علي(ع) والبيعة
ربما تمسك بعض المسلمين لإبطال نظرية الشيعة الإمامية حول الإمامة وأنها بالنص من خلال الاستناد للنصوص الحديثية والتاريخية وأقوال بعض العلماء من بيعة أمير المؤمنين(ع) للرجل الأول، لأنه لا يمكن لمن كان منصوباً من قبل الله تعالى خليفة وإماماً وهادياً للأمة أن يقوم ببيعة غيره، لأن بيعته لغيره تكشف عن عدم كونه منصوباً من قبل الله تعالى، فيبطل بذلك أن الإمامة بالنص.
وقد استند القائلون بتحقق البيعة منه(ع) إلى بعض الأخبار الدالة على وقوعها منه(ع) منذ البداية، ومن الواضح أن غرض القائلين هو نقض مدعى الإمامية القائم على أن الإمامة والخلافة بالنص الإلهي، فكيف يبايع من يكون منصوصاً عليه من قبل الله تعالى، كما سبقت الإشارة إليه. لأن مقتضى حصول البيعة من أمير المؤمنين(ع)، شاهد على عدم صحة دعوى الشيعة من وجود نص ونصب.
ومع أنه يمكن الجواب عن هذه الشبهة من خلال ملاحظة حقيقة الإمامة، وأن الإمامة السياسية المسلوبة من الإمام علي(ع) هي فرد منها، وليست تمام الإمامة، ذلك أن الإمامة عند الشيعة الإمامية تعني: رئاسة عامة في أمور الدنيا والدين لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي(ص)[1].
وبعبارة أخرى، إن ضعف هذا الإشكال من الوضوح، فإن ما زوي عن أمير المؤمنين(ع)، إنما هو خصوص الإمامة السياسية، وهو فرد من مقومات الإمامة، وعنصر من عناصرها، وليس هو كل الإمامة، لأن الإمامة عند الإمامية تعني منصباً إلهياً، وجعلاً ربانياً لقيادة الأمة وهدايتها بعد رسول الله(ص)، وفي كافة الأصعدة بما في ذلك الحكومة والقيادة السياسية.
إلا أنه لا مانع من ملاحظة الدعوى التي ارتكزت الشبهة عليها، وهي حصول البيعة من أمير المؤمنين(ع)، ومدى تماميتها، وهذا يستدعي ملاحظة وجودها في مصادر المسلمين من الفريقين ولا بأس قبل ذلك من الإشارة إجمالاً لما نقلته جملة من المصادر التاريخية عن الحدث الذي صاحب رحلة رسول الله(ص) عن عالم الدنيا، فإن المستفاد منها أنه بينما كان أمير المؤمنين(ع) مشغولاً بتجهيز رسول الله(ص)، اجتمع بعض المسلمين في سقيفة بني ساعدة، وحصل الاختلاف بينهم حتى قال القائل: من الأنصار أمير، ومن المهاجرين أمير، وتدخل بعض كبار الصحابة وبطريقة ما تمت البيعة للرجل الأول، ثم طلب من المسلمين القيام ببيعته، وقد كان هناك متخلفون عن البيعة، وعلى رأسهم أمير المؤمنين(ع)، فلم يبايع عندما بايع الناس، واعتزل معه جمع من الصحابة أيضاً، فبذلت محاولات حثيثة لأخذ البيعة منهم، خصوصاً أمير المؤمنين(ع)، لأنه بدون بيعته(ع)، وبيعة من معه، لا تكون البيعة للخلافة شرعية، وسوف تبقى محل تساؤل كبير على مرّ الأيام والأزمان.
نعم قد تضمنت بعض المصادر خلاف ذلك، حيث نصت على تحقق البيعة من جميع المسلمين دون استثناء بما في ذلك أمير المؤمنين(ع) منذ البداية.
مع أن المراجع للمصادر التأريخية والأخبار يقف على خلاف ذلك تماماً، لأنه قد تعارضت الأخبار في حصول البيعة من أمير المؤمنين(ع)، وأن ذلك حال وقوعه كان في أول الأمر أم كان ذلك بعد مدة من الزمن، أم أنه لم يبايع أصلاً.
وتعتمد تمامية الدعوى المذكورة أعني حصول البيعة من أمير المؤمنين(ع)، وكذا تحديد وقت تحقق ذلك، أو عدم حصول البيعة أصلاً، على ملاحظة المصادر التاريخية، والوقوف على الأخبار.
المصادر الشيعية:
وعند العودة لما تضمنته المصادر الشيعية حول مسألة بيعة أمير المؤمنين(ع)، نجد كلماتهم ومصادرهم قد تضمنت قولين حول ذلك:
الأول: أنه(ع)، لم يبايع أحداً قط، وهو مختار جمع من علماء الشيعة، فقد نفوا حصول البيعة من أمير المؤمنين(ع) مطلقاً، وأنه لم يبايع لا في مبتدأ الأمر، ولا بعد حين من الزمن. وقد نسب المفيد(ره) هذا القول إلى المحققين من الشيعة. قال(ره): قد أجمعت الأمة على أن أمير المؤمنين(ع)، تأخر عن بيعة أبي بكر-إلى أن قال-والمحققون من أهل الإمامة يقولون: لم يبايع ساعة قط[2].
ومن الواضح أن مقتضى هذا القول هو عدم وجود بيعة من أمير المؤمنين(ع) إطلاقاً حتى يقال: إنها تتنافى مع وجود النص على إمامته(ع).
الثاني: الالتـزام بحصول البيعة منه(ع)، إلا أن ذلك لم يكن منه عن اختيار، وإنما كان ذلك منه عن إكراه وإلجاء، وعدم رضا. وهو ما أختاره جمع من علماء الشيعة، حيث نصوا على أن ما دعاه(ع) للبيعة أنه كان تحت الاكراه والتهديد، والذي ربما وصل حد التهديد بالقتل، وهذا يكشف عن أن البيعة الصادرة منه(ع)، لم تكن عن قبول ورضا منه. فقد ذكر السيد المرتضى(قده): أنه روى إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد البجلي، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن عدي بن حاتم، قال: إني لجالس عند أبي بكر إذ جيء بعلي(ع) فقال له أبو بكر: بايع، فقال له(ع): فإن لم أفعل؟ فقال: اضرب الذي فيه عيناك، فرفع رأسه إلى السماء، ثم قال: اللهم اشهد، ثم مدّ يده[3].
ويستفاد الإكراه الحاصل لأمير المؤمنين(ع) على البيعة لو وقعت منه من عبارات ثلاث تضمنها النص:
الأولى: التعبير بـ(جيء)، فإنه لو لم يكن صريحاً في كون الإحضار لأمير المؤمنين(ع)، لم يكن اختيارياً، فلا أقل من ظهوره في ذلك، لأن المختار يأتي بنفسه، لا أن يجاء به.
الثانية: مطالبة الرجل إياه بالبيعة، وهو واضح جداً في بلوغ الرجل امتناع أمير المؤمنين(ع) منها، ولذا لما أحضر(ع) بين يديه ألزمه بالبيعة، من خلال مطالبته بذلك.
الثالثة: التصريح بالقتل حال التخلف عن البيعة، وذلك من خلال جواب الرجل الأول لأمير المؤمنين(ع)، بقوله: اضرب الذي فيه عيناك.
وقد روى هذا المعنى من طرق مختلفة وبألفاظ متقاربة المعنى، وإن اختلفت ألفاظها، وأنه(ع) كان يقول في ذلك اليوم عندما أكره على البيعة وحُذر من التقاعس عنها، يا ابن أم إن القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء، ولا تجعلني مع القوم الظالمين، ويردد ذلك ويكرره[4].
وقد قال السيد المرتضى(ره): أن ذكر أكثر ما وري في هذا المعنى يطول، فضلاً عن ذكر جميعه[5].
وجاء في رواية: فقالوا له: مدّ يدك فبايع، فأبى عليهم، فمدوا يده كرهاً، فقبض على أنامله فراموا بأجمعهم فتحها فلم يقدروا فمسح عليها أبو بكر وهي مضمومة، وهو يقول، وينظر إلى قبر رسول الله(ص) يا ابن أم إن القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني[6].
ومن الواضح أن هذا الرأي لا يصح لإثبات دعوى المستشكل لنفي النص على الإمامة، ببيعة أمير المؤمنين(ع)، لأبي بكر، لأنها كما عرفت بيعة إكراهية، وهي لا تتنافى أبداً مع وجود النص على إمامة الإمام(ع)، وخلافته، لأن من الممكن جداً أن يُكره صاحب النص على مبايعة غيره، ولا يحق لأحد الاعتراض على صدور ذلك منه بالقول: كيف يبايع وهو منصوص عليه، لأن البيعة قد حصلت بالإكراه، والجبر، فتكون عندها كالعدم.
مصادر المسلمين:
وعند العودة إلى مصادر المسلمين، فإن الباحث يقف على جملة من النصوص الحديثية والتأريخية قد تناولت بيعة أمير المؤمنين(ع)، لأبي بكر، وهي على صنفين:
الأول: ما دلت على حصول البيعة من الإمام(ع) في أول الأمر:
فقد جاء في بعض النصوص أنه(ع) بايعه مباشرة، ومن دون تأخير، فقد أخرج البيهقي في كتابيه السنن والاعتقاد، وكذا الحاكم في المستدرك، وابن عساكر، وغيرهم ذلك، ففي سنن البيهقي، عن أبي سعيد الخدري، قال لما توفي رسول الله(ص) قام خطباء الأنصار، فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين، إن رسول الله(ص) كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم والآخر منا.
قال: فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك، فقام زيد بن ثابت رضي الله عنه، فقال: إن رسول الله(ص) كان من المهاجرين، وإن الإمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله(ص).
فقام أبو بكر رضي الله عنه، فقال: جزاكم الله خيراً يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، ثم قال: أما لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم، ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر، فقال: هذا صاحبكم فبايعوه، ثم انطلقوا.
فلما قعد أبو بكر رضي الله عنه على المنبر نظر في وجوه القوم، فلم ير علياً رضي الله عنه، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ابن عم رسول الله(ص) وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه.
ثم لم ير الزبير بن العوام رضي الله عنه، فسأل عنه حتى جاءوا به، فقال ابن عمة رسول الله(ص)، وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه[7].
وقد نص ابن حجر في كتابه فتح الباري على تصحيح هذا الخبر، فقال: وقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري وغيره: أن علياً بايع أبا بكر في أول الأمر[8].
وقال ابن كثير في البداية النهاية عن إسناد هذ الخبر: وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث نضرة المنذر بن مالك بن قطعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري[9].
ومن الواضح أن الموجب لتصحيح مثل هذا الخبر، وتقديمه على غيره من الأخبار الواردة في ذات الحدث لأنه يحقق الغرض لأبناء المسلمين من السنة، ذلك أنه يثبت حصول البيعة من أمير المؤمنين(ع)، وبعد رحلة رسول الله(ص) عن عالم الدنيا بفترة وجيزة، وفي بداية الحدث، ما يضفي شرعية على خلافة الرجل الأول، ونفي وجود معارضة، فضلاً عن الامتناع عن بيعته من قبل أحد من الصحابة. ولذلك نجد عناية به من غير واحد من علماء المسلمين السنة، ومحدثيهم. قال ابن كثير في البداية والنهاية بعد نقله الخبر المذكور، وقيامه بتصحيحه: وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم، أو اليوم الثاني من الوفاة[10].
وقد جاء في سنن البيهقي، عن أبي علي الحافظ، قال: سمعت إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاح النيسابوري، فسألني عن هذا الحديث، فكتبته له في رقعة وقرأت عليه، فقال: هذا حديث يسوى بدنة، فقلت: يسوى بدنة؟ بل هو يسوى بدرة[11].
إلا أنه فات هؤلاء عدم صراحة الخبر المذكور في حصول البيعة من أمير المؤمنين(ع) بصورة اختيارية، كما هو صريح متنه، وما تضمنه من عبارات تكشف عن ذلك:
منها: قوله: فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم، فلم ير علياً. وهذا التعبير يوحي أنه قد نمى إلى مسامعه كلام بوجود معارضة، وممانعة من أناس للبيعة، وهذا ما دعاه أن يتصفح الوجوه، وأن يركز على البحث عن أشخاص بأعيانهم، ثم يسأل عنهم حين افتقدهم في الحاضرين في المسجد.
ومنها: قوله: فقام ناس من الأنصار فأتوا به، وهو واضح في أن الحضور من أمير المؤمنين(ع) للمسجد لم يكن بإرادة منه واختيار، وإنما كان بإلجاء وإجبار، إذ لا يقال لمن يحضر مختاراً في مجلس، أنه: أتوا به.
ومنها: قوله: ابن عم رسول الله، وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين، فإن مثل هكذا تعبير لا يقال لشخص قد جاء مبايعاً مريداً ومحباً لذلك، وإنما لغة الخطاب تكشف عن وجود ممانعة ومعارضة، أوجبت استخدام أسلوب القوة معه(ع) لتحصل البيعة منه.
ومنها: ما جاء في ذيل الخبر من كلام منسوب لأمير المؤمنين(ع) أنه قال: لا تثريب، وهي كلمة تقال حال الاعتذار وطلب الصفح والتجاوز عما حصل من صنيع وفعل.
ويتحصل مما تقدم، أنه لو كنا وخصوص هذا الخبر، وبعيداً عن البحث السندي، فإنه لا يصلح دليلاً للقوم على إثبات تحقق البيعة من أمير المؤمنين(ع) عن رضا وطيب خاطر، وإنما هو نص صريح في صدور ذلك منه(ع) عن إلجاء وإكراه، وإجبار، ومن المعلوم أنه لا عبرة بمثل هكذا بيعة، ولا تعويل عليها.
ويساعد على ذلك ملاحظة ما نقله الطبري في تاريخه في حديث طويل، قال: وتخلف علي والزبير، واخترط الزبير سيفه، وقال: لا أغمده حتى يبايع علي[12]. وجاء فيه أيضاً بسنده عن زياد بن كليب، قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفاطمة، وفيه طلحة والزبير، ورجال من المهاجرين، فقال: والله، لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه[13]. فإن المجيء لدار أمير المؤمنين(ع) ومحاصرتها صريح في وجود جبهة معارضة لجماعة امتنعت عن البيعة، وقد جيء لأخذ البيعة منها بالقوة، حتى أن الرجل الثاني عمد إلى تهديد المعتصمين في بيت أمير المؤمنين، والصديقة الزهراء(ع) بالإحراق، ومن الطبيعي أن مثل هكذا تهديد لا يكون إلا لوجود خطب عظيم يسعى المعتصمون لتنفيذه، ومخطط يرمون تطبيقه، وما هو إلا الامتناع عن البيعة للرجل الأول، والمطالبة بأخذها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع).
وجاء في مصنف ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم، قال: حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله(ص)، كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله(ص)، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول الله(ص)، والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيم الله، ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك إن أمرتهم أن يُحرَق عليهم البيت. قال: فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلمون أن عمر قد جائني وقد حلف بالله، لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم الله، ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فروا رأيكم ولا ترجعوا إلي. فانصرفوا عنها، فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر[14].
وجاء في أنساب الأشراف أن أبا بكر، أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرقاً عليّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك[15]. وجاء فيه أيضاً عن ابن عباس، قال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي(رض) حين قعد عن بيعته، وقال: ائتني به بأعنف العنف. فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال: احلب حلباً لك شطره، والله، ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غداً-إلى أن قال-ثم أتاه فبايعه[16].
ومع ملاحظة النص المستند إليه في كلمات القوم، وما ذكرناه من شواهد يتضح منع دلالته على صدور البيعة من أمير المؤمنين(ع) عن رضا وطيب خاطر، وأن ذلك إنما كان منه عن إكراه وإلجاء، وهو يتضح بملاحظة الظروف المحيطة التي كانت تحيط بأمير المؤمنين(ع)، وحوله.
الثاني: ما تضمن وقوع البيعة منه(ع) بعد مضي ستة أشهر:
وقد جاء ذلك في بعض النصوص الصحيحة في مصادر المسلمين من السنة، من أنه(ع) لم يبايع إلا بعد مضي ستة أشهر من جلوس الرجل الأول مكان رسول الله(ص)، وهو ما يعادل تقريباً ربع مدة خلافته، فقد جاء في الصحيحين، وفي صحيح ابن حبان، بسندهم عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة(ع) بنت النبي(ص) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله(ص)، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله(ص) قال: لا نورث ما تركناه صدقة.-إلى أن قال-فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه، حتى توفيت، وعاشت بعد النبي(ص) ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه في حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر[17]. ومثل ذلك جاء أيضاً في مصنف الصنعاني، عن عائشة: وكان لعلي من الناس حياة فاطمة حبوة، فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه الناس عنه، فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله(ص)، ثم توفيت-قال معمر-فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم، حتى بايعه علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه أسرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر أن اتنا ولا تأتنا معك بأحد، وكره أن يأتيه عمر، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس إلى علي، فقالوا: أصبت وأحسنت. قالت: فكانوا قريبا إلى علي حين قارب الأمر بالمعروف[18].
والمستفاد مما ذكرنا من النصوص وغيرها التي يقف عليها القارئ في المصادر، أن بيعة أمير المؤمنين(ع) للرجل الأول وقعت بعد مضي ستة أشهر من رحلة رسول الله(ص) عن عالم الدنيا واستلام الرجل منصب الخلافة، وهذا يكشف عن أنه(ع) لم يبادر إلى بيعة الرجل مباشرة، بل أنه لم يكن يعتبرها شرعية، لأنه لو كان يعتقد شرعيتها ما كان يشرع له تأخير البيعة كل هذه المدة، خصوصاً وأن من المسلمات عند المسلمين، قول رسول الله(ص): من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، ولم يكن أمير المؤمنين(ع) متيقناً الحياة قبل صدور البيعة منه للرجل الأول.
رفض نصوص الصنف الثاني:
ولما كانت نصوص الصنف الثاني دالة على تأخر البيعة لاصادرة من أمير المؤمنين(ع) للرجل الأول، بل ظاهرها البناء على عدم شرعيتها كما قد سمعت، عمد علماء المسلمين من السنة للمناقشة فيها، مع أن الحديث مروي في الصحيحين كما سمعت، إلا أنهم قالوا أن بعض فقرات الحديث المروي عن عائشة، من كلام الزهري، وليس من كلام عائشة، فتكون هذه الفقرات منقطعة، وقد أدرجها بعضا الرواة في الحديث، فلا تصلح لمعارضة ما دل من الأحاديث الصحيحة المبادرة للبيعة من أول الأمر.
وأول من أجاب عن النصوص الصنف الثاني بما سمعت هو البيهقي، قال: وقول الزهري في قعود علي عن بيعة أبي بكر حتى توفيت فاطمة(ع) عنها منقطع، وحديث أبي سعيد الخدري في مبايعته إياه حين بويع بيعة العامة بعد السقيفة أصح[19]. وتبعه بعد ذلك علماء المسلمين السنة، قال ابن حجر: وأما ما وقع في مسلم عن الزهري أن رجلاً قال له: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة؟ قال: لا، ولا أحد من بن هاشم. فقد ضعفه البيهقي بأن الزهري لم يسنده، وأن الرواية الموصولة عن أبي سعيد أصح[20]. مع أن المراجع لصحيح مسلم، لا يجد عيناً ولا أثراً لما ذكره.
التعقيب على ما ذكر:
ومع أن الحديث قد روي في الصحيحين بطريق يقع فيه الزهري، إلا أنهما لم يشيرا إلى قوله، كما أنهما لم يتطرقاً إلى خصوص البيعة، وأن الزهري قد قال أن أمير المؤمنين(ع) قعد عن البيعة مدة ستة أشهر، فقد أخرج البخاري بسنده عن هشام، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله(ص)، وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله(ص) يقول: لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال. قال أبو بكر: والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله(ص) يصنعه فيه إلا صنعته. قال: فهجرته فاطمة، فلم تكلمه حتى ماتت[21].
وقد زاد عليه في صحيح مسلم عن عقيل عن الزهري، أنه قال: ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الاس إلى علي، فقالوا: أًبت وأحسنت، فكان الناس قريباً إلى علي حين قارب الأمر بالمعروف[22]. وهذا التصرف من البيهقي يريد به إيقاع القارئ في اللبس، على أساس أن نفس ألفاظ الحديث قد نقلت في المصادر الأخرى، مع أنك قد عرفت خلو المصادر من الإشارة إلى ذلك، وهذا يعني أنه لا يتصور حصول الإدراج من الزهري ولا من الرواة لكلامه في الحديث ليكون مانعاً من القبول به والاستناد إليه.
نعم إن الوارد في نص المصنف للصنعاني، تصريح الزهري بحصول البيعة من أمير المؤمنين(ع)، بعد ستة أشهر من رحلة رسول الله(ص)، جواباً منه على سؤال من سأل: فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم. إلا أنه لا يحقق غرض البيهقي، لأن سؤال السائل كان بناءً على ما فهمه من كلام عائشة، من أن أمير المؤمنين(ع) لم يبايع أباها إلا بعد شهادة الصديقة الزهراء(ع) وذلك بعد مضي رسول الله(ص) عن الدنيا بستة أشهر، فتكون البيعة قد حصلت منه بعد مضي هذه المدة، وهذا هو المستفاد من كلام عائشة، والذي فهمه السائل. ويساعد على ذلك ما جاء في صحيح البخاري، عن عائشة: وكان لعلي من الناس وجه في حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر[23].
على أنه لو قبل ما ذكره البيهقي من حصول الإدراج، ولم يبن أنه من كلام عائشة، وبالتالي ترفع اليد عنه، إلا أنه يكفينا لإثبات تأخر البيعة لو حصلت ما جاء في صحيح البخاري.
مناقشة الدلالة:
ولم يكتف بعض علماء المسلمين من السنة بالمناقشة الصدورية في خبر تأخر البيعة ستة أشهر، بل عمدوا إلى منع ظهره في حصول البيعة للمرة الأولى بعد هذه المدة، بل حملوا البيعة الحاصلة بعد شهادة الصديقة الزهراء(ع) بعد ستة أشهر من رحلة رسول الله(ص) عن الدنيا، على بيعة ثانية تأكيدية لما صدر منه من بيعة أولى سابقاً مباشرة بمجرد أن جلس للخلافة، قال ابن حجر بعد عرضه إشكال البيهقي: وجمع غيره بأنه بايعه بيعة ثانية مؤكدة للأولى، لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث[24]. وقال ابن كثير: وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها(ع) بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية، أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إياهم ذلك بالنص من رسول الله(ص)[25].
وعمد أخرون إلى توجيه دلالته بحمل البيعة الواردة فيه على غير البيعة الاصطلاحية، وعدم تجديد البيعة، وإنما إظهار الود والالتـزام بلوازمها، قال البيهقي: ولعل الزهري أراد قعوده عنها بعد البيعة، ثم نهوضه إليها ثانياً، وقيامه بواجباتها[26].
ومع عدم وجود ما يوجب حمل لفظ البيعة على خلاف ظاهره، إما بحمله على التوكيد، أو على الود والالتـزام بواجبات البيعة، يتكون المعالجة المذكورة معالجة تبرعية لا يصغى إليها، ولا يعتنى بها، لأنها مجرد استحسان ليس إلا، وجمع لا شاهد له. مع أن النص صريح في كون المقصود من البيعة فيه البيعة الاصطلاحية والأولى التي لم يسبقها بيعة منه، فقد جاء فيه: ولم يكن بايع، فإن هذا التعبير صريح في قصد البيعة المصطلحة، وعدم وجود بيعة سابقة.
عدم تحقق البيعة عن رضا:
وكيف ما كان، سواء بني على تمامية نصوص الصنف الثاني المستند إليها لوقوع البيعة من أمير المؤمنين(ع) سنداً ودلالة أم لا، فإنها لا تصلح أيضاً لإثبات دعوى المدعي، ذلك لأنها صريحة الدلالة، واضحة المضمون في أن ما صدر منه(ع) لم يكن عن إرادة واختيار، وإنما صدر منه ما صدر عن إلجاء وإجبار وإكراه، لأن النص قد تضمن أنه(ع) رأى تغير وجوه، واتخاذهم موقفاً سلبياً تجاه، وهو نحو من أنحاء المقاطعة الاجتماعية، فخشي(ع) من العواقب الوخيمة المترتبة على ذلك، لذلك ونتيجة للضغط الاجتماعي، عمد إلى إيقاع البيعة، ومثل هكذا بيعة يقيناً لم تكن باردته واختياره، بل هي إكراهية كما عرفت.
……………………………………………………
[1] الباب الحادي عشر ص 105.
[2] الفصول المختارة ص 56.
[3] الشافي في الإمامة ج 3 ص 244-245.
[4] المصدر السابق.
[5] المصدر السابق.
[6] علم اليقين للفيض الكاشاني ج 2 ص 688، بيت الأحزان للشيخ عباس القمي ص 118-119.
[7] السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 143، الاعتقاد للبيهقي ج 1 ص 349-350. وقريب منه جاء في المستدرك للحاكم النيشابوري ج 3 ص 76، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 30 ص 278.
[8] فتح الباري لابن حجر العسقلاني ج 5 ص 270.
[9] البداية والنهاية ج 5 ص 270.
[10] البداية والنهاية ج 5 ص 270.
[11] السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 143.
[12] تاريخ الطبري ج 2 ص 444.
[13] المصدر السابق ج 2 ص 443.
[14] المصنف لأبن أبي شيبة ج 8 ص 572.
[15] أنساب الأشراف ج 1 ص 586.
[16] المصدر السابق ص 587.
[17] صحيح البخاري ج 5 ح 4240، ح 4241 ص 82-83، صحيح مسلم ج 5 ح 4471 ص 153-154، صحيح ابن حبان ج 14 ص 573.
[18] المصنف للصنعاني ج 5 ص 472-474.
[19] السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 300.
[20] فتح الباري 4ج 7 ص 379.
[21] صحيح البخاري ج 8 ص 3 ح 6725، 6726.
[22] صحيح مسلم ج 5 ص 155 ح 4472.
[23] صحيح البخاري ج 5 ص 83 ح 4240، ح 4241.
[24] فتح الباري ج 7 ص 379.
[25] البداية والنهاية لابن كثير ج 6 ص 334.
[26] السنن الكبرى ج 6 ص 300.










