26 أكتوبر,2020

قـــــراءة في نصوص العرض

اطبع المقالة اطبع المقالة

قـــــراءة في نصوص العرض

 

 

قال أبو عبد الله الصادق(ع): ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف[1].

ما هو المعيار الذي يعتمد عليه في القبول برواية من الروايات؟ هل يكفي مجرد كونها معتبرة سنداً للاعتماد عليها والاستناد إليها، مع أننا نعلم أن هناك روايات مكذوبة وموضوعة في النصوص الروائية، بل هناك إسرائيليات، فكيف يمكن معرفة الصادر من الروايات من غير الصادر؟ حتى نجيب على ذلك نتحدث ضمن محاور:

 

المحور الأول: أهمية روايات العرض:

جعل بعض الاساتذة(وفقه الله) أحد المعايـير التي يعول عليها في تميـيز الرواية الصادرة من الرواية غير الصادرة النصوص التي تسمى بروايات العرض، ويقصد منها العرض على الكتاب الكريم، فقد استفاد هو(وفقه الله) وغيره من الأعلام منها أنه لا يجوز العمل بأي رواية من الروايات إلا إذا كان لها شاهد من كتاب الله تعالى، أو من السنة المفيدة للعلم.

 

وتبرز أهمية روايات العرض من خلال استناد بعض الأساتذة(حفظه الله)، إليها في إثبات منهجه في التعامل مع النصوص، والأطروحة التي ذكرها وهي محورية القرآن الكريم، ومدارية السنة، بهذا البيان:

لما كانت أغلب الروايات الموجودة في المصادر الحديثية تفتقر إلى وجود شاهد على مضمونها من الكتاب، كان ذلك موجباً لعدم حجيتها وعدم العمل بها. ومجرد صحة سند الرواية لا يكفي للقبول بها والعمل على وفقها، بل لابد أن يكون لها شاهد من القرآن الكريم حتى يعمل بها، فكل خبر لا يكون له شاهد من الكتاب لا يعمل به.

 

وقد ذكر أن علماء الطائفة لم يستفيدوا من هذه النصوص، لأنهم قد حصروا الاستفادة منها في خصوص علاج المعارضة الحاصلة بين الخبرين بتقديم الخبر الموافق للكتاب على الخبر المخالف له، مع أن نصوص العرض مطلقة وليست مختصة بذلك.

وقد جعل(دام عزه)، المانعين من العمل بروايات العرض أو دائرة تحديد مورد جريانها مؤيدين أطروحة محورية السنة وتقديمها على الكتاب العزيز.

ومن هنا ذكر أن هذه النصوص يمكنها تميـيز الرواية الصادرة عن المعصوم(ع) من غير الصادرة، إذ لا ريب في اشتمال المرويات عن النبي محمد وآله الطاهرين(ع) كما قد سمعت على روايات مكذوبة وموضوعة، بل هناك اسرائيليات فيها أيضاً، وتميـيز ذلك يتم من خلال روايات العرض.

 

المحور الثاني: روايات العرض على الكتاب:

ووفقاً لما تقدم لابد من الوقوف على الروايات المذكورة ومعرفة دلالتها وما يستفاد منها ما دامت بهذه الأهمية التي يعول عليها في معرفة النص الصادر من غير الصادر، وسوف نقتصر على ذكر روايتين غير الرواية التي افتتحنا بها المقام:

1-رواية السكوني، عن أبي عبد الله(ع)، قال: قال: رسول الله(ص): إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه[2].

2-رواية ابن أبي يعفور، قال: وحدثني حسين أبي العلاء أنه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به؟ قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله(ص) وإلا فالذي جاءكم به أولى به[3].

 

والمستفاد منهما أن الضابطة في القبول برواية من الروايات هو عرضها على كتاب الله سبحانه وتعالى وموافقتها له، ولا أثر لشيء آخر في الاعتبار كصحة السند مثلاً.

ولا تنحصر النصوص في خصوص ما ذكرنا، بل هناك روايات أخرى، ولذا قال بعض الأعلام(ره) أنها متواترة، نعم قد شكك بعض الأعلام(قده) في ذلك.

وأيضاً لا تنحصر هذه النصوص في خصوص مصادر الشيعة، بل هي موجودة أيضاً في مصادر المسلمين، فقد نقل مضمونها عن النبي محمد(ص) في كنـز العمال، وفي المعجم الكبير للطبراني، وفي مجمع الزوائد للهيثمي. نعم لم يقبل ذلك أكثر علمائهم وناقشوها.

 

ويندرج ضمن روايات العرض أيضاً حديث الثقلين الذي رواه الفريقان في مصادرهم الحديثية، لأن المقصود من العترة في الحديث يشمل السنة الصادرة عنهم(ع).

والسؤال الذي يلزم الجواب عنه هو: ما هو مدلول روايات العرض، وما هو المستفاد منها؟ وهل يستفاد منها اعتبار موافقة الكتاب في حجية الخبر، أم يكفي للبناء على حجيته عدم مخالفة الخبر له؟

بنى بعض الأساتذة(حفظه الله) على الأول، ولذا اعتبر وجود شاهد تصديقي للخبر من الكتاب حتى يعول عليه ويعمل به، بحيث لو لم يكن للخبر شاهد تصديقي عليه من الكتاب الكريم، لن يحكم بحجيته، فلا يمكن الاستناد له والاعتماد عليه.

 

وقال آخرون بالثاني، وأن المعتبر هو عدم المخالفة بين الخبر والكتاب الكريم، وليس المعتبر هو الموافقة التامة، فلا يكون الخبر مخالفاً للكتاب بنحو التباين والممانعة والتناقض بحيث يكون المضمون الوارد في الخبر مغايراً تماماً للمضمون الوارد في القرآن الكريم، كما لو بني على أن المقصود من كلمة(نجس) الواردة في قوله تعالى:- (إنما المشركون نجس)، دلالتها على النجاسة ليكون مفادها البناء على نجاسة الكافر، وورد نص عن المعصوم(ع) يفيد طهارة الكافر، كان ذلك موجباً لتحقق المعارضة والمخالفة المانعة من الحجية. أما لو كانت المخالفة بين الآية القرآنية والنص المعصومي بالعموم والخصوص المطلق، فلن يكون الخبر مخالفاً للكتاب، لأنه يمكن الجمع بينهما.

 

ومن خلال ما ذكرنا يتضح التعقيب على بعض الأساتذة(دام موفقاً، في ما وجهه لأعلام الطائفة، حول التعاطي مع روايات العرض، فإن الأعلام لم يتركوا العمل بنصوص العرض كما جاء في كلامه، وإنما فهموا منها شيئاً آخر غير الذي قد فهمه(وفقه الله) ومع خضوع الموضوع للاجتهاد يكون البحث عندها صغروياً فلا يقال في شأن المخالف أنه لم يعمل أو لم يلتفت أو لم يستند.

 

وقد تسأل: ما هو الموجب لبناء كثير من علمائنا على المعنى الثاني في روايات العرض دون المعنى الأول؟

ونجيب: إن دليل العقل يحكم بعدم القبول بالمعنى الأول الذي هو الموافقة التامة بين الآيات القرآنية والنصوص الصادرة عن المعصومين(ع)، لأنه لو بني على اعتبار ذلك، فإنه يلزم انتفاء وظيفة السنة الأساسية بسلب حجيتها، وعدم كونها مصدراً ثانياً إلى جانب القرآن الكريم في مجال التشريع وحصر وظيفتها في خصوص التأكيد لما ورد في القرآن الكريم، وهو ينافي ما دل من القرآن الكريم على حجيتها، وكذا النصوص التي تضمنت تفويض أمر الدين إلى النبي محمد وآله(ع).

 

ووفقاً لما تقدم يمكن القول أن موافقة النص الوارد عن المعصوم(ع) للآية ليكون حجة على أنحاء ثلاثة:

1-الموافقة التامة:

وهي التي يشتمل القرآن الكريم فيها على شاهد صريح يعزز مضمون الخبر، مثل حرمة الربا، فإن قوله تعالى:- (وأحل الله البيع وحرم الربا) يجعل الخبر الدال على حرمة الربا موافقاً بالموافقة التامة للقرآن الكريم، لأنه ينسجم مع الآية الشريفة تماماً.

 

2-الموافقة المضمونية:

ويقصد منها أن يكون المضمون القرآني موافقاً له ولو لم يوجد عليه شاهد خاص، نظير ما يستفاد من مجموع آيات القرآن الكريم في احترام الانسان، وأن مقياس التفاضل بين البشر هو التقوى والعمل والصالح، قال تعالى:- (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً). وقال سبحانه:- (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). فإن هذا المعنى يوجب رد كل خبر يتضمن ذماً إلى بعض الأقوام كالنص الذي يقول أن الأكراد قوم من الجن، أو النص الذي يحوي تفضيلاً لآخرين على بقية الناس.

 

3-عدم المخالفة:

وهي التي لا يكون في القرآن الكريم نص صريح يخالف مضمون الخبر، فإن هذا يعتبر موافقاً وليس مخالفاً، لأن العرف يطلق لفظ الموافق على كل ما لا يكون مخالفاً بنحو التنافي والمعارضة، ويساعد على ذلك أن كل ما لم ينفه القرآن يكون صادراً عنهم(ع)، إذا توفرت بقية الشروط الأخرى المعتبرة في الحجية، ويمكن أن نقرب ذلك بالرواية الواردة في التفسير المنسوب إلى علي بن إبراهيم القمي، عن أبي الجارود عن أبي جعفر(ع)-في حديث-قوله تعالى:- (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا)، قال(ع): من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له أن يؤتيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم، فإذا احتلم وجب عليه الحدود وإقامة الفرائض، ولا يكون مضيعاً ولا شارب خمر ولا زانياً، فإذا آنس منه الرشد دفع إليه المال وأشهد عليه، وإن كانوا يعلمون أنه قد بلغ فإنه يمتحن بريح إبطه أو نبت عانته، فإذا كان ذلك فقد بلغ فيدفع إليه ماله إذا كان رشيداً، ولا يجوز أن يحبس عنه ماله، ويعتل عليه أنه لم يكبر بعدُ. فإن ما تضمنته الرواية من تفصيل وبيان لم يرد شيء منه في الآية، ومع ذلك لا يتصور من العرف قوله أن الرواية مخالفة للكتاب، بل نجدهم يبنون على موافقتها، وهذا لما ذكر من أن عدم المخالفة بنحو التباين يدخل الخبر في حيز الموافقة.

 

المحور الثالث: نظريات في روايات العرض:

لو سلمنا بما ذكره بعض الأساتذة(وفقه الله)، فالظاهر أنه لم يأت بشيء جديد، بل إن النتيجة التي وصل إليها في روايات العرض موجودة في كلمات أعلام  الطائفة، كالعلمين الشهيد السعيد السيد الصدر(قده)، والمرجع الأعلى للطائفة الإمام السيستاني(دامت أيام بركات وجوده)، من أن المقصود من المخالفة هو كل ما يخالف الروح القرآنية، أو يوافقها، فإذا جاء نص يأمر بالدعاء عند رؤية الهلال، فإنه موافق للكتاب، وعليه شاهد منه، لأن الروح القرآنية العامة تدعم الدعاء والتضرع لله تعالى ومناجاته. أما إذا جاءت رواية تذم قوماً من الناس كالأكراد مثلاً وترى أنهم وقوم من الجن، فيجب طرحها لمنافاتها لروح القرآن في تكريم بني آدم.

 

ووفقاً لما تقدم، لن تكون النصوص المذكورة مانعة من حجية الروايات، بل سوف يكون مفادها عدم حجية ما كان مخالفاً للكتاب بهذا البيان.

وقد صرح الإمام السيستاني(دامت أيام بركات وجوده)، زيادة في الإيضاح أن المقصود من الخبر المخالف هو كل خبر يوجب هدم ما بناه الإسلام، أو بناء ما هو من الأحكام والسنن الجاهلية.

ووفقاً لهذا الفهم والتفسير لهذه النصوص سوف يكون المقصود من الأخذ بما وافق الكتاب، يعني ما يكون منسجماً مع القرآن الكريم، ويتوافق معه، وليس المقصود أنه منصوص عليه بعينه في الكتاب الكريم. ويساعد على ذلك التعبير الصادر عن الأئمة المعصومين(ع)، لأنه لو كان المطلوب هو الموافقة بعين في الكتاب، لكان يقول: اتركوا حديثنا، وخذوا بما في الكتاب. أو يقول مثلاً: خذوا بالقرآن فقط. لا أن يكون الصادر منه أن يدعو إلى التميـيز في حديثهم فيضع قاعدة عامة مفادها أنه يؤخذ من أحاديثهم بملاحظة موافقة الخبر للقرآن، ويترك الخبر المخالف له.

 

ومن هنا يتضح أن نصوص العرض على خلاف مراد بعض الأساتذة(حفظه الله)، فإن مفادها هو بيان الموقف من الروايات التي لم يرد مضمونها بعينه في الكتاب، وأن المعصوم(ع) بصدد وضع معيار عام في التعامل مع الأحاديث التي تصل إلى الناس عن الأئمة الأطهار(ع).

 

 

 

[1] الكافي ج 1 كتاب فضل العلم باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب ح 4 ص 69.

[2] الكافي ج 1 كتاب فضل العلم باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب ح 1 ص 69.

[3] المصدر السابق ح 2.