23 أبريل,2019

علم الإمام بالغيب (3)

اطبع المقالة اطبع المقالة

 

علم الإمام بالغيب (3)

معالجة النصوص المباركة:

وأما الروايات التي يظهر منها عدم ثبوت علم الغيب للمعصوم(ع)، فقد يدعى وجود المانع من صدورها لتدخل دائرة الحجية، وينشأ المانع المذكور من خلال ما يعتبر في حجية الخبر من نقده متناً بعرضه على القاعدتين العقلية والشرعية، ومتى كان موافقاً لهما، أوجب ذلك حجيته بعد ملاحظة الأمور الأخرى المعتبرة فيه، وإلا سقط عن الاعتبار، وهذا ما لا يتوفر في النصوص محل البحث، فإنها مخالفة للقاعدة الشرعية، القاضية بلزوم عرض الخبر على الكتاب، فإن كان مخالفاً له سقط عن الاعتبار، ولم يدخل دائرة الحجية. والنصوص المذكورة مخالفة لنص القرآن الكريم، الدال على ثبوت علم الغيب للمعصوم(ع)، وهي تنفيه عنه، فتسقط عن الاعتبار.

ويمكن دفع هذا المانع، بأن نصوص الصنف الثاني الدالة على ثبوت علم الغيب للمعصوم(ع) لا تثبته له بشكل مطلق، وإنما تثبته له بمقتضى ما علمه الله تعالى إياهم، وهذا لا ينفي عدم علمهم ببعض الأمور، وعليه فوجود مورد لا يعلمون فيه الغيب أمر متصور ثبوتاً، ولا يكون مخالفاً للقرآن الكريم، فتأمل[1].

وقد تعالج النصوص المذكورة بعدم وجود المقتضي فيها للدلالة على نفي علم الغيب عنه(ع)، لأن الموضوع الوارد فيها أجنبي عما هو محل البحث، إذ أن الغيب المنفي فيها ليس مطلق علم الغيب، وإنما هو خصوص علم الساعة، ويساعد على ذلك ما ورد في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين(ع)، في حديثه مع أخ كلب،  وقد تقدم ذكره، وقد جاء فيه: يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم، وإنما علم الغيب علم الساعة، وما عدّده الله سبحانه بقوله:- (إن الله عنده علم الساعة وينـزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت)[2].

وهذا العلاج لو سلم بقبوله في بعض النصوص المذكورة، فإنه لا يجري في البقية، لصراحتها في أن علم الغيب الذي ينفيه عن نفسه المقصود به عدم الإحاطة والاطلاع على ما لا تدركه الحواس، فلاحظ قوله أبي عبد الله الصادق(ع) عندما هربت جاريته: يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي؟ فإن هذا التعبير واضح في عدم نفيه عن نفسه علم الساعة، بل يريد نفي المعرفة والإحاطة بالأمور.

نعم يمكن الإجابة عنه وعن بقية النصوص، بأن ما ينفيه(ع) ليس مطلق الإحاطة بعلم الغيب ولو كان ذلك بتعليم من الله سبحانه وتعالى، وإنما الذي ينفيه هو علمه بالغيب على نحو الاستقلال وبالذات، وبالتالي لا تكون صالحة لمدعى النافين لعلم المعصوم(ع) بالغيب، بل سوف تكون منسجمة تماماً مع ما يقرره الشيعة وما يعتقدونه. ويساعد على ذلك أن بعضها لم يتضمن نفي الغيب بقول مطلق، وإنما ركز على أن ما لديهم من علم هو بالتعليم والتلقي من النبي(ص).

على أنه لو لم يقبل بما ذكرناه، لرفعنا اليد عنها، لأنها من أخبار الآحاد، وما دل من النصوص على ثبوت علم الغيب لهم(ع) متواتر، ومن المعلوم أن الخبر الظني لا يعارض الخبر القطعي.

ومن المحتمل جداً أن صدور هذه النصوص كان لغاية معينة ما يجعل موضوعها خاصاً، وليس له عموم أو اطلاق، إذ يقرر أن مدلولها هو نفي الألوهية عنهم(ع)، ومحاولة التركيز على بشريتهم رغبة في علاج شبهة الغلو، وهذا ما أشار إليه العلامة المجلسي(ره)، قال: اعلم أن الغلو في النبي والأئمة(ع) إنما يكون بالقول بألوهيتهم أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبودية، أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى[3].

وربما حمل بعضهم هذه النصوص على عدم علم المعصوم(ع) بالموضوعات الخارجية، وهو يشير إلى التفصيل في مقدار علمه(ع)، وسوف يأتي الحديث عن ذلك إن شاءا لله تعالى.

وقد أجاب العلامة المجلسي(ره) عن خبر سدير[4] بثلاثة أجوبة:

أولها: أن الرواية ضعيفة السند، حيث اشتمل سندها على بعض المجاهيل.

ثانيها: أن يكون الغرض من خفاء بعض الأمور الجزئية على المعصوم(ع) في وقت من الأوقات، ناشئاً من وجود مصلحة تقتضي ذلك.

ثالثها: البناء على عدم توفر أصالة الجهة في الخبر المذكور، وأنه قد صدر تقية[5].

وقفات وإشكالات:

ثم إنه قد يعترض على النتيجة التي توصلنا إليها من البناء على ثبوت علم الغيب للمعصوم(ع) بأنها تتنافى والسلوك الخارجي الموجود للمعصومين(ع)، إذ أن ملاحظة سيرتهم الحياتية كاشفة عن عدم تمامية النتيجة المدعاة، ويساعد على ذلك أمران:

الأول: إقدامهم(ع) على القتل، سواء بتناول الطعام المسموم، أو الخروج للموت بالسيف، لما هو الثابت عند الشيعة من أن المعصومين(ع) لم يموتوا حتف أنفهم، وإنما تعرضوا لعملية قتل واغتيال. وهذا يتنافى مع القول بعلمهم للغيب، إذ مقتضى علمهم بذلك يجعلهم على دراية بما في الطعام من سم مثلاً، فيمتنعون عن تناوله، ولو بني على علمهم بوجود السم فيه، ومع ذلك أقدموا على تناوله، فإن ذلك من إلقاء النفس في التهلكة.

وهذه الشبهة قد أثيرت في عصر الأئمة الأطهار(ع)، وليست شبهة وليدة اليوم أو جديدة، وقد تمت الإجابة عنها بإجابات متعددة من قبل أعيان الطائفة وعلمائها، وقد تعرضنا لذلك في بحث مستقل، يمكن للقارئ العزيز الرجوع إليه، فلا حاجة لإعادة ما ذكرناه هناك.

الثاني: إنهم لو كانوا يعلمون الغيب لصدر عنهم ما يشير إلى ذلك كإخبار الناس بوقت وفاتهم، وتحديد أعمارهم وآجالهم، وهذا لم يرد عن أحد منهم(ع) أصلاً، ما يعني عدم ثبوت علم الغيب إليهم.

وكأن المستشكل يحصر علم الغيب الثابت لهم(ع) في مفردة واحدة، وهي الإخبار بالآجال والأعمار، مع أن المفروض أنه أوسع من ذلك، ومع ذلك لا مانع من تسليط الضوء على هذه الناحية، والإشارة للجواب عنها، فنقول:

من المعلوم أن العبد يعمل العمل راجياً من الله سبحانه وتعالى القبول والمثوبة، كما أنه يحذر الفعل خشية من النار والعقوبة، وهذا يعني أن الإنسان بين الخوف والرجاء في كل ما يصدر منه، فلو أبلغ الإنسان بأجله كان ذلك موجباً لتركه العمل واشتغاله بذلك، وهذا يتنافى والغاية التي خلق الإنسان من أجلها. وهذا يعني أن المصلحة تقتضي عدم إحاطة الإنسان بوقت وفاته حذراً من أن يكون ذلك سبباً موجباً لخسارته.

دائرة علم المعصوم:

ثم إنه بعد الفراغ عن إثبات أنهم(ع) يعلمون الغيب يلزم تحديد دائرة علمهم(ع)، وأنه يختص بالأحكام فقط دون الموضوعات، أم أنه شامل لكليهما.

المعروف والمشهور بين علماء الطائفة البناء على الثاني، وهو الحكم بسعة دائرة علمهم(ع) لتكون شاملة لكافة الأمور والمجالات، وأنه ليس مختصاً بالأحكام فقط دون الموضوعات. فهو شامل للأحكام والموضوعات الخارجية، وسائر الحوادث الكونية والمغيبات الماضية والمستقبلية على حد سواء.


 

[1] الجواب المذكور يعتمد على تحديد مقدار علمهم(ع) بالغيب، وبالتالي، لو بني كما هو الصحيح على عدم محدودية علمهم(ع)، فلن يكون الجواب المذكور تاماً، بل سوف يكون المانع المذكور من الحجية سليماً.

[2] نهج اللاغة الخطبة رقم 128.

[3] بحار الأنوار ج 25 ص 347.3 ص 114.

[4] ركزنا على الإجابة عن خبر سدير، لأنه أصرح النصوص التي يمكن التمسك بها من قبل القائلين بنفي ثبوت علم الغيب للمعصوم(ع)، لأن النصوص البقية يمكن البناء على كون المنفي فيها ليس مطلق العلم بالغيب، بل خصوص ما كان بنحو الاستقلال.

[5] مرآة العقول ج 3 ص 114.