11 ديسمبر,2019

فقه الإقامة (2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الثاني: وحدة مكان الإقامة:

بأن يقيم في مكان واحد عرفاً، وليس متعدداً، ويترتب على ذلك أحكام:

1-لا تصح الإقامة في بلدين مختلفين، وإن لم يكن بينهما مسافة شرعية، كالنجف والكوفة، والكاظمية وبغداد.

2-لا يمنع من تحقق وحدة المكان الخروج من البلد الذي نوى فيه الإقامة إلى الأماكن المتعلقة بها، كبساتينها ومزارعها، ومقبرتها، وأمثال ذلك، والضابطة في ذلك هو: الخروج إلى الأماكن التي يتعارف وصول أهل البلد إليها من جهة وأنهم أهل البلد.

3-يجوز لمن نوى الإقامة في مكان أن يخرج منه إلى البلدان المجاورة إليه، بشروط ثلاثة:

الأول: أن تكن المسافة الفاصلة بين البلدين مسافة شرعية، بل تكون أقل من ذلك، فيجوز الخروج إلى حد الترخص، أو أكثر من حد الترخص ما دام لم يبلغ مسافة شرعية.

الثاني: أن لا تطول مدة المكث لتبلغ تمام النهار، أو تمام الليل، وإنما تكون مدة المكث أكثر النهار، أو أكثر الليل، فلو خرج من مكان اقامته بعد الزوال مثلاً، وعاد إليه بعد الغروب بساعة مثلاً، لم يضر ذلك بإقامته.

الثالث: عدم تكرر الخروج من محل الإقامة إلى ما دون المسافة الشرعية، الموجب لانتفاء عنوان الإقامة عنه عرفاً في ذلك المكان، كما لو كان مقيماً في مدينة مشهد المقدسة، وصاري خرج كل يوم للمدن المحيطة بها، فإن ذلك يمنع من صدق عنوان الإقامة عليه في مدينة مشهد عرفاً.

4-لا مدخلية لكبر المدينة وصغرها في وحدة المكان وتعدده، بل المدار على صدق وحدة المكان عند العرف سواء كان المكان كبيراً، أم كان المكان صغيراً. وهنا فروع:

أحدها: إذا اتسعت المدينة الصغيرة بسبب بناء أحياء جديدة مجاورة لها تتصل بها بحيث تعتبر هذه الأحياء امتداداً لتلك البلد، وحصل اتساع في الأراضي المحيطة بها، فالظاهر أخذ الأحياء الجديدة حكم البلدة القديمة، في كونها جزءا من البلد، ولهذا لا يمنع وجود المسافر بعض الأيام في الأحياء الجديدة، وبعض الأحياء في المدينة القديمة في صدق عنوان وحدة المكان، مثلاً لو أقام في مدينة مشهد المقدسة في جوار الحرم الشريف للإمام الرضا(ع) خمسة أيام، ثم حول مكان سكنه إلى بعض الأحياء الجديدة التي اتسعت بها مدينة مشهد، والتي منها، لم يمنع ذلك من صدق وحدة مكان الإقامة.

ثانيها: إذا اتصل البلدان المختلفان في الاسم والأرض ببعضهما نتيجة توسع العمران في كل منهما واتصل بناؤهما وتداخلا، لكن بقي حالهما من حيث الاستقلال، كالنجف والكوفة مثلاً، فلا يمكن توزيع مدة الإقامة بينهما بأن يقيم في أحدهما بعض الأيام ويقيم في الآخر المدة المتبقية.

ثالثها: نفس الصورة السابقة، مع البناء على دخول أحد البلدين في الآخر، بحيث كان أحدهما صغيراً والآخر كبيراً، وقد دخل البلد الصغير في البلد الكبير، فأصبح البلد الصغير جزءً من البلد الكبير، وملحقاً به بحسب العرف، وصار البلدان يشكلان مدينة واحدة، فيكون حكمهما حكم البلد الواحد فيمكن للمكلف أن يقيم متنقلاً بين البلدين ولا يضر ذلك بوحدة مكان الإقامة.

الشرط الثالث: قصد الإقامة:

ونقصد به أن يقصد البقاء في ذلك المكان عشرة أيام، ويكون عازماً على ذلك من دون تعليق لبقائه فيه على شيء ما، ولهذا لو علق بقائه في مكان الإقامة على حصول أمر من الأمور مثلاً، أو حاجة من الحاجات، لم تتحقق الإقامة منه، ولو بقي في ذلك المكان عشرة أيام، فلو قال مثلاً: سوف أبقى في هذا البلد إذا لم يشتد البرد، وفعلاً لم يشتد البرد خلال خمسة عشرة يوماً، فإنه لا يصدق عليه عنوان المقيم، مع كونه قد تجاوز مقدار الإقامة وهو عشرة أيام، وذلك بسبب فقدان قصد البقاء غير المعلق على شيء منه، لأنه قد علق بقائه على عدم اشتداد البرد، مثلاً، وهكذا لو علق بقائه على شفاء مريضه، أو قدوم المسافرين، أو غير ذلك.

ومثل ذلك في عدم حصول الإقامة منه لو نوى البقاء من يوم وصوله إلى آخر الشهر، وتردد الشهر بين الناقص والتام، وانكشف بعد ذلك تمام الشهر، كما لو نوى الإقامة يوم الحادي والعشرين مثلاً إلى آخره، فلا تتحقق الإقامة منه وإن تبين أن الشهر تام.

والحاصل، إن مجرد البقاء في مكان ما عشرة أيام، أو أكثر من دون قصد الإقامة فيه لا يكفي لتحقق الإقامة، ووجوب التمام في الصلاة والصيام.

الشرط الرابع: أداء صلاة رباعية أدائية صحيحة:

ويتضمن هذا الشرط أموراً:

أحدها: أن يؤدي صلاة رباعية، فلا يكفي أداؤه صلاة غير رباعية مما لا يقع فيه القصر كصلاة الصبح، أو صلاة المغرب.
ثانيها: أن تكون الصلاة أدائية، فلو صلى رباعية قضائية، لم تتحقق الإقامة منه، ولا تترتب عليه آثارها.
ثالثها: أن تكون الصلاة صحيحة، فلو صلى صلاة رباعية أدائية، إلا أنه انكشف له بعد ذلك بطلانها، لم توثر في تحقق الإقامة.

ومنه يتضح أنه لو أتى المسافر ببعض الأفعال التي لا يجوز للمسافر فعلها، كصلاة النوافل أو أداء الصوم، إن ذلك لا يحقق الإقامة.
وهنا مسائل:

الأولى: العدول عن الإقامة:

إذا عدل ناوي الإقامة عشرة أيام عن قصد الإقامة، فهنا صور:

الأولى: أن يكون عدوله عن الإقامة بعد ما صلى صلاة رباعية أدائية صحيحة، فلا يؤثر عدوله عن الإقامة في وظيفته، بل عليه أن يبقى على التمام والصيام حتى يسافر.

الثانية: أن يكون عدوله عن نية الإقامة بعد الشروع في الصلاة الرباعية الأدائية، إلا أنه عدل عن الإقامة قبل إتمامها، كما لو كان عدوله قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة، فهنا يبقى على القصر في الصلاة، وأما الصوم، فلما كان الفرض أن عدوله بعد الزوال، فإنه يتم صوم يومه الذي بيده، ولا يصوم غيره.

الثالثة: أن يكون عدوله عن نية الإقامة قبل أن يصلي صلاة رباعية أدائية، فهنا يمكنه البقاء على القصر، وأما الصوم، فيجري فيه ما سبق بين ما لو كان عدوله قبل الزوال، فلا يصح صوم يومه الذي في يده، وما لو كان العدول بعد الزوال، فإنه يتم صوم هذا اليوم، كما لو كان عدوله بعد أذان الظهر، وقبل أن يتلبس بأداء صلاة الظهر.

الرابعة: أن يكون عدوله عن نية الإقامة بعد أدائه لصلاة فريضة أدائية، لكنها مما لا يقصر فيها، كصلاة الصبح مثلاً، أو صلاة المغرب، فهنا يمكنه البقاء على القصر، وأما الصوم، فيجري فيه التفصيل السابق بين ما إذا كان العدول قبل الزوال، فيفطر، وما إذا كان بعد الزوال، فيتم يومه، ولا يصوم غيره.

الشك في أداء صلاة رباعية:

هذا ولو حصل للمكلف شك بعد عدوله عن نية الإقامة، في أن ذلك كان بعد أدائه لصلاة رباعية أدائية صحيحة، ليبقى على التمام والصيام، لحين إنشاء سفر جديد، أو أن عدوله كان قبل حصول ذلك منه، فالأصل يقضي البناء على عدم إتيانه بالصلاة الرباعية الأدائية الصحيحة، وعليه يبقى على القصر والإفطار، ولا يحتاج إلى انشاء سفر جديد.