15 أبريل,2024

صوم يوم الشك(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

صوم يوم الشك(2)

 

علاج المعارضة بين الطائفتين:

وقد ذكرت في المقام وجوه للجمع بين طائفتي النصوص، ما دل منها على مشروعية صوم يوم الشك، والتي ذكرت في أدلة القول الأول، وما دل منها على عدم المشروعية، والتي ذكرت ضمن دليل القول الثاني:

أحدها: البناء على حمل نصوص الطائفة الثانية والظاهرة في المنع من صوم يوم الشك مطلقاً على الكراهة، جمعاً بينها وبين نصوص الطائفة الأولى الدالة على المشروعية، وذلك بالتصرف في النهي الوارد فيها ليكون ظاهراً في ذلك، على أساس أن نصوص الطائفة الأولى الدالة على مشروعية صومه أقوى ظهوراً من نصوص الطائفة الثانية المانعة من ذلك، فيحمل النص على الظاهر، أو الأظهر على الظاهر.

 

ولعل هذا هو مستند شيخنا المفيد(قده)، كما أحتمل ذلك بعض الأساطين(قده)[1] إذ عرفت قوله بذلك، وهو القول الثالث الذي تمت الإشارة إليه عند عرض أقوال المسألة.

ويمنع من القبول بالجمع المذكور، إباء نصوص المنع عن الحمل على الكراهة، فإن موثقة عبد الكريم تأبى عن ذلك، لأنه لو كان الصوم في يوم الشك مكروهاً، لكان واجباً عليه بمقتضى النذر، ومجرد الكراهة لا تنافي الوجوب، فإن المشهور بين الأعلام أنها في العبادات بمعنى قلة الثواب، وحتى لو بني على ما ألتزمنا به من عدم وجود المزاحم الأهم والأرجح، فإن الظاهر عدم جريان ذلك في البين كيما يمنع عن مشروعية صوم النذر في ذلك اليوم.

كما أن ملاحظة سياق ما ورواه قتيبة يمنع من القبول بالحمل على الكراهة، إذ لا يختلف اثنان في حرمة صوم يوم العيدين، والجميع قد ورد في سياق واحد.

اللهم إلا أن يتمسك بالتفكيك في الحجية بدعوى أن كل واحدة من الجمل الواردة في النص مما تضمنته رواية قتيبة يمثل جملة مستقلة عن الجملة الأخرى، وبالتالي لا ضير من أن يكون بعضها ظاهراً في المنع والحرمة، كصوم يوم العيدين، والبعض الآخر ظاهراً في الكراهة، كصوم يوم الشك.

 

كما أن الحمل على الكراهة لا ينسجم أبداً وما تضمنه صحيح محمد بن مسلم، ومعتبر هشام بن سالم من لزوم قضاءه على من صامه، فإن مقتضى الحمل على الكراهة يكشف عن كون الصوم صحيحاً، ومجزياً، فلا موجب لقضائه حينئذٍ، بينما البناء على لزوم القضاء كاشف عن بطلانه وعدم إجزائه، وهذا لا ينسجم مع الحمل على الكراهة.

نعم لو قيل، أن لزوم القضاء ليس لبطلانه، وإنما لزوم القضاء من باب العقوبة، فيكون الأمر منسجماً، لأن العقوبة لا تكشف عن بطلان الصوم، فيكون مجزياً ولكنه مكروه. ومع حسن الاحتمال المذكور ثبوتاً، إلا أنه يفتقر للشاهد عليه.

 

مستند القول الثالث:

ومع عدم القبول بحمل نصوص الطائفة الثانية المانعة على الكراهة، لما عرفت من إبائها عن ذلك، فيصعب أن يكون هذا هو مستند شيخنا المفيد(قده)، ولعل مستنده مجموعة من النصوص الظاهرة في التفصيل بين كراهة صوم يوم الشك حال كون الجو صحواً لا علة فيه، وبين غير ذلك، وهذا ينسجم كثيراً مع المنسوب له(ره)، فإنه لا يقول بكراهة صوم يوم الشك مطلقاً، وإنما في خصوص ما إذا كان الجو صحواً.

 

وبالجملة، إن النصوص التي سوف نذكر ظاهرة في مرجوحية صوم يوم الشك حال كون الجو صحواً:

منها: خبر معمر بن خلاد[2]. وقد سبق الحديث عن سنده، والإشارة إلى دلالته في نصوص الطائفة الأولى فلا نعيد.

ومنها: خبر الربيع بن ولاد، عن أبي عبد الله(ع) قال: إذا رأيت هلال شعبان فعدّ تسعاً وعشرين يوماً، فإن صحت ولم تره فلا تصم وإن تغيمت فصم[3].

ومنها: معتبرة هارون بن خارجة، قال: قال أبو عبد الله(ع): عدّ شعبان تسعة وعشرين يوماً فإن كانت متغيمة فأصبح صائماً، وإن كانت مصحية وتبصرته ولم تر شيئاً فأصبح مفطراً[4].

 

ولمنع دلالتها على مختاره(ره) مجال واسع، ذلك أنه لا يبعد أن يكون نظر النصوص المذكورة شيئاً آخر، وهو أن صيام يوم الشك من باب الاحتياط حذراً من فوات شيء من أيام شهر رمضان المبارك حال وجود الشك والشبهة في كون اليوم الذي يشك فيه أنه من أيامه جراء وجود بعض العوارض الكونية في الجو تحول دون التأكد من وجود الهلال وعدمه، وأما حال الجزم بعدم دخول الشهر الكريم، فلا موجب للاعتناء والاحتياط بالصوم في ذلك، لأنه لن يكون المكلف مفوتاً لشيء من شهر رمضان، ولو تبين بعد ذلك أنه أول أيام الشهر الكريم كان معذوراً.

 

والحاصل، إن مدلول هذه النصوص هو الإشارة إلى نفي ما يوجب صوم اليوم الذي لا يشك فيه احتياطاً، ولا دلالة لها على منع صومه حال كون الجو صحواً.

ثانيها: العمد إلى تقيـيد نصوص الطائفة الثانية الظاهرة في المنع من صوم يوم الشك، بنصوص الطائفة الأولى الدالة على الجواز والمشروعية، وذلك لأن نصوص الطائفة الثانية دالة على المنع من صومه مطلقاً، ونصوص الطائفة الأولى دالة على جوازه فيما يكون صومه مشروعاً من شهر شعبان، خصوصاً بملاحظة أن الاستصحاب يقضي ببقاء شعبان وعدم دخول شهر رمضان، فلن يصح صومه بنية شهر رمضان، لأنه سوف يكون من التشريع المحرم، وهذا يجعل نصوص الطائفة الأولى الدالة على الجواز أخص مطلقاً من نصوص الطائفة الثانية الظاهرة في المنع، فتقيدها ليكون مدلول نصوص الطائفة الثانية هو خصوص ما إذا صامه بنية شهر رمضان المبارك لا مطلقاً.

 

وقد أجيب عنه، بأنه يستلزم الحمل للمطلق على الفرد النادر، لأن صوم يوم الشك بنية شهر رمضان على نحو الجزم نادر جداً، ولا يصدر من الملتفت، بل الذي يصدر منه عادة هو صومه بنية شعبان، أو بقصد القربة المطلقة، أو بقصد شهر رمضان رجاءً، وهكذا.

وأجيب عن ذلك في كلمات بعض الأعلام(دام ظله)[5]، بمنع الكبرى المذكورة على إطلاقها، وأنه لابد من التفصيل، فيلتزم بعدم المنع من حمل المطلق على الفرد النادر في كل مورد وجدت فيه قرينة منفصلة أوجبت ذلك، لأن وجودها حينئذٍ يكشف عن أن الخطاب لم يكن في مقام البيان، فيصح حمل المطلق عندها على الفرد النادر، وذلك مثل قولك: قلد مجتهداً، ولم يكن في مقام البيان من ناحية الشرائط المعتبرة في مرجع التقليد، ثم بعد ذلك يذكر في خطاب آخر منفصل بأنه يلزم تقليد الأعلم، فإن هذا وإن كان حملاً للمطلق على الفرد النادر، لأنه الموجود في كل عصر هو شخص واحد يوصف بكونه الأعلم، وهو وإن كان حملاً للمطلق على الفرد النادر، إلا أنه لا يضر، لوجود القرينة الدالة على أن المطلق لم يكن في مقام البيان من جميع الجهات. ومن ذلك قوله تعالى:- (فما استيسر من الهدي)، لدلالة الآية على كون الذبح في منى، وهو حمل للمطلق على الفرد النادر، حيث حمل الخطاب المطلق من ناحية مكان الذبح على مكان واحد من الكرة الأرضية وهو منى، ونكتة ذلك أن المطلق منذ البداية لم يكن في مقام البيان من جميع الجهات.

 

والمقام من هذا القبيل، ذلك أن نصوص النهي عن صوم الشك ليست في مقام البيان من جميع الجهات، وإنما هي في مقام البيان من جهة واحدة، وهي ما إذا أوقع الصوم بصفة ترديدية، ومن دون نية جزمية، لأن من يشك في يوم الشك لا ينويه من شهر رمضان جزماً.

والحاصل، إنه لا مانع من البناء على حمل المطلق على الفرد النادر حال وجود قرينة منفصلة أوجبت ذلك، وكشفت عن أنه لم يكن في مقام البيان من تمام الجهات.

وللتأمل في الجواب المذكور مجال كبرى وصغرى، أما الكبرى، فإن كاشفية القرينة المنفصلة عن الدلالة على أن المطلق ليس في مقام البيان من جميع الجهات، إنما هي كشف لمنع حجية الظهور، وليس كشفاً عن انعقاده، وهذا يعني أنه لو خلي الأمر وهو لكان المطلق ظاهراً في الإطلاق القاضي بالشمول والاستيعاب، وهذا يعني أن وجود القرينة لا يسلب الشمول والاستيعاب، وإنما يسلب الحجية، وفرق بين الموردين كما لا يخفى. وعليه، لا وجه للتفصيل المذكور، ضرورة أنه ما دام المتكلم ليس في مقام البيان من جميع الجهات، فلم جاء بالكلام موجباً لهذا الظهور.

 

وأما الصغرى، فإن بعض نصوص الطائفة الثانية، تأبى الحمل على النادر، فلاحظ موثقة عبد الكريم، نعم يمكن القبول بذلك في مثل صحيح محمد بن مسلم، ومعتبرة هشام، لكن يصعب ذلك في موثق عبد الكريم.

وقد يقال بأن المورد ليس من صغريات الحمل على الفرد النادر، وذلك لأن المتصور لصوم يوم الشك بنية شهر رمضان المبارك محتملات عدة:

منها: أن يصومه بأنه من شهر رمضان المبارك جزماً.

 

ومنها: أن يصومه بنية شهر رمضان المبارك احتياطاً حذراً من فوات يوم من أيام شهر رمضان منه، كما تقدمت الإشارة لذلك في مختار الشيخ المفيد(ره)، والفرق بين هذا الاحتمال وسابقه، أن الأول يكون من صغريات التشريع المحرم جزماً، بخلاف الثاني، فإن غرضه تحصيل الموافقة القطعية ليس إلا.

ومنها: أن يصومه بنية أنه من شهر رمضان المبارك برجاء احتمال اصابة الواقع، فيكون غرضه تحصيل الموافقة الاحتمالية وليست الموافقة القطعية.

ومع وجود موارد متعددة لصوم يوم الشك بنية شهر رمضان المبارك، لن يكون الجمع المذكور موجباً للحمل على الفرد النادر، فتأمل[6].

 

إلا أن الإنصاف بعدُ ما ذكر، ذلك أن المحتملات المذكورة يبدو أنها محتملات ثبوتية لا تخطر في أذهان عامة المكلفين، والذين هم المخاطبين بمدلول النصوص محل البحث، وهذا يجعل حمل النصوص عليها غير عرفي. خصوصاً إذا لاحظنا أن صدور صوم شهر رمضان بقصد أنه من شهر رمضان لا يصدر إلا من الشخص غير الملتفت، وهذا هو موضوع النصوص المانعة وفقاً لمقتضى الجمع المذكور.

وقد يدفع إشكال الحمل على الفرد النادر ببيان آخر، حاصله:

 

منع كون الحمل المذكور فرداً نادراً بالحد الذي يوجب الاستهجان، وذلك لوجود رأي في زمان صدور النصوص يفيد الاختلاف بين شعبان وشهر رمضان، فإن شهر شعبان يكون ناقصاً دائماً، وشهر رمضان يكون تاماً دائماً، وتدل على ذلك بعض النصوص، وعليه فمن الممكن جداً أن يفرض أن من سمع ذلك يصوم يوم الشك بنية شهر رمضان جازماً.

وحكى بعض الأساطين(ره) الجواب عنه، بأن مقتضى ما ذكر هو حمل الأدلة المانعة على صومه بنية شهر رمضان مع إبقائها على ظهورها في التحريم، وهذا قد يتم في سائر روايات المنع، إلا أنه لا يتم في موثقة عبد الكريم المتقدمة، لأن المفروض فيها أنه قد جعل على نفسه الصوم دائماً، وقد نهاه الإمام(ع) عن صوم أيام معينة بعنوان الوفاء بالنذر، ومنها يوم الشك، فيكون صومه بهذا العنوان لا بنية شهر رمضان منهي عنه، ولا مجال لحمله على صومه بنية شهر رمضان[7].

 

ومنها: أن يجمع بين الطائفتين من خلال التصرف في دلالة نصوص الطائفة الثانية ببركة نصوص الطائفة الأولى، وذلك بأن يلتـزم بحصر مدلول الطائفة الثانية في خصوص ما إذا أقدم على صوم يوم الشك بنية أنه من شهر رمضان المبارك، وتبقى نصوص الطائفة الأولى دالة على صوم يوم الشك بأي نوع من أنواع الصوم المشروع خلال شهر شعبان، سواء كان صوماً واجباً، أم كان صوماً مندوباً. ويشهد لهذا الجمع مجموعة من النصوص والتي تضمنت التفصيل بين صومه من شعبان، وصومه بنية شهر رمضان، فمنعت عن الثاني، وأجازت الأول:

 

منها: موثقة سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله(ع): رجل صام يوماً ولا يدري أمن رمضان هو أو من غيره، فجاء قوم فشهدوا أنه كان من رمضان، فقال بعض الناس عندنا: لا يعتدّ به؟ فقال: بلى، فقلت: إنهم قالوا: صمت وأنت لا تدري أمن رمضان هذا أم من غيره؟ فقال: بلى، فاعتد به، فإنما هو شيء وفقك الله له، إنما يصام يوم الشك من شعبان، ولا تصومه من شهر رمضان، لأنه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك، وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله عز وجل بما قد وسع الله على عباده، ولولا ذلك لهلك الناس[8]. ودلالة الموثقة في التفصيل المذكورة جلية واضحة، فإن قوله(ع): إنما يصام يوم الشك من شعبان.

نعم قد تمنع دلالتها على أساس أنها تضمنت ما لا يمكن الالتـزام به وهو حصر مشروعية صوم يوم الشك بخصوص نية الندب، وأنه من شهر شعبان، وهذا لم يقل به أحد من الأعلام، فإنهم قائلون بمشروعية صوم يوم الشك من شعبان بكل ما يصح وقوعه فيه من دون فرق بين الواجب والمندوب، وهذا يعني وجود شبهة إعراض من الأعلام عن الموثقة، فتسقط عن الحجية.

 

إلا أن يدعى بأن الحصر الوارد فيها ليس حصراً حقيقياً، وإنما هو حصر إضافي، فيكون المقصود هو نفي الصوم بعنوان أنه من شهر رمضان، لا حصر الصوم المشروع في خصوص شهر شعبان[9]. ويساعد على ذلك أمران:

الأول: قرينة داخلية، وهي المقابلة الواردة في الموثقة بقوله(ع): إنما يصام يوم الشك من شعبان، ولا يصومه من شهر رمضان، فإنها قرينة على كون الحصر بلحاظ النهي عن صومه بنية شهر رمضان، لا الحصر في صومه بنية شعبان.

الثاني: قرينة خارجية، وهي عدم وجود خصوصية للصوم المندوب في شهر شعبان على بقية الأنواع الأخرى المشروع إيقاعه خلال شهر شعبان.

 

ووفقاً لذلك، لن يكون هناك ما يمنع من العمل على طبق الموثقة، والالتزام بمدلولها لتصلح شاهد جمع بين طائفتي النصوص محل البحث.

والإنصاف، عدم صلاحية القرينتين المذكورتين للبناء على حمل الحصر في الموثق على الحصر الإضافي، فإن القرينة الأولى، صريحة في حصر الصوم في كونه بنية شعبان، وليس المقصود نفي مشروعية صومه بنية شهر رمضان، وكأن مدلول الموثق أمران، وهما: عدم مشروعية صوم يوم الشك بنية شهر رمضان، ومشروعية صوم يوم الشك بنية شعبان ندباً، بل لو قيل أن مدلولها أمر واحد مركب من جزئين لم يكن بعيداً. وهذا يقضي بكون الحصر حقيقياً، وليس إضافياً.

 

وأما القرينة الثانية، فإن البناء على عدم وجود الخصوصية والتعدي ليكون شاملاً لبقية الموارد يتم لو كان الحكم على طبق القاعدة، أما مع كونه على خلافها، فإنه لابد من وجود قرينة جلية واضحة كي ما يرتب الأثر على ذلك وإلا يصعب البناء على التعدي، وإلغاء الخصوصية، وليس في البين ما يصلح للقرينة كي ما يتعدى من صوم شعبان ندباً لبقية أنواع الصوم المشروع في شعبان.

وعليه، يصعب البناء على صلاحية موثقة سماعة وحالها ما قد سمعت لجعلها شاهداً للجمع المذكور.

 

ومنها: خبر الزهري، عن علي بن الحسين(ع)-في حديث طويل-قال: وصوم يوم الشك أمرنا به ونهينا عنه، أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس، فقلت له: جعلت فداك، فإن لم يكن صام من شعبان شيئاً، كيف يصنع؟ قال: ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه، وإن كان من شعبان لم يضره، فقلت: كيف يجزي صوم تطوع عن فريضة؟ فقال: لو أن رجلاً صام يوماً من شهر رمضان تطوعاً وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان ثم علم بذلك لأجزأ عنه، لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه[10].

 

والانصاف، دلالته على المطلوب جلية واضحة، ولا يرد فيه ما ذكر في موثقة سماعة، لأنه قد تضمن التعبير: مع صيام شعبان، وهو أعم من كون الصوم في شعبان واجباً أو ندباً، فيكون شاملاً للجميع. نعم يبقى الكلام في قوله(ع): ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان، لظهوره في تحديد صوم يوم الشك بخصوص المندوب، وهو أنه من شعبان لا مطلقاً.

 

اللهم إلا أن يقال: بأن: من، في قوله: من شعبان، بيانية، في مقابل كونه من شهر رمضان، وعليه، فيكون المقصود إيقاع الصوم في شهر شعبان، فيكون شاملاً لكل ما يشرع صومه فيه.

ولكن يمنع من جعل النص المذكور شاهد جمع بين الطائفتين ضعف سنده. نعم تصلح للتأيـيد لو تم شاهد جمع عليه.

 

ومنها: خبر عبد الله بن سنان، أنه سأل أبا عبد الله(ع) عن رجل صام شعبان فلما كان شهر رمضان أضمر يوماً من شهر رمضان، فبان أنه من شعبان لأنه وقع فيه الشك؟ فقال: يعيد ذلك اليوم، وإن أضمر من شعبان، فبان أنه من رمضان فلا شيء عليه[11]. ودلالته على التفصيل المذكور تامة، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف سنده، فقد رواه الصدوق(ره) في كتابه المقنع، ولم يذكر طريقه إليه، ما يجعله مرسلاً.

نعم لو بني على أن التفسير الوارد في ذيل معتبرة هشام بن سالم المتقدمة في الطائفة الثانية صادراً من الإمام(ع)، فإنه يصلح شاهد جمع للجمع المذكور.

إلا أنك قد عرفت صعوبة الجزم بذلك، وأن الأقرب أنه من الإدراج الحاصل في متن النص، وأنه يدور بين احتمالين سبق بيانهما.

 

ومع عدم صلوح شيء من النصوص ليكون شاهد جمع بين الطائفتين، فسوف يكون الجمع المذكور جمعاً تبرعياً لا شاهد عليه، وهذا يوجب رفع اليد عنه. بل سوف يكون الوجه الأول والذي يقضي بحمل نصوص المنع على الكراهة أولى منه، وإن كان مستوجباً خلاف الظاهر، لأنه لا يحتاج شاهداً كما هو واضح. ومثل ذلك الوجه الثاني، لو رفعت اليد عن مشكلة الحمل على الفرد النادر.

 

الترجيح بالحمل على التقية:

ومع عدم تمامية وجوه الجمع العرفي، سوف يبنى على استقرار المعارضة، ولذا عمد لتقديم نصوص الطائفة الأولى الدالة على الجواز على نصوص الطائفة الثانية المانعة من صومه، لحمل نصوص الطائفة الثانية على التقية، لذهاب بعض فقهاء المسلمين إلى ذلك.

وقد قرب المحقق الهمداني(ره) الحمل على التقية، بأن النهي الوارد في نصوص الطائفة الثانية هو النهي عن صومه بنية شهر رمضان المبارك، لا مطلقاً، وقد استعمل(ع) التورية والإيهام، ولم يصرح بذلك بسبب التقية[12].

ولا يخفى أنه إنما يصار إلى ذلك بعد البناء على استقرار المعارضة، وذلك بالالتـزام بتمامية دلالة نصوص كلتا الطائفتين على المدعى، وإلا فلا.

 

ثم إنه لو بني على استقرار المعارضة، فإنه يصعب البناء على الترجيح بمخالفة العامة، وذلك لما ذكرناه في محله، من أن الترجيح بذلك ليس لنكتة تعبدية، وإنما هو لنكتة عقلائية، مثل الخوف من فقيه السلطة الحاكمة، أو الخوف من السلطة نفسها، وليس المقام كذلك كما سوف يتضح عند عرض بعض العلاجات لنصوص الطائفة الثانية إن شاء الله.

مع أن الحق والإنصاف لو أريد الترجيح بالحمل على التقية أن يكون ذلك لنصوص الطائفة الثانية المانعة عن مشروعية صوم يوم الشك مطلقاً، لا نصوص الطائفة الأولى الدالة على مشروعيته، لأن نصوص الطائفة الأولى هي الموافقة لما عليه فقهاء المسلمين كما سوف يتضح حال نقل عباراتهم، ومنهم من كان يمثل فقيه السلطة، فتأمل.

 

الشهرة الروائية:

وقد يعمد إلى تقديم نصوص الطائفة الأولى على نصوص الطائفة الثانية اعتماداً على الشهرة الروائية، سواء عدت من المرجحات، أم عدت من المميز للحجة عن اللاحجة كما هو المختار. ولما كانت نصوص الطائفة الأولى الدالة على مشروعية صوم يوم الشك أشهر رواية، لأنها منقولة في الكتب الأربعة، تكون مقدمة على نصوص الطائفة الثانية، والتي انفرد الشيخ الطوسي(ره) بنقلها.

 

وهو ممنوع، لما عرفت من أن بين نصوص الطائفة الثانية ما قد رواه المشائخ الثلاثة(ره) أيضاً في كتبهم مثل موثقة عبد الكريم، كما أنه بعضه لم ينفرد الشيخ(ره) بنقله، بل قد نقله غيره مثل مرسل الصدوق(ره)، وقد عرفت فيما تقدم  أن وجود هكذا شاهد مانع من البناء على رفع اليد حتى عما انفرد الشيخ(ره) بنقله، فضلاً عن إحراز شهرة روائية لنصوص الطائفة الأولى الموجب لحصول الريب في نصوص الطائفة الثانية كيما تسقط عن الحجة، أو تكون مرجحة للأولى على الثانية.

—————————————————-

 

 

 

 

 

[1] مستمسك العروة ج 8 ص 222.

[2] وسائل الشيعة ج 10 ب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 12 ص 24.

[3] وسائل الشيعة ج 10 ب 16 من أبواب أحكام شهر رمضان ونيته ح 2 ص 298.

[4] المصدر السابق ح 4 ص 299.

[5] هو سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد موسى شبيري الزنجاني(دامت أيام بركاته).

[6] يمكن استفادة هذا الجواب من مجموع كلمات بعض الأعاظم(ره)، موسوعة الإمام الخوئي(ره) ج 21 ص 76.

[7] مستمسك العروة ج 8 ص 222.

[8] وسائل الشيعة ج 10 ب 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 4 ص 21.

[9] مصباح المنهاج كتاب الصوم ص 47.

[10] وسائل الشيعة ج 10 ب 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 8 ص 22.

[11] وسائل الشيعة ج 10 ب 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته ح 10 ص 23.

[12] مصباح الفقيه ج 14 كتاب الصوم ص 341.