21 أكتوبر,2019

دولة الرسول (2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى:- (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)[1].

مدخل:

تحدثنا في البحث السابق حول أمرين أساسيـين بعد تعريفنا لمفهوم الدولة، وهما:

الأول: هل أن وجود الدولة يعدّ حاجة ضرورية ملحة، أم أنها أمر تفرضه الظروف الطارئة والتطورات الحياتية المعاصرة للإنسان.

وقد كانت الإجابة باختيار الشق الأول من السؤال.

الثاني: هل أقام النبي الأكرم محمد(ص) دولة أم أنه لم يقم ذلك؟…

وقد كان جوابنا ببيان أنه(ص) قد أقام دولة في دار الهجرة المدينة المنورة، مستشهدين بجملة من الأمور التي تكشف عن ذلك.

وانطلاقاً من الآية الشريفة وقبل الحديث عن ملاح دولة الرسول محمد(ص) نود أن نتعرف على مسؤولية الحاكم في الدولة الإسلامية من خلال الآية الشريفة التي افتـتحنا بها المقام، فنقول:

مسؤولية الحاكم في الدولة الإسلامية:

يستفاد من الآية الشريفة أن الحاكم في الدولة الإسلامية تلقى على عاتقه مسؤولية تتمثل في القيام بالأمور التالية:

1-تنظيم العلاقة العبادية بين المجتمع وخالقه من خلال أداء أبرز نسك عبادي وهو الصلاة من خلال إقامتها.

2-تنظيم الجنبة الاقتصادية للمجتمع وشؤون معاشه، وذلك من خلال إيتاء الزكاة.

3-نشر الصلاح في المجتمع وإشاعة الخير فيه بواسطة الأمر بالمعروف.

4-الوقوف أمام جميع أنواع الفساد ومكافحتها ومنع الانحراف والظلم، وذلك بالنهي عن المنكر.

وهذا يعني أن الرؤية القرآنية للحاكم في الدولة الإسلامية ليست منحصرة في القيادة السياسية فقط، ليأخذ بزمام الأمور كيفما اتفق، بل إن له مسؤوليات ملقاة على عاتقه كما بينا.

ولا ينحصر بيان المسؤوليات الملقاة على عاتق الحاكم في الدولة الإسلامية على خصوص الرؤية القرآنية، بل إن النصوص المعصومية طافحة بمثل هذه الأمور، فيمكن لمن أراد مراجعتها.

نظام الحكم في الإسلام:

هذا ولسنا بصدد الحديث عن هذه النقطة أكثر مما ذكرنا، بل يكفي ما تم بيانه فيها بصورة موجزة، وإن الذي يهمنا هو بيان نظام الحكم في الإسلام، خصوصاً مع ملاحظة أن هناك ألواناً مختلفة لنظم الحكم في العالم، فيوجد النظام الملكي، ويوجد النظام الأشرافي، ويوجد نظام الأغنياء، ويوجد النظام الديمقراطي، وغير ذلك من الأنظمة. فما هو نظام الحكم في الإسلام؟…

لا يخفى أن الحديث عن نظام الحكم في الإسلام سوف يكون منصباً على بعد رحلة النبي(ص) من عالم الدنيا، ذلك لأن القرآن الكريم قد عين منهج ونظام الحكم في أيام حياته، من خلال قوله تعالى:- (وما كان لمؤمنة ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)[2].

وعندما نود أن نتعرف على ذلك علينا أن نلتـزم بالأمور التالية:

1-العودة إلى القرآن الكريم والسنة المباركة، اللذان هما المصدر الأساس للإسلام.

2-عدم الخلط بين المنهج المقرر في الشريعة المقدسة، وبين ما جرى على أرض الواقع خارجاً في الساحة الإسلامية.

3-التفريق بين أمرين، نظام الدين، وتاريخ المسلمين، لأن التاريخ ليس ممثلاً شرعياً لكل تعاليم الدين، وليس مبرزاً لجميع حقائقه.

وبناءً على ما ذكرنا، عندما نعود للتأمل في المصدر الأساس للإسلام، أعني الكتاب والسنة، نجد أنهما ينصان على أن الحكومة الإسلامية تقوم بأحد طريقين، لكل واحد منهما ظرفه الخاص:

الأول: النص الإلهي على الحاكم باسمه وشخصه، ويكون ذلك فيما لو وجد نص أو نصوص على حاكمية شخص أو أشخاص معينين على الأمة، كما نلحظ ذلك في النبي(ص)، باتفاق المسلمين، أو نلحظه في الأئمة الطاهرين(ع) بناءً على معتقد الشيعة.

الثاني: التنصيص على صفات الحاكم الأعلى وشروطه، ومواصفاته العامة إذا لم يكن هناك تنصيص على شخص بعينه، أو كان هناك مانع يمنع من الوصول إليه والانتفاع بقيادته.

التنصيص الإلهي على الحاكم باسمه وشخصه:

والسؤال الذي ينبغي أن نجد عليه إجابة هو ما هو نظام الحكم بعد رحيل المصطفى(ص)، هل أتخذ الطريق الأول، وهو النص الإلهي على الحاكم باسمه وشخصه، أم أنه أتخذ الطريق الثاني، وهو النص عليه من خلال صفاته وشروطه ومواصفاته العامة؟…

في مقام الإجابة نجد أن للمسلمين في هذا الأمر نظريتين تختلف كل واحدة منهما عن الأخرى، فتبنى أصحاب النظرية الأولى الطريق الثاني، وتتبنى النظرية الثانية، الطريق الأول، فتقول بأنه قد تم النص على الحاكم الإسلامي بعد الرسول الأمر محمد(ص) كما كان ذلك في حكومة النبي(ص)، فقد أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه(ص) إبلاغ الأمة بخلفائه من بعده والنص عليهم.

وعندما نود محاكمة النظريتين لنخرج من خلال ذلك بأن أيهما هي النظرية الصحيحة، نحتاج إلى دراسة ثلاثة أمور:

الأول: هل أن المصلحة تقتضي التنصيص على الاسم، أم أنها تقتضي التنصيص على الوصف، وبالتالي ترك الاختيار للأمة.

الثاني: لا ريب أن رحيل رسول الله(ص) ترك فراغاً في وسط الأمة، فهل أن هذا الفراغ يمكن سده من خلال انتخاب الأمة، أم أن الأمة لا تملك الأهلية لذلك، وبالتالي لا يمكن سده إلا من خلال شخصية ينص عليها كما نص على رسول الله(ص)؟…

الثالث: ما هو المرتكز في أذهان المسلمين في حياة النبي(ص)، وبعد رحيله؟…

مقتضى المصلحة النص على الحاكم باسمه:

لا ريب في أن المصلحة تقضي أن ينصب النبي(ص) حاكماً إسلامياً يتولى إدارة شؤون دولته التي أسسها، ويرعى مصالح شعبها، خصوصاً مع التوجه إلى أن عدم فعل ذلك موجب لحصول المفسدة، ويمكن أن نتحقق ذلك من خلال ملاحظة الأمرين التاليـين:

الأول: الخطر الثلاثي الذي كان يهدد الدولة الإسلامية.

الثاني: إن النظام القبلي السائد في الوسط العربي يمنع من الاتفاق على قائد.

ولنـتحدث عن كل واحد منهما بصورة مستقلة.

الخطر الثلاثي:

لقد كانت الدولة المحمدية قبيل وفاته(ص) تعاني من عنصرين يهددا استقرارها واستمراريتها، وهما الخطر الخارجي والخطر الداخلي.

أما الخطر الخارجي فقد كان يتمثل في كونها محصورة بأكبر إمبراطوريتين عرفهما التاريخ في تلك الفترة، وهما إمبراطوريتا الروم والفرس، وقد كانتا على قدر كبير جداً من القوة والبأس والقدرة العسكرية التي لم يبلغها المسلمون في ذلك الحين.

وأما بالنسبة للخطر الداخلي، فقد كان الطابور الخامس وهم المنافقون الذين يشكلون العدو الداخلي المبطن للإسلام والمسلمين، فقد كانوا يتربصون بالنبي(ص) الدوائر، ويعمدون إلى محاولة قتله، والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة، منها يوم قاموا بإجفال بعيره في العقبة عند عودته من حجة الوداع، فضلاً عن اتفاقاتهم المبرمة مع المشركين واليهود لتوجيه الضربات للكيان الاسلامي.

ومن الواضح جداً أن مؤامرات الطابور الخامس كانت واضحة ومعلومة لدى الحاكم الإسلامي المصطفى محمد(ص)، مما يفرض عليه العمل على دحض هذه المخططات والمؤامرات وذلك من خلال نصب حاكم بعده والنص عليه باسمه يملك معرفة بالكتاب الشريف والسنة المقدسة، شجاع مقدام يملك وعياً بالأوضاع السياسية، وحزماً ويمسك بزمام الأمور، ويقود المجتمع الإسلامي إلى ساحل الأمان.

بينما تصور لو أنه(ص) ارتحل عن الدنيا والحال هذه من دون أن يفكر في مستقبل الدولة الإسلامية، والمؤامرات والفتن التي تحاك ضدها، تاركاً الأمة هي التي تتولى انتخاب قائد لها، فلا يختلف اثنان حينها أن ذلك على خلاف مصلحة الأمة، بل هو بعيد على ذهنية كل من محيطاً بالأوضاع الداخلية للأمة والنـزاعات الطائفة القائمة آنذاك.

النظام القبلي:

والتقسيمات العشائرية، وهو أحد ميز المجتمع العربي قبل الإسلام، فقد كان النظام السائد في الجزيرة العربية والمسيطر على شعبها هو هذا النظام.

وقد كان للقبيلة دور بارز في حياة العرب حتى أن الانتماء لواحدة من القبائل المعروفة كان يعدّ موجباً للتفاخر بينهم.

ومع ما قام به(ص) من جهود طيلة ثلاث وعشرين سنة، تمكن خلالها من تغيـير واقع الأمة العربية في الناحية العقدية والأخلاقية والقيمية، وما شابه، إلا أن ذلك لم يوجب تغير واقع الأمة عن حياتها القبلية، ولم يغير فيها شيئاً.

والنماذج على ذلك كثيرة، وعلى رأسها ما جرى يوم السقيفة والمنطق الذي طرح فيها، عندما نادى الأنصار منا أمير ومنكم أمير، وقال قائل المهاجرين: لن تعرف العرب هذا الأمر-الزعامة-إلا لهذا الحي من قريش، وهكذا.

ولنشر لنموذجين في هذا المقام يؤكدان ما ذكرناه من روح القبلية الموجودة لديهم حتى بعد الإسلام غير ما ذكرناه من قضية السقيفة:

الأول: ما جاء في السيرة النبوية لابن هشام: من أن شأس بن قيس وكان شيخاً من اليهود قد أسنّ، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مر ذات يوم على نفر من أصحاب رسول الله(ص) من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاضه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا ما تقاولوا فيه من الأشعار.

وكان يوم بعاث يوماً اقتـتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذٍ للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذٍ حضير بن سماك الأشهلي، أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي، وقتلا جميعاً.

-إلى أن يقول ابن هشام-ففعل ذلك الشاب ما أراده شأس، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيـين على الركب، أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه، إن شئتم رددناها الآن جذعة….الخ….-إلى أن يقول-فبلغ ذلك رسول الله(ص)فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال:…الخ….

الثاني: ما جرى يوم عودة رسول الله(ص) من غزوة بني المصطلق عند نزول الماء، ومن أراد القصة كاملة يمكنه الرجوع لكتاب السيرة النبوية لابن هشام.

وعلى أي حال، إذا كان هذا واقع المسلمين في تلك الفترة، أفهل يعقل من قائد محنك كرسول الله(ص) أن يترك الأمر لقوم يقومون بتعيـين قائد عليهم، وهم الذين تتحكم فيهم أهواء القبلية والعشائر.

الفراغ بعد رسول الله:

وعندما نود الحديث حول ثاني الأمور، وهو الفراغ الذي خلفه رحيل رسول الله(ص) فلنـتعرف في البداية على المهام التي كان يقوم بها(ص)، إذ يخطئ من يتصور انحصار مهامه(ص) في خصوص تلقي الوحي وتبليغه إلى الناس، ذلك لأن مهامه(ص) أوسع دائرة من ذلك، ولنشر إلى تلك المهام:

1-كان(ص) يتولى عملية تفسير القرآن الكريم، ويقوم بشرح مقاصده وأهدافه، ويكشف رموزه وأسراره.

2-كان يتولى(ص) تبيـين أحكام الموضوعات التي كانت تحدث في زمن دعوته.

3-لقد كان(ص) يتولى الوقوف أمام الحملات التشكيكية التي كانت تـثار من قبل أعداء الإسلام، وكما كان يجيب على التساؤلات العويصة والمريـبة التي كان يثيرها أعداء الإسلام والحاقدون عليه، من أهل الكتاب.

4-ومن المهام التي كانت ملقاة على عاتقه(ص) عملية صيانة الدين من التحريف والدس، ومراقبة ما أخذه المسلمون عنه من أصول وفروع، حتى لا تزل فيه أقدامهم.

ثم إنه بعد وضوح الفراغ الذي خلفه رحيل المصطفى(ص) عن عالم الدنيا في الأمة نتيجة الدور الهام والبارز الذي كان يقوم به، نواجه الآن التساؤل التالي: ما هو موقف التشريع الإسلامي من هذه المشكلة وهي الفراغ التي أحدثه رحيله(ص) من عالم الدنيا؟…

هناك ثلاثة خيارات لا رابع لها، سيعمد إلى واحد منها بلا إشكال:

الأول: أن يدعى أن الشارع المقدس لا يعير الموضوع أدنى اهتمام، ولا يوليه أي شيء، فلا يهتم بسد الفراغ الحادث بعد وفاته(ص)، بل يترك الأمور تجري على عواهنها.

ولا يخـتلف اثنان في رفض هذا الاحتمال تماماً، إذ يكفي لسقوطه أنه لا ينسجم والغرض من البعثة النبوية، لأنه القبول به يستدعي ضياع الدين والشريعة.

الثاني: أن يلتـزم بأن الأمة قد وصلت مرحلة من النضج والتكامل والوعي بفضل الجهود التي بذلها الرسول(ص)، بحيث أصبحت مستغنية عن كل أحد، ولا تحتاج إلى من يتولى إدارة شؤونها، بل هي قادرة على ذلك، وعليه لديها الأهلية لسد هذا الفراغ.

وهذا الاحتمال القبول به يتوقف على إحراز ذلك خارجاً بحيث لا يرى اختلافاً في الأمة، ولا جهلاً في الاحاطة بمسؤولياتها الدينية، وهكذا.

والتاريخ يشهد بخلاف هذا الاحتمال، لأنه يقرر وجود اختلاف فاحش بينهم في التفسير، فلاحظ الاختلاف بينهم في تفسير آية واحدة من القرآن الكريم، وهي آية الوضوء مثلاً.

كما أن مقتضى التدريج في تبليغ الأحكام يوجب عدم كفاية ما ورثّه النبي(ص) للأمة، لأن الأحكام غالباً كانت تبلغ وفقاً لحادثة قد حدثت. نعم قد كمل الدين، لكنه لم يـبلغ بأكمله.

الثالث: أن يستودع النبي(ص) كل ما تلقاه من المعارف والأحكام بالوحي، وما ستحتاج إليه الأمة بعده، شخصية مثالية، تملك قدرة على تقبل هذه المعارف والأحكام، وتحملها، لتـتولى سدّ الفراغ الحاصل برحلته(ص).

——————————————————————————–

[1] سورة الحج الآية رقم 41.

[2] سورة الأحزاب آية رقم 36.