23 أبريل,2019

الإبداع في حدث المؤاخاة

اطبع المقالة اطبع المقالة

 

الإبداع في حدث المؤاخاة

 

من أول الأعمال التي قام بها النبي الأكرم محمد(ص) بمجرد وصوله إلى المدينة المنورة، عقد رباط المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ويعتبر ذلك من أهم الأعمال التي قام بها النبي(ص)، وقد كان ذلك لدواعي عديدة، حصرها بعضهم في البعد العسكري، معللاً ذلك بالانسجام بينهم عندما يكونوا النواة الأساس للجيش الإسلامي، مع أن القارئ لحقيقة الحدث المذكور يجده أعمق من ذلك.

وعلى أي حال، هنا جانبان متصوران في حدث المؤاخاة، جانب عقدي، وجانب اجتماعي.

أما الجانب الأول، وهو الجانب العقدي، فيتمثل في مؤاخاة النبي(ص) إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) دون غيره من المسلمين، وقد جعل الشيعة هذا العقد الذي وقع بينهما أحد الأدلة أو الشواهد على استخلاف النبي(ص) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) بعده، وأن له منصب الإمامة بعد النبي(ص).

وأما الجانب الثاني، وهو الجانب الاجتماعي، فإنه يتمثل في مؤاخاة المسلمين بعضهم مع بعض.

 

مؤاخاة المسلمين:

وقع الخلاف بين المؤرخين في أن عقد المؤاخاة الذي قام به النبي(ص) قد وقع مرة واحدة، أو أنه قد وقع متعدداً بحيث حصل أكثر من مرة.

والمعروف المتفق عليه بين المسلمين، وقوعها في المدينة المنورة، بين خمسة وأربعين من المهاجرين، ومثلهم من الأنصار، وقد تضمنت المصادر التاريخية ذكراً لأسمائهم. نعم قد وقع الخلاف في وقوعها بين المسلمين حال تواجدهم في مكة المكرمة، فذكر البلاذري أن الرسول(ص) قد آخى بين المسلمين في مكة المكرمة قبل الهجرة على الحق والمواساة، فآخى بين حمزة بن عبد المطلب، وبين زيد بن حارثة، وبين أبي بكر وعمر، وبين عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وعبد الله بن مسعود، وهكذا. وقد ذكر ذلك أيضاً ابن سعد في طبقاته.

وقد حكى ابن حجر العسقلاني، كلام ابن عبد البر، بحصولها مرتين، الأولى منهما في المدنية، فإنه قال: كانت المؤاخاة مرتين، مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك في مكة.

 

مع ابن تيمية:

وأنكر حصولها في مكة ابن تيمية، ومن تبعه، خصوصاً مؤاخاة النبي(ص) لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، وعلل ذلك بأن الغرض الذي جعلت المؤاخاة من أجله، هو إرفاق بعضهم ببعض وتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي(ص) لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجر لمهاجر.

وما ذكره لا يخرج عن كونه مجرد استحسان، وليس برهاناً ودليلاً يصلح لرد النص التاريخي الموجود، بل هو في الحقيقة رد للدليل بالقياس، وغفلة عن الحكمة من المؤاخاة، فإن بعض المهاجرين كان أقوى حالاً من بعض بالمال والعشيرة والقوة، فعمد(ص) إلى المؤاخاة بين الأعلى والأدنى. فقد كان جملة من الذين عقدت لهم المؤاخاة في مكة المكرمة من الموالي والأحلاف وكان الطرف المقابل هم السادة والأشراف من قريش، فآخى النبي(ص) بين أبي عبيدة بن الحارث، وبلال بن رباح، وبين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام، وقد خلق هذا النوع من العمل نوعاً من التواصل والتلاحم والانصهار في أخوة الدين، وإلغاء جميع الفوارق العرقية والاجتماعية، لأنه أصبح السيد أخاً للعبد، وذابت الطبقية التي كانت تحكم الجاهلية العربية.

وبالجملة، إن اشتمال المصادر التاريخية على وقوع المؤاخاة في مكة المكرمة، وذكر أسماء الذين وقعت المؤاخاة بينهم مانع من القبول بما ذكره ابن تيمية ومن تبعه في إنكارها.

 

دائرة عقد المؤاخاة:

وقد اختلف في ما عقدت المؤاخاة عليه، والمسلّم به أن النبي(ص) قد آخى بينهم على الحق والمواساة، وقيل على التوارث أيضاً، وإن كان قد نسخ بعد ذلك بنـزول سورة الأنفال التي نصت على جعل الميراث لخصوص أولي الأرحام، في قوله تعالى:- (وأولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).

ولم يلق القول بالمؤاخاة بينهم على التوارث أيضاً، وأنه قد نسخ بعد ذلك قبولاً عند بعضهم، فأورد عليه، بإيرادين:

الأول: لو سلم بتحقق النسخ للحكم المذكور، فإن اللازم أن يكون حصول النسخ بعد حضور وقت العمل، ولا معنى لأن ينسخ حكم قبل حضور وقت العمل به، مضافاً إلى أن جعل حكم ومن ثم نسخه أمر عبثي، لا فائدة فيه، فلماذا يجعل والحال أنه سوف ينسخ؟

الثاني: إنه لو سلم بتحقق المؤاخاة على ذلك، فلماذا لم ينقل لنا المؤرخون أن المؤاخيـين من المهاجرين والأنصار قد ورثوا من الشهداء يوم بدر، فإن خلو المصادر التاريخية عن الإشارة إلى ذلك يساعد على عدم ثبوت المؤاخاة على التوارث، لا أنها كانت موجودة ثم نسخت.

والإشكالان كما ترى، إذ يمكن الجواب عن ثانيهما، بعدم كون أحد شهداء بدر من الذين قد عقد بينهم عقد المؤاخاة حتى يرثه أخوه الذي كان آخاً له بعقد المؤاخاة.

 

السنخية في المؤاخاة:

وقد راعى النبي(ص) حال عقده للمؤاخاة أن تكون بين كلٍ ونظيره، فقد آخى(ص) في مكة المكرمة بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى(ص) بين نفسه الشريفة، وبين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع).

ولما جاء(ص) إلى المدينة المنورة، عمد إلى إيقاع المؤاخاة مرة ثانية، فقام بالمؤاخاة أيضاً بين أبي بكر وخارجة بين زهير، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وخص الإمام علي بن أبي طالب(ع) بنفسه، فلم يؤاخه مع أحد سواه(ص).

وعند التأمل في عقد المؤاخاة الذي أوقع بين الأفراد، يستفاد أن هناك مسانخة بين الأشخاص أنفسهم وتلائم ومشابهة في النفسيات، دعت إلى أن يكون كل واحد منهما أخاً للآخر، فلوجود المسانخة والمشابهة بين أبي بكر وعمر، وقع عقد المؤاخاة بينهما في مكة، وقد استمر هذا العقد حتى بعد الوصول إلى المدينة، وكذا الحال بالنسبة لطلحة والزبير، ومثل ذلك بالنسبة للمؤاخاة الحاصلة في المدينة المنورة.

وهذا الذي ذكرناه من وجود مسانخة وتلائم وانسجام بين الأخوين، ينطبق عليه(ص)، وعلي بن أبي طالب(ع)، فإن إيقاع العقد المذكور بينهما مرتين، مرة في مكة، وأخرى في المدينة، يشير إلى ذلك.

 

الهدف من المؤاخاة:

يعتبر عقد المؤاخاة من أهم الأعمال الإبداعية التي قام بها النبي الأكرم(ص) من أجل انجاح مسيرة المجتمع المسلم، وقد شرعت لعدة عوامل:

منها: بناء مجتمع إسلامي جديد يقوم على روابط جديدة تختلف عما كان معروفاً عند العرب قبل الإسلام، وهي رابطة العقيدة، والأخوة الإسلامية التي أصبحت الرابطة الأولى التي تربط أفراد المجتمع المسلم، بعيداً عن عصبيات الجاهلية، بل أكدت على الوحدة الإسلامية، قال تعالى:- (إنما المؤمنون إخوة).

ومنها: معالجة الأزمة المالية الناتجة عن الهجرة التي قام بها المهاجرون إلى المدينة المنورة، فقد ترك المهاجرون من مكة أموالهم ودورهم، وخرجوا فارين بدينهم، ومن الطبيعي أن يسبب هذا مشكلة للدولة الناشئة حديثاً، إلى أن يتمكن هؤلاء من استعادة وضعهم الحياتي الطبيعي، وقد دعى هذا إلى ضرورة وجود حل سريع وعلاج لهذه المشكلة حتى لا تتفاقم الأزمة، فكان تشريع هذا القانون خير علاج لذلك، إذ أعطى المهاجرين ارتياحاً وشعوراً بالطمأنينة والاستقرار، من دون أن يكونوا عبئاً  على الأنصار الذين عرضوا على المهاجرين اقتسام الممتلكات معهم، كما شهد القرآن الكريم لهم بذلك، قال تعالى:- (والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).

ومنها: تغيـير الفكر الجاهلي، ونفي وجود التحالف، فليس القادمون إلى المدينة المنور حلفاء للأوس، ولا حلفاء للخزرج، بل هم أخوة إسلام ومعتقد، فلا يفرق بين هذه القبيلة، ولا بين تلك.

ومنها: البعد الاجتماعي بتخفيف وحشة الغربة، فإن من يكون له أخ في غربته، يختلف حاله عمن لا يكون له من يرتبط به، ويأوي إليه ليأنس به.

ومنها: تمكن النبي الأكرم(ص) من خلال عقده للمؤاخاة من القضاء على كافة الاختلافات والرواسب القديمة التي كانت باقية بين المسلمين من المهاجرين والأنصار إلى ذلك اليوم، وتمكن من حل واحدة من المشاكل الأساسية التي كانت تواجه الدولة الفتية والحديثة الإنشاء. لأن المسلمين مهاجرين وأنصار، قد نشأوا في بيئتين مختلفتين، ومن الطبيعي أن يكون لذلك أثره في السلوك والمعاشرة، وطريقة التفكير، كما أن الأنصار وهم الأوس والخزرج كان بينهم رواسب عداء قديم وبقايا ضغائن نشأت من خلال الحروب الطويلة التي استغرقت سنين طويلة، وهذا كان يشكل مانعاً من إيجاد سبل الحياة والاستقرار بسلام، فكانت المؤاخاة السبيل الأسلم للقضاء على ذلك[1].

 

تنمية الإبداع والمواهب:

قد عرفت أن النبي(ص) عندما قام بعقد المؤاخاة بين كل طرفين، قد راعى وجود السنخية بينهما والمشابهة في الصفات، وهذا يلحظه كل من تتبع جدول الأسماء الذين حصلت بينهم المؤاخاة، فإنه سوف يجد أن بعضهم قد امتاز بصفة الشجاعة والإقدام، بينما تميز آخر بصفة الجود والكرم، وقد كانت السمة الغالبة على ثالث هي الزهد والورع، وألتـزم آخر بالاهتمام بالعلم والمعرفة، وهكذا.

وعلى أي حال، فإنه يمكن تقسيم المواهب التي كانت موجودة عند هؤلاء الذين تمت المؤاخاة بينهم إلى أقسام:

 

أحدها: الجانب الجهادي، وهذا تجده متثملاً في عبيدة بن الحارث، وعمير بن الحمام الأنصاري، وقد استشهدا معاً في معركة بدر، فقد مضى عبيدة متأثراً بجراحه بعدما بارز مع أمير المؤمنين(ع)، والحمزة الأمويـين، وكان عمير أول شهداء معركة بدر. وكذا تجده في المقداد بين الأسود، وعبد الله بن رواحة.

ثانيها: البعد الإداري والقيادي، ويلحظ هذا في شخص زيد بن حارثة، وأسيد بن حضير الأنصاري. فقد كان رسول الله(ص) يعدّ زيداً ليكون قائداً فذاً، ويربيه ليكون أميراً، بعدما رأى فيه خصائص الإمارة، ويدل على ذلك جعل النبي(ص) إياه قائداً لعدد من السرايا التي أرسلها، وأما أسيد فإن مركزه القيادي معروف وليس خفياً على أحد.

ثالثها: قيمة الجود والسخاء. وقد ذكر نموذجاً لذلك طلحة بن عبد الله، وكعب بن مالك الأنصاري، حيث نقلت نصوص في كرم طلحة وسخائه، حتى أنه كان يسمى بطلحة الخير، والفياض بسبب كرمه وجوده وسخائه. ويكفي في بيان كرم كعب، أنه قد تنازل عن شطر دينه لأبي حدود الأسلمي بسبب إشارة النبي(ص) له.

رابعها: العلم ونشر المعرفة وحسن الخلق، وقد ذكر نموذجاً لها الأخوة التي كانت بين معاذ بن جبل، وجعفر بن أبي طالب(رض)، وكفى جعفر فضلاً قول النبي(ص) له: أشبهت خلقي وخلقي. وقد جاء في وصف معاذ على لسان بن مسعود: أنه كان أمة قانتاً لله حنيفاً، وكان من أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً وأسمحهم كفاً.

وتجد هذا الجانب أيضاً في الصحابي الجليل سلمان المحمدي، وأبي الدرداء الأنصاري، فقد عرف سلمان بالزهد والعلم، وقد شهد له رسول الله(ص) بذلك، ومثل ذلك تضمنت المصادر الحديث حول أبي الدراء علماً وزهداً.

وقد كان عمار بن ياسر وأخوه حذيفة بن اليمان شريكين أيضاً في الصفات التي كانت محور أخوتهما، فقد لازما رسول الله(ص) في مشاهده كلها، وبعد رحيله(ص) عن الدنيا، تصديا للعمل الإداري والقيادي، فكان حذيفة والياً على المدائن، وعمار والياً على الكوفة[2].

 

منقبة لأمير المؤمنين:

وقد تضمن حدث المؤاخاة منقبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، نص عليها كل من تعرض لهذا الحدث التاريخي، وهو مؤاخاته مع النبي(ص) واصطفاء النبي(ص) إياه دون غيره من الصحابة، فقد ورد أنه(ص) لما فرغ من المؤاخاة، قال له علي بن أبي طالب(ع)، وهو يبكي: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد.

فقال له رسول الله(ص)، وقد أخذ بيده: أنت أخي في الدنيا والآخرة[3].

وقد ذكرت بعض المصادر جواب رسول الله(ص) بصورة أكثر تفصيلاً، فقد جاء في ينابيع المودة للقندوزي: أنه(ص) قال له: والذي بعثني بالحق نبياً ما أخرتك إلا لنفسي، فأنت مني بمنـزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي[4].

 

مع عقد المؤاخاة:

وقد جرت العادة أن يعقد المؤمنون في الثامن عشر من شهر ذي الحجة عقد مؤاخاة بين بعضهم البعض، وقد اشتملت بعض كتب الأدعية على التأكيد على ذلك، فقد ذكر المحدث الشيخ عباس القمي(ره) في كتابه مفاتيح الجنان، صيغة المؤاخاة التي يقع بها عقد الأخوة، قال(ره): ولذلك ينبغي فيه أن يؤاخي المؤمن أخاه، بأن يضع يده اليمنى على اليد اليمنى لأخيه المؤمن، ويقول: وآخيتك في الله وصافيتك في الله وصافحتك في الله وعاهدت الله وملائكته ورسله وأنبياءه والأئمة المعصومين(ع) على أني إن كنت من أهل الجنة والشفاعة وأذن لي بأن أدخل الجنة لا أدخلها إلا وأنت معي.

ثم يقول أخوه المؤمن: قبلت، ثم يقول: أسقطت عنك جميع حقوق الأخوة ما خلا الشفاعة والدعاء والزيارة[5].

وربما تثار حول هذا العمل جملة من التساؤلات نشير إلى بعضها تباعاً، ونحاول الإجابة عنها:

أحدها: هل يلزم أن يكون هناك نص تاريخي حتى يتسنى للمؤمنين وفقهم الله تعالى التعبد بهذا العمل والقيام بإحيائه، أو لا يعتبر ذلك، بل يكفي أن يحرز وجود سيرة حاصلة بين أهل العلم؟

ويجاب عن ذلك، بعدم الحاجة إلى ذلك، لوجود العديد من النصوص المشيرة إلى أن العلاقة الحاصلة بين المؤمنين بعضهم مع بعض هي علاقة أخوة، وأن لكل واحد منهم على الآخر كافة الحقوق التي للأخ التنـزيلي، وليس الأخ النسبي. وهذا يغني عن الحاجة إلى وجود نص تاريخي وبكيفية معينة حتى يعمل على وفقه.

 

والحاصل، إن أصل عقد المؤاخاة بين كل مؤمنين، على وفق القواعد العامة المستفادة من النصوص التي تضمنت الحديث عن حق المسلم على أخيه المسلم، وحق المؤمن على أخيه المؤمن، وقد ذكر جملة وافرة منها في الكافي.

ثم إن لو رفعت اليد عن تلك النصوص، فإنه يمكن الاكتفاء بوجود مثل هذه السيرة الموجودة بين أهل العلم في إيقاع مثل هكذا عقد في مثل هذا اليوم العظيم، ولا يحتمل أن تكون السيرة المذكورة حادثة وجديدة، بل الظاهر أنها سيرة متلقاة من الرعيل الأول القريب العصر من زمان المعصوم(ع)، أو المعاصر له، ما يوحي بوجود سيرة متشرعية على مثل هكذا عمل.

ومع توفر نص يتضمن ذلك، فهل يلزم أن يكون معتبراً، أم يمكن الاستناد إليه ولو كان ضعيف الإسناد؟

 

قد حكى المحدث القمي(ره) النص الذي نقلناه عنه عن المحدث النوري(ره)، وهذا يكشف عن وجود نص، نعم هو ضعيف السند، وعندها يمكن الاستناد إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن على جمع المباني، فمن أختار مبنى المشهور، فسوف يلتـزم بأن مقتضاها البناء على استحباب عقد المؤاخاة يوم الغدير، ومن بنى على أن أقصى ما يستفاد من أخبار من بلغ الإتيان بالعمل بعنوان الرجاء، فإنه سوف يقرر الاتيان بالعمل في ذلك اليوم بعنوان الرجاء، وليس بعنوان الاستحباب.

ثانيها: ما هو موضوع هذا العقد، هل هو خصوص المؤمن بالمعنى الأخص، فلا يقع مع المسلم، أو موضوعه المسلم؟

الظاهر أنه يختص بالمؤمن بالمعنى الأخص، ولا يشمل غيره، وهذا هو الذي تساعد عليه نصوص الأخوة الإيمانية التي تضمنها كتاب الكافي، ذلك أن المراجع إليه يجد نوعين من الأخبار، بعضها تضمن الحديث عن حقوق المسلم، والآخر كان موضوعه المؤمن، والظاهر أن النسبة بينهما العموم المطلق، لأن كل مؤمن مسلم، ولا عكس.

وقد كان موضوع النص محل البحث هو المؤمن، وهو عند الإطلاق يحمل على المؤمن بالمعنى الأخص، ما يجعله مختصاً به دون المسلم.

ثالثها: بعد الفراغ عن تحديد متعلق العقد المذكور، فهل يشمل الفاسق، أم يختص بالعادل دون الفاسق؟

الظاهر عدم الاختصاص بالعدل لكي يكون الفاسق خارجاً من تحت العقد، لعدم تقيـيد إيقاعه بكون الطرف الآخر مؤمناً، نعم لا يحسن أن يوقع الإنسان المؤمن عقد الأخوة مع شخص ليس على جانب التدين والالتـزام، فإن أحد الآثار التي يرغب المؤمن الحصول عليها من خلال عقد الأخوة، تحصيل الدعاء والزيارة مثلاً، وهذا قد يبعد حصوله من مثل هكذا شخص.

 

 

[1] سيد المرسلين ح 2 ص 18، 21(بتصرف).

[2] مجلة كلية العلوم الإسلامية العدد(15/2) الدكتور محمد علي صالح(بتصرف).

[3] المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 14.

[4] ينابيع المودة ص 56.

[5] مفاتيح الجناب ص 337.