دفائن العقول

لا تعليق
من القلب إلى القلب
7
0

دفائن العقول

عشنا قبل أيام ذكر المبعث النبوي الشريف، وقد تضمنت النصوص الدينية عرضاً للغاية من بعثة الأنبياء(ع)، ومنها ما ورد عن أمير المؤمنين(ع)، في نهج البلاغة، قال(ع): فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم الآيات المقدرة، من سقفٍ فوقهم مرفوع، ومهادٍ تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة. وقد أشار(ع) إلى الوظائف التي يقوم بها الأنبياء والرسل(ع)ن عند بعثتهم إلى الناس، وهي أمور:

الأول: أداء ميثاق الفطرة، وقد اختلف في المقصود منه، فقال جماعة أنه ميثاق عالم الذر، وقال آخرون أنه العلوم الارتكازية المودعة في فطرة الإنسان، منذ أن خلقها الله تعالى، واحتمل ثالث أن يكون المقصود منها القوى والاستعدادات المودعة فيها، فقد جعلها الله مرآة تتجلى فيها الحقائق والمعارف فهي تأمر وتنهى بحسب ما تدرك وترى.

والحاصل، إن الفطرة بحسب ذاتها لها اقتضاء الوصول إلى الحق وإدراك الحقائق، لكنها قد تبتلى بموانع وحجب تمنعها من الرؤية، فلابد من محفز لها يذكر ويزيل الموانع والحجب وهو الذي عبر عنه بميثاق الفطرة.

الثاني: التذكير بنعم الله سبحانه وتعالى التي يغفل الإنسان عنها، أو ينساها بسبب انشغاله بالدنيا وانصرافه إلى شواغلها، وبسبب تراكم الحجب والموانع لا تكفي الفطرة، ولا العقل لإلفاته إليها، ولا يكون تذكرها إلا بواسطة الأنبياء(ع)، فيذكرونهم ما نسي ويلفتونهم لما غفل عنه من واجبات وحقوق.

الثالث: إتمام الحجة عليهم بتبليغ الرسالة فينسد باب العذر، وفي هذا إشارة إلى عدم كفاية الفطرة والعقل لإيصال الناس إلى المطلوب.

الرابع: إثارة دفائن العقول، ويقصد من الإثارة هنا بعث الشيء وتهيـيجه ونشره، كما يستفاد من كلمات أهل اللغة، يقال: أثار الأمر يعني، بحثه، واستقصاه، وقوله: أثاروا الأرض، أي قلبوها للزراعة وعمروها بالفلاحة.

وعلى أي حال، يدل قوله(ع): ويثيروا دفائن العقول، على أمرين مهمين:

أحدهما: أن العلوم المعرفية مودعة في العقول، ولكنها مدفونة فيها، ولا يمكن أن تظهر بمفردها إلا بواسطة الإثارة وإزالة الموانع منها، وهذا يؤكد حقيقة مهمة وهي أن العقول البشرية في نفسها قاصرة عن الوصول إلى الحقائق الغيبية ما لم تستعن بالنبوة والشريعة. نعم للعقل أن يهدي الإنسان إلى أصول القضايا المعرفية بنحو المعرفة الإجمالية العامة.

ثانيهما: إن إثارة دفائن العقول يتضمن نوعين من الإثارة:

1-إثارة إيقاظية، وتعتمد على إزالة الحجب والموانع ليرى العقل ما أودع فيه من حقائق.

2-إثارة تحفيزية، تبعث العقل على الاستنتاج والإبداع في إدراك الحقائق الغامضة عبر فهم آثارها، وخواصها ووجوه العلاقات والروابط التي تربطها بغيرها، فمثلاً إدراك العقل لحسن العدل وقبح الظلم قضية مودعة في تكوين العقل وجبلته، إلا أن المصالح وعوامل التربية قد تجعل القيم عنده مقلوبة، فيرى الظلم حسناً لما فيه من مصالح تعود عليه، كما قد يرى العدل قبيحاً لما فيه من مضرة تنعكس عليه، وهذا ما نجده في المجتمعات المنحلة، فإنها وبسبب عوامل التربية والتثقيف والتأثير الإعلامي أو الاقتصادي ترى الربا والفاحشة والانحلال الأخلاقي أموراً حسنة، بينما العفة والشرف ومحبة الآخرين ومساعدتهم ليست كذلك، ولعل هذا هو المقصود من قوله(ص): كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً.

وعلى أي حال، يمكن للأنبياء(ع) تحفيز العقول نحو الإبداع في الفكر فيرتقون بالبشر إلى مصاف العلماء والعباقرة الذين يبنون الحضارة على أسس صحيحة تقودهم إلى السعادة، وهذا ما صنعه رسول الله(ص) في أمة العرب، فقد كانوا بلا حضارة ولا علم يعيشون وسط الصحراء، يعبدون الأصنام، ويقتادون القدّ والورق، وتقوم حياتهم على العدوان والسلب والنهب، وتستحكم فيهم الخرافات في كل جوانب حياتهم، فبدل جهلهم علماً، وبدواتهم حضارة، وخرافاتهم معارف وعدوانهم محبة ورحمة ووئاماً.

والحاصل، إن قوله(ع): ليثيروا دفائن العقول، يشمل كلا النوعين من الإثارة.

ويتضح من ذلك ملازمة الحضارة الكاملة والحياة الإنسانية السعيدة لرسالات الأنبياء(ع)، لأن قوام الحضارة الكاملة والسعادة بجانبي الإنسان المادي والمعنوي، وهما لا يجتمعان إلا في ظل الأنبياء(ع).

الخامس: إراءة الناس آيات المقدرة بما لها من مظاهر جمال وجلال الخالق سبحانه، لأن الناس وإن رأوا الأشياء بحواسهم وأدركوا بعض معانيها بعقولهم، إلا أنهم يعجزون عن مشاهدة جمال الخالق وجلاله فيها إلا بإراءة الأنبياء(ع)، أو دلالتهم.

 

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة