): أصل الزهد اليقين، وثمرته السعادة، وقال(ع): مع الزهد تثمر الحكمة.

وربما كان الداعي في تقديم سيدي ولي النعمة(روحي لترابح افر جواده الفداء)، الزهد على النصيحة[5]، كشفه عن سيطرة العالم على نفسه وتجاوز تهذيبها، فيكون مؤهلاً لإصلاح الآخرين، لأن الغالب أن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن لمن يكون بعيداً عن الله تعالى، أن يكون مرشداً وموجهاً للارتباط به سبحانه.

النصح والتوجيه:

وأما الوظيفة الثانية، والتي تتمثل في الدور الإصلاحي والتوجيهي الذي يباشره عالم الدين في المجتمع المعد للدولة المهدوية، ولنسمه المجتمع المهدوي في قادم الأيام، فتتمثل في النصح والإرشاد والتوجيه.

وتمثل النصيحة واحداً من أهم موجبات الاحساس بالمسؤولية والقيام بها، ذلك أن الداعي للناصح أن يتصدى للنصح إحساسهم بحاجة المنصوح إلى التوجيه والإرشاد، وهو يرى أن ذلك وظيفة عقلائية عليه، قبل أن تكون وظيفة شرعية، بل يراها من الأمور الإنسانية التي تحكمها الأبعاد الإنسانية بكل معانيها وصورها.

الانقياد والتسليم والخلوص:

ومن المحتمل جداً، أن لا يكون المقصود من النصيحة في كلامه(عج)، معناها العرفي، وإنما معناها الحديثي، أعني ما يستعمل به المعصوم(ع) هذه المفردة، وهو معناها اللغوي، والذي يعني الاخلاص والانقياد، والخلوص من كل الشوائب والكدورات، والرياء، والعجب، فتكون منصبة في البناء الذاتي للعالم، ولا ربط بها بالبعد الاجتماعي، وبناء أفراد المجتمع، وهذا المعنى قد ينسجم وكون الصفات الخاصة التي تضمنها الدعاء، غايتها الحديث عن وظائف كل فئة من الناس في أنفسهم، دون تعرض منها لوظائفهم بالنسبة إلى غيرهم[6].

وعلى أي حال، سواء بني على المحتمل الأول الذي ذكرناه في معنى النصيحة، أم بني على المحتمل الاثني، فإن كليهما ينصبان في بيان وظيفة العلماء والمسؤولية الملقاة على عواتقهم خلال فترة الغيبة المظلمة، خصوصاً وأن كليهما يتفقان على أن النصيحة عبارة عن الخلوص، وإن كانا يختلفان في توابع هذا الخلوص.

نسأل الله تعالى أن يعيننا على شرور أنفسنا، وأن يجعلنا وإياكم من المتعلمين الذين يقومون بما طلب منهم(عج) في الدعاء من وظيفة، ويبلغكم أن تكونوا من العلماء الذين يقومون بهذه المسؤوليات.

…………………………………………………..

 

 

 

[1] الإمام المهدي الموجود الموعود ص 226.

[2] جامع الأخبار الفصل 66 ص 109.

[3] مصباح الشريعة ب 64 ص 137.

[4] مصباح الشريعة ص 137.

[5] والظاهر أنه لا يختلف الحال في موجب التقديم المذكور بين تفسير النصيحة بالمعنى الأول الذي سوف يأتي، أم فسرت بالمعنى الثاني.

[6] الإمام المهدي الموجود الموعود ص 226.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة